٤٥ - وقال في حديث (١) أبي هريرة -﵀-، إنه قال: "لو حدثْتكم بكل ما أعلم لرميْتُموني بالقشع".
قال أبو عبيد: (٢) القَشْع، الجلود اليابسة. واحدها، قَشْع. واحتجَّ بقول (٣) متمم بن (٤) نويرة (٤).
إذا القَشْع من بَرْد الشتاء تَقَعْقَعا (٥)
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: ليس من عادة الناس أنْ يرموا بالجلود اليابسة مَنْ يريدون رَمْيه، ولا يتيسَّر ذلك لكلّ رام. فكيف يرمون أبا هريرة بها؟
_________________
(١) غريب الحديث ٤/ ١٨٨، وينظر: الفائق ٣/ ١٩٨، وابن حنبل ٢/ ٥٣٩، واللسان (ق/ من/ ع ١٠/ ١٤٥)، والجمهرة ٧/ ٦٠، والنهاية ٤/ ٦٥، (وفيه: القشع بكسر القاف وفتح الشين المعجمة).
(٢) نقلًا عن الأصمعي وغيره، وينظر: التقفية ٥٣٤، والتكملة ٤/ ٣٢٨ و(القشع) بفتح القاف، على الإفراد، وبكسرها: على الجمع.
(٣) ظ: ببيت.
(٤) زيادة من الأصل.
(٥) وأوله: ولا برم يهدي النساء لعرسه. والبيت: في اللسان (ق/ من/ ع)، والقالي ١/ ١٩، ومجموع شعره: ١٠٧، والجمهرة ٣/ ٦٠.
[ ١٣٠ ]
وليس القشع ما ذَهَبَ إليه، يدُلّك على ذلك أنّ (فَعْلًا) لا يُجْمع على (فِعَل). وإنَّما القِشَع (١) جميع لقَشْعة، مثل بَدْرة وبِدَر.
والقَشْعَة (٢)، ما قَشَعْتُهُ عن وجْه الأرض من المَدَر والطّين فرمَيْتَ به. ومثْلُهُ قولُ الناس، رماهُ بقُلاعة. أي: قُلَع من الأرض مدرًا. [و] (٣) رماه به.
والقُشاعة مثلُه. وكل شيء قَلَعْته أو كشَفْته، فقد قشعْته.
ومنه يقال: قَشَعَت الرّيحُ السَّحاب. والقَشْعة في غير هذا بيت من جلود. سُمي بذلك لأنَّهم يَقْشَعونه عنهم متى شاؤوا ويحملونه. قال الكميت: (٤)
وكان لبيت القَشْعة الهَدْمُ والصبَا أحاديث منها عالياتُ الأراود
وأمّا قولُه [إنَّ] (٥) القَشْع: الجلد اليابس، فإنِّي أراه توهَّم ذلك من قول (٦) الشاعر:
إذا القَشْع من بَرْد الشّتاء تقَعْقَعَا
وإنَّما أراد الشاعر، أنَّ الجلد قد تَقَعْقَعَ من شِدَّةِ البرد وَيَبِسَ، ويدُلّكَ على أنَّ القَشْع قد يكون غير يابس، قول أبي بكر: (٧) "نَفَّلَني رسولُ الله - ﷺ -، جارية عليها قَشْعٌ لها".
_________________
(١) هي جمع: قَشْع (بفتح الأول وسكون الثاني) على غير قياس. ينظر: النهاية.
(٢) اللسان والتاج (ق/ ش/ ع).
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) اللسان.
(٥) زيادة من: ظ.
(٦) ظ: القول. وينظر: اللسان، والتقفية، والقالي ١/ ٢٠، والمعاني الكبير ٣/ ١١٤٧، والجمهرة ٣/ ٦.
(٧) النهاية ٤/ ٦٥، وفيه: القشع: الفرو الخلق.
[ ١٣١ ]
وقولُ رسول الله - ﷺ - في الغُلول: (١) "لأعرفنَّ أحدكمِ يحمل قَشْعًا من أَدَم فَيُنادي يا محمَّد، فأقول: لا أملك لك من الله -﷿- (٢) شيئًا قد بلَّغْتُ".
* * *
٤٦ - قال أبو عبيد (٣): وفي حديث أبي هريرة -﵀-، إنَّه قال: يُوشِكُ أنْ يعمل (٤) عليكم بُقْعَان أهل الشام".
قال أبو عبيد: أراد البياض؛ لأنَّ حدَمَ الشام رُومٌ وصَقَالِبة، فسمّاهم بُقْعانًا للبياض. ولهذا قيل للغُراب، أبقَع، إذا كان فيه بياض.
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: لست أرى هذا التفسير بيّنًا، وأحسِبُ أبا عبيد ذَهَب إلى أنَّ أبا هريرة أراد أنَّ العَبيد يُسْتَعملون عليكم، والبُقْعان هم الذين فيهم سواد وبياض. وكذلك الغراب الأبقع (٥). ولا يقال لمن كان أبيض من غير سواد يُخالِطُهُ أبْقَعُ. فكيف يُجْعَل الصَّقالِبة والرُّوم بقعانًا؟، وهم بيضٌ خُلَّص. وأرى أنَّ أبا هريرة أراد أنَّ العرب تنكح الإِماء من الرُّوم والصَّقالبة (٦)، ويُسْتَعْمل عليكم أولاد الإِماء (٧)، وهم بين العرب السُّود وبين العَجَم البيض. ولم تكن العرب قبل هذا تنكح الرُّوم والصَّقالبة. إنَّما كان إماؤها (٨) السُّودان.
_________________
(١) النهاية ٤/ ٦٥.
(٢) سقطت: من ظ.
(٣) غريب الحديث ٤/ ٢٦٥، وينظر: الفائق ١/ ١٢٤، والنهاية ١/ ١٤٦.
(٤) في الفائق والنهاية: أن يستعمل.
(٥) ينظر: اللسان (ب/ ق/ بها والنهاية.
(٦) منقول عنه في: النهاية.
(٧) في الفائق: أي يستعمل عليكم خبثاء أهل الشام.
(٨) في ظ: إماؤهم.
[ ١٣٢ ]
والعَرَبُ تقول. أتاني الأسود والأحمد، يريدون: العَرَب والعَجَم. ولم يُرِدْ أنَّ أولاد الإِماء من العَرَب بُقْعٌ وكبقَع الغُراب. وإنَّما أراد أنَّهم قد أخذوا من سواد آبائهم ومن أمهاتهم. كما أنَّ في الأبقع بياضًا وسَوادًا، مثل قول عُمَر: "لَيَلِينَّ عليكم (١) أبناء الإِماء حُمْر الوجوه مُحَذّفي (٢) الرِّقاب".
* * *
_________________
(١) زيادة من: ظ.
(٢) في ظ: محنفي، والحديث في: اللسان (ح/ ذ/ ف) ٩/ ٤٠.
[ ١٣٣ ]