أخبرنا الشيخ الإِمام العالم الأوْحد، حجّة الإسلام، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخَشَّاب (١). قراءةً عليه، وأنا أسمع في مجالس، آخرها يوم السبت ثاني عشرَيْ (٢)، جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ أبو سعد، أحمد بن عبد الجبار بن أحمد الصَّيْرفي المعروف بابن الطّيوري، بقرائتي عليه وذلك في يوم السبت السادس عشر من جمادى الآخرة، من سنة سبع عشرة وخمسمائة.
قال: أخبرنا أبو الفتح، عبد الكريم بن محمد المحاملي (٣)، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن ابراهيم بن الحسن بن محمد بن (٤) شاذان، قال:
_________________
(١) ابن الخشاب، من أهل العربية، نحوي، لغوي ثبت، له اشتغال بالفقه والرياضيات، توفي ببغداد، في سنة ٥٦٧ هـ، ينظر عنه: مقدمة المحقق: ص/٢١.
(٢) في الأصل: ثاني عشرين، وهو من خطأ الناسخ، وفيه أيضًا: (جمدى). جمادى.
(٣) أبو الفتح المحاملي، من شيوخ الخطيب البغدادي، محدث ثقة. سمع أبا بكر ابن شاذان، وأبا الحسن الدارقطني، وعلي بن عمر السكري، توفي في سنة/ ٤٤٨ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ٨١.
(٤) ينظر: مقدمة المحقق ص/ ٢٤.
[ ٤١ ]
حدَّثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السُّكري (١). قال: حدَّثَنا أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم، المرزي بهذا الكتاب، في سنة ثمان وستين ومائتين، من أوّله إلى آخره. بعد أنْ قرأ علينا كتاب: "غريب الحديث" ..
* * *
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قُتَيْبة الدّينوري: لعل ناظِرًا كتابي هذا ينْفِرُ من عُنْوانه، ويستوحِشُ من ترجمته، ويَرْبأ بأبي عُبَيْد -﵀- عن الهفْوة ويأبي به الزلة وينحلها قَضبَ العُلَماء وهتْك أستارهم (٢). ولا يعلم تقلدنا ما تقلدناه من إكمال ما آبتدأ من تفسير غريب الحديث، وتشييد ما أَسس. وإنَّ ذلك هو الذي [٢٣/ ٢]، ألْزَمنا إصلاح الفَساد وسَدّ الخَلَلِ، على أنّا لم نَقُل في ذلك الغَلَط إنَّه اشْتِمال على ضلالة وزيغ عن سُنَّة، وإنَّما هو فى رأي مَضَى به على معنى مُسْتتر، أو حرف غريب مُشْكل. وقد يتعثّر في الرأي جلّة أهل النَّظَر والعُلَماء المبرّزون، والخائفون لله الخاشِعون، فهؤلاء صحابة رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم (٣). وهم قادة الأنام ومعادن العِلْم وينابيع الحكمة، وأوْلَى البَشَر بكلّ فضيلة، وأقربهم من التوفيق والعِصْمة. ليس منهم أحدٌ قال برأيه في الفِقْه إلاّ وفي قوله ما يأخذ به قومٌ وفيه (٤) ما يرغب عنه آخرون.
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة في كتب الأنساب وكتب التراجم التي تمكنت يد البحث من الوصول إليها.
(٢) في: ظ، أستارها.
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) ظ: منه.
[ ٤٢ ]
وهذا (١) الصِّديق أبو بكر يُخالِفه أكثر النّاس في الجدّ، وهذا عليٌّ رضي الله (٢) عنه يُخالَفُ في بَيْع أمّهات الأولاد. وهذا حُذَيْفة يخالَف في وقت السُّحور. وهذا (٣) ابن مسعود يخالَف في التَّطْبيق (٤) وفي صلاة الجمعة قبل الزَّوال، وفي تَرْك الجُنب حتى يجد الماء.
وهذا ابن عبّاس يُخالف في الصَّرْف (٥) والمُتْعة (٦)، والجَمْع بين الأختين الأَمَتين، وكذلك التَّابعون، كالحَسَن، يُخالَف في قوله، إنَّ القَوَد لا يقع إلّا بشهادة أربعة على القتل، وكَشُرْيح (٧) يخالَفُ في قضائه
_________________
(١) ظ: فهذا.
