للعرب إقدام على الكلام، وتوسع وهجوم على جليل المعاني ودقيقها، حتى إنهم ليخرجون بكلام من رفع إلى نصب وخفض. ومن نصب إلى خفض ورفع. ومن خفض إلى رفع. ومن مذكر إلى مؤنث. ومن مؤنث إلى مذكر بالإضافة. كل ذلك لاقتدارهم على الفصاحة والإبانة؛ فهم مفصحون كيف نطقوا، ومصيبون بما أطلقوا.
وهم يطيلون إذا كانت الإطالة أوضح للإبانة، ويوجزون حيث يغني الإيجاز عن الإطالة. وبكل ذلك جاء كتاب الله، ﷿؛ لأنه نزل بلسانهم. فمن تصفح كلامهم، وتصحح معانيهم، وقف على أفصح كلام، وعرف أحسن معان وأوضح بيان.
وهم، لثقتهم بفهمهم عن بعضهم بعض، يتكلمون فيما بينهم كيف شاؤوا وبما شاؤوا، وهو مفهوم عنهم، ومعلوم منهم، وهذه فضيلة أيضًا لهم.
وقد سمت العرب القطاة بصوتها حين تهيأ لها ثلاثة أحرف: قاف وطاء وألف .. فكان ذلك هو صوتها سموها به. ثم زعموا بعد ذلك أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا.
وقال الشاعر يذكرها:
وصادقة ما خبرت، قد بعثتها طروقًا، وباقي الليل في الأرض مسدف
فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقًا حين زعمت أنها قطًا، وإن كانت القطاة لم ترد ذلك. ولكن هذا توسع منهم في كلامهم.
وقال الكميت:
[ ١ / ٤١٨ ]
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت إذ كل ذي نسبة لابد منتحل
وقال مزاحم العقيلي في تجاوب القطاة وفرخها:
فنادت وناداها، وما اعوج صدرها بمثل الذي قالت له لم يبدل
والصبيان يسمون الشاة ما ما، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها حين جهلوا اسمها؛ لأن الذي تهيأ للشاة قولها ما.
وقال ذو الرمة:
لا يرفع الصوت إلا ما تخوَّنه داع يناديه باسم الماء مبغوم
ويروى: "لا ينعش الطرف".
ونقول: بغم الظبي يبغم بغومًا، وهو أرخم صوته. والرخامة: لين في المنطق، حسن في النساء. وجارية رخيمة الصوت، ورخم كلامها وصوتها، ومرخومة الصوت أيضًا.
ويقال للرجل الضعيف الصوت: رخيم وأبح وأغن وأصحل.
والمبغوم: الولد، وأمُّه تبغمه، أي: تبغم إليه. والبقرة تبغم. وامرأة بغوم: رخيمة الصوت.
قال:
حبذا أنت يا بغوم إلينا
[ ١ / ٤١٩ ]
وقيل لصبي يلعب على بابهم: من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلبًا، فقال: وَوْ وَوْ وَوْ. وسماه بصوته؛ لأن الذي تهيأ للكلب وَوْ، وعف [عفْ] وأشباه ذلك.
والعرب تخبر عما لا يعقل إخبارها عمن يعقل مجازًا وتوسعًا؛ فمن ذلك: أنه كان مكاتب لبني منقر ظلع بمكاتبته أي: عجز عنها، فأتى قبر غالب أبي الفرزدق فاستجاربه، فأخذ منه حصيات فشدَّهن في عمامته، ثم أتى الفرزدق فخبَّره، ثم قال: إني قلت شعرًا. فقال: هاته فقال:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما خشيت الردى، أو أن أرد على قسر
بقبر امرئ يقر البنين عظامه ولم يك إلا غالبًا ميت يقري
فقال لي: استقدم إمامك إنما فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فخبر عن ميت بالقول.
والعرب وأهل الحكمة من العجم يجعلون كل دليل قولًا؛ فمن ذلك قول زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
عنده أن يبين بما يرى من الآثار فيها عن قدم أهلها وحدثان عهدهم. وكذلك قوله: "فقال لي استقدم إمامك"، البيت، أي: جرب مثل هذا منك في المستجار به،
[ ١ / ٤٢٠ ]
وليس هناك قول أصلًا، ولكن على هذا المعنى.
والعرب، إذا طال عليها وصف الجميع، خرجت من الرفع إلى النصب ثم تعود بعد إلى الرفع.
وقالت خرنق بنت هفان، وقيل: خرنق أخت طرفة بن العبد:
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر
ويروى: "النازلون والطيبين". ويقال: هذا على التعظيم والمدح؛ لأن العرب تنصب الأسماء في موضع الرفع على المدح والذم. فأما على المدح فالذي تقدم ذكره، وأيضًا قول الآخر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل وذات اللجم
ونسخة: اللحم بالحاء. فنصب ليث الكتيبة [وذا الرأي] على المدح.
ونقول: أنا الظريف قائم، فنصب الظريف على المدح لأنا. ويجوز [رفعه] على المدح أيضًا. ولا يجوز رفعه على النعت؛ لأن المكنى لا ينعت؛ لأن النعت دل على
[ ١ / ٤٢١ ]
الاسم. والمكنى لم تكن عنه حتى عرف؛ فليس بك حاجة إلى أن تدل على ما عرف.
وقال الله، ﷿: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فنصب المقيمين على المدح، ورفع "المؤتون" على المدح.
ويقولون: نحن بني تميم ضاربون كبش الكتيبة.
قال الراجز:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
وقال آخر:
أنا ليث العشيرة فاعرفوني حميدًا قد تذريت السناما
وقال الفرزدق:
ألم تر أنا بني دارم زرارة منا أبو معبد
كأنه قال في التمثيل: أعني بني دارم، وأمدح بني دارم. وفي المدح قولهم: اللهم صل على أبا القاسم. على معنى: أمدح أبا القاسم، وأعني أبا القاسم. وإن شئت رفعت على تقدير: هذا أبو القاسم. وإن شئت جررت على اللفظ. وهو، صلى الله عليه: سيدَ المرسلين، وسيدُ المرسلين، وسيدِ المرسلين؛ فتنصب وترفع على المدح، وتخفض على التكرير؛ كأنك قلت: على سيدِ المرسلين.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وأما على الذم، فوق الشاعر:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميرًا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحدًا والقائلين: لمن دار نخليها
نصب الظاعنين على الشتم والذم.
وقال:
سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور
وهذا كقولك: دخلوا علي أعداء الله، أي: أذكر أعداء الله.
وقال:
لعمري، وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلًا علي الأقارع
أقارع عوف، لا أحاول غيرها وجوه قرود تبتغي من تجادع
كأنه قال: أذكر وجوه قرود. وقوله: "بُطلًا" يعني: باطلًا، كقولهم: قال فلان ضلًا، يعني: ضلالًا. وأعطى قلًا، أي: قليلًا، وكثرًا، أي كثيرًا. وكذلك: كثر، أي كثير.
وقال آخر:
طليق الله لم يمنن عليه أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء تقلِّب عينها حذر الصقور
[ ١ / ٤٢٣ ]
كأنه قال: أعني بنت ماء، على الذم.
وقرئ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وحمالة؛ فرفعوا ونصبوا على الذم. وأضمروا في الرفع هي، كأنهم قالوا: هي حمالة الحطب. وقرئ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَامِلَةُ الْحَطَبِ﴾.
والعرب تنصب أيضًا على الاختصاص. تقول: إنا بني فلان نفعل كذا. فلما قلت: إنا، قد أعني بني فلان، أردت أن تخصهم ولم ترد أن تخبر أنهم بنو فلان؛ وذلك أنك إذا قلت: إنا بنو زيد فإنما أردت أن تخبر بالفعل، ونصبت على الاختصاص بفعل. وإذا قلت: إنا بني زيد، فلم ترد أن تخبر أن أباكم زيد، إنما أردت أن تخبر بالفعل، ونصبت بني على الاختصاص بفعل مضمر، تريد: أعني.
قال:
إنا بني منقر، قوم ذوو حسب فينا سراة بني سعد وناديها
ومثله قول الفرزدق:
بنا تميمًا يكشف الضباب
لم يرد صاحب البيت الأول أن يخبر أن أباهم منقر، وإنما نصب بني منقر علي الفخر. ولم يجعل الفرزدق بنا [الخبر]، إنما الخبر: يكشف الضباب. ثم اختص تميمًا على: أعني تميمًا.
والعرب تنصب على الترحم أيضًا.
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال:
فأصبحت بقرقرى كوانسا فلا تلمه أن ينام البائسا
كأنه قال: أعني البائسا.
ويقولون: به البائس داء، ينصون البائس على الترحم، حين لم يقدروا أن يقولوا: به البائس فيعطف ظاهر على مضمر، وإنما أرادوا أن يقولوا: بالبائس داء. وقد يقال: به البائس على معنى: البائس به داء. وقد يجوز: به البائس داء، على التبيين، أي: به بالبائس؛ لأنك لما قلت: "به"، لم تعرف ما أجود الوجوه في هذا النصب.
ومن العرب من يرفع الكلام أجمع بعد كان.
كما قال:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدَّما
وقد قرئ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ فالرفع، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فيما زعموا على طريق الغلط، لما كثر الأسماء وطال الوصف. وقرئ: ﴿عَشِيرَاتِكُم﴾ على الجمع، وهي قراءة أبي.
والعرب تؤنث المذكر بإضافته إلى المؤنث.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
والصدر مذكر، فأنثه لأنه أضافه إلى القناة، والقناة مؤنث. وذلك يجوز ما كان من الشيء؛ لأن الصدر هو من القناة؛ فلذلك قد جاز. ولو قلت: هذه غلام مريم، لم يجز؛ لأن الغلام غير مريم.
وقال:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت سور المدينة، والجبال الخشع
السور مذكر، فأنثه لأنه أضافه إلى المدينة، والمدينة مؤنث؛ لأن السور من المدينة.
قال الله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. والأعناق مؤنث، ولم يقل خاضعات؛ لأنه أضافها إلى مذكر وهو الهاء والميم، وهي أسماء القوم. ولو أنث لقال: أعناقها.
ومثله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، أي: هذا الشيء. وقال بعضهم: كانوا يذكرون الآلهة، فأراد أن يعرفهم جهلهم، فقال: هذا ربي، فلما أفلت، أي: أنتم جهال، ولو كان ربًا لم يغب ولم يزل. قال المفسرون: ما شك إبراهيم، ﵇، إلا يومًا وليلة، ثم هداه الله تعالى.
وإذا دخل بين الاسم المؤنث والفعل حاجز، ففيه وجهان: إن شئت ذكرت
[ ١ / ٤٢٦ ]
الفعل، وإن شئت أنثته، كقوله، ﷿: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾. [وفي موضع آخر: ﴿وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾].
[وكقوله تعالى]: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، و﴿تُقْبَل﴾ بالتاء.
[وقوله]: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ و﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾.
ومثله كثير في القرآن والكلام والشعر والأمثال. وهذا في الآدميين قبيح قليل. نقول: قامت في الدار جاريتك. فإن قلت: قام، فقبيح، وهو جائز على قُبحه.
قال جرير:
لقد ولد الأخيطل أم سوء على قمع استها صلب وشام
والعرب تضيف الفعل إلى الآمر به، تقول: قتل الأمير فلانًا، وضرب فلانًا؛ إذا كان هو الآمر بذلك دون أن يكون مباينًا له.
قال الله [تعالى]: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾، أي: طمست الملائكة أعينهم بأمرنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، وإنما قتلهم الملائكة يوم بدر.
وكذلك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
[ ١ / ٤٢٧ ]
قال الحسن وغيره: لم تكن هزيمة القوم برميتك، ولكن الله هزمهم برميتك.
وعن النبي، صلى الله عليه: "من كسا لله، وسقى لله، كساه الله حلة الكرامة، وسقاه من الرحيق المختوم".
يقول: نأمر أن يكسا ويسقى، لا أن يباشر ذلك.
وأما قوله [تعالى]: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقوله، ﷿: ﴿أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾؛ فإن بعضهم ذكر أنهم إنما ذكروا الفعل من أجل الحاجز وهي الهاء التي في جاءه، والهاء والميم التي في تأتهم. وقال بعضهم: أرادوا المصدر، فذكروا لذلك، كأنه أراد: فمن جاءه وعظ من ربه. [و]: أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى، أو تبين ما في الصحف. وقرأ بعضهم: ﴿تَاتِهم﴾ على تأنيث البينة.
وأما قول الشاعر:
إن السماحة والمروءة ضمنا قبرًا بمرو على الطريق الواضح
[فقال: ضُمّنا] ولم يقل: ضُمنتا، فلأن بعضهم ذكر أنه أراد الجود والكرم، فرده على المعنى لا على اللفظ. وقال بعضهم: أراد المصدر؛ كأنه قال: إن السماح والمروءة. وقال بعضهم: شيئان ضصمنا؛ لأن الشيء يقع على كل شيء من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى. وعن بعض العلماء: أن الرواية: "إن السماحة والمغيرة ضمنا". فإن كان كذلك لم يجز إلا ضمنا.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وأما قول أبي ذؤيب:
لو كان مدحة حي منشرًا أحدًا أحيا أباكُنَّ، يا ليلى، الأماديح
كأنه أراد لامدح، كأنه قال: لو كان مدح حي أو مديح حي منشرًا أحدًا. فقال: منشرًا، ولم يقل: منشرة.
والعرب قد تؤنث فعل المؤنث بالتاء والنون، فإذا جاؤوا بإحديهما، استغنوا بها عن الأخرى.
