٣٦ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عليّ (٢) رضوان الله عليه ومغفرته (٢). أنَّه قال: "مَنْ وَجَدَ رِزًّا في بَطْنِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَليَتَوَضَّأْ"
قال أبو عبيد: (٣) الرِزُّ: الصَّوْتُ في البَطْنِ من القَرْقَرة ونحوها.
فكل صوت ليس بالشَّديد فهو رزِّ. هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: قد ذَهَبَ أبو عبيد في هذا الحديث مَذْهَب مَنْ عَمِلَ على ظاهره، ألْزم كلّ من وَجَدَ قَرْقَرَةً في الصَّلاة أنْ ينصرف ويتوضَّأْ. وهذا ما (٤) لا يُوجِبُهُ أحدٌ فيما أعلم.
وإنَّما يجب الانْصرافُ عن الصَّلاة بريحٍ تخرج فيسمع صوْتُها أو تُشَمُّ ريحها (٥) أو برِزٍّ يَجِدُه الرجُل في بَطْنهِ، وهو غَمْزُ الحَدَث وحركته (٦) في البَطْنِ، حتى يحتاج صاحِبُهُ إلى دخول الخَلَاء بقَرْقرة كان
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ٤٤٢، وفيه:، من وجد في بطنه رزًا. .. ". والنهاية ٢/ ٢١٩، والفائق ٢/ ٥٤، والتاج ١٥/ ١٥٤.
(٢) زيادة من الأصل.
(٣) نقلًا عن الأصمعي.
(٤) ظـ: مما.
(٥) سقطت من: ظ.
(٦) منقول عنه في: الفائق، والتاج.
[ ١١١ ]
أو غير قَرْقرة، فيؤمر المُصَلِّي عند ذلك بأنْ يَقْطَع صَلاتها (١) ويقضي حاجته، ولا يصلّي على تلك الحال متجوّزًا متخففًا (٢). لنهي النَّبي - ﷺ - (٣): "أنْ يُصَلّي أَحَدٌ وهو يُدَافِعُ الحَدَث". وأصلُ الرزِّ، الوَجَع يجده الرجل في بَطْنِهِ. يقال: إنَّه ليَجَد رِزًّا في بطْنه. أي: وَجَعًا. وغَمْز الحدث في البَطْنِ وجعٌ أو كالوجع [و] (٤) قال أبو النجم (٥) يذكر إبلًا عطاشًا.
لو جُرَّ شَنُّ وسْطَها لم تَحْفل من شَهْوة الماء ورِزٍّ مُعْضَلِ
يقول: لو جُرت قِرْبةٌ يابسةٌ خلَقٌ وسطها لم تنفر من شِدّة عطشها وذبولها. وشبّه ما تجده في أجوافها من حرارة العطش وغلّته بالوجع. فسمّاه رزًّا، ويكون الرزّ أيضًا: الصوت (٦) في موضع آخر.
* * *
٣٧ - وقال أبو عبيدة (٧) في حديث عليّ -﵁-: "إن
_________________
(١) ظ: الصلاة.
(٢) في الأصل: مخففًا.
(٣) ابن قتيبة ١/ ٥٤٠ - ٥٤١، والنهاية ٢/ ٢١٩، ٣/ ١٤٣، والفائق ٤/ ١٠٦، وفي ٢/ ٢١٩. وفي سنن أبي داود ١/ ٢٢، "لا يصلي بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان".
(٤) سقطت من: ظ.
(٥) "اللسان" (ر/ ز/ ز) ٧/ ٢٢١. ولاميته في: "الطرائف الأدبية". ص ٦٢، وفيه: لم تحفل. والتاج ١٥/ ١٥٤، وديوانه ص ١٩٩، (جمع وتحقيق: علاء الدين أغا - الرياض ١٩٨١ م).
(٦) التكملة ٣/ ٢٦٦.
(٧) غريب الحديث ٣/ ٤٦٨، والنهاية ٥/ ٢٩٦، والفائق ٤/ ١٢٨.
[ ١١٢ ]
المَرْءَ المسلم ما لم يَغْشَ دَنَاءةً يَخْشَعُ لها إذا ذُكِرَت، وتُغْرِي به لِئَام الناس كالياسر الفالج ينتظر فَوْزَةً من قِداحه، أو داعيَ الله فما عند الله خيرٌ للأبرار".
