[ ٤ / ٧٢٥ ]
[قال الشاعر]:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
قوله هذا يدل على أنه كان أعور؛ فيكون هذا كقول الآخر:
عذرتك يا عيني الصحيحة في البكا فما أولع العوراء بالهملان
كأنه بكى بالصحيحة وساعدتها السقيمة؛ وبلغ من حزن متمم بن نويرة على أخيه أن بكاه بالعوراء.
وقال آخر:
رمتني وستر الله بيني وبينها عشية آرام الكناس رميم
رمتني: أن تنظر إليه وتتعرض له؛ وستر الله ههنا: الإسلام وما يحجر بينه وبين الفجور. ومن ظن أن الستر ههنا ستر البيت الحرام فقد أخطأ؛ والآرام: الأعلام، واحدها إرم وإرمي، وهي حجارة تنصب على الطريق يهتدى بها؛ والكناس: موضع؛ ورميم: اسم امرأة.
[ ٤ / ٧٢٧ ]
قال:
ومستنبح باب الصدى يستتيهه إلى كل صوت وهو في الرحل جانح
المستنبح: الذي يضل فينبح نبح الكلاب ليجيبه منها مجيب فيقصده قصده؛ والصدى: الصوت الذي يجيبك بمثل صوتك، وأكثر ما يكون في الجبال والمواضع الفساح؛ ويستتيهه: يتوهمه، أي إذا سمع صوت صداه تبعه، فظن أنه صوت رجل يناديه؛ والجانح: المائل، وإنما تميل إصاخة إلى الأصوات.
قال:
فقلت لأهلي: ما نعام مطية وسار تضافيه الكلاب النوابح؟
النعام: الصوت الضعيف، يقال: أنعمت الناقة؛ والمطية: ما امتطيته، أي ركبت مطاه وهو الظهر، يراد به البعير؛ ويقال: سميت مطية لأنه يمطى عليها في السير، أي يشد. والساري: السائر ليلًا؛ وأصل الإضافة: الإمالة، وجعلها للكلاب من آجل أن الضعيف تبع نبحها ومال إليه. ومعنى قوله: ما نعام مطية: أن العرب إذا أرادت الضيافة وقربت من البيوت، تنحنح الرجل وحمل بعيره على الرغاء؛ كل ذلك ليؤذن الحي بنفسه. وفي الأمثال: "كفى برغائها مناديًا".
وقال المتوكل الليثي:
فإن بسل الله الشهور فإنني بيسلي جمادى عنكم والمحرم
[ ٤ / ٧٢٨ ]
إنما خص جمادى أنه شهر برد وجدب، كقوله:
في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا
وخص المحرم لأنه شهر حرام لا يسفك فيه دم، ولا يغزى من عدو، ورجب وذو القعدة وذو الحجة. وسئل أعرابي عن الأشهر الحرم، فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. إن بسل الله الشهور عنكم: اختير جمادى لقراكم الضيف وصلتكم الرحم، واختير المحرم لحفظكم حرمته، ولأدائكم حقه.
وقال أعرابي يخاطب امرأته:
شربت دمًا إن لم ترعك نضيرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
قوله: شربت دمًا: [أي] قسمًا، ويحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن الدم حرام في الإسلام، فكأنه قال: أتيت حرامًا إن لم أرعك، أي أفزعك. والوجه الثاني: أن العرب كانت إذا انقطع زادها واضطرت، فصدت البعير فأخرجت من دمه بقدر ما تحتاج إليه، فأدنته من النار فأكلته.
قال رجل سقاه صاحبه دمًا:
سقاني جزاه الله خير جزائه وقد كربت أسباب نفسي تقطع
شرابًا كأن الصرف أدمة جؤية يجوب بها الموماة حرف سميدع
[ ٤ / ٧٢٩ ]
الجؤية: الناقة لونها إلى الكلفة؛ وجائز أن يكون الشراب خمرًا حملته ناقة، ولكن كذلك فسر.
والوجه الثالث: أن يقول: أخذت الدية، إذا شربت من ألبانها فكأني شربت دمًا؛ كقول الآخر:
وإن الذي أصبحتم تحلبونه دم غير أن الدر ليس بأحمرا
ومثله كثير. وقوله: بعيدة مهوضى القرط، أي طويلة العنق؛ والنشر: الطيب الرائحة.
وقال المرقش الأكبر:
النشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكف عنم
العنم: شجر من شجر الشوك لين الأغصان لطيفة كأنها بنان جارية، والواحدة عنمة؛ ويقال: العنم: شوك الطلح. قال النابغة:
بمخضب رخص كأن بنانها عنم يكاد من اللطافة يعقد
وقالت أراكة الباهلية:
[ ٤ / ٧٣٠ ]
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا بجيشان من أسباب مجد تهدما
أبوا أن يفروا والقنا في نحورهم ولم يرتقوا من خشية الموت سلما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
إذا ما غزا منا مع الجيش واحد رأى سوأة ألا يروح مكلما
مكلم: مجرح؛ من الكلام وهي الجراح.
تعاهد أطراف القنا فبقي لها لئن لم يضرج من دم أن يحطما
حرام علينا أن تبيت سيوفنا تزور من أعدائنا تقطر الدما
وقال آخر:
أقلقني الشوق عن وسادي وكيف يشتاق من يبيض؟
أي ينام؛ باض الكرى في عينيه، إذا أخذه السبات.
آخر:
ترى الأبدان منا مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا
الأبدان: جمع بدن، وهي الدروع؛ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، معناه: نلقيك على نجوة من الأرض بدرعك؛ وقال قوم: ننجيك: من النجاة. وقرأ يزيد اليزيدي ومحمد بن المشيع: ببدنك من الثخن؛ وقال النقاش في
[ ٤ / ٧٣١ ]
التفسير: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، أي بجسمك وبدرعك. قال الشاعر:
كان درعك من لؤلؤ تتلألأ فيه الحروب
قال: وقرأ بندائك، من الدعاء، وهو قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.
واليلب: قال بعض أهل اللغة: جلود تلبس تحت الدروع؛ وقال الأصمعي: اليلب: جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على الرؤوس خاصة وليست على الأجساد؛ وقال أبو عبيد: جلود يعمل منها دروع وليست بترسة؛ وقال أبو عبيدة: اليلب: الدرق، قال: ويقال هي جلود تلبس بمنزلة الدروع، الواحدة يلبة. قال أبو عمرو وابن الأعرابي: هي شيء يتخذ من جلود الإبل مثل البيض تجعل في الرؤوس.
قال آخر:
ومستنبت لا بالليالي نباته وما إن تلاقى باسمه السغبان
وآخر في سبع وست نباته ويحصد في سبع معًا وثمان
الأول الطريق، والثاني القمر.
[ ٤ / ٧٣٢ ]
باب