تقول: شكرتك وشكرت لك. ونصحتك ونصحت لك. وكلتك وكلت لك. واستجبتك واستجبت لك. واستحييتك واستحييت منك.
قال الله تعالى: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. وقال، ﷿: ﴿وَنَصَحْتُ [لَكُمْ]﴾ وقال، جل وعلا: ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.
ثم قال الشاعر:
شكرت له يوم العكاص نواله ولم أك للمعروف ثم كنودا
وقال آخر:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا نصحي ولم تنجح لديهم وسائلي
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وداع داع: يا مَنْ يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وتقول العرب: شكرتك، وشكرت لك. وتقول: شكرت بالله، كما تقول: كفرت بالله.
وتقول العرب: كفرتك، وكفرت بك. ومكنتك، ومكنت لك.
قال الله، ﷿: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. وقال تعالى:
[ ١ / ٣٨٤ ]
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾.
واشتقتك، واشتقت إليك. وبلغتك، وبلغت إليك.
وهديته الطريق، وهديته إلى الطريق. وعددتك [مئة]، وعددت لك. واخترت الرجال زيدًا، واخترت من الرجال زيدًا.
قال الله، ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾.
وأستغفر الله ذنبي، ومن ذنبي.
قال الشاعر:
أستغفر الله ذنبًا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وكنيتك أبا فلان، وبأبي فلان. ولست منطلقًا، وبمنطلق. وسرقت زيدًا مالًا، ومن زيد مالًا. وكذلك: سلبت. وزوجته امرأة، وبامرأة. وشغبت على القوم، وشغبتهم. وشبعت خبزًا ولحمًا، ومن خُبز ولحم. ورويت ماءً ولبنًا، ومن ماء ولبن.
ورحت القوم، ورُحت إليهم. وتعرَّضت معروفهم، ولمعروفهم. ونأيتهم، ونأيت عنهم. وحللتهم، وحللت بهم. ونزلتهم، ونزلت بهم. وأمللتهم، وأمللت عليهم، من الملالة.
ونعم الله بك عينًا، ونعمك عينًا. وطرحت الشيء، وطرحت به. [ومددته]، ومددت به. وأشاب الحزن رأسه، وبرأسه. وبت القوم، وبت بهم. وحققت أن تفعل
[ ١ / ٣٨٥ ]
كذا، وحقَّ لك. وغاليت السلعة، وغاليت بها. وثويت البلد، وثويت به وفيه. وجاورت القوم، وجاورت فيهم. وأويت الرجل، وأويت إليه. وأويته: نزلت به.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾، و﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾.
وظفرت بالرجل، وظفرته. وأظل عليه، وأظله.
قال عنترة:
ولقد أبيت على الطّوى، وأظله حتى أنال به لذيذ المطعم
أي: أظل عليه.
وجمَّلك الله، وجمَّل عليك. وحاطهم [الله] بقصاهم، وحاطهم قصاهم، أي: كان منهم في قاصيتهم.
وقال الله، ﷿: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: يخوفكم بأوليائه. وقال الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا﴾، أي: لينذركم ببأس شديد. وقال، ﷿: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي﴾، أي: ليذركم بيوم التلاق.
وهو كثير فاختصرته.
[ ١ / ٣٨٦ ]
التشبيه
التشبيه في كلام العرب كثير. وجاء في كتاب الله، ﷿، كثير من ذلك.
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ﴾. و﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾. [وقال]: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. و﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، و﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾. و﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾. و﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾. و﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. و﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، و﴿كَعَصْفٍ مَاكُولٍ﴾. و﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، و﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾.
وهو كثير في مواضع من الكتاب.
وقال النبي ﷺ: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة ها هنا ومرة ها هنا. ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة".
وقال ﷺ: "المؤمن كالجمل الأنف، إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ".
في أخبار كثيرة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وتشبيه الشيء بالشيء هو: أن تجمعهما صفة أو لون أو علة، إلا أنه ليس الشيء بعينه؛ لأنه لو كان هو الشيء بعينه لبطل التشبيه، [ولكان الشيئان شيئًا واحدًا، ومحال أن يكون الواحد شيئيين، أو الشيئان شيئًا واحدًا، وإنما صحة التشبيه] بالمقارنة لعلة من العلل؛ ألا ترى إلى قوله تعالى في صفة الحُور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ و﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ و﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾؟ فقد شبه، تعالى، ما هو لحم بالحجارة، كما شبَّه الماء بالجبال، فقال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾، لما جمعهما علة اللون والارتفاع.
وللعرب التشبيه الحسن المصيب بألطف عبارة وأقرب معنى. [وما] تركت شيئًا إلا وقد شبَّهته، فأحسنت وأصابت. وفي كل شيء من ذلك لهم الأشعار المستحسنة، يطول ببعضها الكتاب، فتركتها اختصارًا.