قال أبو عبيد: (١) الياسِر من المَيْسر، وهو القِمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه. حتى نزل القرآن بالنهي عنه. وكان أمر الميسر أنَّهم يشترون جَزُورًا فينحرونها ثم يجزُّونها أجزاء (٢).
وقد اختلفوا في عدد الأجزاء فقال أبو عمرو على عشرة أجزاء. وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يُسْهمون عليها بعشرة قداح لسبعة منها أنصباء، وهي: الفَذّ والتَّوْأَم، والرَّقيب، والحِلْس، والنَّاقِس، والمُسْبَل، والمعلّى.
وثلاثة منها، ليست لها أنصباء وهي: المَنيح (٣)، والسفيح (٣)، والوَغْد، ثم يجعلونها على يَدَي عدْل عندهم (٤) يُجيلها لهم باسم رجل ثم يقتسمونها على قَدْر ما تخرج لهم السِّهام. فمن خَرَجَ سهمه من السَّبعة، أخذ من الأجزاء بحصّة ذلك. وإنْ خرج واحد من الثلاثة. فقد اختلف الناس في هذا الموضع. فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا ولم يَغْرم، ولكن تُعاد الثانية ولا يكون له نصيب. ويكون لغْوًا وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كله على أصحاب هؤلاء
_________________
(١) قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة والأصمعي وأبو عمرو وغيرهم، دخل كلام بعضهم في بعض.
(٢) سقطت من: ظ.
(٣) في الأصل، السفيح والمنيح والوغد، والتصويب من غريب الحديث وظ.
(٤) ظ: منهم.
[ ١١٣ ]
الثلاثة، فيكونون مقمورين. ويأخذ أصحاب السبعة أنصباءهم على ما خرج لهم (١).
وقال أيضًا في معنى الحديث: يقول عليّ: هو بين خيرَتَيْن. إما صار إلى ما يُحبّ من [أمر (٢)] الدنيا، فهو بمنزلة المُعلّى وغيره من القِداحِ التي لها حظوظ. وإما مات فهو بمنزلة التي لا حظوظ لها فيُحرم ذلك في الدنيا. فما عند الله خيرٌ له.
والفالج: (٣) القامِرُ. هذا كلُّه قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير فرأيت منه أشياء ذهبت على (٤) أبي عبيد، منها قوله: مَنْ خرج سهمُهُ من الثلاثة، فقد اختلف الناس في هذا الموضع. فقال بعضهم: لا يأخذ شيئًا ولا يَغْرم. ولكن تعاد الثانية، ولا يكون له نصيب، ويكون لغْوًا.
والثلاثة التي لا أنْصِبَاء لها لا تكون سهمًا لأحد، إنَّما تدخلُ في الرِّبابة مع السَّبْعة ذوات الحظوظ، لِتُكَثَّر بها وليأْمَن القومُ الحيلة من الضارب. فكيف يكون لا أنصباء لها. ثم تصير سهمًا لرجُل منهم.
ومنها قولُه: وقال بعضهم، بل يصير ثَمَنُ الجَزور كلّه على أصحاب هؤلاء الثلاثة. فيكونون مقمورين. ويأخذ أصحاب السبعة
_________________
(١) غريب الحديث: "فهؤلاء الياسرون".
(٢) زيادة من ظ.
(٣) الفائق ٤/ ١٢٨.
(٤) في الأصل: ذهبت عليه.
[ ١١٤ ]
أنصباءهم على ما خَرَج لهم. وهذا من الظُّلم لهؤلاء. فكيف صاروا يرضون بأنْ يأخذوا قداحًا يكونون بها أبدًا غارمين (١)؟ !
