٤٣ - وقال أبو عبيد (١) في حديث حذيفة -رحمة الله عليه-: "إنَّ الله -﷿- (٢) يَصْنَع صانع الخَزَم، ويصنع كل صنعة".
قال أبو عبيد: الخَزَمُ (٣)، هو خُوضُ المُقْل، وهو أدق منه وألْطف. يصنع منها أحْفاش (٤) النّساء.
قال: وفي هذا الحديث تكذيب لقول المعتزلة الّذين يقولون: إنَّ أعمال العباد ليست بمخلوقة. ومِمّا يكذّبهم قولُ الله -﷿-: (٥) ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وكذلك قولُ حذيفة: "ويصنع كلّ صنعة". هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد أغْنانا الله -﷿- بما في القرآن من الآي
_________________
(١) غريب الحديث ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، وينظر: الفائق ١/ ٣٦٧، والنهاية ٢/ ٣٠.
(٢) (﷿)، زيادة من ظ. وسقطت من نص الحديث.
(٣) وفي الفائق: الخزم، شجر يتخذ من لحائه الحبال، الواحدة خزمة (محركة. وبالمدينة (على ساكنها أفضل الصلاة وأطيب السلام)، سوق الخزّامين.
(٤) تصحفت في: ظ، إلى (أفحاش). والأحفاش: جمع حفش. بكسر الأولى وسكون الثاني، بيت صغير. وهو كذلك ما كان من إسقاط الآنية كالقوارير ونحوها. التكملة ٣/ ٤٦٧.
(٥) سورة الصافات الآية ٩٦، وينظر: النهاية ٢/ ٣٠.
[ ١٢٦ ]
البَيّنة المكشوفة الممتنعة على حِيَل المعتزلة، عن أنْ يحتج عليهم بما يجدون به السبيل إلى الاستهزاء (١) والطعْن. وقد رأيْت أبا عبيد شبّه حديث حذيفة بهذه الآية، [وليست تشبهه (٢)]. وليس يشبهها. وإنَّما تقع الحجّة على المعتزلة يقول حذيفة، إنَّ الله يصنع كلّ صنعة، ولا تقع بقول الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. لأنَّه لم يُرِد: والله خلقكم وأعمالكم. وإنَّما أراد؛ والله خلقكم والأصنام التي تعملون. ألا تراه يقول: (٣) ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ يعني الأصنام لا النَّحْت. ثم قال: (٤) ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أراد: وتلك الأصنام. وليس هذا عندي (٥) موضع ذِكْر أعمالهم، ولا فيها معنًى يزيد في توكّد الحجة عليهم. (٦) وإنَّما تتوكّد عليهم (٦)، ويقع التَّعجُّب منهم، بأنْ يعبدوا شيئًا هو مخلوق مثلهم.
ولو قال قائِلٌ: والله خَلَقَكُم وما تأكلون. لم يقع ذلك إلَّا على الطّعام والمأكول لا الأكل.
ولو قال: والله خلقكم وما تركبون، لم يقع إلَّا على الدَّوابِّ، لا على الرّكوب.
* * *
_________________
(١) ظ: الإستهواء.
(٢) زيادة من: ظ.
(٣) الصافات، الآية ٩٥.
(٤) الصافات، الآية ٩٦.
(٥) سقطت من: ظ.
(٦) سقطت من: ظ.
[ ١٢٧ ]