٣١ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عمر، إنَّه قال: "إنَّ الأُسَيْفع أُسَيْفِع جُهَيْنَة (٢)، رضي من دينه وأمانته بأنْ يقال: سَبَق (٣) الحاج فادّان مُعْرِضًا، فأصبح قد رِينَ به".
قال أبو عبيد: قال أبو زيد (٤): أراد اسْتدان معرضًا، وهو الذي يعترض الناس فيستدين من (٥) أمكنه. قال: وقال الأصمعي: كلّ شيء أمكنك من عرضه فهو مُعْرض لك. هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: قد تدبّرت هذا التفسير وناظرت فيه، فلم أرَ أحدًا
_________________
(١) غريب الحديث ٣/ ٢٦٩؛ والحديث في: مسند عمر بن الخطاب (ص: ٧٣٤)؛ والفائق ٢/ ١٨٤؛ والنهاية ٢/ ١٤٩.
(٢) جهينة، من بطون قضاعة بن مالك بن حمير.
(٣) في غريب الحديث: سابَقَ الحاج.
(٤) أبو زيد الأنصاري، سعيد بن أوس الخزرجي، من أعلام المدرسة البصرية، توفي في سنة/ ٢١٤ هـ، وأشهر آثاره: نوادره، مطبوعة مشهورة. وينظر عنه: تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان ٢/ ١٤٥ - ١٤٧؛ (ط/ العربية)، وأبو زيد الأنصاري وأثره في دراسة اللغة، للدكتور إبراهيم السيد يوسف، الرياض، ١٩٨٠. ولم أجد النص في: نوادره.
(٥) ظـ: من.
[ ١٠٣ ]
يُجيز: أعْرضَ فلانُ الناس. إذا اعتَرضَتهم. إنَّما يقال: اعترض فلانُ الناس واستعرضهم (١).
يقال اسْتَعْرضَ الخوارج الناس، أي: قتلوا كل من وَجَدُوا. وأمّا ما حكاه أبو عبيد (٢) عن الأصمعي من قوله: كل شيء أمكنك من عرضه، فهو مُعْرض لك. فليس يجوز أن يحمل اللفظ على هذا المعنى، فجَعلَ الأسَيْفع أمكن الناس من عرضه حين اسْتَدان. وليس يخلو هذا الحرف من أنْ يكون وقع فيه تغيير من بعض النَّقَلة. وكان فادّان (٣) معترضًا أو سَلِمَ من التغيير، فيكون معناه: استدان (٤) مُعْرِضًا عن القضاء وعن النَّظر في العاقبة.
* * *
٣٢ - وقال أبو عبيد (٥) في حديث عُمَر -﵁-، "أنَّه سأل المفقود الذي اسْتَهْوَته الجِنُّ، ما كان شرابُهم فقال: الجَدَف".
قال أبو عبيد: الجَدَفُ، تفسيره في الحديث، إنَّه ما لا يُغَطّى.
قال: ويقال: هو نباتُ يكون باليَمن لا يحتاج (٦) آكِلُه إلى شرب الماء عليه. هذا قول أبي عبيد.
_________________
(١) ينظر: اللسان: "ع/ ر/ ض"، والتكملة ٤/ ٧٧.
(٢) سقطت من: ظـ.
(٣) فادان: افتعل من: الدَّيْن، كاقترض من القرض.
(٤) ظـ: فاستدان.
(٥) غريب الحديث ٢/ ٢٤٢ و٣/ ٣٨١؛ وفيه: (حين سأل المفقود الذي كان الجن استهوته". وغريب ابن قتيبة ٢/ ٣٨؛ والفائق ١/ ١٩٥؛ والنهاية ١/ ٢٤٧؛ والغريبين ١/ ٣٢٩؛ والتكملة ٤/ ٤٤٢.
(٦) غريب الحديث: الذي يأكله إلى أن يشرب.