ولابن الرومي كلام في الواصفين يأتي آخر هذا الباب إن شاء الله.
قال ابن الكلبي: أول من بكى الديار امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية. وإياه عنى امرؤ القيس بن حجر [بقوله]:
يا صاحبي قفا النواعج ساعة نبكي الديار كما بكى ابن حمام
قال أبو عبيدة: هو ابن خذام.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وله:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام
قال: وهو القائل:
كأني غداة البين يوم تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل
أراد: أنه بكى في الديار عند تحملهم كأنه ناقف حنظل. وناقف الحنظلة ينقفها بظفره، فإن صوتت علم أنها مدركة فاجتناها، فعينه تدمع لحدة الحنظل وشدة رائحته، كما تدمع عينا من جف الخردل. فشبه نفسه حين بكى بناقف الحنظل.
قال أبو عبيدة: إن أول من قيد الأوابد امرؤ القيس ابن حجر الكندي، قوله في صفة الفرس:
وقد أغتدي، والطير في وكناتها، بمنجرد قيد الأوابد هيكل
[والأوابد: الوحوش]. فتبعه الناس على ذلك.
قال غيره:
وهو أول من شبَّه الثغر في لونه بشوك السيال، فقال:
منابته مثل السدوس، ولونه كشوك السيال، فهو عذب يفيص
[ ١ / ٣٨٩ ]
فأخذه الأعشى فقال:
باكرتها الأغراب في سنة النو م، فتجري خلال شوك السيال
فاتبعه الناس.
وهو أول من قال:
فعادى عداء بين ثور ونعجة
وهو أول من شبَّه الحمار بمقلاء الوليد، وهو عود القلة. وبكر الأندري. والكر: الحبل.
وشبه الطلل بوحي الزبور في العسيب، والفرس بتيس الحلَّب، وبيعفور الفلاة. واليعفور: ظبي يضرب إلى الحمرة.
وشبه أربعة أشياء بأربعة أشياء، فقال:
له أيطلا ظبي، وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
[ ١ / ٣٩٠ ]
[والأيطل: الخاصرة. والسرحان: الذئب. والتتفل: ولد الثعلب]. فاتبعه الناس على هذا الوصف وأخذوه، ولم يجتمع لهم ما اجتمع له في بيت واحد.
وما تفرد به قوله في العقاب:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها، العُنّاب والحشف البالي
فشبه شيئين بشيء في بيت واحد.
قال المبرّد: "فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطبًا العناب، وكأنه يابسًا الحشف. قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهومًا، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيًا. قال الله، ﷿، وله المثل الأعلى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، علمًا بأن المخاطبين يعرفون وقت السكون ووقت الاكتساب".
الثوري قال: سمعت عمرو بن الحارث يقول: ما رأى الأصمعي مثل نفسه، لقد قال له الرشيد يومًا: أنشدوا أحسن ما قيل في العُقاب، فعذَّر القوم، أي اعتذروا، ولم يأتوا بشيء. فقال: هات أصمعي. قال: نعم يا أمير المؤمنين:
ثم استمر بها عزم فحذرها كأنما الريح هبت في خوافيها
ما كان إلا كرجع الطرف إن رجعت ملي تمطَّق مما في أشاقيها
[ ١ / ٣٩١ ]
ثم قال: يا أمير المؤمنين، وهذا امرؤ القيس يقول:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها، العنَّاب والحشف البالي
فشبه شيئين في بيت واحد فأحسن. فقال الرشيد: لله درك يا أصمعي، ما بعل القوم بشيء إلا وجدت عندك منه شيئًا.
وقوله: بعل القوم، أي: بقو مبهوتين لا يأتون بشيء.
ومن تمثيله العجيب قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا، الجزع الذي لم يثقب
وقوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح المفصل
وقد أكثر الناس في الثريا، فلم يأتوا بما يقارب هذا المعنى، ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.
وقوله:
كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل
وتشبيهاته كثيرة يطول بها الكتاب. وكل تشبيه، وإن حسن، فهو دون تشبيه؛ لأن الشعراء عنه يأخذون، ومن بحره يستقون، وهو إمام الشعراء، وقد ذكره النبي، ﷺ، فقال: "قائد الشعراء إلى النار".
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومن عجيب التشبيه قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وقال عنترة:
وغادرن نضلة في معرك يجر الأسنة كالمحتطب
يقول: طعن وغودرت الرماح فيه، فظل يجرها كأنه حامل حطب.