ولا يكونون في وقت من الأوقات غانمين، وليس الأمر كما ظنَّ هؤلاء. ولكنهم إذا ضربوا بالقداح فخرج واحد من الثلاثة التي لا حظوظ لها ألْغَوْا ذلك، واستأنفوا إفاضة ثانية. فإنَّما الغرْم على أصحاب السبعة ذوات الحظوظ. كما أن الغُنْم لهم. وذلك انَّهم يستهمون (٢) بسبعة قداح ذوات حظوظ مع ثلاثة أغْفال لا حظوظ لها. إنَّما تدخل للتكثير على عشرة أعشار، فإنْ خرج لأحدهم الفَذّ، وله نصيب واحد (٣)، أخذ نصيبه وخرج من جملتهم، ثم إنْ خَرَجَ بعده الرّقيب وله ثلاثة أنصباء، أخذ صاحبه أنصباءه وخرج من جملتهم. ثم إنْ خرج بعده المسبل وله ستّة أنصباء أخذ صاحبه أنصباءه وخرج من جملتهم، ونفدت أعشار الجزور، وصار ثمن (٤) الجزور على الأربعة الذين لم تخرج سهامهم، فكان هؤلاء الثلاثة غانمين، وصار الأربعة غارمين.
ومنها قوله: أراد عليّ، هو بين خيرتين. إمَّا صار إلى ما يحب من الدّنيا، فهو بمنزلة المعلّى وغيره من القداح التي لها حظوظ. وإمَّا مات فهو بمنزلة التي لاحظوظ لها، فيُحْرم ذلك في الدنيا. وما عند الله خيرٌ له. ولم يَقلْ عليّ، إنَّه كالقَدْح الفالج، وإنَّما قال: كالياسر الفالج.
_________________
(١) ينظر: كتاب الميسر والقداح لابن قتيبة، وغريب الحديث له، ج ١/ ٦٢١، و٢/ ٦٢٤، وج ٣، ص ٩؛ بلوغ الارب للألوسي، والميسر والأزلام (دراسة ناريخية اجتماعية أدبية) للأستاذ عبد السلام هارون، ١٩٥٣ م، القاهرة.
(٢) في الأصل: يسهمون.
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) سقطت من: ظ.
[ ١١٥ ]
والياسر: هو صاحب القدح. والفالج، هو القامر. وإنَّما أراد عليّ، أنَّه إذا لم يغْشَ دَناءة وريبة، وكان ذا مروءة وديانة وصيانة لنفْسه، فإنَه ينتظر في حياته خير الدنيا، فهو بمنزلة الياسر القامر الذي قد اعتاد القَمْر. وجرى له بحدّه، فهو ينتظر فَوْزَهُ من قداحه. يريد أنْ يخرج بالفَوْز والقَمْر، فيأخذ نصيبه ثم رجع إلى الرجل فقال: أو ادعى (١) الله. يعني: ينتظر أنْ يأتيه الموت، ولم يَنَلْه ما أقلَّ في الدنيا من يسارها وخيرها فيبهون ماعند الله خيرًا له مما فاته من الدنيا. ومنها: إنَّه احتج في آخر (٢) الحديث للمنيح، وإنَّه لاحظَّ له يقول الكميت: (٣)
فمهلَاَ يا قُضاعُ ولا تكوني مَنيحًا في قِداح يَدَيْ مُجيلِ
ولم يرد الشاعر في هذا البيت بالمنيح القِدْح الذي لا سَهْم له. وإنَّما أراد بالمنيح، القدح الممتنح، أي: المُسْتَعَار (٤). وكانوا يستعيرون القِدْح فيدخلونه في قداحهم لثقتهم بفوزه وتيمنهم به. وإياه أراد ابن قميئة (٥) بقوله:
بأيديهم مقرومةٌ ومَغَالِقُ يعود بأرْزاق العِيال مَنِيحُها
فقد خبرك أنَّ له حظًّا يعود على العِيال، وكانت قضاعة تركت نَسَبَها في نِزار، وانتقلت إلى اليمن، فَنُسِبَت إليها. فقال الكميت: (٦)
لا تكوني غريبة
_________________
(١) في ظ: داعي الله.
(٢) سقطت من: ظ.
(٣) ينظر: اللسان (م/ ن/ ح) ٣/ ٤٤٧.
(٤) ينظر: الفائق ٥٢/ ٣، والميسر والقداح ص ٥٩، ٧٦، وغريب ابن قتيبة ١/ ٦٢٢.
(٥) هو: عمر بن قميئة، والبيت في ديوانه (ط/القاهرة: ٣٠). وفيه: تعود بأرزاق، والتاج ٦/ ٤٨٩ (س/ ن/ ح).