(٢) ظ: رضوان الله عليه.
(٣) ظ: فهذا.
(٤) التطبيق، هو جعل اليدين بيّن الفخذين في الركوع، وقيل: كان التطبيق من فعل المسلمين في أول ما أمروا بالصلاة. وكان ابن مسعود (﵁) استمر على التطبيق لأنه لم يكن علم الأمر الأخر ينظر: اللسان والتاج: "ط/ ب / ق".
(٥) الصرف: بفتح الصاد المهملة، الفدية، وتأتي بمعنى: التوبة، والعدل، والحيلة ..
(٦) المتعة: الزواج إلى أجل معلوم .. عمل بها المسلمون الأوائل عند مبدأ الدعوة الاسلامية، ثم نُسِخَت وأبطلت .. وأول من حرمها في الاسلام، عمر بن الخطّاب (﵁). وهي من الأنكحة الفاسدة الباطلة .. وما زالت مقبولة عند الشيعة ويعملون بها، وبخاصة الفرس، فهي شائعة فاشية عندهم .. وعن جواز ابن عباس لها ومنعه بأخرة، ينظر: العقد الفريد ٤/ ١٤ ومسند الحميدي (٢/ ٢٧٥، ٣٧٤). وينظر عنها: الزواج الموقت ودوره في حل مشكلات الجنس، للسيد محمد تقي الحكيم، دار الأندلس، بيروت، (ص ٣٨)، والرد عليها للشيخ جلال الحنفي، بغداد، والمتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي، للمرحوم الأستاذ توفيق الفكيكي، القاهرة، ١٩٦٢ م. المطبعة العربية، ونكاح المتعة عبر التاريخ وفيه الزام الشيعة بتحريمها في الشريعة، الشيخ عطية محمد سالم، القاهرة، ١٣٩٦ هـ، مطبعة المدني .. والأوائل للعسكري ١/ ٢٤٠، والوشيعة في نقد عقائد الشيعة للشيخ موسى جار الله (ت - ١٩٤٩ م). ص ١٢٠ - ١٧٠
(٧) في ط: ويخالف التابعون كالحسن يخالف.
[ ٤٣ ]
بشهادة الصّبيان على أَمَة، والناسُ [٢٣ آب] (١) يختلفون في الفِقْه. ويردُّ بعضُهم على بعض في الحلال، انَّه حرام، وفي الحرام انَّه حلال. وهذا طريق النّجاة (٢) أو الهَلَكة، لا كالغريب والنحو والمعاني التي ليس على الهافي (٣) فيها كبيرُ جُناح. كالشّافعي يرد على الثَّوري وأصحاب الرأي، وعلى مُعلّمه مالك بن أنس. وأبو عبيد يختار من أقاويل السَّلَف في الفقه ومن قرائتهم، ويُرذِّلُ منها. ويدلّ على عورات بعضها بالحجج البيَّنة.
وعلماء اللغة أيضًا يختلفون وينبّه بعضهم على زَلَلِ بعض، فالفَرّاء (٤) يردّ على إمامه الكسائي (٥)، وهِشام (٦) يردّ على الفَرّاء، والأصمعي يُخطِّئ المفضَّل الضَّبّي حين أنشد جعفر بن سليمان (٧):
تُصْمِت بالماء تَوْلَبًا جَذَعا
فقال له الأصمعي (٨): إنَّما هو تَوْلَبًا جَدِعا (٩)، بالدّال غير معجمة،
_________________
(١) ط: "بين قوسين، رقم الورقة في إحدى المخطوطتين، (ص، أو ظ) .. ".؟
(٢) في الأصل: النحاة.
(٣) الهافي، اسم فاعل، من الهفوة. وهي الكبوة والخطأ.
(٤) الفراء: يحيى بن زياد، أبو زكريا المتوفي سنة ٢٠٧ هـ. وأخباره مبسوطة في كتب تراجم النحاة واللغويين، ينظر عنها: بروكلمان (ط/ العربية ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٥) الكسائي، علي بن حمزة، إمام الكوفيين، وأحد القرّاء السبعة، توفي سنة/ ١٨٣ هـ على رواية-.