وقال:
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم
يصف الحديقة أنها امتلأت كلها، فكانت استدارتها كالدرهم، وليس أنها كقدر الدرهم في السعة. والعرب تشبه الشيء بالشيء، ولا تريد به كل الشيء، إنما تشبهه ببعضه. من ذلك قولهم: بنو فلان بأرض مثل حدقة الجمل، والأرض واسعة، إنما يريدون أنها كثيرة الماء، ناعمة العشب مخصبة، ولم يذهبوا إلى سعة العين ولا إلى ضيقها. ويقولون: بنو فلان في مثل حولاء الناقة، وهي هنة مثل المرآة تسقط مع السلى فيها ماء صاف. والقرارة: مستقر الماء في بطن الوادي.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ومن حسن التشبيه قوله:
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
وروى الأصمعي: "غردًا يسن ذراعه بذراعه". قوله: "يحك ذراعه بذراعه" معناه: يمر إحديهما على الأخرى، وكذلك الذباب. وأصل السن: التحديد، وهذا مثل. يريد: قدح المكب الأجذم على الزناد وهو يقدح بذراعه، فشبه الذباب [به إذا سن] ذراعه بالأخرى برجل أجذم يقدح نارًا بذراعيه. والأجذم: المقطوع اليد. وهذا أحسن التشبيه، وما سبقه إليه غيره، ولا يظن أن يأتي بمثله أحد من بعده.
ومن التشبيه المفرط المتجاوز قول الخنساء:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس جبل.
ومن التشبيه الحسن قول عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبينا
وقوله:
كأن ثيابنا منا ومنهم خضبن بأرجوان أوطلينا
الأرجوان: شجر أحمر. وكل شديد الحمرة عند العرب أرجوان. وإنما شبه
[ ١ / ٣٩٤ ]
الدم به. ويقال: الأرجوان: ضرب من الصبغ. وقيل: الزعفران.
ومثله قول الآخر:
كأن جوادينا لدى حومة الوغى إذا اصطدما كبشان ينتطحان
كأن حسامي فوقه وحسامه إذا اضطربا برقان يختطفان
كأن سنانينا بكفي وكفه شهابان مصباحان يتقدان
كأن سقوط النبل بيني وبينه دبًا وجراد ثم مشتبكان
كأن قميصي بالدماء وقميصه قميصًا عروس عصفرا ضرجان
وكل شيء يتلطخ بدم أو غيره يقال: قد تضرج.
ومنه قول ذي الرمة:
وماء قديم العهد بالناس آجن كأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق
وردت اعتسافًا، والثريا كأنها على قمة الجوزاء ابن ماء محلق
فأدلى غلامي دلوه، يبتغي بها شفاء الصدى، والليل أرهم أبلق
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق
يصف ماء قديمًا لا عهد له بالوراد؛ فقد اصفر واسود. يريد: أن النجم قد نجم فيه. فجاءت، يعني الدلو، بنسج العنكبوت. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع. والمشبرق: الممزق.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وأنشد أبو زيد:
لهونا بسربال الشباب ملاوة فأصبح سربال الشباب شبارقا
وقد أجاد علقمة بن [عبدة] الفحل في وصف الماء الآجن فقال:
فأوردتها ماء كأن جمامه من الأجن، حناء معًا وصبيب
الصبيب: عصارة الحناء. وقيل: شجر يشبه السذاب، يطبخ فيؤخذ عصيره فيختضب به. وقيل: الصبيب: الدم.
ومن التشبيه الحسن قول علقمة بن عبدة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدَّم بسبا الكتان ملثوم
فهذا حسن جدًا.
ومن التشبيه الحسن قول جرير في صفة الخيل:
يشتفن للنظر البعيد كأنما إرنانها ببوائن الأشطان
يشتفن ويشتوفن: بمعنى. ببوائن الأشطان، أراد: شدة صهيلها، يقول: كأنما يصهلن في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها.
ونظير ذلك قول النابغة الجعدي:
[ ١ / ٣٩٦ ]
ويصهل في مثل جوف الطوي صهيلًا يبين للمعرب
المعرب: العالم بالخيل العِراب.
ومن التشبيه الحسن قول ذي الرمة:
بيضاء في دعج، صفراء في نعج كأنها فضة قد مسها ذهب
وقوله:
كأن سنانًا فارسيًا أصابني على كبدي، بل لوعة الحب أوجع
وقوله:
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما أن المريض إلى عواده الوصب
الخشاش: ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة.
ومن التشبيه العجيب قول الشماخ:
فقربت مبراة كأن ضلوعها من الماسخيات القي الموتَّرا
وماسخة: من بني نصر بن الأزد، وإليهم تنسب القسي الماسخية.
وأحسن ما قيل في صفة الضلوع قول الراعي:
وكأنما انتطحت في أثباجها فدر بشابة قد تممن وعولا
[ ١ / ٣٩٧ ]
الفادر: المسن من الوعول. الأثباج: الأوساط. قال الأصمعي: شبه اشتباك اضلاعها بقرون البقر إذا انتطحت فدخل بعضها في بعض، يقول: إن أضلاعها غلاظ شداد. والفدور: المسان من الوعول؛ لأنها أقوى وأصلب، الواحد: فادر وهو بمنزلة القارح من الخيل والبازل من الإبل والضالع من المعز. وقوله: قد تممن وعولا، يقول: قد صرن مسانًا.
