خليليّ إِنَّ الدَّار غَفْرٌ لذي الهَوَى كما يَغْفِر المحمومُ أَو صاحب الكَلِمْ
معناه إِذا نظر إِلى الدَّار عاوده حزنُه ووجعه؛ فكان بمنزلة مَنْ تُعاوده العلَّة بعد البُرْء. وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفَرَّاء، قال: يقال: غَفِر المريض يغفَر، إِذا نُكِسَ. وقالَ غيره: مغفرَةُ الله ﷿ من هذا مأْخوذة؛ فإِذا قال القائل: اللهمّ اغْفِر لنا؛ فمعناه: غَطِّ علينا ذنوبَنا؛ وإِنَّما سمِّي المِغْفَر مِغْفَرًا لأَنَّه يستر الرأْس ويجمع الشِّعْر.
٩٥ - والمَنين حرف من الأَضْداد؛ سمعت أَبا العباس يقول: حبل مَنين إِذا كان ضعيفًا قد ذهبت مُنَّتُهُ، أَي قوَّته.
وقالَ جماعة من أَهل اللُّغة: يُقال: حبل مَنين إِذا كان قويًّا، والمُنَّة أَيْضًا تقع على معنييْن متضادَّيْن، يقال للقوَّة: مُنَّة، وللضَّعف مُنَّة، قال الشَّاعر:
فلا تَقْعُدوا وبِكُمْ مُنَّةٌ كفى بالحوادث للمرءِ غُولَا
وإِن لك يكن غير إِحداهما فسِيروا إِلى الموتِ سيرًا جميلَا
وقال الآخر:
[ ١٥٥ ]
عَلامَ تقول السيرُ يقطعُ منَّتي ومن حُمرِ الحاجات عَيْرٌ بدِرْهَمِ
وقال الآخر:
سَيْرًا يُرخِّي مُنَّة الجَلِيد
وقال الآخر:
بحَوْقَلٍ قد مَنَّهُ الوَجِيفُ
وقالَ ذو الرُّمَّة:
إِذا الأَرْوَعُ المَشْبوبُ أَضحَى كَأَنَّهُ على الرَّحْلِ ممَّا مَنَّهُ السَّير عاصِدُ
وفسِّر قول الله ﷿: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِعلى ثلاثة أَوجه، فقال بعضهم: المحسوب. وقالَ آخرون: الممنون: الَّذي لا يُمَنُّ به؛ فالله ﷿ لا يَمُنّ بإِنعامه على من يُنْعِم عليه، قال الشَّاعر:
أَنَلْتِ قَليلًا ثمَّ أَسْرَعْتِ مِنَّةً فنَيْلُكِ ممنونٌ كذاكِ قليلُ
ويقال: الممنون: المقطوع الَّذي قد قطعت مُنَّته، وإِنَّما سمِّيت المنونُ المنونَ لأَنَّها تذهب بمُنَّة الإِنسان وتُضعفه.
[ ١٥٦ ]
وقالَ الأَعشى:
لَعَمْرُكَ ما طولُ هذا الزَّمَنْ على المرءِ إِلَاّ عَناءٌ مُعَنّْ
يظلُّ رجيمًا لريْب المَنو ن والسُّقْم في أَهلِه والحَزَنْ
والمَنُون تؤنِّثها العرب في حالٍ على معنى المنيَّة، وتذكِّرها على معنى الدَّهر، وتجعلها جمعًا على معنى المنايا، قال الشَّاعر:
فقلتُ إِنَّ المَنُونَ فانطلقِي تَسْعَى فلا نستطيعُ نَدْرَؤُها
وكانَ الأَصْمَعِيّ يروي بيتَ أَبي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبهِ تتَوَجَّعُ والدَّهر لَيْسَ بمعتِبٍ من يَجْزَعُ
ويَقُولُ: أَرادَ بالمَنُون الدَّهر. ورواه غيرُ الأَصْمَعِيّ: أَمن المَنُون ورَيْبها، على معنى المنيَّة. وقالَ الفرزدق:
إِنَّ الرَّزيةَ لا رزيئة مثلُها في النَّاسِ موتُ محمدٍ ومحمدِ
مَلِكانِ عُرِّيَتِ المَنابِرُ منهما أَخَذَ المَنُونُ عليهما بالمرصَدِ
أَرادَ بالمحمَّدَيْن أَخا الحجَّاج وابنَه. وقالَ عديّ بن زيد في الجمع:
[ ١٥٧ ]