[ ١٠٧ ]
وهو الَّذي يفهمه النَّاس ولا يحتاج مع شهرته إِلى ذكر شواهد له، ويكون بمَعْنَى قبل، قال الله ﷿: ولَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، فمعناه عند بعض النَّاس من قبل الذِّكْر، لأنَّ الذِّكر القرآن. وقالَ أَبو خرَاش:
حَمِدْتُ إِلهي بَعْدَ عرْوَةَ إذْ نَجَا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
أَرادَ قبل عروة، لأنَّهم زعموا أَنَّ خِراشًا نجا قبل عُرْوة. قال الله ﷿: والأَرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحَاهَا، فمعناه: ولأرض قبل ذلك دحاها، لأنَّ الله خلق الأَرض قبل السماء. والدليل على هذا قوله: ثمَّ اسْتَوَى إِلى السَّماءِ وهيَ دُخَانٌ.
وقالَ ابن قتيبة: خَلَق الأَرْضَ قبل السَّماء ربوةً في يومين، ثمَّ دَحَا الأَرضَ بعد خلقه السموات في يومين، ومعنى دحاها بسطها.
قال أَبو بَكْر: وهذا القول عندنا خطأ؛ لأنَّ دَحْوَ الأَرض قد دخل في إِرسائها والتبريك فيها، وتقدير
[ ١٠٨ ]
أَقواتها، وذلك أَنَّهُ قال ﷿: وجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِها وبَارَكَ فيها وقَدَّرَ فيها أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّام، علمنا أَنَّ الدَّحْوَ دخل في هذه الأَيَّام الأَربعة، وهذه الأَيَّام الأَربعة قبل خلق السَّماء. فإِنْ كان الدَّحْوُ وقع في يومين خارجين من هذه الأَربعة فقد وقع الخلقْ في يومين سوى الأَربعة أَيْضًا، فتُحْمَلُ الآياتُ على أَنَّ الخلق كان في يومين، والدَّحْو في يومين، والإِرساء والتبريك والتقدير في أَربعة أَيام، فتنفرد الأَرض بثمانية أَيَّام. وهذا خلاف ما نصَّ عليه ﷿ إذْ قال: ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّموات والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّة أَيَّام، فعلمنا بهذه الآية أَنَّ الخلق والدَّحْو جميعًا دخلا في الأرْبعة التي ذكرها الله مع الإِرساء والتبريك والتقدير.
فإِنْ قال قائل: كيف يدخُلُ يومَا الخلقِ في هذه الأَربعة حتَّى يصيرا بعضَها، وقد فَصَل الله اليومين من الأَربعة؟
قيل له: لمَّا كان الإِرساءُ من الخلق وانْضَمَّ إِلَيْه تقدير الأَقوات نُسِق الشَّيءُ على الشَّيءِ للزيادة الواقعة معه، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: قد بنيتُ لك دارًا في شهر، وأَحْكَمْتُ
[ ١٠٩ ]
أَساسَاتِها، وأَعْلَيْتُ سُقُوفَها، وأَكثرتُ ساجَها، ووصلتها بمثلها في شهرين، فيدخل الشَّهرُ الأَوَّلُ في الشَّهرين، ويُعْطَفُ الكلام الثَّاني على الأَوَّل، لما فيه من معنى الزيادة، أَنشد الفَرَّاءُ:
فإِنَّ رُشَيْدًا وابْنَ مَرْوانَ لم يكن لِيَفْعَلَ حتَّى يُصْدِرَ الأَمْرَ مَصْدَرَا
فرُشيد هو ابن مروان، نُسقَ عليه لما فيه من زيادة المدح. وقال الآخر:
يَظُنُّ سَعيدٌ وابْنُ عمرٍو بأَنَّني إِذا سَامَنِي ذُلًاّ أَكونُ بهِ أَرْضَى
فَلَسْتُ براضٍ عنه حتَّى يُنيلَني كما نالَ غيري من فوائده خَفْضَا
فسعيد هو ابن عمرٍو، نُسِقَ عليه؛ لأَنَّ فيه زيادة مدح.
ويجوز أَن يكون معنى الآية: والأَرض معَ ذلك دحاها، كما قال الله ﷿: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلكَ زَنِيمٍ، أَرادَ مع ذلك. وقالَ الشَّاعر:
فَقُلْتُ لها فِيئي إِليكِ فإِنَّني حَرامٌ وإِنِّي بعد ذاك لَبيبُ
أَرادَ مع ذلك، وتأْويل دحاها بسطها، قال الشَّاعر:
دَحَاهَا فلَمَّا رآهَا اسْتَوَتْ على الماءِ أَرْسَى علَيْها الجِبالَا
[ ١١٠ ]