منْ رأَيتَ المَنُونَ عَدَّيْنَ أَمْ مَن ذا عليه من أَن يُضامَ خَفيرُ
والمنّ يقع على معنيين: أَحدهما يوصَف الله ﷿ به، والآخر لا يوصَف به، فالَّذي يوصَف به جلَّ اسمه ما يكون بمَعْنَى الإِعطاء والإِنعام؛ كقولك: مننتُ على فلان بكذا وكذا من المال، ومننتُ على الأَسير فأَعتقْتُه، فكذلك قالوا: يا حنَّان يا منَّان، فوصفوه بالفضل والإِنعام على خَلْقه. والمنّ: الَّذي لا يوصَف الله ﷿ به الافتخارُ والتزيّن، والاستعظام للنعمة الَّتي يُولاها المُنعَم عليه، كقول القائل: فلان يَمُنّ عليَّ بما أَصار إِليَّ من ماله، وأَنالني من معروفه؛ والله تعالى لا يقع منه مَنٌّ على هذه الجهة.
٩٦ - والفارِي حرف من الأَضْداد؛ يقال للذي يقطع الأَديم: فارٍ، وللَّذي يخرِزه: فارٍ، ويقال للمزادة المخروزة، مفريَّة، قال ذو الرُّمَّة:
ما بالَ عينكَ منها الماءُ ينسَكِبُ كأَنَّها من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
وفراَء غَرْفِيَّةٍ أَثأَى خَوارِزُها مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
المفريَّة: المزادة المخروزة، والكُلَى: جمع كُلْية، وهي رقعة تجعل في عُرْوة المزادة. ويُرْوَى: كَأَنَّهُ من تُلَى مَفْرِيَّةٍ.
[ ١٥٨ ]
فالتُّلى جمع تِلْوة، وهي سير يُخْرَز به الأَديم، ووفراءُ تابع لمفريَّة، والوفْراءُ المزادة الواسعة، والغَرْفِيَّة: الَّتي قد دُبغت بالغَرْف؛ وهو شجر. وأَثأَى: أَفسد، والخوارز: النِّساءُ يَخْرِزْنَ الأَديم؛ والمشلشِل:
الماء؛ وهو مردود على السَّرب. ويُرْوَى: مشلشلًا بالنصب على الحال ممَّا في ينسكب؛ كأَنَّك قلت: ما بال عينك منها الماءُ ينسكب مُشَلْشِلًا؛ أَي في هذا الحال. والكُتَب: جمع كُتبة، وهي الخَرَزة.
وبعضُ أَصحابنا يقول: إنَّما سُمِّيَ الفَرَّاءُ فَرَّاء؛ لأَنَّه كان يُحسن نظم المسائل، فشبِّه بالخارز الَّذي يخرِز الأَديم، وما عُرِف ببيع الفرَاءِ ولا شرائِها قطّ. وقالَ بعضهم: سُمِّيَ فرَّاء لقطعه الخُصُوم بالمسائل الَّتي يُعْنَتُ بها، من قولهم: قد فَرَى، إِذا قطع، قال زهير:
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القوم يَخْلُق ثمَّ لا يَفْرِي
معناه تَخْرِزُ ما قدّرت. والخلْق التقدير، قال الله جلَّ اسمه: وتُخْلُقُونَ إِفْكًا، أَي تقدّرون كذبًا، وقالَ جلَّ وعلا: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخالِقين، أَي المقدّرين. وقالَ الأَعشى:
[ ١٥٩ ]