تتبع ابن قتيبة خطوات أبي عبيد في: "غريب الحديث" وتعقبه بالنظر والتفتيش والمذاكرة، فوجد ما ترك نحوًا مما ذكر، أو أكثر منه، فتتبع ما أغفل، وفسّر على نحو ما فسّر بالإسناد لما عرف إسناده.
_________________
(١) محمد الخضر الحسين: (الاستشهاد بالحديث في اللغة/١٦٧). دراسات في العربية وتاريخها.
(٢) ينظر: الأنساب/٤٤٣، الفهرست/ ٨٦، وفيات الأعيان ٣/ ٤٢، العبر ٢/ ٥٦، وكامل ابن الاثير ٧/ ٤٣٨، النجوم الزاهرة ٣/ ٧٥، تاريخ بغداد ١٠/ ١٧٠، المنتظم ٥/ ١٠٢، مرآة الجنان ٥/ ١٠٥، لسان الميزان ٣/ ٣٥٧، المختصر ٢/ ٥٧، روضات الجنات ٥/ ١٠٥، بغية الوعاة ٢/ ٦٣، طبقات المفسرين ١/ ٢٤٥، إنباه الرواة ٢/ ١٤٤.
(٣) ينظر: دراسة في كتب ابن قتيبة، عبد الله الجبوري، بغداد، (١ - ٢) ١٩٧٨ م ١٣٧٨ هـ، مجلة: "آداب المستنصرية ع/٢، وع/٣".
[ ١٢ ]
والقطع لما لم يعرفه .. وكان يرى من قبل، أنَّ غريب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث .. وان الناظر فيه مستغنٍ به ثم رأى جملة من الأحاديث ففسّره في (غريبه) على نحو مجانب للصواب، مخالفة في تفسيرها وردّها عليه بكتابه "الإِصلاح" .. (١)
وبعدها .. رأى ان يكمل جهود شيخه أبي عبيد، فوضع كتابه: "غريب الحديث" .. الذي وصفه بقوله: " .. وكنت حين ابتدأت في عمل الكتاب -غريب الحديث- أطلعت عليه قومًا من حملة العلم والطالبين له، فأعجلتهم الرغبة فيه، والحرص على تدوينه، عن انتظار فراغي منه، وسألوا ان أخرج لهم من العمل ما يرتفع في كل اسبوع، ففعلت حتى تم لهم الكتاب ثم عرضت بعد ذلك أحاديث كثيرة،
فعملت بها كتابًا ثانيًا .. يدعى كتاب: الزوائد في غريب الحديث .. " (٢).
واختط له منهجًا له قويمًا في تأليفه، حيث كان يعتمد الاسناد لما عرف إسناده، والقَطْعُ لما لم يعرفه. وأشبع تفسيره بذكر الاشتقاق والمصادر، وإيراد الشواهد المثَليَّة والشعرية والمتنخل من كلام العرب. (٣) ..
وإنه وإن حذا حذو أبي عبيد في "غريبه" إلّا أنَّه لم يعرض لشيء مما ذكره أبو عبيد، إلّا حروفًا تعرض في باب، ولا يكمل ذلك الباب إلّا بها، فذكرها بزيادة من التفسير والفائدة (٤). لذلك جاء أصلًا لأهل هذا
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ٣٦.
(٢) غريب الحديث ١/ ١٥٠.
(٣) غريب الحديث ١/ ٣٦ - ٣٩.
(٤) غريب الحديث ١/ ١٥٠.
[ ١٣ ]
الفن، حيث لم يأل أن يبلغ شأو المبرّز السابق، كما ذكر الإمام الخطابي (١) ..
من هنا، يمكن أن يعد "غريبا أبي عبيد وابن قتيبة" أصلًا لكلّ من ألّف في الغريب، وبهما يكون المتطلّب له مستغنيًا ..
ثم جاء الامام حمد أبو سليمان الخطّابي (٣١٩ - ٣٨٨ هـ)، فاستدرك عليهما وقيّد ما فاتهما من أحاديث، فوضع كتابه: "غريب الحديث" .. فسلك نهجهما، واقتفى هديهما، قال الخطابي: "بقيت بعدهما صُبابة للقول فيها متربص، تولّيت جمعها وتفسيرها، مسترسلًا بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما" (٢) ..
وبهذه الدواوين الثلاثة، تسمو جبهة هذا الفن، إذ هي مورد كل لاحق ..