(٦) ينظر: الفائق والميسر.
[ ١١٦ ]
هناك كهذا القدح المُسْتَعَار بين هذه القداح، ولا يجوز أنْ يكون أراد المنيح الذي لا حظَّ له؛ لأنَّه قدح ثابت يُكَسَّر ويُعاد في كلّ رِبابة يُضرَب بها (١) لتُكَثَّر به وبصاحبَيْه.
وقد ذكرتُ هذا في كتاب: (٢) "الميسر" بأكثر من هذا الشرح. ولم يحتمل هذا الكتاب أنْ يتجاوز فيه مقدارُ ما ذكرنا، فإذا آثرت أنْ تعرف أمر المَيْسِر وكيْفِيَّتَه، ويصح لك ما ذكرته في هذا الحديث أكثر من هذا الوضوح، نظرت في ذلك الكتاب إنْ شاء الله.
* * *
٣٨ - وقال في حديث عليّ -﵁-، إنَّه قال: (٣) "مَنْ أَحَبَّنَا أهلَ البَيْت، فليُعِد جِلْبَابًا وتِجْفَافًا (٤) "، قال أبو عبيد: تأوَّله بعضُ الناس على أنَّه من أحبَّنا افْتَقَر في الدنيا.
وليس لهذا وجْهٌ. لأنَّا نرى من يُحبّهم فيهم مالي سائر الناس من الغِنى والفَقْر.
قال أبو عبيد: ولكنَّه عندي [إنها أراد (٥)] فَقْر يوم القيامة وإنَّما هذا على وَجْه التّغليظ والنَّصيحة له. كقولك: من أحبُّ أنْ يصحبني ويكون معي، فعليه بتقوى الله واجتناب معاصيه. فإنَّه لا يكون لي صاحبًا إلَّا من كانت هذه حاله. هذا كلّه قول أبي عبيد.
_________________
(١) في الأصل: ليكثر به.
(٢) ينظر: الميسر والقداح: ٥٧، ٥٩، ٧٦، وغيرها؛ وغريب الحديث له أيضًا ١/ ٦٢٢ - ٦٢٣، والمعاني الكبير: ١١٥٤، وبلوغ الارب للألوسي ٣/ ٥٣.
(٣) غريب الحديث ٣/ ٤٦٦، وينظر: الفائق ١/ ٢٢٩، وفيه: "جلبابًا، أو قال: تجفافًا". وأمالي المرتضى ١/ ١٧، وفيه نقل قول المؤلف.
(٤) في غريب الحديث: وتجفافًا.
(٥) ما بين القوسين سقط من الأصل، وفي ظ: (أراد) فقط.
[ ١١٧ ]
قال أبو محمد: والقولُ فيه عندي، إنَّه أراد مَنْ أحبَّنا أهلَ البيت، فليرفض الدنيا وطَلَبها، وليزْهَد فيها وليصبر على الفَقْر والتقلّل. وكنى عن الصبر بالجِلْبَاب والتجفاف. لأنَّه يستر الفَقْر كما يستر الجِلْبَاب والتِّجْفاف البَدن. وممّا يشهد لهذا الحديث، حديثٌ رواه أصحاب الأخبار عنه. وذكروا أنَّه نَظَر إلى قوم ببابه فقال لقُنْبر: (١) "يا قنبر مَنْ هْؤلاء؟ ". قال: شيعتك يا أمير المؤمنين. قال: "ومالي لا أرى (٢) فيهم سيماء الشِّيعة؟ ". قال: وما سيماء الشِّيعة (٢)؛ قال (٣) "خُمْص البُطُون من الطَّوى [و(٤)] يُبْس الشّفاه من الظَّماء (٥) [و(٤)] عُمْش العُيون من البكاء". والطَّوى: الجوع.
* * *
_________________
(١) قنبر: مولى الإمام علي (-﵁-).
(٢) ما بين الرقمين سقطت من: ظ.
(٣) ينظر: أمالي المرتضى ١/ ١٧.
(٤) ما بين الرقمين سقطت الواو من: ظ.
(٥) الظماء، ممدودة، لغة في: الظمأ. ينظر: التكملة ١/ ٣٥.
[ ١١٨ ]