قال الله، ﷿: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾. ولم يقل: يفضن.
وقال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولم يقل: تضعن.
ويقولون: النساء يذهبن، والنساء تذهب، بالتاء. وبناتك يخرجن وتخرج.
والعرب لا تجمع بين علامتين في التأنيث، لا تقول: النساء ترمين، ولا تفعلن، بالتاء. إنما تقول: يرمين ويفعلن، بالياء.
قال الله، ﷿: ﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.
ثم قال جرير:
يرمين من خلل الستور بأعين فيها السقام وبرء كل سقيم
فقال: يرمين لئلا تجتمع علامتان للتأنيث.
والعرب تجعل لفظ المذكر ولامؤنث سواء في كل ما كان على فعل يفعل وفي آخره واو؛ ألا ترى إلى قوله، ﷿: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وإنما النساء كن يدعونه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وقال، جل وعلا: ﴿اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. كل هذا لفظ المذكر ولامؤنث فيه سواء؛ لأنك تقول: عتايعتو، ودعا يدعو، ورجا يرجو. وكذلك: هن يتلون كتاب الله؛ لأنك تقول: تلا يتلو. وهن يقرأن، وما أشبه ذلك.
وإذا حملوا المعنى على المكان ذكروا الفعل في المؤنث.
قال:
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها
ولم يقل: أبقلت، فذكَّر الفعل، وهي الأرض، وهي مؤنثة؛ لأنه أراد المكان؛ لأن الأرض مكان.
وقد قالوا: هؤلاء بنو نعش، يريدون: بنات نعش.
وقال الشاعر:
تمزَّزتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
فذكر بنات نعش. وإنما ذكروا لأن أول أحوال الأسماء التذكير، فردوه إلى المذكر. وقد قالوا: أمة الله جاء وهذا قبيح في الشعر.
قال:
فإما تري لمَّتي بدّلت فإن الحوادث أودى بها
[ ١ / ٤٣٠ ]
يريد: أودت بها، فذكَّر.
وما يكون من المذكر في نعته الهاء، فهو خلاف هذا.
قال الحطيئة:
وآمرهم هوْكودة في نزالهم وما بهم حيد إذا الحرب قرت
على هذا التكرار أراد: أمرهم مرة واحدة؛ كما قال الله، ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ﴾، يريد: إلا مرة واحدة.
والعرب، إذا جمعوا مؤنثًا ومذكرًا، غلبوا المذكر على لامؤنث، وإن كان المذكر أقل من المؤنث. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ إلى قوله، ﷿: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. فجمع المذكر ولامؤنث، فغلَّب المذكر على المؤنث.
والعرب تخرج بلفظها من مذكر إلى مؤنث، ومن مؤنث إلى مذكر بالإضافة.
قال الله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ فذكَّر، فجعل اللفظ على الخلْقِ. ويجوز أن يكون جعل اللفظ على الطين، وهو مذكر. وأما الهيئة فهي مؤنثة.
قال الشاعر:
يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت
فجعله على الصيحة.
ومثله: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ إلى ﴿فَارْزُقُوهُمْ
[ ١ / ٤٣١ ]
مِنْهُ﴾، ولم يقل: منها. والقسمة مؤنثة. أراد بالقسمة المال، ويجوز الميراث.
ومثله [قوله تعالى]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فذكَّر لأنه أراد الرسول، ﷺ.
ومثله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. [أي]: هذا الذي ظهر لنا سحر مبين. ثم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾، يعني: الآية؛ فجعل اللفظ في الأول على المعنى؛ لأن المعنى مذكَّر، وردَّ في الآخر إلى اللفظ.
قال الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تهدمت سور المدينة والجبال الخشع
والسور مذكر فأنثه لأنه أضافه إلى المدينة وهي مؤنث.
[والعرب تُخرج المكنى على ما تقدم. قال الله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾، أي: يفعل الإسرار إليهم بالمودة لما كان في ﴿تُسِرُّون﴾ معنى الإسرار أن خرج المكنى عليه.
قال القُطامي:
قرم إذا ابتدر الرجال عظيمة سبقت إليه يمينه الأيمانا
يريد: إلى الابتدار لما كان في ابتداء ذكره أخرج المكنى عليه.
أنشد الفراء:
[ ١ / ٤٣٢ ]
هم الملوك وأبناء الملوك لهم والآخذون به، والساسة الأول
لما كان في الملوك معنى الملك قال به على معنى الملك].
والعرب تستغني بالشيء عن الشيء إذا كان من سببه. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وإنما قدمت الأنفس. [وقال تعالى]: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾. يريد: ثلاثين يومًا. فلما كان الليالي من سبب الأيام استغنى بذكرها؛ لأن الأيام لا تكون إلا بالليالي. وكذلك الأيدي من الأنفس.
والعرب قد تضيف الاسم إلى الصفة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [وقال]: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. وإنما هو: الدعوة الحق، والحق اليقين؛ فنزع الألف واللام من الاسم، وأضافه إلى الصفة.
وربما ردوا الصفة إلى المصدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. إنما هو: غائر، فردَّ إلى المصدر.
والعرب تقدم الخبر قبل الاسم. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقدم الخبر.
والعرب تضيف بما كان فيه الألف واللام إلى ما كان فيه الألف واللام إذا كان فعلًا أو صفة. يقولون: الكثير المال، والحسن الوجه.
قال الشاعر:
وأنا الناصر الحقيقة إذ أظ لم يوم تضيق فيه الصدور
وقال الله، ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وما جاء (على) فعلى فهو أبدًا صفة.
والعرب تأمر نفسها. يقول الرجل منهم، واسمه زيد ليفعل زيد كذا وكذا، وهو زيد، أي: أفعل كذا.
وأنكر هذا الضبي وقال: [لا يجوز] في الكلام أن يأمر الإنسان نفسه؛ لأنه يكون آمرًا مأمورًا، وهذان ضدان لا يجتمعان.
والعرب تفرد فعل الاثنين والجميع إذا تقدم. قال الله، جل اسمه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
ومنهم من يجمع فعل الجميع إذا تقدم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وقال، ﷿: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال بعض أهل العلم: سمعت أبا عمرو الهذلي وهو يقول: "أكلوني البراغيث"، وكان فصيحًا.
والعرب تبدأ بالأقل قبل الأكثر. يقولون: خمسة وعشرة. و: لم يترك قليلًا ولا كثيرًا.
قال عيسى بن عمر: قلت لأعرابي: كم في المسجد من سارية؟ فقال: خمسون وخمسمئة وخمسة آلاف.
وكذلك يقدمون الاسم على الكُنية. يقولون: عبد الله أبو محمد. ومحمد أبو
[ ١ / ٤٣٤ ]
عبد الله.
وقالوا: العمران، يريدون: أبا بكر وعمر، فبدؤوا بعمر قبل أبي بكر وهو قبله. وكذلك: القمران، يريدون: الشمس والقمر؛ لأن هذا من كلامهم ومذاهبهم.
وليس في كلام العرب ثلاثة فلوس، ولا ثلاثة كلاب. ولكنهم يقولون: ثلاثة أفلس، وثلاثة أكلب. وأما الجمع الكثير فهو الفلوس والكلاب.
والحمد والشكر، والحرام والحلال، والمنُّ والسلوى، والذي ومَنْ، وكلّ وكلهم، والطفل، والطير، والسمع، والعدو، والصيف، والبرهان، كل هذا وما أشبهه لفظ مجموع لا يفرد. وقول من قال: جمع البرهان البراهين باطل.
وواحد القثَّاء: قثًا. ومن همزة قال: قثَّاءة.
وواحد الزبى: زبية.
وواحد الإناث: أنيث.
وجمع المرء: مرؤون.
والعرب تدعو بلن.
قال الأعشى:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ ـت لهم خالدًا خلود الجبال
[وقد قيل في قول موسى]، ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ
[ ١ / ٤٣٥ ]
ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، إنه يجوز أن يكون دعاء.
والعرب تضيف فعل الواحد إلى الجماعة إذا كانوا راضين بفعله.
قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾، وإنما عقرها واحد، فأضاف فعله إليهم لأنهم كانوا راضين بعقرها، وهو قُدار بن سالف.
قال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلُّهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
غلمان أشأم، يريد: غلمان شؤم. يقال: شؤم وأشأم، مثل: عجم وأعجم. وأحمر عاد: إنما هو أحمر ثمود. وعاد وثمود عنده واحد؛ لأنهم كانوا في دهر واحد. وكان ثمود أحمر الشعر أزور سناطًا قصيرًا.
وقال الله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
لما كانت الأبناء راضية بفعل الآباء من قتل الأنبياء والمعاصي وأشباه ذلك، دخلوا معهم في الإثم ولزمهم اللوم وشاركوهم فيها أيضًا. فكذلك تقول العرب: قتلنا وهزمنا وفضحناكم يوم الجفار ويوم النسار، ويوم جبلة، ويوم كذا ويوم
[ ١ / ٤٣٦ ]
كذا، أي قتلت أبناؤنا آباءكم، على مجاز اللغة.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾؟ فالمعنى: لم قتلتم؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ [قَبْلُ]﴾.
كما قال، ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، أي: ما تلت.
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي: يخلده.
ويشترك فعل ويفعل في معنى واحد.
قال الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني
فقال: أمر، ثم قال: مضيت.
وقال آخر:
وإني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر، واستنجاز ما كان في غد
أي: ما يكون.
وقال الحطيئة:
[ ١ / ٤٣٧ ]
شهد الحطيئة حين يلقى ربَّه أن الوليد أحق بالعذر
أي: يشهد.
وقال: آخر:
فما أضحى، ولا أمسيت إلا وإني منكم في كوفان
أي: في شر وبلية. ويقال: كفت من جلده، أي: أخذت منه قطعة.
فقال: أضحى، ثم قال: أمسيت.
وحكي في تفسير: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾. أي: يمنع.
ومثله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، أي: سينادون.
والعرب تجعل فاعلًا على مفعول، إذا لم يخافوا التباسًا، كما قالوا: هذا أمر عارف، أي: معروف. وما أنت بحازم عقل، أي: محزوم. ونحن في سر كاتم، [أي]: مكتوم، و﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾، أي: مدفوق. وهذه تطليقة بائنة، أي: مبانة.
والراحلة هي المرحولة. و﴿عِيشَةٍ [رَاضِيَةٍ]﴾. أي: مرضية. ويجوز أن تكون مرضية لأهلها.
وقالت خرنق:
يفلق بين هادي الورد منهم رؤوسًا بين حالقة ووفر
[ ١ / ٤٣٨ ]
يريد: محلوقة.
وقالت نائحة همام بن مرة:
لقد عيَّل الأيتام طعنة ناشره أناشر، لا زالت يمينك آشره
أي: مأشورة ومقطوعة بالميشار. يقال: أشره ووشره. فجاءت على معنى مفعول.
ومثله قوله تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. أي: لا معصوم. وقيل: لا عاصم: لا مانع.
ويجعلون "أفعل" في موضع "فَعِل" و"فاعِل". قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
قال ابن عباس: أي: هيّن عليه.
وقال الراجز:
قبحتم يا آل عوف نفرا ألأم قوم أصغرًا وأكبرا
يريد: صغيرًا وكبيرًا.
ويقال: إن لها أسفلًا وأعلى، وأوسطًا وأدنىً وأقصىً، منون كله.
وحكي عن العرب أنهم يقولون: الحق الأعظم، يريدون: العظيم.
وقال ذو الرمة:
أخي قفرات دببت في عظامه شفافات أعجاز الكرى فهو أخضع
[ ١ / ٤٣٩ ]
يريد: فهو خاضع. وشفافات الكرى: بقيات. والشفافة: البقية من كل شيء. وأعجاز الكرى: أواخره.
وقال آخر:
لعمرك ما أدري، وإني لأوجل .. على أينا تعدو المنية أول
قوله: أوجل، يريد: وجل.
وقال آخر:
تمنى رجال أن أموت، وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
يريد: بواحد.
وقال الأحوص:
يا دار عاتكة تحمَّل أهلها حذر العدى وبها الفؤاد موكَّل
ويروى:
يا دار عاتكة التي أتعزَّل حذر العدى، وبها الفؤاد موكَّل
إني لأمنحك الصدود وإنني قسمًا إليك، مع الصدود، لأميل
يريد: لمائل.
والعرب ربما وصفت مذكرًا بلفظ المؤنث، كقولهم للرجل: رحمة، وعبد الله
[ ١ / ٤٤٠ ]
بركة، وزيد نسَّابة، وعمر علامة.
ويقال للرجل، إذا لم يحج: صرورة.
قال النابغة الذبياني:
لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولخاله رشدًا وإن لم يرشد
وأما قوله تعالى: ﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، فليس هذا من وصف الإنسان، أي: الإنسان على نفسه حجة. وقال بعضهم: بينة؛ كقولك: على رأسه قلنسوة، وعليه عمامة وملحفة.
والعرب تصف المؤنث بالمصدر؛ فلا يدخلون في المصدر الهاء، كقولهم: إنما خلَّفت فلانة لك عذابًا وسجنًا، ونحو ذلك بغير الهاء.
قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾.
وإذا كانت الكلمة المؤنثة ظرفًا، فالواحد والاثنان والجميع من المذكر والمؤنث بغير هاء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾.
والعرب تفعل ذلك في: قريب وبعيد.
قال:
فإن تُمس ابنة السهمي منا بعيدًا لا نكلمها كلاما
[ ١ / ٤٤١ ]
وقال الشنفرى:
تؤرقني، وقد أمست بعيدًا وأصحابي بغيهم أو تباله
وقال آخر:
ليالي، لا أسماء منك بعيدة فتسلو، ولا أسماء منك قريب
والعرب ترد الفاعل إلى فعيل، مثل: قادر وقدير، وقاعد وقعيد، وناصر ونصير.