[ ١٠٤ ]
قال أبو محمد: (١): لم أزل لتفسير هذا الحديث مُنكرًا؛ لأنَّه سأله عن شرابهم، فأجابه بذكر نبات. والنَّبات لا يجوز أنْ يكون شرابًا. وإنْ كان صاحبه يسْتَغني مع أكله عن شرب الماء، إلَّا على وجه من المَجاز ضعيف. وهو أَنْ يكون صاحبه لا يشرب الماء، فيقال، إنَّ ذلك شرابُهُ. لأنَّه يقوم مقام شرابه، فيجوز أنْ يقال هذا. وإن كانت الجِنّ لا تشرب شرابًا أصْلًا. وأمّا التفسير الذي جاء في الحديث (١)، فله مَخْرج نُخْيِر به إنْ شاء (٢) الله.
وبلَغَني عن بعض أصحاب (٣) اللغة، أنَّه كان يقول: الجَدَفُ زَبَدُ الشّراب، وَرُغْوة اللَّبَن، وغيره. سُمّي جَدَفًا من موضعين.
أحدهما: لأنَّه (٤) يُجْدِف عن الشَّراب. أي: يقطع ويُلْقَى إلى الأرض.
والجَدْفُ (٥) والجَذْفُ، واحد. ومنع قيل: قميصُ مجذوف الكمّين. أي: مقطوعهما وقصيرهما. تقول: جَذفْت الشيء جَذْفًا، إذا قطعته. واسمُ ما انْقَطع منه: جَذَفٌ. كما تقول: نفضْتُ الشَّجَرة نَفْضًا. واسمُ ما سقَطَ من ثمرها إلى الأرض نَفَضٌ. وخبطْتُها خَبْطًا (٦). واسمُ ما سقطَ من ورقها إلى الأرض خَبَطٌ.
_________________
(١) النص في: غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٩؛ وينظر: النهاية، والفائق، والصحاح ص / ١٣٣٥؛ واللسان (ج/ د/ ف)، والابدال ١/ ٣٥٩؛ والغريبين ١/ ٣٢٩؛ والتهذيب ١٠/ ٦٧١؛ ومختلف الحديث: ٢٢٢.
(٢) أخبر به في: غريب الحديث ٢/ ٣٨ - ٣٩.
(٣) النهاية ١/ ٢٤٧؛ ومختلف الحديث: ٢٢٢.
(٤) ظـ: أنه.
(٥) غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٩؛ وهو منقول عنه في: الفائق.
(٦) في الأصل: أخبطها. والتصويب من: غريب ابن قتيبة.
[ ١٠٥ ]
وقد (١) يجوز أنْ يقال لما لا يُغَطى من الشَراب جدف، على هذا المخرج. كانَ غطاءه جُدِف. أي: قُطِعَ (١).
والموضع الآخر: لأنَّ الشَّراب يُجْدَفُ، أي: يحرّك (٢). فترتفع الرغوة. فما ارتفع منها جَذَفٌ. لأنَّه عن الجدف كان، كما مثّلْت لك. وكذلك جَدْحُ الشراب. ولو أردنا أنْ نبني منه اسمًا لما ارتفع فوقه، لقلنا: جَدَح. غير أنّا لم نسمع به. فإِنَّما (٣) نتكلم فيما جاء.
ومن الجَدْف، قيل: مِجْداف السفينة؛ لأنَّها تندفع به وتنبعث. ومنه قيل للسَّوْط: مِجْداف. قال العَبْدي، (٤) وذكر ناقة:
تكادُ إنْ حُرِّك مِجْدافُها تنسَل من مَثْناتِها واليَدِ
والمثناة (٥): الحَبْل، ومن عادة الناس أنْ يُلْقوا الزَّبَد عن اللَّبَن. وطُفاحة القِدْر. وهو ما على فوقها في الغَلَيان، وأن تَنْزع رُغْوة كلّ شراب. لأنَّها خَبَثُه ورداءئُه (٦). وهذا (٧) عندي معنى حسن، شبيه بما أريد إنْ شاء الله.
لأنَّه رُوِيَ في الحديث (٨): "انَّ طَعام الجِنِّ الرّمَّة". وهو العظام.
_________________
(١) سقطت من غريب ابن قتيبة.
(٢) ظـ: يحول.
(٣) في الأصل: وإنما.
(٤) هو المثقب العبدي، والبيت في: اللسان "ج/ د/ ف"، ١٠/ ٣٦٦؛ وفي ديوانه (ط/ آل ياسين) ص/ ٣٣.
(٥) اللسان: (ت/ ن/ ١).
(٦) في ظـ والمطبوعة: خبثه رداءته.