قال الراجز:
كأن حيث تلتقي منه المحل من جانبيه وعلان ووعل
ولا يقال له وعل حتى يتم.
ومن التشبيه الحسن قول الأخطل يصف القناص والكلاب:
فأرسلوهن يذرين الرياح، كما يذري سبائخ قطن ندف أوتار
يعني: ما تساقط من القطن. يقال لقطع القطن إذا ندف: سبائخ. ويقال: سبخ الله عنك الأذى يعني: كشفه وخففه. ومنه قول النبي، ﷺ، [لعائشة]، وسمعها تدعو على سارق سرقها: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه".
قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشأم تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور
الحاصب: ريح تحمل التراب والحصباء، وهو الصغار من الحصى، وكذلك ما تناثر من دقاق البرد والثلج فهو حاصب.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ يعني: حجارة قذفوا بها.
قال الأعشى:
لنا حاصب مثل رجل الدَّبى وجأواء تبرق عنها النجوم
الجأواء: الكتيبة إذا كثرت كأنها ملبسة حمرة من كثرتها.
وقال الفرزدق أيضًا:
وركب كأن الريح تطلب منهم لها سلبًا من جذبها بالعصائب
يعني: أن الريح تنفض لي عمائمهم من شدتها كأنها تسلبهم إياها.
وقول زهير:
ومفاضة كالنهي تنسجه الصبا بيضاء كفَّت فضلها بمهند
مفاضة، يعني: الدرع، وهي الواسعة. والنهي، بكسر النون وفتحها، لغتان: نهي الغدير حيث ينخرم السيل في الغدير فيوسع، والجميع: النهاء، ممدودة، وهو أحسن ما يشبه به تضاعيف الدرع.
وقول الفرزدق:
يعضون أطراف العصي تلفهم من الشأم حمراء الضحى والأصائل
وإنما يعضون أطراف العصي من الحمر في أيديهم، فيعض أحدهم عصاه،
[ ١ / ٣٩٩ ]
ويدخل يده في ثيابه من شدة البرد. وهذا يصف مسافرين. وقوله: "تلفهم من الشأم"، يريد: ريحًا من الشام، وهي الشمال. حمراء الضحى والأصائل، أي: حمراء الآفاق أول النهار وآخره.
وقول ذي الرمة يصف البزاة والصقور بالبياض:
من الزرق أو صقع كأن رؤوسها من القهز والقوهي بيض المقانع
والقَهْزُ والقِهْزُ، لغتان: ضرب من الثياب يتخذ من صوف كالمرعزى وربما يخالطه الحرير، ويشبه الشَّعْر اللين بذلك.
وقال أيضًا:
كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من جواري الحي مفصوم
يذكر غزالًا، شبهه بدملج فضة، وإنما جعله مفصومًا لتثنيه وانحنائه، [إذا نام]. ولم يقل: "مقصوم"، فيكون بائنًا. والبرة تنفصم إذا انصدع ناحية منها. والانفصام: الانقطاع. والانفصام: الانكسار للشيء فيكون بائنًا باثنتين. قال الله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾.
والنبه: من صفة الدملج، يعني أنه وجد على غفلة من غير طلب. والنبه: الضالة تجدها على غفلة، تقول: وجدته نبهًا، أي: من غير طلب. والنبه أيضًا: الانتباه من النوم. وأنبهته من الغفلة بهذا الأمر.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال صخر:
لعمري لقد انبهت من كان نائمًا وأسمعت من كانت له أذنان
ورجل نبيه: شريف، قد نبُه نباهة، وقد شرف. ونبه فلان باسم فلان: إذا جعله مذكورًا.
وقوله أيضًا يذكر الريح:
حدتها زباني الصيف حتى كأنما تمدُّ بأعناق الجمال الهوارم
حدتها: ساقت هذه الريح. والإبل الهوارم: التي تأكل الهرم، وهو ضرب من الحمض، وإذا أكلته غلظ وبرها وانتشر. أراد: أن الريح تجر من الغبار مثل أعناق هذه الإبل.
وقوله:
إذا أمست الشعري العبور كأنها مهاة علت من رمل يبرين رابيا
وقوله:
كأنني من هوى خرقاء مطرَّف دامي الأظل، بعيد الشأو مهيوم
المطرف: البعير الذي يصاب من إبل قوم آخرين. ويقال: أطرفت شيئًا، أي: أصبته ولم يكن لي. والأظل: باطن منسم البعير. والدامي: قد دمي من نكبة الحجارة. والشأو: بُعْدْ الهم والنزاع، تقول: إنك لذو شأو بعيد. والمهيوم: الذي قد أصابه
[ ١ / ٤٠١ ]
الهُيام، وهو كالجنون من العشق.