قال الله، ﷿: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. معناه: قادر. و﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، إنما هو قاعد. و﴿مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.
وتضع "فعيل" في معنى "مفعل". قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. مجازه: المحكم المبين الواضح.
و﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. مجازه: معتد.
قال أبو ذؤيب:
ولم تشعر إذًا أني خليف
أي: مُخْلِف.
وتضع "فعيل" في موضع "مفعل". قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. مجازه: مؤلم.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وسميع مجازه: مسمع.
قال عمرو بن معدي كرب:
أمِنْ ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
أي: الداعي المسمع.
وبصير مجازه: المبصر.
والعرب تقول: غضبت عليك مما تعلم، أي: من أجل ما تعلم.
قال الله، ﷿: ﴿كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. قيل: من الخلق الذين تعلمون ممن كلفوا وقامت عليهم الحُجة. كأنه قال: من الذين يعلمون؛ لأنا قد أعلمناكم من الذين قد لزمهم الأمر والنهي. ووجه آخر: أن يكون ﴿مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والأمر والنهي.
وقال الأعشى:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذي هوى أن تزارا
المعنى عندنا: من أجل ليلى؛ لقوله: "وشطَّت على ذي هوى"، فدل على أنه لم يزمع معهم، أي: من أجلهم لنأيهم عنه.
والعرب تقول: فعلت هذا لزيد، أي: من أجل زيد.
قال النمر بن تولب:
[ ١ / ٤٤٣ ]
ما كنت أخدع للخليل بخلة حتى يكون لي الخليل خدوعا
وقال آخر:
وخطة خسف تجعل الموت دونها نقول لها: للموت أهلًا ومرحبا
الخسف: الضيم.
والعرب تقول: لا أزيل بمعنى: لا أزال. قال سعد: سمعت الأخطل مرة يقول، وقد قدم البصرة: لا أزيل أفعل ذلك. يريد: لا أزال.
والعرب تقول: الأحمر، ويلقون الهمزة فيقولون: الحمْرَ، فيفتحون اللام ويقرون ألف الوصل؛ لأن اللام في نية السكون. وبعضهم يقول: ولحمر، ولا يقر ألف الوصل، يريد: الأحمر.
والعرب لا تهمز فاعلًا ولا مفاعلًا.
والعرب تقول: الأمر فوق ما يوصف، إذا كان أكبر مما يوصف ودون ما يوصف.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، يعني: فما دونها.
والعرب تسمي أصحاب الماء القليل: الساملين. والسَّمَل: الماء القليل.
الكسائي: العرب تقول: هذا باز حسن، وجمعه: بيزان، مثل: نار ونيران، وخال وخيلان. وهذا باز حسن وجمعه: بزاة، شبيه بقاض وقضاة، وغاز وغزاة. والعرب تقول: هذا رجل غاز، ورجل غزاء، إذا غزا كثيرًا. وهم رجال غزو، يريد: غزوًا بعد غزو.
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾.
[ ١ / ٤٤٤ ]
والعرب تسمي المجلس مقامًا، بفتح الميم. وقد قرئ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾، بفتح الميم، يريد: المجلس. وقرئ: ﴿مُقَامٍ﴾ بضم الميم، يريد: مقامة. والمقام والمقامة: الموضع الذي تقوم فيه. وفي القرآن: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾. والمقامة: هي موضع الإقامة للمقيم فيه، والجمع: المقامات.
وقال:
يومان: يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء، تأويب
والعرب تضيف الفعل إلى الآمر، وإن لم يتولاه بنفسه.
يقولون: فلان ضربه السلطان، وإنما أمر بضربه غيره. وتقول: بنيت الدار، وإنما أمر فبناها غيره.
قال الله، ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فأضاف الفعل إلى نفسه، ﷿، وإنما رمتهم الملائكة، ﵈، بأمره ﷻ.
والعرب تقول: فلان يخلق ثوبًا، أي: يقدِّره. قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، أي: تقدِّرون.
وقال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري
تقول: فريت الشيء: إذا شققته، فكأنه قال: تقدّرُ ثم لا تشق.
والعرب تقول: بعد زيد عمرًا، أي: بعدُ زيد من عمرو. وبعدت حالك حالي؛ أي:
[ ١ / ٤٤٥ ]
حالك من حالي.
قال:
تسيئين لياني وأنت ملية لقد بعدت في الوصف حالك حاليا
أي: حالُك من حالي.
والعرب ربما جاؤوا باسمين، فجعلوا اللفظ أحدهما.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، ولم يقل: يرضوهما. فجعل اللفظ [على] أحدهما.
ومثله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: ينفقوهما.
ومثله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، ولم يقل: إليهما.
ومثله كثير.
وقال عمر بن ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
ويروى: وإني وقيّارًا، بنصب الاسمين؛ فالرواية الأولى يريد: فإني لغريب بها وقيّار. والرواية الثانية، فإنه يأتي بخبر واحد، وهو حجة لمن قال: إن زيدًا وعمرًا قائم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قال ذو الرمة:
تلك الفتاة التي عُلِّقتها عرضًا إن الكريم وذو الإسلام يختلب
أراد: إن الكريم يختلب وذو الإسلام.
ويروى: "إن الكريم وذا الإسلام يختلب"، بنصب الاسمين، ويأتي بخبر واحد.
وقال آخر:
وإن دموعي إثره لكثيرة لو أن البكاء والزفير يريح
ولم يقل: يريحان.
وقال حسان بن ثابت:
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل: ما لم يُعاصا.
وقال آخر:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده
وقال الأنصاري الخزرجي:
نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقال الأعشى:
بناه سليمان بن داود حقبة له أزج صم وطي مزنق
أراد: صم عقوده ومبانيه، فألقى ذلك وكفَّ خبره.
والعرب قد تصف الجماعة بصفة المفرد وتجعل الصفة واحدة، وإن كان الاثنان جماعة. قال الله تعالى: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، والحدائق جمع، ولم يقل: ذوات بهجة.
والعرب تستثني الشيء من الشيء الذي ليس هو منه. قال الله، ﷿: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، [فاستثنى رب العالمين] منهم، وليس هو منهم.
وقال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، والظن ليس من العلم.
وقال النابغة:
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بغائب
فاستثنى حسن الظن من العلم، وليس هو من العلم.
والعرب تجعل أكثر الشيء بمعنى كل الشيء، يقولون: أرض بني فلان أكثر ما تنبت كذا، ولا تنبت غيره.
وقوله، ﷿: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. قال الحسن: فمعناه: كلهم كاذبون.
والعرب ربما لم يجيئوا بالجواب إذا كان الكلام يدل على المعنى. قال الله،
[ ١ / ٤٤٨ ]
﷿: ﴿وأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. أمر، ثم قال تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾، فلم يجئ جواب، ولو كان جوابًا لقال: "لا نسألك رزقًا"، بتسكين اللام.
ومثله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، ثم قال، ﷿: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾، ولم يجئ بالخبر؛ لأن اللفظ دل على المعنى. والمعنى: لو كان قرآنًا على ما تصفون؛ لكان هذا القرآن لا يكون غيره.
ومثله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الآية.
[ومثله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية].
ومثله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
ومثله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾؟
ومثله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى ﴿والبَادِ﴾.
ومثله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ثم قال، ﷿: ﴿وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
ومثل هذا كثير؛ وذلك أن القوم تكلموا بلغتهم وبما يعقلون. فجاز أن يبتدئ ثم
[ ١ / ٤٤٩ ]
يدعه بغير خبر؛ لعلم المخاطب بما يريد المخاطب.
قال امرؤ القيس:
وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
كأنه قال: لو أتانا سواك لرددناه ولم نقض حاجته.
وقال آخر:
فلو مارسوه ساعة إن قرنه إذا خام أخدان الإماء يطيح
كأنه قال: لعرفوه، فترك الخبر.
وقال ربعي بن عبد مناف:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلًا كما تطرد الجمالة الشردا
وهو آخر القصيدة، فتركها بلا خبر.
وقال آخر:
حتى إذا بلغ العناء أنوفها ونفت بدرة صائك متفجر
وليس بعد هذا البيت شيء. والصائك: الدم.
وقال الأخطل:
[ ١ / ٤٥٠ ]
خلا أن حيًا من قريش تفضلوا على الناس أو أن المكارم نهشلا
وهو آخر القصيدة فنصبه وكف عن خبره.
والعرب تأمر بلفظ الاستفهام، تقول: هل أنتم ذاهبون؟ أي: اذهبوا. أو: هل أنت ساكت؟ أي: اسكت.
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾؟ أي: انتهوا.
وقد تجيء بلفظ الاستفهام وهو إيجاب ليس باستفهام في الحقيقة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلاتِ﴾؟ تقول: قد امتلأت. وأما: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال النحويون، أبو عمرو وقطرب ويونس: هذا على الإيجاب. والمعنى: هل في من زيادة؟ لا أنها تسأل الزيادة؛ لأن الله تعالى قال لها: ﴿هَلْ امْتَلاتِ﴾ حين امتلأت.
وقال تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟ جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة، ﵈، لم تستفهم ربها، ولكن معناها الإيجاب، أي: إنك ستفعل.
قال جرير لعبد الملك بن مروان:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
فأوجب ولم يستفهم. ولو كان استفهامًا لم يكن مدحًا. وقوله: بطون راح، يريد: جمع راحة الكف.
قال عبيد:
[ ١ / ٤٥١ ]
دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
[الراح]: جمع راحة، مثل ساع: جمع ساعة. والهيدب: السحاب الذي ينصب الماء منه كأنه بخيوط متصلة.
والعرب تسمي النعمة إِمَّة. وقرئ: ﴿على إِمّةٍ﴾، أي: نعمة.
قال عدي:
ثم بعد الفلاح ولارشد والإمـ ـمة، وارتهم هناك القبور
[ ١ / ٤٥٢ ]
فصل في الكسر
والعرب تخرج من آخر حرف من الكلمة حرفًا مثله، كما قالوا: رماد رمديد، ورجل رعشن، وهذا دخيل فلان ودخلله.
وناس من أهل اليمن والشحر يكسرون كل فعيل من غير أن يكون فيه حرف من حروف الحلق، وهو قبيح. يقولون: كثير وكبير وشِهيد وسِعيد ورحيم. ويقرؤون: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾. على تلك اللغة.
ولغة تميم وسفلى مضر يكسرون فعيلًا في كل شيء كان ثانيه من حروف الحلق. يقولون: شهيد وبعير.
ولغة أخرى شنعاء يكسرون كل فعيل فمنها: الضنين والنصيب. والنصب فيهما هو الصواب العالي.
وبعض العرب يقول: ضحاها وبلاها وطحاها بالكسر، وهي لغة الذين يقولون: غزيت وعفيت، يردون الواو إلى الياء كما ردوا الألف إلى الياء. قالوا: أخطأت وأخطيت، وأسأت وأسيت، وقرأت وقريت، وتوضأت وتوضيت.
وأمٌّ وإِمّ، وبكيَّا وبكيا، وقد قرئ بهما.
وقد يردون فعالة إلى فعيلى، يقولون: خليفى، على بناء هجيري، يعني: الخلافة.
[ ١ / ٤٥٣ ]
ومثله أحرف: رديدى من الرد، ودليلى من الدلالة، وخطيبى من الخِطبة، وحجيزى من حجزت، وهزيمى من الهزيمة، ونحو ذلك.
وتقول: خطت الثوب وهو مخيط، وكان حده مخيوطًا، فليَّنوا الياء كما لينوها في خاط؛ فالتقى ساكنان: سكون الياء وسكون الواو، فألقوا الواو الساكنة، فقالوا: مخيط، ويقال: مخوط، بإلقاء الياء لالتقاء الساكنين. وكذلك يرد: مكيل ومكول.
والإرمداء: الرماد.
قال:
لا يبق هذا الدهر من ثريائه غير أثافيه وغرمدئه
الثرياء: الثرى.
ومن العرب من لا ينون عند الألف واللام شيئًا، وهم حمير وغيرهم. وقرأ الحسن وابن سيرين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، الله﴾، على هذه اللغة، كرهوا التنوين عند الألف واللام.
قال يوسف النحوي: سمعت فصحاء العرب يقولون: اللهم صل على محمد النبي، لا ينونون؛ لاستثقال الألف واللام. ويقولون: صل على محمد عبدك ونبيك، نونوا، لأنه ليس مستقبله الألف واللام.
[ومنهم] من يقول في: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: ﴿فَادْعِ لَنَا رَبَّكَ﴾، بكسر العين، وهي قليلة.
ومثله: اهجه، بكسر الجيم، يكسرون ما سقط منه الواو للجزم؛ وليس هو كثيرًا.
[ ١ / ٤٥٤ ]
والضم أفصح وأعلى؛ غير أن بعضهم ينشد [لبعض] بني أسد:
قد طال ما سرت فيكم ولم تعف آثاري رياح ولا قطر
بكسر الفاء، والأصل الضم.
وقال آخر:
اعل الطريق واجتنب أرماما
ومن نوادر العرب: فداء، يقال بالرفع والنصب والجر.
وأنشد للنابغة:
فداء ما تُقِلُّ النعل مني إلى أعلى الذؤابة للهمام
والعرب تقول: أرسل فلان الطائر من يده، إذا خلاه. وعلى ذلك فسر قوله، ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾؟، بمعنى التخلية.