(٦) هشام، هو، أبو عبد الله، هشام بن معاوية، الضرير الكوفي، النحوي. أحد أعيان أصحاب الكسائي، المتوفي سنة: ٢٠٩ هـ. ينظر: البغية ٢/ ٣٢٨.
(٧) البيت لأوس بن حجر، وأوله: وذات هدم عارٍ نواشرها وهو في: ديوان أوس (ص/ ٥٥، ط بيروت). وينظر: اللسان (ج/ د/ ع) ٩/ ٣٩٢. والنص في غريب الحديث ١/ ٦١٧.
(٨) ينظر: مجالس العلماء: ١٤، واللسان، والتهذيب (ج/ د/ ع)، والتكملة ٤/ ٢٢٨.
(٩) الجدع: بكسر الدال المهملة: السيئ الغذاء: اللسان
[ ٤٤ ]
فضجَّ المفضّل وأكثر، فقال له [الأصمعي]: (١) لو نفخْتَ بالشَّبُّور (٢) ما نَفَعك، تكلّمْ كلام النمل وأَصِبْ. وأخذ الرُّواة على الأصمعي في شعر الحارث (٣) بن حِلَّزة:
كما تُعْنَز عن حُجْرة الرَّبيض الظِّباءُ
فرجع إلى (تُعْتَر) (٤)، وهذا اكثر ممّا يحاط به أو يوقف من ورائه.
ولا نعلم أنَّ الله -﷿- أعطى أحدًا من البَشَر مَوْثِقًا من الغَلَط، وأمانًا من الخَطَأ، فيستكفّ له منها. بل وَصَل عباده بالعَجْز، وقَرَنهم [٢٤/ ٢] بالحاجة، ووصَفَهم بالضَّعْف والعَجَلة، فقال: "خُلِقَ الإِنْسانُ من عَجَل" (٥). و: "وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعيفا" (٦). و: "وفَوْقَ كلِّ ذي عِلْم عليم" (٧).
ولا نعلمه خص بالعِلْم قومًا دون قوم، ولا وَقَفه على زَمَن دون زَمن، بل جعَلَه مشْتركًا مقسومًا بين عباده، يفتح للآخر منه ما أغْلَقه عن الأَوَّل، وينبّه المُقِلّ فيه على ما أغْفَل (٨) عنه المكثر، ويحييه بمتأخّر
_________________
(١) زيادة من: ظ.
(٢) الشبور: هو البوق، أو: شيء ينفخ فيه، وهو ليس بعربي. ينظر: المعرب: ٢٥٧، واللسان (ش/ ب/ ر). والمصون/١٩٢، وغريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٦١٧.
(٣) ديوانه: ١٤، وبنظر اللسان ٥/ ١٥٠، وغريب ابن قتيبة ١/ ٢٧٨، وتمامه: عنتًا باطلًا وظلمًا كما تعتر حجرة الربيض الظباء.
(٤) تعتر: تذبح، من العتر: الذبح. والحجرة: حظيرة الغنم، والربيض: جماعة الغنم. ينظر: غريب ابن قتيبة ١/ ٢٧٩، وديوان الأدب للفارابي ٢/ ١٥٦.
(٥) سورة الأنبياء، الآية/ ٣٧، وينظر: تأويل مشكل القرآن: ١/ ٣٨، وأمالي المرتضى ٢/ ١١٥
(٦) سورة النساء، الآية/ ٢٨.
(٧) سورة يوسف، الآية/ ٧٦.
(٨) ظ: غفل.
[ ٤٥ ]
يتعقّب قول متقدّم وتالٍ يعتبر على ماضٍ، وأوْجَب على كلّ من علم شيئًا من الحق أنْ يظهره وينشره. وجعل ذلك زكاة العِلْم، كما جَعَل الصَّدَقةَ زكاة المال.