وقال عنترة يصف فلاة:
يكون بها دليل القوم نجم كعين الكلب في هبَّى هباع
شبه النجم بعين الكلب لكثرة نعاسه؛ فأنت تراه يفتح عينه ثم يغضي، كذلك النجم يظهر ساعة ثم يخفى للقتام ساعة. وهبَّى: نجوم قد حال الهباء دونها، الواحد هاب مثل: غاز وغزَّى. وقباع: دواخل في القتام. والقُبوع: الدخول.
قال ذو الرمة:
وحيران ملتج كأن نجومه وراء القتام العاصب الأعين الخزر
الحيران: ليل كأنه قد تحير فليس يكاد ينقضي. وملتج: له لجة. وإذا رطب الهواء زال القتام، فرأيت النجوم كبارًا، ولذلك تقول العوام: "إن الكواكب تنتفخ في الشتاء".
قال ذو الرمة:
ألمَّت بنا والعيس حسرى كأنها أهلَّة محل زال عنها قتامها
[ ١ / ٤٠٢ ]
جعلها أهلة محل؛ لأن الأهلة في سنة الجدب أدق في النظر ليبس الهواء وكدورته.
وقال أيضًا:
وردت وآفاق السماء كأنها بها بقر أفتاؤه وقراهبه
وخص الأفتاء والقراهب وهي المسان دون الصغار؛ لأن وروده كان في الصبح، فقد خفيت الصغار وبقيت الكبار، وهو يعني النجوم.
قال غيره:
وقد كانت الجوزان وهنًا كأنها ظباء أمام الذئب طرَّدها النفر
شبهها لتباعدها بظباء نوافر، وذلك في وقت قربها من الأفق في أول الليل، فإذا قرب الصبح خفيت صغارها وبقيت كبارها، فشبهت بالبقر والظباء؛ وذلك أن النجوم إذا ابتتدأت من الشرق رأيتها متباعدة متبددة، فإذا توسطت السماء اجتمعت وتدانت، وإذا انحطت للغروب تباعدت أيضًا وتبددت.
وقال ذو الرمة:
وحتى اعترى البهمى من الصيف نافض كما نفضت خيل نواصيها شُقر
البهمى: نبات تجد الإبل وجدًا شديدًا به ما دام أخضر، فإذا يبس هرَّ شوكه وامتنع. الواحدة والجميع بهمى ويقال للواحدة أيضًا بهماة. شبَّه نفض الصيف له إذا
[ ١ / ٤٠٣ ]
يبس بنفض الخيل الشعر لنواصيها؛ لأن ورق الشجر إذا يبس ابيض، وناصية الأشقر من الخيل بيضاء.
والعرب تشبه من لا نفع عنده ولا ضر ببنات نعش. قال بعضهم يهجو قومًا:
أولئك معشر كبنات نعش خوالف لا تنوء مع النجوم
يقول: لا نفع عندهم ولا ضر ولا ذكر لهم، كبنات نعش لا نوء لها، ولا ينسب إليها مطر، ولا برد، ولا حر. خوالف: متخلفة عن النجوم. والخالفة: ما لا خير عنده.
وقال بشر بن أبي خازم يذكر دورانها حول القطب:
أراقب في السماء بنات نعش وقد دارت كما عطف الظؤار
يريد: أنه سهر ليلته إلى أن دارت بنات نعش، وهي تنقلب ليلته في آخر الليل. وخص بنات نعش لأنها لا تغيب. ولذلك يجعلون الاهتداء بها وبالفرقدين.
قال الراعي:
لا يتخذن إذا علون مفازة إلا بياض الفرقدين دليلا
وقال آخر:
وكل سماكي كأن ربابه متالي مهيب من بني السيد أوردا
سماكي: مطر بنوء السماك. وربابه: سحابه. والمتالي: الإبل التي تتلوها
[ ١ / ٤٠٤ ]
أولادها. والمهيب: الراعي. ونعم بني السيد سود، فشبه الغنم بها. والرباب: سحاب متدل دون سحاب [فوقه].
قال الشاعر:
[كأن الرباب دوين السحاب نعام تعلق بالأرجل
[وقال أمية بن أبي الصلت]:
وشوذت شمسهم إذا طلعت بالجلب هفًا كأنه كتم
شوذت: عممت، والمشوذ: العمامة. والجلب: سحاب لا ماء فيه. والهف: الرقيق، شبهه بالكتم في حمرته، وذلك من علامات الجدب. والكتم: نبات يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود.
وقال جران العود:
وقد لاح للساري سهيل كأنه إذا ما بدا من آخر الليل يطرف
ويروى:
أراقب لمحًا من سهيل كأنه إذا ما بدا في دجنة الليل يطرف
ويروى:
[ ١ / ٤٠٥ ]
"وقد عارض الشعرى سهيل كأنه".