قال الراجز:
أرسل فيها مقرمًا غير قفر طبًا بإظهار المرابيع الشور
[أرسل] يعني: خلاه. والمقرم من الإبل: الضخم. غير قفر: غير مهزول. والطب: الرفيق بالشيء. والمرابيع: الإبل التي تلقح في الربيع.
ويقولون: لا ينبغي أن يكون كذا، أي: لا يكون له أن يفعل ذلك.
[ ١ / ٤٥٥ ]
قال ابن أحمر:
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ما يبتغى دونها سهل ولا جبل
على هذا المعنى. ورأس خلقاء يعني: الصخرة الملساء. وعنقاء: اسم جبل.
والعرب تقول: أصبحت فقيهًا، وأمسيت شاعرًا، أي: صرت كذلك، لا يريدون الصباح والمساء. وأصبحتم متعاونين، أي: صرتم؛ ألا ترى إلى قوله، ﷿: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، ولم يكن قتالهم بالليل إنما كان بالنهار.
والعرب تسمي كل شيء بين شيئين برزخًا، وجمعه برازخ.
وتسمي السنة حجة، والسنن حججًا.
قال الله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾.
ويقولون في الجارية: غلامة، وفي العجوز: شيخة وعجوزة.
قال الأسدي:
ومركضة صريحي أبوها يهان لها الغلامة والغلام
وقال آخر:
فلم أر عاما كان أكثر باكيًا ووجه غلام يسترى وغلامه
يسترى، أي: يختار. تقول: استريت الشيء، أي: اخترته. [وسراة الشيء: خياره، وكذلك تسريته، أي: اخترته].
[ ١ / ٤٥٦ ]
قال الأعشى:
وقد أخرج الكاعب المسترا ة من خدرها وأشيع القمارا
وقال:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيا
وقال:
وقد زعم النسوان أني عجوزة مشنجة الأوداج، أو شارف خصي
ويقولون: رجل ورجلة للمرأة، وهي لغة طيء.
قال:
خرقوا جيب فتاتهم ولم يبالوا سوأة الرجله
ويقولون في هذا المعنى للمرأة: هي رجلة، أي: راجلة.
وقال:
فإن يك قولهم صادقًا فسيقت نسائي إليكم رجالا
أي: رواجل.
ويقولون: إنسان وإنسانة.
قال:
إنسانة تسقيك من أسنانها خمرًا حلالًا مقلتاها عنبه
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقالوا: فرسة، فأدخلوا الهاء في هذه الأسماء لتحقيق التأنيث.
والعرب تسمي الدين الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فسر: لعلى دين عظيم. وقيل عن عائشة أنها قالت: "ما أراد إلا خُلُقه" والله أعلم.
وتسمي الوصف الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خَلْقُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا إلا وصف الأولين وكذبهم.
وقرأ حمزة والأعمش وأكثر قراء الكوفة: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾، برفع الخاء واللام والقاف، أي: ما هذا الذي نحن عليه إلا دين الأولين.
وتسمي أعناق النخل القصر.
وقال النحويون: الدار والديار: المساكن والمنازل. وقال بعضهم: الدار: المنازل والمساكن، والديار: جمع الجمع.
وقيل: إن القرية لا تسمى قرية إلا بالناس فيها. والبلد يسمونها بلدًا، وإن لم يكن فيها أحد.
والعرب ربما جاؤوا بلفظ المجازاة ولم يجازوا بالجواب. وكذلك الأمر. قال الله تعالى: ﴿إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾: ثم قال تعالى: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾.
والعرب: تقول: أزيد أذن لك بكذا؟ أي: أمرك بهذا.
قال الله تعالى: ﴿أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾.
والعرب تقول للمذنب عند التهدد والوعيد: عُد مرة أخرى لترى ما تصير إليه. وهم لا يريدون أن يعود.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وكذلك يقولون للرجل: لا أبقى الله عليك إن أبقيت. واجهد جهدك، ولا يريدون أن يبلغ جهده.
قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ و﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. و﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. و﴿قُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ إلى ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾.
هذا، وما أشبهه، تهدد وزجر.
وقال عبيد بن الأبرص:
حتى سقيناهم بكأس مرة فيها المثمَّل ناقعًا فليشربوا
يريد: التهدد.
وقال أبو النجم:
هي الملازيم فموتي أودعي
لا تطمعي في فرقتي لا تطمعي
فقال: موتي، وهو لا يريد ذلك، وإنما أراد التهدد.
والعرب تقول للرجل تهدده: سأتفرغ لك وللنظر في أمرك، وليس القائل لذلك مشغولًا، والمعنى فيه التهدد، يريد: سأجد في أمرك والنظر فيه.
قال الله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾. قيل: المعنى في ذلك التهدد لهم،
[ ١ / ٤٥٩ ]
أي: سنفرغ لكم مما وعدناكم من الثواب وأوعدناكم من العقاب.
تقول العرب: أتفرَّغ وأفرغ. وقرأ جماعة: سيفرغ، أي: سيفرغ الله لكم؛ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾.
قال أبو عبيدة: سنفرغ لكم: سنحاسبكم؛ لم يشغله شيء ﵎. وقال ابن قتيبة: سنقصد لكم. وقال ابن عباس: سنفرغ لكم: من محاسبتكم يوم القيامة؛ إن الله لا يشغله شيءٌ عن شيءٍ من خلقه.
وقال الحسن: سنفرغ لكم يوم القيامة مما وعدناكم في الدنيا أنا صانعوه لكم من ثوابكم بأعمالكم غير ظالميكم شيئًا ولا مقصرين عن شيء من ذلك.
والعرب تقول: استعمرته في كذا، أي: استعملته.
قال الله، ﷿: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
والعرب تقول لكل من نزل به الهم: هو ابن هم، وأخو هم، إذا لحقه ذلك.
قال الحارث بن حلزة اليشكري:
أتلهى بها الهواجر إذ كـ ـل ابن هم بلية عمياء
أتلهى بها، معناه: بالناقة، أي: أركبها وأتعلل بسرعتها في تلك الساعة، يريد: في شدة الحر، ولا أجد، مع ما أنا فيه، شدة من الحر علي. والهواجر: انتصاف النهار، واحدتها هاجرة. وسميت الهاجرة هاجرة لبعدها من وقت البرد وطيب الهواء؛ ومن قولهم: هجرت الرجل، إذا ابتعدت منه.
[ ١ / ٤٦٠ ]
قال المجنون:
لقد عشت من ليلى زمانًا أحبها أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب
معناه: أجد همّا يكسب الموت.
وقال ابن الطثرية:
حلفت لها أن قد وجدت من الهوى أخا الموت لا بدعًا ولا متأشبا
المتأشب: الجامع للشيء من ها هنا وها هنا.
والبلية من قول الحارث مفسرة في حرف الباء من هذا الكتاب، بعد هذا إن شاء الله.
والعرب تقول: هؤلاء [لا] كذا ولا كذا، بين ذلك.
قال الله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ فالمعنى: بين هذين الأمرين في الصغر جدًا والمسنة جدًا.
والعرب تسمي السيد العظيم من الرجال عيرًا.
قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد: قد نطعن السيد. وفائله يعني: عرقًا في الفخذ، عليه أكثر لحم الفخذ، وهو
[ ١ / ٤٦١ ]
النسا في الساق. ومكنونه: الدم الذي فيه، يعني: إنا بصراء بالطعن، نضع أرماحنا حيث نشاء. ويشيط، أي: يهلك. يقول: إنا لعزتنا ومنعتنا لا يثأر أحد منا بدم، فهو يذهب باطلًا. وتشيط الدم، إذا غلا بصاحبه. يقال: شاط دمه، وأشاط دمه فلان، وأشاط بدمه. واستشاط فلان غضبًا، يعني: الامتلاء من الغضب.
قال:
أشاط دماء المستشيطين كلهم وغل رؤوس القوم فيهم وسلسلوا
والعرب لا تكاد تقول الخطب إلا في الأمر الجليل.
قال الله تعالى، حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، أي: الأمر الجليل الذي جئتم به. وخاطبهم بذلك لما أخبروه بخبر عن الله، ﷿، عَلِم أنهم مرسلون، فقال: فما خطبكم. وخاطبهم بالمرسلين، صلى الله عليهم أجمعين.
قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: مشى إلى البيت حافيًا رجلا، بمعنى: راجلًا. ويقال رجل رجلان، أي: راجل. ويقال: رجل رجلًا وهو رَجْلان، وأنشد:
علي، إذا عاينت ليلى بخلوة أن أزدار بيت الله رجلان حافيا
وقال الله، ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
أي: فرجالة.
[ ١ / ٤٦٢ ]
قال الأخطل:
وبنوا غدانة شاخص أبصارهم يمشون تحت بطونهن رجالا
لأنهم مسنودون وأبصارهم شاخصة إلى من يقودهم. وتحت بطونهن، يعني الخيل.
ويقال: رجل، أي راجل، وإنما قيل للسيد من الرجال عير؛ لأنه شُبِّه بالحمار في الصيد إذ كان أجل ما يصاد.
من ذلك الحديث: أن أبا سفيان استأذن على النبي، صلى الله عليه، فحجبه ثم أذن له، فقال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين. فقال ﵇: "يا أبا سفيان، أنت كما قال القائل: كل الصيد في جوف الفرا". يعني بالفرا: الحمار الوحشي، أي: أنت في الناس كحمار الوحش في الصيد، أراد أنها كلها دونه.
والفرا: الحمار، يهمز ولا يُهمزُ. قال أبو عبيدة: العرب تترك همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز: النبي وهو مِنْ: أنبأ عن الله، ﷿. والجابية وهي: جبأت. والذرية وهي مِنْ: ذرأ الله الخلق.
وبعضهم يهمز النبي ويخرجه على أصله.
والعرب تستغني بعدد الأسماء عن عدد الأفعال إذا بدأت بالأفعال قبل الأسماء. وعلة أخرى أن الفعل إذا كان مبتدأ به، يكون فارغًا، فلما كان فارغًا لا ضمير فيه، لم يثنَّ ولم يجمع. نقول: قام الزيدان، وقام الزيّدون.
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال الله، ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فجمع الفعل في حال التأخير.
وقال تعالى في حال التقديم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾، فأفرد الفعل في حال التقديم.
وبعض العرب، وهو سليم وبنو تميم وبنو قُشير ومن جاورهم من أهل الحجاز، يجمعون الفعل في حال تقدمه. يقولون: قاموا الزيدون. وذلك على السؤال والتفسير في قول البصريين، وعلى كلامين في قول الكوفيين؛ كأنهم لما قالوا: قاموا، قيل: مَنْ؟ قالوا: الزَّيدون.
قال الله، ﷿: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقال، ﷿: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ فجمع الفعل في حال تقدمه، على السؤال والتفسير؛ كأنه لما قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ قيل: من؟ قال: ﴿كثيرٌ مِنْهُم﴾.
وكذلك ما هو مثله.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قال:
ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه
فقال: يعصرن، فجمع الفعل في حال تقدمه على السؤال والتفسير.
وقال آخر:
يا أوْسُ، لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاويه
ألفيتا عيناك عند اللقا أولى فأولى لك ذا واقيه
فقال: ألفيتا عيناك، فثنّى الفعل في حال تقدمه على السؤال والتفسير. [ويروى: "ألفيتا عيناك عند القفا"].
قال الفرزدق:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي فأعرضن عني بالوجوه النواضر
فقال: رأين، فجمع الفعل في حال تقدمه، على تلك اللغة.
قال الراجز:
قُلن بنات العم: يا سلمى وإن
كان فقيرًا معدمًا؟ قالت: وإن
[ ١ / ٤٦٥ ]
فجمع الفعل في حال تقدمه، وهو كثير لا يحصى.
والعرب تقدم ما هو أهم لها، وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعًا ليهمانهم ويعنياهم.
قال الله تعالى في تقديم المفعول قبل الفاعل: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ فالمفعول مقدَّم قبل الفاعل.
وقال، ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾. وقال، ﷿: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾.
ويقولون: قتل أرضًا عالمها، وقتلت أرض جاهلها.
ويقولون: حسبانك على الله، وهو جميع الحساب.
ويقولون: قاسمت فلانًا، أي: أقسمت له. ونصحت ونصحته، وأبيعك هذا، أي: أبيع منك.
قال:
أبعتكه، إن كنت تبغي ابتياعه ولم تك مزاحًا، بعشرين درهمًا
وتقول: سمعتك، أي: سمعت منك.
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، أي: اسمعوا مني. وقال تعالى:
[ ١ / ٤٦٦ ]
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: يسمعون منكم.
والعرب، إذا أرادوا أن يثنُّوا شيئين هما خلقة في نفس الشيء، نحو القلب واليد، قالوا: قلوبهما وأيديهما، ونحو ذلك في الأشياء كلها.
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [وقال]: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
وقيل: إنما فعلوا بما في البدن واحد؛ فجعلوا تثنيته جمعًا؛ لأن أكثر ما في البدن شيئان، فإذا أرادوا تثنية الواحد حملوه على الأكثر، وإذا أرادوا أن يثنوا ما في البدن اثنان منه قالوا: قطعت يدي الزيدين ورجلي العمرين. وإنما قالوا في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية: أراد الأيمان، ولا يجوز أن يكون أراد يدًا من هذا ويدًا من هذا؛ وبذلك جرى الحكم عند الفقهاء.
وقد يجوز تثنية ما في البدن واحد.
قال الفرزدق:
بما في فؤادينا من الهم والجوى فيجبر منهاض الفؤاد المسقف
[ويروى: المشغف]. وإنما كان وجهه: بما في أفئدتنا؛ لأن الفؤاد من الإنسان واحد.