(٧) ظـ: وهو.
(٨) ينظر: ابن حنبل ٢/ ٢٤٧؛ ٢٥٠؛ وابن ماجه (كتاب الطهارة: ٢٦) .. وغريب الحديث ١/ ٢٧٢؛ والفائق ١/ ٥٠٥ ومختلف الحديث: ٢٢٢.
[ ١٠٦ ]
فلأنْ يكون شرابُهم فضْلَ شرابنا، وما يُنْبذ منه. كما كان طعامهم فَضْل طعامنا. وما يُنْبذ (١) منه أشْبَه من أنْ يكون نباتًا باليَمن، يَنْتابُه جميع جِنّ الأرض.
هذا مع موافقة ما قلناه للغة واطِّراده.
* * *
٣٣ - وقال أبو عبيد في حديث عُمَر (٢) -﵁ -،: "كذب عليكم الحجّ".
فسره أبو عبيد، واحتج بقول (٣) معقّر البارقي:
وذُبْيانية وصَّتْ بَنيها بأنْ كذَبَ القَراطِفُ والقُروفُ
وقال: القَراطِفُ، القُطُف. والقرُوف: أوْعِيَةُ الخَلّ وغيره (٤). هكذا حدّثنا أحمد بن سعيد (٥) وغيره. ورأيْتُ في بعض الكتب المسموعة (٦): القُروف: الأوعية، كان صاحب هذا (٧) الكتاب فَطِنَ لهذا فحذف الخَلّ. وليس كل وعاء قَرْفًا. وإنما القروف أوعية الخَلْع لا أوعية الخَلّ. وهي: أوعيةُ من جلود الإبل، يُجْعل فيها لحم، تُخلْع منه العظام
_________________
(١) ظـ: نبذ
(٢) غريب الحديث ٣/ ٢٤٧؛ وهو في: مسند عمر -﵁- ص ٥٧٠؛ (الجامع الكبير - خط)، والفائق ٣/ ٢٥٠.
(٣) ينظر: السمط ١/ ٤٨٤؛ والمعاني الكبير ١/ ٣٨١؛ والتقفية: ٥٨٧؛ واللسان (ك/ ذ/ ب)، و(ق/ ر/ ف) ١١/ ١٨٩؛ وفيه: أوصت.
(٤) تللسان والتقفية.
(٥) أحمد بن سعيد اللحياني. راوية أبي عبيد.
(٦) ظـ: المسموعات.
(٧) سقطت من: ظـ.
[ ١٠٧ ]
وتُرْفَع. فقالت لبنيها: عليكم بالقراطِف، وهي القُطُف. وعليكم بهذه الأوعية، فيها لحم، فاغْنَموها. ولا وَجْه لأوعيَة الخَلّ في الغنائم.
* * *
٣٤ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عُمَر -﵁-: "إنَّه كان يَنْهَى عن المُكايَلة".
قال أبو عبيد (٢): معناه، المُقَايَسة بالقول. وأصل ذلك أنْ تكيل له كما يكيل لك (٣). وتقول له كما يقول لك. وتكون في الفعل. وهو أنْ تكافئ بالسوء.
هذا معنى قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: ليست المكافأة بالسوء أوْلَى بالمُكايَلة من المكافأة بالخير. وكل من وازنْته بشيء، كان منه، فقد كايلْتَه. وإنَّما أراد عمر أن لا يقايس في الدين ويكايل. أي: يوازن الشيء بالشيء (٤). ويترك العمل على الأثر. كذلك رأيت أهل النَّظَر يقولون في هذا الحديث (٥).
* * *
_________________
(١) غريب الحديث ٣/ ٤٠٨؛ وفيه: أنه نهى عن المكايلة. والحديث في: الفائق ٢/ ٤٤٠؛ ومسند عمر (ص/١٩٥١؛ الجامع الكبير للسيوطي - مخطوط)، والنهاية ٤/ ٢١٩.
(٢) قال أبو عبيد: والمحدثون يفسرونه المقايسة.
(٣) أي: هو مأخوذ من الكيل في الكلام. ينظر: اللسان (ك/ ي/ ل).
(٤) سقطت من: ظـ.
(٥) ينظر: الفائق، والنهاية.
[ ١٠٨ ]