قوله: يطرف: يطبق عينه ويفتحها، وهو من التشبيه الحسن. وإذا فتح الإنسان عينه وأدام النظربها لا يطبق جفنه قيل: فلان ما يطرف عينه. والطرف: تحريك الجفون في النظر. نقول: شخص بصره فما يطرف.
وقال آخر:
كأن سهيلًا رامها وكأنها حليلة وخم جنَّ منه جنونها
يصف ناقته، يقول: هذه الناقة لها هوى في ناحية اليمن، فكأنها ترأم سهيلًا، أي: تعطف بعنقها كما ترأم الناقة على ولدها، وكأنها امرأة وخم من الرجال، وهو المستثقل المبغض؛ فهي تطالع الرجال وتلتفت إليهم.
وقال حميد بن ثور يصف البرق:
خفى كاقتذاء الطير وهنًا كأنه سراج، إذا ما يكشف الليل، أظلما
واقتذاء الطير: تغميضها أعينها وفتحها إياها [كأنها] تلقي القذى منها.
وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفي زندًا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
يشبه نفسه في فعله هذا بفعل النعامة؛ وذلك أنها تدع بيضها ساعة الحاج للطعم،
[ ١ / ٤٠٦ ]
فإن هي رأت في خروجها ذلك بيض نعامة أخرى قد خرجت للطعم، حضنت بيضها ونسيت بيض نفسها، ولعل تلك أن تصاد فلا ترجع إلى بيضها حتى تهلك. ولذلك تقول العرب: "أحمق من نعامة" و"أشرد من نعامة".
وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا عاينت الصيد:
محرجة حص كأن عيونها إذا أذَّن القناص بالصيد، عضرس
محرجة: في أعناقها الحِرج، وهي القلادة. وقيل: الحِرْج: الودع يجعل في القلائد، ويجمع على: أحراج، وثلاثة أحرجة.
وقال الأعشى:
بنواشط غضف يقلدها الأ حراج، فوق متونها لمع
وحص: أي سريعة العدو، يقال: مر يحص حصا. ويقال: الحص: القوائم التي ليس عليها شعر.
يقول: تبيض عيونها حتى تختل الصيد. والعضرس ها هنا: البرد. وفي نسخة: عضرس، بفتح العين والراء.
وقال أعرابي، وكسر الذئب شاة له مع الصبح، واسمها وردة، وتكنى أمَّ
[ ١ / ٤٠٧ ]
الورد:
أودى بوردة أم الورد ذو عسل من الذئاب إذا ما راح أو بكرا
لولا ابنها وسليلات لها غرر ما انفكت العين تذري دمعها دررا
كأنما الذئب، إذ يعدو على غنمي في الصبح طالب وترٍ كان فاتأرا
اعتامها، اعتامه شثن براثنه من الضواري اللواتي تقصم القصرا
قوله: اعتامها، أي: اختارها، والاعتيام: الاختيار.
تقول: اعتمت فلانًا، واعتمت أفضل ماله. والموت يعتام النفوس.
قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي عقيلة مال الباخل المتشدد
يقال: يعتام ويعتمي ويستري ويستمي ويصطفي ويختار، كله بمعنى.
والشثن: غلظ في الأنامل. وأسد شثن البراثن، وهي مخالبه. وتقصم: تدق. والقصم: دق الشيء الشديد. ويقال للظالم: قصم الله ظهره.
وقال كعب بن زهير:
كأن لم يلاق المرء عيشًا بنعمة إذا نزلت بالمرء قاصمة الظهر
والقصرة: أصل العنق، وكذلك قصرة النخلة: عنقها. وقال الحسن: يقرأ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ يفسر: أن الشرار يرتفع فوقهم كأنه أعناق النخل، ثم ينحط عليهم كالأنوق الأسود.
[ ١ / ٤٠٨ ]
والجمع: القصر والقصرات. والقصر: داء يأخذ في القصرة حتى تغلظ من داء لا من صلابة. يقال: بعير قصر، ويجوز في الشعر أقصر.
وفي شعر الأعرابي دليل على أن الذئب إنما يعدو على الغنم مع الصبح عند فتور الكلب عن النباح؛ لأنه بات ليلته كلها دائبًا يقظان يحرس، فلما جاء الصبح جاء وقت نوم الكلاب وما يعتريها من النعاس.
وقال آخر:
كأن بلاد الله، وهي عريضة، على الخائف المطلوب كفة حابل
يؤدَّى إليه أن كل ثنية تيممها، ترمي إليه بقاتل
وهذا من أحسن التشبيه. والثنية: أعلى مسيل في رأس جبل، ترى من بعيد فتُعرف.