[ ١ / ٤٦٧ ]
قال:
هما نفثا في فيَّ من فمويهما من النابح العاوي أشد رجام
قال أبو ذؤيب:
فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط التي لا ترقع
وروي: العطب. قوله: "فتخالسا" معناه: أن أحدهما: يخلس من الآخر طعنة. ويقال: تختلس نفسه. والنوافذ: جمع نافذة، وهي الطعنة التي تنفذ. [والعُبُط: قتب البعير، والله أعلم]. والعُبُط: شق الجلد الصحيح ونحر البعير الصحيح من غير مرض. وله تمام شرح في حرف العين من هذا الكتاب إن شاء الله.
والعُطُب: جمع عطبة، وهي القطنة. والمعنى: كنوافذ الثياب؛ أي: نفذت الطعنة في جلودهم ولحومهم كما تنفذ في الثياب.
وتقول: عيناك حسنتان، ويجوز: عيناك حسنة، وكذلك: عينك حسنة. وكذلك: عيناك نظرتا، وعينك نظرتا، وعيناك نظرت؛ لأن إحدى العينين إذا نظرت، فقد نظرت العين الأخرى. وهما عند العرب بمنزلة شيء واحد.
قال الفرزدق:
فلو رضيت يداي بها وضنَّت لكان علي للقدر اختيار
ويروى: "للقدر الخيار".
فقال: يداي. ثم قال: وضنَّت؛ لأن عمل إحدى اليدين بمنزلة عملهما.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقال امرؤ القيس:
وعين لها حدرة بدرة شُقَّت مآقيهما من أخر
فقال: عين. ثم قال: مآقيهما؛ لأن نظر إحدى العينين بمنزلة نظرهما جميعًا، ولو أحد الجمع لجاز؛ لأنه يرى بكل واحد من المذكورين.
قال:
كلوا في نصف بطنكم تعيشوا فإن زمانكم زمن خميص
وقال آخر:
الواردون، وتيمٌ في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس
مسألة
فإن قال قائل: قد زعمت أن ما في البدن منه شيئان تثنيته مخالفة لجميعه، فما معنى قوله، ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؟ قيل له: إنما أراد يمينًا من هذا ويمينًا من هذا، فجمع في موضع التثنية؛ لأنه بمنزلة الرأس والقلب، فافهم إن شاء الله.
وتقول: ضربت رأس زيد، وأرؤس الزيدين، وأرؤس الزيدين. وتقول: ما أحسن رؤوسهما، وهو الأجود. وقد قالوا: ما أحسن رأسيهما.
[ ١ / ٤٦٩ ]
قال الشاعر:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
فجاء باللغتين في بيت واحد، يريد ظهورهما.
والعرب تقول: قد استعان الرجل: إذا حلق عانته.
كذلك: قد استحل. وزعموا أن بشير بن عمرو بن مزيد حين قتله الأسدي قال له: أخر علي سراويلي، فإني لم أستعن، أي: لم أحلق عانتي.
والعرب تتكلم بالأفعال المستقبلة، ولا يتكلمون بالماضي منها؛ فمن ذلك قولهم: عم صباحًا. ولا يقولون: وعم صباحًا.
ويقولون: ذر ذا ودعه، ولا يقولون: وذرته ولا ودعته.
ويقولون: عسيت أن أفعل ذلك، ولا يقولون: أعسي، في المستقبل، ولا عاس في دائم.
والعرب تُدخل الفاء في خبر الابتداء، إذا كان الخبر من سبب الاسم.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ و: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ فأدخل الفاء فيهما.
والعرب قد تضيف الشيء إلى نعته، نحو قولهم: صلاة الظهر، وحب الحصيد.
وقال، ﷿: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ولم يقل: الدين القيمة، والعلة ما ذكرناه. وقال آخرون: إنما التقدير: وذلك دين ملة القيِّمة، وذلك دين الحنيفية
[ ١ / ٤٧٠ ]
القيمة؛ فحذف المضاف إليه، وأقام المضاف مقامه؛ كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾، أي: سل أهلها.
قال الشاعر:
أتمدح فقعسًا وتذم عبسًا؟ ألا لله أمك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الدار عرفان اليقين
فأضاف عرفانًا إلى اليقين، وهو أراد: عرفانًا بعينه يقينًا.
والعرب تسمي ظاهر الرجل نهاره، ومكنونه ليله.
قال الأعشى:
نهار شراحيل بن عمرو يرييني وليل أبي عمرو أمر وأعلق
والعرب تقول: دين قييم وقيمًا بكسر القاف والياء، وبتخفيفهما، وهما لغتان. وقال بعضهم: قيمًا بالكسر: جماعة، وقيمًا: واحد.
والعرب تقول: رنوت، أي: طربت، كلمة سائرة في أفواههم.
والعرب تسمي الذين يدخلون في قوم ليس منهم: أشابات القوم. وهو فارسي أعربته العرب من قولهم: وقعوا في أشوب، أي: اختلاط.
قال:
تعدو غواة على جيرانكم سفهًا وأنتم لا أشابات ولا ضرع
[ ١ / ٤٧١ ]
والعرب تسمي الأربعة إستارًا.
قال جرير:
إن الفرزدق والبعيث وأمه وأبا البعيث لشر ما إستار
والعرب تنزل الشجعان مراتب. والاسم العام: شجاع، ثم بطل، ثم بهمة، ثم أليس. هذا قول أبي عبيدة.
ويقال: قوم شجعاء، وشجعة، وشجعة، على تقدير: غلمة وصحبة. ورجل شجيع، أي: شجاع. ومنه: عجيب وعجاب.
ورجل بين الشجاعة والشُّجعة، مثل: حسن الصحابة والصُّحبة. ثم يقولون للجماعة: صحبة على هذا المعنى. وامرأة شجاعة، ونسوة شجاعات.
قال الحصين:
من الصبح حتى تغرب الشمس، لا ترى من الخيل إلا خارجيًا مسومًا
ويروى: من القوم، والخارجي: يخرج ويشرف بنفسه، من غير أن يكون له قديم.
قال أبو عمرو: قلت لأبي العباس: كيف سموا السيد سنورًا؟ قال: لأن عظم حلق الفرس يقال له السنور، وهو أعز موضع في الفرس؛ لأنه مستقر رأسه.
والسيد: الرئيس، والرئيس: الشاة التي عقر رأسها. والشاة: الثور. والثور: ظهور الحصبة. والحصبة: صغار الجمر. والجمرة: الفحمة. ولفحمة: القسورة. والقسورة: ظلمة الليل.
والعرب تسمي الرجل جَمَلًا، ولا يسمونه بعيرًا، ولا يسمون المرأة ناقة. ويسمون
[ ١ / ٤٧٢ ]
الرجل ثورًا. ولا يسمون المرأة بقرة، ويسمون الرجل حمارًا، ولا يسمون المرأة أتانا. ويسمون المرأة نعجة، ولا يسمونها شاة. ولا يجعلون شاة اسمًا مقطوعًا، ولا يجعلونه علامة، مثل: زيد وعمرو. ويسمون المرأة عنزًا، ويسمون الناقة بعيرًا.
قال:
لا نشتكي لبن البعير وعندنا لبن الزجاجة واكف المعصار
قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون: لبن ناقتك.
وقال الأصمعي: البعير يكون مذكرًا ومؤنثًا، وهو بمنزلة الإنسان، تقول: هذا بعير، إذا عنيت جملًا، وهذه بعيرة، إذا عنيت ناقة. قال: وسمعت أعرابيًا يقول: صرعتني بعير لي.
يقال: أباعر، للجمع، وجمع الجمع: بُعران وبِعْران بالضم والكسر.
قال بعض لصوص العرب:
وإني لأستحيي من الله أن أرى أطوف بحبل ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره وبُعران ربي في الفلاة كثير
وروي عن النبي، ﷺ، أنه سمى النخلة عمة لنا، فقال ﵇: "نِعمت العمة لكم النخلة، خُلِقَتْ من فضلة طينة آدم، ﵇".
[ ١ / ٤٧٣ ]
وهذا كلام صحيح المعنى لا يعيبه إلا من لا يعرف مجاز الكلام.
والعرب تقول: خاتِمْ وخاتَم وخاتام وخَيْتام.
وقال اللحياني:
لعل أبا عبيدة أن يلينا أيوعِدنا بخيتام الأمير؟
وقال آخر:
يا خل ذات الجورب المنشق أخذت خاتامي بغير حق
وحكى اللحياني: فلان خاتِمُ القوم وخاتمتهم.
والعرب تقول: سمنٌ وسمَن، لغتان.
قال الراجز:
بتنا بحسان ومعزاه تئط في سمن منها كثير وأقط
والعرب تقول: رجل حذِر وحَذْرٌ، وعَجِلٌ وعَجْلٌ، وفطن وفطْن، ونكِرٌ ونكْرٌ، ولحمٌ ولحَم، تخفف وتثقل. وبُخلٌ وبخَل وبَخْلٌ وبخِلٌ، أربع لغات.
ورجل لحيم: كثير اللحم. ويقال: لحم لحامة، ورجل لحمٌ: أكول للحم. وبيت لحم: يكثر اللحم فيه.
ويقال للرجل: أملحت وملَّحت يا فلان، في اللغتين، أي: جئت بكلمة مليحة. وأكثرت ملح القِدر. والمُلحة: الكلمة المليحة. والملاحة: منبت اللحم.
ويقولون: رجل ورَجْلٌ، وقصُرٌ وقصْرٌ. وقد عَلْم، يريدون: عَلِمَ؛ يسكنون الثاني
[ ١ / ٤٧٤ ]
إذا [كان] مضمومًا أو مكسورًا؛ لأنهم يستثقلون الضمة والكسرة فيحذفونها، ولا يستثقلون الفتحة لأنها أخف الحركات؛ ألا ترى أنه ليس أحد يقول في جبل: جَبْل، فيسكن؟
ويقولون: شُرْبَ، يريدون: شُرِبَ.
قال:
فإن النبيذ الصرد إن شُرْبَ وحده على غير شيء أوجع الكبد جوعها
الصرد: القليل. والتصريد في السقي دون الري. والمُصرّد: المقلل. صرَّدَ له عطاءه، إذا أعطاه قليلًا.
ويقال: كبِدٌ وكَبْدٌ وكِبْدٌ.
وقال ابن الدمينة:
ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني بها كبدًا ليست بذات قروح
وقال عروة:
فويلي على عفراء ويلًا كأنه على الكبد والأحشاء حدُّ سنان
وكذلك يقال: كَلِمَة، وكلْمَة، وكِلْمَة. وفخِذٌ، وفَخْذٌ، وفِخْذٌ.
ويقولون: رُجم، يريدون: رُجِمَ.
قال الشاعر:
رُجْمَ به الشيطان من هوائه
[ ١ / ٤٧٥ ]
والعرب ربما سموا الشيء بفعل غيره وسموا الفاعل بمكان فعله.
قال:
نحن سبقنا الحلبات الأربعا الربع والقرح في شوط معا
الشوط: الطلق، الواحدُ، فسمى الخيلَ حلبةً، والحلبةُ: موضعُ الجزاء والاستباق. ويقولون للرجلِ: غُزاة، وهم يغزون، والنساء يغزون، والنساء غُزاة، وهن يغزون ويدعون. وكل جمع للمذكر والمؤنث انضم ما قبلَ مُعتلِّ فِعله، وهي الواو، فهذه قياسه.
قال ابن السُّليماني:
لو أن صدور الأمر يبدون للفتى كأعجازه لم تلقه يتندمُ
والعربُ تحملُ كثيرًا من النعتِ على أفعلي كأنه نسبة.
قال أبو دؤاد:
ولقد اغتدى يُدافع ركضي أجولي [ذو] ميعةٍ إضريجُ
أجولي، أي جوال. وذو ميعةٍ، أي سريع العرقِ، وهو مدحٌ في الفرس وكذلك الهِضَبُّ: هو كثير العرق. قال طرفة:
[ ٢ / ٥ ]
من يعابيب ذكور وُقح وهضباتٍ إذا ابتل العُذُر
وُقَّحٌ: صلابٌ. ويروى: وهضابات. والصلُودُ من الخيلِ: الذي لا يعرقُ، وهو ذم فيهن. والعربُ تقول للرامي إذا أصاب: مرحى، فإذا أخطأ قالوا: أيحي. ويقال أيضًا رمى فأصاب في الأول فإذا ثَنَّى فأصاب قيل أيحي. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي:
يُصيبُ الفريصَ وحقًا يقُو لُ مرحى وأيْحى إذا ما يُوالي
والعَرَبُ تقولُ: /١/ ٢٦٤/ للرجل الكذابِ: مِطخْ مِطخْ، أي باطلٌ باطلٌ قولك. والعربُ تقول: اللسانُ والسيفُ هما خليلا الرجل. وتقول في المثل: "الصِّلِّيَانُ خُبزَةُ الإبل" وهو نبتٌ. والعربُ تقولُ: لا رُغْبى لي في هذا الأمر، أي لا رغبة، وعلى الله تُكلاني، أي توكُلي. وهذه واوٌ قُلبت تاء. قال يعقوبُ بن السكيت: "بيوتُ العرب ستة: قبةُ من أدمٍ، ومظلةٌ من شعر، وخباءٌ من صوفٍ، وبجادٌ من وبرٍ، وخيمةٌ من شجرً، وأُقنةً من حجرٍ" وقال غيره: "قُبةٌ من مدرٍ، وبيتٌ من
[ ٢ / ٦ ]
وبر، وطرافُ من أدمٍ" والنؤيُ: لالحفرُ الذي يحفرُ حول الخيام.