وقد قيل لنا: "اتَّقُوا زَلَّة العالم" (*). وزلَّةُ العالم لا تُعْرف حتى تُكشَف، وإنْ لم تُعْرَف هلك بها المقلِّدون، لأنَّهم يتلقونها من العالمِ بالقَبول ولا يرجعون إلّا بالإِظْهار لها وإقامة الدّلائل عليها وإحْضار البراهين.
وقد يظنّ من لا يعلم من الناس ولا يضع الأمور مواضِعَها أنَّ هذا اغْتيابٌ للعلماء وطَعْنٌ على السَّلَف وذكْرٌ للموتى. وكان يقال: "اعفُ عن ذي قَبْر". وليس ذلك كما ظَنّوا، لأنَّ الغِيبةَ سَبُّ الناس بلئيم الأخْلاق وذِكْرهم بالفَواحش والشَّائنات. وهذا هو الأمر العظيم المشبه بأَكْل (١) اللحوم الميتة (٢)، فأمَّا هَفْوة في حرف أو زلّة في معنى أو إغْفال أو [٢٤/ ب] وَهْم ونسيان، فمعاذَ الله أنْ يكون هذا من ذلك الباب، أو أنْ يكون له مُشاكلًا أو مقاربًا، أو يكون [المنبّه عليه آثِمًا، بل يكون] (٣) مأجورًا عند الله مشكورًا عند عباده الصَّالحين الذين لا يميل بهم هوىً ولا تدخلهم عصبيَّة. ولا يجمعهم على الباطل تحزُّب ولا يلفتهم عن اسْتبَانة الحق حَسَد.
وقد كنا زمانًا (٤) نعتَذِرُ من الجَهْل، فقد صِرنْا الآن نحتاج إلى
_________________
(١) (*) هو حديث ضعيف، ينظر عنه: مختصر المقاصد الحسنة ص/ ٤٥، والمقاصد الحسنة ص/ ١٩، وضعيف الجامع الصغير رقم/ ١٢٥.
(٢) سقطت من: ظ.
(٣) اشارة إلى الآية الكريمة: "ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أنْ يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه". الآية/ ١٢، من سورة: الحجرات.
(٤) بين معقوفين سقط من: ظ.
(٥) سقطت من: ظ.
[ ٤٦ ]
الاعتذار من العِلْم، وكنّا نُؤمّل شكر الناس بالتَّنبيه والدَّلالة، فصرنا نرضى بالسلامة. وليس هذا بعجيب مع انْقِلاب الأحوال، ولا يُنكر مع تغيّر الزمان. وفي الله خَلفٌ وهو المُستعانُ.
ونذكر الأحاديث التي خالَفنا الشيخ أبا عبيد (١) -﵀- في تفسيرها، على قلّتها في جَنْب صَوابه، وشكرنا ما نفَعَنا الله من عِلْمه معتدّين (٢) في ذلك بأمرين:
أحدهما: ما أوجبه الله [تعالى] (٣) على من علم في عِلْمه.
والآخر: أنْ لا يقف ناظر في كتبنا على حَرْف خالَفْناه فيه. فيقضي علينا بالغَلَط. ونحن من ذلك إنْ شاء الله سالمون. وما أولاك رحمك الله بتدبُّر ما نقول؛ فإنْ كان حقًّا وكنت لله مريدًا أن تتلقّاه بقلْب سليم، وإنْ كانِ باطلًا أو كان فيه شيء ذَهب عنّا، أنْ تردَّنا عنه بالاحتجاج والبرهان. فإنَّ ذلك أبلغ في النُّصْرة [٢/ ٢٥]، وأوْجَب للعذْر وأشْفى للقلوب. وكلّ حكاية نحكيها في هذا الكتاب عن أبي عبيد [-﵀-] (٤)، فإنَّ أحمد ابن (٥) سعيد اللّحياني صاحبه، كان حدَّثَنا بذلك عنه، في سنة إحدى. وثلاثين ومائتين.
_________________
(١) سقطت من: ظ.
(٢) ظ: معتذرين.
(٣) زيادة من: ظ.
(٤) زيادة من الأصل.
(٥) أحمد بن سعيد اللحياني، هو صاحب أبي عبيد ومن رواة كتبه.
[ ٤٧ ]