ومثله في الخوف قول عبيد بن أيوب:
لقد خفت حتى لا تمر جماعة لقلت: عدوَّ أو طليعة معشر
فإن قيل: أمن، قلت: هذه خديعة وإن قيل: خوف، قلت: حقًا فشمر
وخفت: خليلي ذا الصفاء، ورابني وقيل: فلانًا أو فلانة فاحذر
ومثله في هذا المعنى قول بشار الأعمى:
[ ١ / ٤٠٩ ]
يروعه السرار بكل شيء مخافة أن يكون له السرار
ومن التشبيه المستطرف قوله أيضًا:
كأن فؤاده كرة تنزَّى حذار البين إن نفع الحذار
وفي هذه الصفة:
أقول وليلتي تزداد طولًا أما لليل بعدهم نهار؟
ومن التشبيه الحسن في أخذ البري بذنب الجني قول النابغة:
وحمَّلتني ذنب امرئ وتركته كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكانوا إذا أصاب إبلهم العُرّ كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم. وكانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف فقؤوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقؤوا عينه الأخرى، فذلك المفقَّأ والمعمى اللذان سمعت بهما.
وكانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين والسُّواف [والغارة]. والسواف: داء.
فقال الأول:
[ ١ / ٤١٠ ]
فقأت لها عين الفحيل تعيفًا وفيهن رعلاء المسامح والحامي
الرعلاء: التي تشق أذنها وتترك مدلاة لكرمها.
وقال آخر:
فكان شكر القوم عند المنن كي الصحيحات وفقؤ الأعين
وكانوا إذا نذروا نذرًا بذبح عتيرة، والعتيرة: جمع عتائر، وهي من الشاء، ذبحوا مكان ذلك ظباء؛ فلذلك يقول الحارث بن حلزة:
عننًا باطلًا وظلمًا كما تُعـ ـتر عن حجرة الربيض الظباء
وكانوا، إذا أوردوا البقر فلم تشرب، لكدرة [الماء] أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار، فقال في ذلك عوف بن الخرع:
تمنَّت طيء، جهلًا وجبنًا وقد خاليتهم فأبوا خلائي
هجوني، إن هجوت جبال سلمى كضرب الثور للبقر الظماء
وقال في ذلك أنس بن مدرك في قتله السُّليك بن السلكة:
[ ١ / ٤١١ ]
إني وقتلي سليكًا، ثم أعقله كالثور يضرب لما عافت البقر
أنفت للمرء، إذ تغضى حليلته وأن يشد على وجعائها الثفر
ويروى: "على وجعائه". والوجعاء: الدبر.
وقال الهيبان الفهمي:
كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر وما ذنبه أن عافت الماء باقر
وإنما سمى الثور يعسوبًا لأنه أمير البقر، [وهي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، فسماه باسم أمير النحل تشبيهًا]. والباقر [والبقر: جمع البقرة، والبقير]، مثل: الحمير والضنين والجامل. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها، وكذلك الجامل.
وقد قرئ: ﴿إِنَّ الْبَاقِرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.
وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تُمسك البقر عن الشرب حتى تهلك.
وقال [في ذلك] الأعشى:
فإني، وما كلفتموني، وربكم لأعلم من أمسى أعق واحوبا
لكالثور والجني يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
[ ١ / ٤١٢ ]
وما ذنبه أن عافت الماء باقر وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
وقال يحيى بن منصور الذهلي:
لكالثور والجني يضرب وجهه وما ذنبه إن كانت الجن ظالمه
وقال نهشل بن حري:
أتترك عارض وبنو عدي وتغرم دارم وهم براء؟
كدأب الثور يضرب بالهراوى إذا ما عافت البقر الظماء
ومن التشبيه الحسن المصيب قول العباس بن الأحنف:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
وشبيه بهذا قول الآخر:
وفتيلة المصباح تحرق نفسها وتضيء للساري وأنت كذالكا
وقال ابن الطثرية حين حلق أخوه لمَّته:
فرحت برأس كالصخيرة أشرفت عليها عقاب ثم طارت عُقابها
يقول: إن العقاب إذا سقطت على ص خرة ذرقت، فيبقى أثر ذلك أبيض كما تشاهد.
[ ١ / ٤١٣ ]
فصل
زعم ابن الرومي أن الواصفين ثلاثة: الناعت والعائب والحاكي. ولكل واحد منهم غاية ومذهب؛ فالناعت والعائب يتفقان في المذهب، ويفترقان في الغاية كقول الناعت: هي أحسن من الشمس والقمر، وسائر أمثال الحسن. وكقول العائب: هي أقبح من القرد، وسائر أمثال القبح.
ثممَّ يفترقان في الغاية؛ فتكون غاية الناعت الإطراء، وغاية العائب الإزراء.