والعربُ تقولُ: هزمتُ عليك، أي عطفتُ عليكَ، وقال:
هزمتُ عليك [اليوم] يا أم مالكٍ فجودي علينا بالودادِ وأنعمي
والاهتزامُ: الذبحُ. تقولُ العربُ: اهتزموا شاتكم قبل أن تهزلَ فتهلك، قال الراجز:
إني لأخشى ويحكم أن تُحرموا فاهتزموها قبل أن تندموا
والعربُ تُقسمُ ما يقعُ في التفسير على خمسة أقسام فتقول لما يدعو إلى الخير: إلهامٌ، ولما يدعو إلى الشر: وسواسٌ، ولما يدعو بعدُ خيرًا: أملٌ، ولما يوقعُ خوفًا: إيجاسٌ، ولما كان خاليًا من هذه الأشياء كتوهم: الإنسان قدامٌ، أو حدوث شيء مما لا يضره ولا ينفعه: وهمٌ، وهاجسٌ، وخاطرٌ، وظن.
والعرب تقول في الشيء تقديرا: هذا شَهْرٌ، أي مقدار شهر.
قال الله - تعالى- ﴿رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾
[ ٢ / ٧ ]
قال ابن عباس: مقدار بُكرة وعشيةً، مقدار البُكرة في الدنيا والعشية، وليس الجنة ليل فكيف فيها غدو وعشي. ومثله قوله تعالى في ذكر الريح ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، أي مقدار شهر. وقال الأبيرد:
فحياك عنا الليل والصبح إذ غدا وهوج من الأرواح غدوتها شهر
مسألة
إن سأل سائلٌ: لأي شيء وحَّدَ السمع في جميع القرآن ١/ ٢٦٥ وجُمع غيره مثل القلوب، والأبصار والأفئدة، والجلود، وشِبْهه؟ فيقال: لأن السمعُ يكونُ بمعنى المصدر في قول الفراء نحو قولك: سمعتُ سمعًا، وفي قول سيبويه، لإحاطته بالأماكن الأربعة، ولأنه لا يحتاج إلى تكلف ولا تحرك، وذلك أن الإنسان يسمعُ ما بين يديه وما خلفه وما عن يمينه، وما عن شماله بغير تكلف لا تحرك. والبصرُ يحتاجُ أن يتحرك يمينًا وشمالًا ووراء، إنما يُبصرُ ما بين يديه فقط، فجعلَ كل واحدٍ من هذه التحويلات شيئًا فجُمع لهذا المعنى، ووُجِّدَ السمعُ لما ذكرناه. وقول الله - ﷿- ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، وهو يريد
[ ٢ / ٨ ]
أسماعهم. وقال الزجاج: "فيه ثلاثةُ أوجه. منها: أالسمعَ في معنى المصدر فوحد، كما تقولُ: يعجبني حديثُكم وضربكم، فوحد لأنه مصدر. ويجوز أن يكون المعنى: على مواضع سمعهم، وحُذفت المواضعُ ودلَّ السمعُ عليها كما تقول: أصحابك عدلٌ، أي أصحاب ذوو عدلٍ. ويجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم دل على معنى أسماعهم. قال الشاعر:
بها جيفُ الحسرى فأما عظامها فبيضٌ وأما جلدها فصليبُ
الحسرى: المُعْيِيَة. والصليبُ: اليابسُ الذي لم يُدبغْ.
والعربُ تقول: حيا الله فَيْهَلَتَك، أي وجهك. والعرب تقول: هذه زوجُ فلانٍ، وفي القرآن ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ و﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾. وهذه لغةُ أهل الحجاز. وأما أهل العراق فيقولون: زوجة الرجُلِ، وقال:
فإن الذي يمشي يُحرشُ زوجتي كماشٍ إلى أُسدِ الشرَى يستبيلُها
[ ٢ / ٩ ]
ويروى: يستثيرها. فمن قال: زوجة جمع زوجات. وقال:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصلٌ إذا انحلت عُرى الذَّنَبِ
وإنما نزل القرآنُ بلغة أهل الحجاز، وقول العراق جائز ١/ ٢٦٦ والعربُ تصلُ الكافَ في الخطاب، والهاء في الأخبار، والنون والياء التي للنفسِ، فتقول: إنك أنتَ قائمٌ، ومررت بك أنت، وكيف أنتَ، وكذلك إنه هو قائمٌ، ومررت به هو يا هذا، وإني أنا ذاهبٌ، ومررت به أنا.
مسألة
فإن قيلَ: قد نجدُ الكاف والهاء والنون والياء في موضع نصبِ وخفضٍ، فلأي شيء وُصلت بهذه الحروف التي هي رفعٌ؟ فقل: لأن الكاف والهاء والنون والياء ضعافٌ فوُصلت بهذه الأشياء لقوتها وتكون على مذهب التوكيد، والعربُ تزيد في اسم جبريل وميكائيل ياء بعد الهمزة كقول جرير:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمدٍ وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وبعض يقول: جبرئلُ وميكال مخفف. وبعضٌ يزيدُ ألفًا أخرى [جبرائيل]. وبعض يقول: جبريلُ - بفتح الجيم وإٍقاط الهمزة، وبعضٌ يقولُ:
[ ٢ / ١٠ ]
جبرئِلُّ وميكألٌّ - بقصر الهمزة وتشديد اللام -. وبعضٌ يقول: وجبرالُّ وميكالُّ يزيد ألفًا أخرى. "وبعض يقول: جبريل - بفتح الجيم وإسقاط الهمزة". ويقالُ: هذا خطأ، وليس في الكلام فَعْليل وهذا اسمٌ أعجمي. وقيل ليعقوب - ﵇ - إسرائيل لشدته وقُوته وبطشه. ويقال: إن ملكًا دعا له فقال: إسْرا إِل، المعنى شدد الله، أي زِده شدةً بالله فجُمعت الكلمتان كلمة فقالوا: إسرائيل. وهذا كما قالوا: أيشِ يقول؟ المعنى: أي! ُ شيء يقول؟؟ وحكى الكسائي عن العرب: ما شرُّ اللبن للمريض؟ وهذا قيل على ترك الهمز. ومن قال: أشرك قال: ما أشرك! ولم يُحك ما خير اللبن للمريض؟ فلو حُكى هذا لكان على ترك الهمز كما قال: هو خير منك. والعربُ تُخبرُ عما يكونُ بلفظ ما قد كان. قال الله - تعالى ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يعني تكون. و﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي سيأتي قريبًا. و﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني نسوقه إليه. وقول إبراهيم - ﵇- ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم و﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي سأذهبُ. قال:
[ ٢ / ١١ ]
وإني لآتيكم لأشكو ما مضى من الأمر واستنجاز ما كان في غد
وقال ابن خذَّاق:
قد رجلوني وما رُجلتُ من شعثٍ وألبسوني ثيابًا غير أخلاق
ورفعوني وقالوا: أيُّما رجُلٍ وأدرجوني كأني طي مخراقِ
قال هذه المقالة، وهو حي بَعْدُ، يعني بذلك أنه سيصل إلى هذه الأشياء التي ذكرها لا محالة. وقال آخر:
شاب الغُرابُ وليس قلبك تاركًا ذكر الغضوب ولا عتابُك معتبَا
يعني: يشيبُ الغُرابُ. وقال ﷿- ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ يعني: ويجازيهم بذلك غدًا، وهو كثيرٌ في القرآن والأشعار.
وقد يُحكى عنهم أيضًا يكونُ بمعنى كان. منه قوله - ﷿- ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني فكان. وإنما جاز هذا، لأن العرب تُسمى الشيء بما يؤولُ إليه
[ ٢ / ١٢ ]
في العادة والعُرف. والغالبُ عندها يجوز إطلاق ما يكون بلفظ ما كان ومضى إذا غلب على ظنها كونه. وهذا أكثر من أن يُحصى عنهم. والعربُ قد تكتفي في الشيء ببعض أوصافه فلا يكونُ في ذلك دليل على أنه ليس فيه غير ذلك، وإنما تفعله اكتفاء بذكر بعض ما فيه لعلمها بما يُراد به كقولهم: فلانٌ يبيع الخز، فلا يكون في ذلك دليل على أنه لا يبيعُ غيرهُ من الثياب، فيقالُ: فلان بائع الخز يبيع كذا، فلا يكونُ في بعضه ما ينقضُ بعضًا لأنهم يعنون:" هذا من بيعه وهذا من بيعه. وأنشد الأصمعي وغيره في صفة رجل:
جلا الطبيب والجمام والبيض كالدمي وفرق العذارى رأسه فهو أنزعُ
أراد طول معالجته هذه الأشياء أصلعتْهُ ولم يكن في ذلك دليل على أنه لم يُعالج غيرها ١/ ٢٦٧ من مأكلٍ ومشربٍ وعللٍ وأشباه ذلك. وهذا كثيرٌ يقعُ في كلامهم. والعربُ تقولُ: اذكر المعنى الذي أتيتُك فيه وأتيتُكَه، وأنشد:
يا رُبَّ يومٍ قد تنزاه حوْل ألفيتني ذا عينٍ وطول
تنزي: تثب، وأرادَ حولي فحذف الياء. والعينُ: الاعتراض في الأمور. والطولُ: الزيادةُ والفضلُ، أراد تنزي فيه.
وأنشد الفراء:
[ ٢ / ١٣ ]
قد صبحت بصبحها الغلامُ بكبدٍ خالطها سنامُ
في ساعة يحبها الطعامُ
أي يحب فيها. والعربُ تجعلُ الصُّفْرَةَ سوادًا. قال النابغة:
تلك خيلي منه وتلك ركابي هُنَّ صفرٌ أولادُها كالزبيب
وقال آخر:
وصفراء ليس بمصفرةٍ ولكن سوداء مثل الحُمم
ويقالُ في الألوان: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانيء، وأخضرُ ناضرٌ وأغبرُ أقتمُ وقاتم، وأسودُ غربيب. والغربيب: الشديد السواد. وحالِكٌ وحلكوك، ومُسْحَنْكِك، وفاحمٌ، وحُلْبُوبٌ، ويحموم، وديجور، وحانك. وقال الشاعر:
بين الرجال تفاوتٌ وتفاضلٌ ليس البياضُ كحالك غربيبِ
وأبيض يَقَق وَلَهق. كُل هذا إذا كان شديدًا لونه. قال رؤبة:
افترشت أبيض كالثوب اللهق
وقال اللحياني: يقال: في الألوان كلها: ناصع، وخالص، وفاقع ولم يقله
[ ٢ / ١٤ ]
غيره، والأول المعمولُ به. والفُقوعُ لا يوصف به من الألوان إلا الصفرة. قال الفراء: الصفرُ من الإبل: سودها. ألا ترى الأسود من الإبل إلا وهو مُشْرَبٌ صُفْرَة، فلذلك سمت العربُ سود الإبل صُفْرَها كما سموا أبيض الظباء أدمًا لما يعلو بياضها من الظلمة. والعربُ يسقطون المضاف من الاسم استغناء بالاسم عنه، وذلك في الأسماء المشهورة فيقولون: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. يريدون سخاء حاتم وشعر زهير. قال الله ﷿ ١/ ٢٦٩ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فاستغنى بذكر الأول عن الآخر فأسقطه، لأن المعنى معروف. قال النابغة:
وكيف تخاللُ من أصبحت خلالته كأبي مرحبِ
أي كخلالةِ أبي مرحب. وكذلك يجعلون الفعل خبرًا للاسم إذا كان في محل المصدر. وأنشد الفراء:
لعمرُك ما الفتيانُ أن تنبت اللحى ولكنا الفتيانُ كل فتى ندبِ
جعل أنْ [تَنْبُتَ] خبرًا للفتيان، لأن المعنى: ما الفتيان بنبات لحاهم. والعربُ تقولُ: رَنَوْتُ، أي طربتُ، كلمة سائرة في أفواههم. والراني: الطربُ، ورنوتُ: نظرتُ. والعربُ قد تنفي الشيء ثُمَّ تثبته بعد. قال
[ ٢ / ١٥ ]
زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدمُ بلى وغيرها الأرواح والديمُ
فقال: لم يعفها فنفى ثم قال: بلى، فأثبت ما نفاه وأوجبه. وقال الطرماح:
ألا أيها الليل الطويلُ ألا أصبح بصبح وما الأرواح منك بأروح
بلى إن للعينين في الصبح راحة بطرحهما طرفيهما كل مطرح
والعرب تنفي الشيء على وجهين: تنفيه لعدمه في نفسه، ولعدم حالةٍ من أحواله وإن كان حاضرًا. يقول القائلُ: ليس لي غُلام فيجوز أن [لا] يكون له غلام أصلًا، ويجوز أن يكون [له] غلام ولكن ليس بنافع. وكذلك فلان لا مال له، يجوز أن لا مال له ألًا، ويجوز أن يكون له مال، ولكن ليس بنافع له أو غائب عنه بحالٍ ما.
