[ ١٣١ ]
للشَّيء والمعادِل له، ويقال: مثل للضِّعف، فيكون واقعًا على المثْلين؛ زعم الفَرَّاءُ أَنه يقال: رَأَيتُكُمْ مثلَكم، يراد به رأَيتُكم ضعْفكم، ورأَيتُكُم مثْلَيْكُم، يراد به رأَيتُكم ضعْفَيكم؛ من هذا قول الله ﷿: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْن، معناه يَرَى المسلمون المشركين ضعْفَيْهم، أَي ثلاثة أَمثالهم؛ لأَنَّ المسلمين كانوا يَوْم بدر ثلثمائة وأَربعة عشر رجلًا، وكانَ المشركون تسعمائة وخمسين رجلًا، فكان المسلمونَ يَرَوْن المشركين على عَدَدهم ثلاثة أَمثالهم.
فإِن قال قائل: كيف كان هذا في هذه الآية تكثيرًا وفي سورة الأَنفال تقليلًا حين يقول جلّ وعزّ: وإذْ يُريكُموهُمْ إذْ التقَيْتُمْ في أَعْيُنكُمْ قليلًا ويُقَلِّلُكُم في أَعْيُنهمْ. قيل
له: هذه آية للمسلمين أَخبرهم بها، وتلك آية للمشركين؛ مع أَنك قائل في الكلام: إنِّي لأرَى كثيرَكم قليلًا، أَي قَدْ هُوِّن عَلَيَّ، فأَنا أَرى الثلاثة اثنين.
قال أَبو بكر: هذا قول الفَرَّاءُ؛ وقد طَعَن عليه فيه
[ ١٣٢ ]
بعضُ البصريّين، فقال: محال أَن يكونَ المسلمون رَأَوا المشركين يوم بدر على كمال عَددهم تسعمائة وخمسين، لأَنَّه لو كان الأَمر كذا بطلت الآيةُ؛ ولم يكن في هذا أُعجوبة ينبِّه الله عليها خَلْقه، وإنّما معنى الآية: يرى المسلمون المشركين مِثْلَيْهم ستمائة ونيّفا وعشرين، لتصحّ الأُعجوبة، بأَن يروْهم أَقلَّ من عددهم.
قال أَبو بكر: لا حجّة على الفَرَّاءُ في هذا؛ لأَنَّ الأُعجوبةَ لم تكن في العدد، وإنما كانت في الجَزَع الَّذي أَوقعه الله جلّ وعزّ في قلوب المشركين، على كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين، وللشجاعة الَّتي أَوقعها الله في قلوب المسلمين، فهانَ المشركون عليهم وهم يتبيَّنون كثرةَ عددهم، وصار احتقارُ المسلمين إياهم على كمال العدد أَعجبَ من احتقارهم إياهم على نُقصان العدد. وقد أَجاز الفَرَّاءُ القول الآخر، واختار الأَوّل، وقالَ: الدليل على أنَّ المِثْل يقع على المثليْن، أن الرَّجُل يقول وعنده عبد: أَحتاج إِلى مثلَيْ عبدي، فمعناه أَحتاج إِلى ثلاثة؛ لأَنَّه غير مستغن عن عبده، ويَقُولُ: أَحتاج إِلى مثل هذا الأَلف، يريد: أَحتاج إِلى أَلفين. ومن قرأَ: تَرَوْنَهُمْ مثْلَيْهمْ جعل الفعل لليهود، أَي
[ ١٣٣ ]
يا معاشر اليهود، ترون المشركين مثلَي المسلمين.
وقالَ أَبو عَمْرو بن العلاء: من قرأَ: تَرَوْنَهُمْ بالتاء لزمه، أَن يقول: مِثْلَيْكُمْ، فرُدّ هذا القول على أَبي عمرو، وقيل المخاطبون اليهود، والهاءُ والميم المتصلتان بمثل للمسلمين.
وقالَ الفَرَّاءُ: يجوز أَن يكون يَرَوْنَهُمْ بالياء لليهود، وإن كان قد تقدم خطابُهم في قوله ﷿: قدْ كان لَكُمْ آيةٌ، لأَنَّ العرب ترجع من الخطاب إِلى الغيبة، ومن
الغيبة إِلى الخطاب، كقوله ﷿: حتَّى إِذا كُنْتُمْ في الفُلْك وجَرَيْنَ بهمْ، أَراد بكم. وقالَ ﷿ في موضع آخر: وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهورًا. إنَّ هذا كان لَكُمْ جَزاءً، معناه كان لهم جزاءً، فرجع من الغيبة إِلى الخطاب، وقالَ الأَعشى:
عنده البِرُّ والتُّقَى وأَسى الصَّدْ عِ وحَمْلٌ لِمُضْلِعِ الأَثْقالِ
وَوَفاءٌ إِذا أَجرْتَ فما غُرّ تْ حِبالٌ وصلتَها بحبالِ
أَرْيَحِيٌّ صَلْتٌ يَظلُّ لهُ القوْ مُ رُكودًا قيامَهُمْ للهلالِ
[ ١٣٤ ]
فقال: عنده البرّ، ثمَّ قال: ووفاءٌ إِذا أَجرتَ فخاطب. وقالَ معن بن أَوس:
فكمْ من ثَناءٍ صالحٍ كُنْتَ أَهْلهُ مُدِحْتَ بهِ تَجْزي يَداكَ وتقْبَلُ
فأَنْتَ المصفَّى من قريش دِعامة لمن نابه حِرْزٌ نجاةٌ ومَعْقِلُ
أَرادَ: لمن نابك. وقال الآخر:
يا لَهفَ نفسي كان جِدَّةُ خالدٍ وبياض وجهكَ للترابِ الأَعْفَرِ
أَرادَ: وبياض وجهه. وقالَ عنترة:
شَطَّتْ مَزارُ العاشِقينَ فأَصْبَحَتْ عَسِرًا عليَّ طلابُكِ ابنَةَ مَخْرَمِ
أَرادَ طلابها. وقالَ لَبيد:
باتت تَشكَّى إليّ النفسُ مُجْهشَةً وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعينا
إنْ تُحْدِثي أَمَلًا يا نفس كارهة ففي الثَّلاث وفاءٌ للثَّمانينا
أَرادَ: وقد حملتها. وقال الآخر:
لا زال مِسْكٌ ورَيحانٌ له أَرَجٌ على صَداكَ بصافي اللَّونِ سَلْسالِ
يَسْقي صَداهُ ومُمْساهُ ومُصْبَحُهُ رِفْهًا وَرَمْسُكَ مَحْفوفٌ بأَظْلالِ
أَرادَ: يسقي صداك. وقالَ كُثَيِّر:
أَسيئي بنا أَوْ أَحسني لا مَلومَةً لدَيْنا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقَلَّتِ
[ ١٣٥ ]