وأما الحاكي فخالفهما في المذهب والغاية معًا؛ وذلك أن مذهب الحاكي الصدق على أعيان الأشياء وأمثال صورها عن حقائقها.
والمقدمة الثانية: أن كل منعوت ضربان: أحدهما: السبب. والآخر: البغية. فأما السبب فالأمر المدلول به على غيره، كما وصف الله تعالى الجنة في سورة الرحمن، وما وصف الأصمعي في كتاب "خلق الفرس" عضوًا عضوًا.
ومثله ما وصف الله به، ﷿، الجنة حيث يقول تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾.
وكما قال بعض النعات في الفرس: إنه يستغرق الوصف ويسبق الطرف.
والمقدمة الثالثة: أن النعوت المحمودة أربعة وهي: المفسرات والمجمهرات والمعقبات والمجملات. فالمفسرات: هي [التي] تستغرق الأسباب، وتأتي على المنعوت فصًَّا فصا.
والمجمهرات هي التي تستغرق جوامع الأسباب، وتأتي على المنعوت جمهورًا
[ ١ / ٤١٤ ]
جمهورًا، وتأتي على أكثره.
والمعقبات: هي [التي] تستغرق مهمات النعوت المعفي ذكرها على ذكر غيرها وإن قلت.
والمجملات: هي التي تستغرق البغية وتأتي على غاية ما تجري إليه النعوت.
والمقدمة الرابعة: أن العلل، التي هي لها يحسن الجمع بين أجزاء المنعوت وأبعاضه، علتان:
إحداهما: أن يكون ائتلافهما في الكلام على حسب ائتلافهما في خلق المنعوت وبغيته.
والأخرى: أن تكون مؤتلفة في نسبة واحدة، والنسبة ذات ضروب شتى.
[الضرب الأول]: كقول امرئ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فإنما حسن جمعه بين هذه الأبعاض المختلفة والأجزاء المتحاجزة لاتفاقها في الاستعارة والإضافة؛ فأيطلان مستعاران من الظبي، مضافان إليه، وكذلك ما بعده.
والضرب الثاني: كقوله:
سليم الشظى، عبلُ الشوى، شنج النسا له حجبات مشرفات على الفال
فحسن جمعه بين هذه الأشتات لتناسبها في اعتدال الوزن واتفاق القافية وتهيئتها سجعًا في شعره.
[ ١ / ٤١٥ ]
والثالث: كقول أبي دؤاد:
حديد السمع والناظر والعرقوب والقلب
حسن جمعه مع المباينة لتناسبها في الحدة.
وكقوله:
عريض الخد والجبهـ ـة والصهوة والجنب
لتناسبها في العرض.
والضرب الرابع: كقول بعضهم:
وأحمر كالديباج، أما سماؤه فريا، وأما أرضه فمحول
حسن جمعه بين سراته وقوائمه على تفاوتهما؛ لأنه ألف بينهما بنسبتين، إحداهما: أنه كناهما بكنيتين متكافئتين متزاوجتين، وهما السماء والأرض المتقابلتان في النسبة، المتكافئتان في العظم، المتزاوجتان في جاري الكلام.
والسبب الثاني: أنه ضاد بينهما بضدين محمودين، وهما: اندماج السراة وريها، ومحض القوائم وظمؤها.
والضرب الخامس: كقول الكميت:
وآب أبو الشعثاء أشعث داميًا وإن أبا جحل قتيل مجحَّل
فهذه النسب كلها داخلة في حد المطابقة واسمها.
[ ١ / ٤١٦ ]
الأمثال
وللعرب الأمثال التي لا يؤتى عليها كثرة مع حسن معانيها وإصابتها ووضوحها وإبانتها، وهي أكثر أمثال أهل الأرض، وإن كان للفرس أيضًا أمثال كثيرة؛ فهي، مع كثرتها، لا بعشر أمثال العرب. فقد حكى أبو عبيدة، فيما روى أبو حاتم عنه، أنه أوصل إلى أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي أربعة عشر ألف مثل عربي بعضًا في الجلود، وبعضًا في القطني، وبعضًا في القراطيس، وبعضًا في الخزف. فتفرد العرب من بين الأمم بكثرة الأمثال هو بمادة الشعر التي هي ثابتة بالتوالد على مدى الأيام، كما النسل في الأنام.
فبأبيات الشعر كثرت أمثالهم، وزادت على أمثال سائر الأمم أضعافًا مضاعفة. هذا إلى مالهم من أمثال النثر.
وقد جاء الكتاب والأخبار بالأمثال، ولها كتب مفردة فيها، ومفسرة لمعانيها. وقد أودعت كل حرف من حروف المعجم شيئًا منها مما هو على الحرف المبتدأ به، مثل: الألف والباء والتاء والثاء، إلى آخر الحروف، وهي تأتي بعد هذا إن شاء الله.
[ ١ / ٤١٧ ]