مسألة
إن سأل سائلٌ عن قول الله - ﷿ - حكايةً عن الخضرِ - ﵇ - في السفينة ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾. فأضاف الإرادة إلى نفسه ثم قال في معنى
[ ٢ / ١٦ ]
الغلام ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا [رَبُّهُمَا] خَيْرًا مِنْهُ﴾ فأشرك معه غيره، ثم قال في الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فأضاف الإرادة إلى الله تعالى - وحده عز اسمه. قيل له فيه قولان: أما أهلُ اللغة فقالوا: إن الله - تعالى- أتى باختلاف الألفاظ ١/ ٢٧٠ واتفاق المعاني ليكون ذلك أدل في البلاغة، وأبلغ في الحكاية، فخبر تعالى عن نفسه كما يُخبرُ البلغاءُ عن أنفسهم، لأن البلغاء تأتي باختلاف الألفاظ إذا كانت المعاني متفقة. وأما أهلُ العلمِ بالقرآن فإن معنى أردتُ أنه لما تقدم إليه أن أمامهم ملكًا ﴿يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وهذا ما لا يقعُ باجتهاد رأي، قال: أردتُ، لأن تلك كلمة منسوبة إليه فيما فعل، وإن كان قد تقدم إليه فاعلم به. قال في قصة الغُلام ﴿فَأَرَدْنَا﴾ فضم إرادته إلى إرادة غيره، لأن الله جل ذكره - أطلعه على ما في بقاء الغلام من فساد الأبوين، وإن في قتله صلاحًا لهما. قال: فأراد الله تعالى ذلك، وأردت ذلك، لأن في هذه القصة معنى زائدًا على المعنى الأول مرحبًا لقوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ فاستوى القول في حقيقة المعنيين. وقال في قصة الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾. وبلوغُ الأشد بورودِ وقتٍ لم يأتِ بعد، وهو لله - ﷿- وحده، ليس لأحدٍ في ذلك علم، فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فجرى كل قولٍ على الخضر. على ما بدا من قوله. والله تعالى أعلمُ.
مسألة
إن سأل سائلٌ ما وجهُ قول النبي - ﷺ - للرجُل الذي استشاره بالتزويج
[ ٢ / ١٧ ]
(عليك بذات الدين تربت يداك). ومعنى تربت يداك في اللغة، أي: افتقرت ولصقت بالتراب من شدة الفقر. والنبي - ﷺ - لا يدعو على أحدٍ من المؤمنين. قيل له في ذلك أجوبة. والمختار منها جوابان: أحدهما أن يكون أراد النبي - ﷺ - الدعاء الذي لا يُراد به الوقوع كقولهم للرجل إذا مدحوه: قاتله الله ما أشعره! وأخزاه الله ما أعلمه! ولا ١/ ٢٧١ يريدون بذلك ذمًا ولا دعاء عليه كقول امرئ القيس:
فقالت سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس من حولي
سباك الله: أبعدَك الله ولعنك. قال بعضٌ: أي سلط الله عليك من يسبيك من بلد إلى بلد. فهذا وإن كان ظاهره دعاء عليه، فقد قال بعض إنها قصدت به دعاء عليه في الحقيقة، وإنما هو على كلامهم. ومثله قوله أيضًا:
فهو لا تنمى رميتُه ماله لا عُد من نفره
يقول: إذا عُد نفرُه، أي قومُه لم يُعد منهم كأنه قال: قتله الله أماته الله. وكذلك قولهم: هوت أمه وهبلتْهُ وثكلَتْهُ أمه. قال كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا وماذا يواري الليلُ حين يؤوبُ
[ ٢ / ١٨ ]
وقال جميل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى وفي الغُر من أنيابها بالقوادح
وفي وجهها الصافي المليح بقتمة وفي قلبها القاسي بود ممانح
كل هذا لا يريدون به دعاء ولا ذمًا ولا إهلاكًا في الحقيقة، ولكنه على وجه المدح والتعجب من الشيء والاستحسان له وعلى كلامهم، وذلك من مذاهبهم. وقيل في قول جميل: (رمى الله في عيني بثينة بالقذى) أراد بعينيها: رقيبيها. يقال للرقيب عين. وأنيابها ساداتُ قومها. يقال للسيد ناب. قال امرؤ القيس:
فلما دخلتُ الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
قال الأصمعي: عنيزة لقب لفاطمة. وفيه قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه في الحقيقة. والقولُ الآخر أن يكون دعاء منها له كما تقول العرب للرجل إذا رمى فأجاد: قاتله الله ما أرماه! على ما تقدم من التفسير. قال الشاعر:
لك الويلات أقدمنا عليهم /١/ ٢٧٢ وخيرُ الطالب الترة الغشوم
وقالت الكندية ترثي إخوتها:
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ببيسان من أنياب مجد تصرما
ويُروى: أسباب مجدٍ. قولها: هوت أمهم، دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء
[ ٢ / ١٩ ]
لهم في الحقيقة. والجواب الثاني أن هذا الكلام مخرجه من الرسول ﷺ مخرج الشرط وأنه قال ﷺ (عليك بذات الدين تربت يداك) إن لم تفعل ما أمرتك به. وهذا حسن. اختيار ثعلب والمبرد. قال بعضهم أراد بقوله - ﵇ - تربت يداك ذهب إلى الغنى. وهذا غلط، لو أراد الغني لقال أتربت يداك لأنه يقال: أترب الرجلُ إذا كثر ماله بالألف فهو مترب وترب يترب بلا ألف إذا افتقر. ومثل قوله - ﷺ - في الرجل، قوله - ﷺ- لصفية بنت حُيي حين قيل له يوم النفر إنها حائض فقال: (عقري حلقي ما أراها إلا حابستنا)، أي عقرها الله فأصابها بوجع في حلقها. قال أبو عبيد: إنما هو عقرًا حلقا. وأصحاب الحديث يقولون: عقري حلقي. وهذا كلام جارٍ على ألسنة العرب، يقولون لا يريدون وقوعه. ومن المعنى الأول في الدعاء قول الله ﷿ ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ و﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ و﴿قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وأشباه ذلك. وأما ما هو دعاء منهم حقيقة على الإنسان قولهم: فاهًا لفيك. ومعناه الخيبة لك. وأصله جعل الله لفيك الأرض كما يقال لفيك الحجر وبفيك الأثلبُ. ويقال: الأثلبُ - بالفتح والكسر- والأثلبُ: التراب.
وقال رجلٌ من بَلْهُجَيْم:
[ ٢ / ٢٠ ]
فقلت لها فاهًا لفيك فإنه قلوص امريء قاريك ما أنت حاذره
قاريك/١/ ٢٧٣ من القرى. ومثله قولهم: "لليدين وللفم". معناه كبه الله ليديه ولفمه. وهذا يُرْوى عن عائشة أنها قالت لرجل أصابته نكبة. ومثلهُ للمنخرين. وهذا يُروى عن عمر أنه قال لرجل أُتي به سكران في شهر رمضان فعاقبه فقال: (للمنخرين للمنخرين. أولداننا صيام وأنت مُفطر)؟! ومعناه كبه الله لمنخريه ومثله جدع الله أنفه وشك سمعه. ومثله: "بجنبه تكون الوجبة" أي الصرعة. ومثله: كلا جانبيك لا لبيك، أي لا تكن التلبية أو السلامة. والعرب تقول:
بفيه البرى وُحمى نيرا وشر ما برى البري التراب
ومنه جدع الله مسامعه. ومعناه: قطع الأذنين. فأما قولهم "أسكت الله مسامعه" فإنه الصمم. ويقال: شك الله سمعه وشك سمعه. مثله: "به لا بظبي". أي جعل الله ما أصابه لازمًا له. ومنه قول الفرزدق:
أقول له لما أتاني نعيه به لا بظبي بالصريمة أعفرا
ومنه قولهم: لا لعًا لفلان، أي لا أقامه الله، ويقال للناقة إذا دعوت لها بالنهوض
[ ٢ / ٢١ ]
والارتفاع لَعَا. قال الأعشى:
بذات لوث عفرتاة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
وقال الأخطل:
(ولا لعا لبني شيبان إن عثروا)
عن الخليل: قال أعرابي لآخر: دعاك الله، أي عذبك الله. وقال ثعلب: معنى دعاك الله، أماتك الله. وقال المبرد في قوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ أي تُعَذِّب. وقال ثعلب تدعو بأسمائهم واحدًا واحدًا. وقولهم: شَلَّت يده، أي ذهبت. والشلل ذهابُ اليد. ويقال: شَلَّت، وأشَلَّت، ولا يقال شُلَّت. قال:
رأيتُ رجالًا يضربون نساءهم فشلت يميني يوم أضرب زينبا
قال:
وما ساءني إلا كتاب كتبته فليت يميني قبل ذلك شلتِ
[ ٢ / ٢٢ ]
وقال كثُير:
شلت يدا فاريةٍ فرتها وعميت عينُ التي رأتها
وأما ما هو دعاء للإنسان منهم حقيقة قولهم: نسأه الله، أي أخر الله أجله وأطال عمره. ومنه: بَلَغ الله بك أكلًا العمر، أي أقصاه. ومنه نِعْم عَوْفُك. وتأويلُه ١/ ٢٧٤ نِعْمَ بالُك وشأنُك ونحوه. ويقال: تركتهم على عوفٍ جميلة أي حال جميلة. وقال بعضُ: العوف: الفرج. وأنكر ذلك أبو عمرو. وقال الخليل: العوف الفرج. والعوف أيضًا: نبتٌ طيبُ الريح. والعوف من أسماء الأسد. والعوف: الضيف. ومنه قولهم للقادم من سفرٍ خير مارد في أهل ومال، أي جعل ما جئت به خير ما رجع به الغائب. ومنه دعاؤهم في النكاح: على يدي الخير واليمن. ومنه قولهم: بالرفاء والبنين. وفي غريب الحديث أن نبي الله - ﷺ - نهى أن يُقال ذلك. قال أبو عبيد قال الأصمعي: الرفاء يكونُ في معنيين، يكون من الاتفاق وحسن الاجتماع. قال: ومنه أُخذَ رَفْو الثوب لأنه يُرْفأ فيُضَمُّ بعضُه إلى بعض ويُلام منه. ويكون الرفاء من الهدوء والسكون. وأنشد لأبي خراش الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لا تُرع فقلتُ وأنكرتُ الوجوه همُ همُ
يقول: سكنوني. وقال أبو زيد: الرفاء الموافقة وهي المرافأة مهموزة.
[ ٢ / ٢٣ ]
وأنشد:
ولما أن رأيت أبا رُويم يرافين ويكره أن يُلاما
ومنه قولهم: لا يقطط الله فاك، أي يكسر الله فاك. وقال:
يا بنت لا يقطط الرحمن فاك فقد أضمرت في القلب والأحشاء نيرانًا
وقولهم: هُنئتَ بالخير ١/ ٢٧٥ ولا تُنْكه أي أصبت خيرًا ولا يعيبك الضُر.
فصل
العرب تنسب كل خير إلى اليمين، وكل شر إلى الشمال. قال الله - ﷿ - ﴿أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ الآية. ومثله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هم أصحاب الجنة وهم الذي يُعطون كتبهم بأيمانهم ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم أهل النار وهم الذين يُعطون كتبهم بشمالهم. وقال:
يا ليت شعري إذا الرحمن أبرزني إلى الحساب الذي قلبي له يجفُ
هل آخذن كتابي باليمين غدًا أم بالشمال التي في أخذها اللخف
[ ٢ / ٢٤ ]
وسئل ابن عرفة عن قول جرير:
وقائلة والدمعُ يحدرُ كُحلها أبعدَ جرير تكرمون المواليا
وباسط خير فيكم بيمينه وقابض شر فيكم بشماليا
فقال: سمعت ثعلبًا يقول: ينسبُ كل خيرٍ إلى اليمين وكل شر إلى الشمال. يقول الرجل من العرب لمخاطبه: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من أهل التقدم ولا تلحقني تقصيرًا ولا تأخيرًا. فاليمين في قوله - ﷿- كناية عن التقدم، والشمال كناية عن التأخر. قال ابن الدمينة:
أبيني أفي يُمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك
أراد التقدم والتأخر ١/ ٢٧٦ والعربُ تُتْبعُ اللفظة اللفظة، وإن كانت غير موافقة لها في المعنى. من ذلك قراءة أكثر الأئمة ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فخفضوا الأرجل على النسق على الرؤوس، وهي خلافُها في المعنى، لأن الرؤوس تُمسحُ، والأرجُل تُغسلُ. قال الحطيئة:
إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا
فنسق العيون على الحواجب، والعيون لا تزجج إنما تكحلُ. وهذا كثيرٌ في كلام
[ ٢ / ٢٥ ]
كلام العرب. والعَرَبُ تقول: ألم تر إني ما فَعَل فلان. أي: اعلَمْهُ. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. أي تَعْلَم من رؤية القلب. ذكرت هذا في باب الرؤية في الراء من هذا الكتاب. وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقةٍ بكيتُ فنادتني هنيدة مالكا
أي اعلم ذلك مني ولم يره صاحبه فعل شيئًا.
وقال آخر:
ألم ترني أبصرتُ ظبيًا وظبيةً لدى روضةٍ خضراء يرتعيان
وما رأى صاحبه ذلك، ولو كان رآه ما احتاج إلى أن يخبره. والعربُ تقول للرجل يسيء في فعله: والله لأعرفن لك ذلك، أي لأحفظه لك.
قال:
ليعرفن لكم مثلًا بودكم عيبًا وأجلابكم فيمن يعادينا
وقال الطفيل:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعرفْ لها أيامها الخير تعقب
أي يحفظ لها أيامها ويُحسن إليها. وتعقبُ ثابتة الخير بآنية. وبهذا قريء قول
[ ٢ / ٢٦ ]
الله - ﷿- ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ بالتخفيف قرأها ١/ ٢٧٧ الكسائي وأبو عبد الرحمن السلمي وقتادة مخففة يريدون غضب منه وجازى عليه. ولعمري لقد جازى حفصة بطلاقها. قال المفضل: وهو وجهٌ حسن. والعربُ كلها تُخفف الميم. ومثلها في حال الرفع مثل ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أنمنحكموها ويثبتون في حال النصب ما كنت لألزمكموها وما كنت لأمنحكموها والعربُ تكتفي في المدح والذم. بأفعل في كلامها لتعلمهم بالمعنى فيقولون الصلاة والصومُ أفضلُ من سائر الأعمال، وعبد الله أسخى من غيره. وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لا بيتًا دعائمه أعز وأطول
أي من بيوتكم فاكتفى عنه للعلم به. والعربُ تقول: إذن أضربك بالنصب، فإذا قالوا: أنا إذن أضربكُ رفعوا الفعلَ أولى بالاسم من إذن كأنهم قالوا: أنا أضربُك إذن. قال الفراء: وقد نصبت العرب بإذن وهي بين الاسم وخبره في إنَّ وخبرها فقالوا: أني إذن أضرِبَك. وأنشد:
لا تتكرني بينهم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا
[ ٢ / ٢٧ ]
يُقال: طار من كذا، إذا استخف، وطار من الحزن أي جُنَّ، والعربُ تقول: عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما الماء، وإنما يَرْكَبُ واحدةُ منهما ويستقي على الأخرى، وذلك لاجتماعهما. قال الله ﷿ ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وإنما يستخرج من الماء المِلْح دون العذب فجاز ذلك لاجتماعهما. واللفظ بالألف يكون استفهامًا والمعنى خبر، وإنما تكلمت به العربُ في خمسة أحرُف في سواء، وفي لأنظرن أقام عبد الله أم زيد؟ ولأعلمنَّ ١/ ٢٧٨ عمرو ذاهبٌ أم محمد؟ وما أبالي افتقرت أم استغنيت؟ وليت أزيدٌ قام أم عمرو؟ وأنشد الفراء:
سواء إذا ما أصلح الله أمركم علينا أدس مالكم أم أضارم
وأنشد:
سواء عليك العقر أم أنت نازلًا بأهل البيوت من سليم وعامر
وقال حسان:
ما أبالي أنب بالحزن تيسٌ أم لحاني يظهر غيبٍ لئيم
وقال زُهير:
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آلُ حصن أم نساءُ
[ ٢ / ٢٨ ]
والعربُ إذا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب. يقولون: يا رجلًا كريمًا، ويا راكبًا على البعير أقبل، وكذا إذا نادوا النعت وحده قالوا: يا راكبًا أقبل، ويا قائمًا اقعد، وأنشد الفراء:
يا سيدا ما أنت من سيد موطأ الأعقاب رحب الذراع
ما أنت من سيد على التعجب .. مُوطأ الأعقاب أي مُتبع متقدم للناس. رحب الذراع: واسِعُه، وهو مثلٌ، أي كثير العطايا. وأنشد:
ألا يا قتيلًا ما قتيلُ بني عبس أتتك أطراف الرماح من الدعس
والعربُ تقول: ما عندَ فلان مُعَوَّل، أي من أمر يُعَوَّل عليه. قال امرؤ القيس ابن حُجْر:
وإن شفائي عبرةٌ إنْ سفحتُها فهل عند رسم دارس من مُعول
ويقال: معنى قوله من مُعَوَّل: من محمل. يُقال: عول على فلان أي أحمل عليه.
وأنشد أبو العباس عن ابن الأعرابي:
أتيتُ بني عمي ورهطي فلم أجد عليهم إذا اشتد الزمان مُعولا ١/ ٢٧٩
[ ٢ / ٢٩ ]
والعربُ تقول: ربطتُ الفرس لا يتفلت وأوثقت العبد لا يفر بالجزم والرفع وأنشد بعض بني عقيل:
وحتى رأينا أحسن الود بيننا مساكنةً لا يقرف الشيء قارفُ
وأنشد:
لو كنتَ لو جئتنا حاولتَ رؤيتنا أتيتنا راجلًا لا تعرف الفرسُ
ينشد جزمًا ورفعًا. والعربُ تقول: أطرَدْتُ الرجُلَ، أي صَيَّرتُه طريدًا، وطردْتُه نَحَّيْتُه فقلتُ له: اذهب. والعربُ تقول: بارك الله عليك وفيك وباركك الله. والعربُ تقولُ: امش على أمرك وامضِ على أمرك أي: الزمْهُ. قال الله - ﷿ - ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾. والعربُ تقول: شططْتَ عليَّ في السوم. وأكثر القول أشططت. والشططُ السَّرَف والجور. يُقالُ منهما: أشطَّ فلان. قال الأحوص:
ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي ويزعمن أن أودي بحقي باطلي
والعربُ تكتفي بالمصدر عن الفعل لأنه يتولد فيقولون: أقبل عبدُ الله ضربًا، أي: يضربُ ضربًا. قال الله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ أي: يمسحُ مسحا، وطفق أي: ما زال يفعلُه. يُقال: طفِقَ وظل يفعلُ نهارًا وبات يفعلُ ليلًا. والعربُ ربما أتبعَت الضمة الضمة، قد قالوا: الرُّعُبُ والرُّعْبُ. وروى ابنُ الأعرابي بيت النابغة:
[ ٢ / ٣٠ ]
فتلك تُبلغني النعمان أن له فضلًا على الناس في الأدنى وفي البَّعُد
قال: أراد البُعْد فثقل. وهو كثيرٌ في الشعر والكلام مثل نُصُبٍ ونُصْبٍ، وسقم وسَقَم ١/ ٢٨٠ وحُزْن وحَزَن. والعربُ تقولُ: مررتُ برجل حسن العين قبيح الأنف، والمعنى حسنةٌ عينُه قبيحٌ أنفه. وأنشد الفراء:
ولكن ترى أقدامنا في نعالكم وآنفنا بين اللحى والحواجب
معنى آنفنا بين لحاكم وحواجبكم في الشبه. والعربُ تقول: هذا حسنُ الوجه قائمًا، فإذا كان النعتُ ذمًا أو مدحًا آثرت العربُ اتباعه الاسم فقالت: هذا حسن الوجه كريم، وهو شر.
أنشد الفراء:
ومن يشوه يوم فإن وراءه تباعة صياد الرجال غشوم
يشوه: يخطيء مقتله. متباعةُ: طلب. وصياد الرجال يعني الموت.
خفض الغشوم لأنه نعت لصياد في مذهب مدح. ولو نصبه على أن لفظه نكرة، ولفظ الذي قبله معرفة لجاز. والعربُ تقول للرجل الذي تعظه ما يصير إليّ من هذا الأمر فخذه، أي لستُ أريد منه شيئًا. قال الله ﷿ ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ معناه: هل ترونني أريد على ذلكم منكم أجرًا. وعن بعض العربَ قال: فلان يُرجَّلُ شعره يوم كل جمعة، يريد كل يوم جمعة. والمعنى واحد، قال الله - ﷿-: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. وفي قراءة عبد الله: على
[ ٢ / ٣١ ]
قلب كل متكبر، والمعنى واحد، والعربُ لا تكاد تقول: أناب فلان إلا إذا نزع عن كل شيء كان منه. وأهل تهامة ١/ ٢٨١ يقولون: أنتَ كمثلي وأنا كمِثُلِك يريدون: أنت مثلي وأنا مِثْلُك. وقال ابن أحمر:
ما أم عُفرٍ على دعجاء ذي علق ينفي القراميد عنها الأعصم الوقل
إلا كمثلك منا غير أن لنا شوقًا وذلك مما كُلفت جللُ
الغُفْر: ولد الأروية، وينفي القراميد، أي يدفَعُها إذا أراد الصعود إليها، والدعجاء: قُلَّة من الجبال، وذو علقٍ: جبل. والقراميد: ما عرض من الصخر، ويقال للواحدة قرمدة وقرميدة. والأعصم الذي في يده بياض. والوقِلُ: الذي يصْعَدُ في الجبل، يقال له: وَقِلَ ووَقل وقد وقل إذا صعد. والكاف يكونُ في مثل، تقول: زيد كعمر ومثل عمرو فيكون المعنى واحدًا. قال الشاعر:
ورعت به الهراوة أعوجي إذا وتت الركاب جرى ونابا
أراد بفرس كالهراوة [في] شدته. أعوجي منسوب إلى فرس مشهور. معناه: بمثل الهِرَواة. ولولا ذلك لم يدخل الباء على الكاف.
والعربُ تجمع بين الكاف ومثل. قال الله - ﷿- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ واجتماعهما دليل على أن معناهما واحد.
والعربُ تقول: جثا فلان أي برك على ركبتيه وجذا أيضًا يجثو جثوًا بالثاء والذال. قال:
إن حملوا لم تزل مواقفنا وإن حملنا جثوا على الركب
[ ٢ / ٣٢ ]
والعرب تنصِبُ ما يأتي بعد ما وترفعه بمضمر مثل (هي) وهو وأشباههما. أنشد الفراء:
فسيروا فاما حاجةٌ تقضيانها وإما مبيت صالح ورفيق
وأنشد:
ومن لا يزل يستودع الناس ماله تزنه على بعض الأمور الودائع
يرى الناس إما جاعلوه وقاية لأموالهم أو تاركوه ١/ ٢٨٢ فضائع
فيرفع بإضمار هي حاجة تقضيانها وهم جاعلوه. قال الله - تعالى- ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. نصب منًا وفداء على المصدر، وفيه مضمرٌ. المعنى: فأما أن تمنوا منا. والعربُ تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلفَ لفظهما. فمن الأسماء قول الشاعر:
من النفر اللائي الذين إذا هُمُ يهابُ اللئامُ حلقةَ الباب قعقعوا
فجمع بين اللائي والذين وأحدهما مُجْزِ عن الآخر. وأما في الأدوات فقول الشاعر:
ما إن رأيتُ ولا سمعت به كاليوم هانيء أينق جرب
فجمع بين ما وبين إن وهما جحدان يجزي أحدهما عن الآخر.
والعربُ تأمر بلفظ الاستفهام ومعناه أمر. قال لبيدُ:
[ ٢ / ٣٣ ]
ألا تسألان المرء ماذا يُحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
والعرب تسمى الثريا النجم. قال الراعي:
وبات يعد النجم في مستحيرةٍ سريع بأيدي الآكلين جمودها
مستحيرة: إهالة سمينة فهي صافية، ومستحيرة ليست تجري من كثرتها وسريع جموده من رقتها وذلك أكرم لها. والعربُ تُسمى المرأة المحجوبة مقصورة وقصيرة. والعرب تُسمى الحجلة المقصورة ويسمون المرأة المحجوبة المقصورة والقصورة. وأنشد لكثير:
لعمري لقد حببت كل قصورة إلى وما تدري بذاك القصائرُ
أردتُ قصورات الحجال ولم أُرد قصار الخُطى شر النساء البحاترُ
ويروى: البهاترُ، ومعناهما واحد، وهن القصار. يُقالُ: رجلٌ بُحْتُر وبُحتري وبهتر، ١/ ٢٨٣ وامرأة بحترية وبُحْتَرة وغيره كل قصيرة. وأردت قصيرات (الحجال المحبوسات عن الناس) وقال () أو غيره:
أحب من النسوان كل قصيرة لها (نسبٌ في الصالحين) قصير
[ ٢ / ٣٤ ]
أي: قصيرة عدد الآباء إلى الأب الأكبر (ومن ذلك قوله تعالى) ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قيل: قُصِرْنَ على أزواجهن، (أي حُبِسْنَ) عليهم بالمحبة فلا يُردن غيرهم. وقال الحسن: مستكات (). وهذا أشهر في كلام العرب. قال الفراء: العرب تجعلُ ولا كريم تابعًا لكل شيء نفت عنه المدح فيقالُ: ما اللحم سمين ولا كريم، ولا الدلو بواسعة ولا كريمة. قال الله - ﷿-: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ قال الكسائي: ولم أرَ العرب قالت: لا وحدها حتى تتبعها بأخرى أو تُشبه بها. لا يقولون: لا عبد الله خارج حتى يقولوا: ولا فلان أو ولا قادم، ولا مررت برجل لا محسن حتى يقولوا ولا مجمل. وبهذا جاء القرآن ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. وقد جاءت مفردة في الشعر، وهو جائز. وأنشد لسعد بن مالك جد طرفة:
من فر عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح
وقال الضحاك بن هشام:
[ ٢ / ٣٥ ]
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا حياتك لا تُرجى وموتك فاجع
والعرب تقول: "في كل شجرٍ نار، واستمجد المرخ والعفار" وذلك أنهما كثير النار.
قال الأعشى:
زنادُك خيرُ زناد الملو ك خالط منهن مرخ عفارا
ومما هو كثير النار ١/ ٢٨٤ تُقدح منه () بأنه أكثرها نارًا وأن الريح تهُبُّ عليه. () بعضًا فيُقْدَح منه النار. (والعربُ تقول أنظرنا) انتظرنا. وقال عمرو بن كلثوم:
أبا هندٍ فلا تعجل علينا (وأنظرنا نُخبرك اليقينا)
فمعناه ههنا: انتظرنا قليلًا لأنه ليس () إنما هو استماع كقولك للرجل: استمعْ. قال الكسائي: سمعتُ (بعض العرب) يقول:
[ ٢ / ٣٦ ]
أنظرني أكلمك فسألته عن المعنى. فقال: (). وسمعتُ غيره يقول: أنظرني: أرقني. والعرب تدخلُ الفاء في خبر كل اسم يُوصلُ مثل الذي ومن وما لأنهم يشبهونها بالجزاء، وإلقاؤها صواب. فمن أدخل الفاء ذهب بالذي وأخواتها إلى الجزاء، ومن ألقاها فهو على القياس لأنه يُقال: إن أخاك قائمٌ، ولا يُقال: إن أخاك فقائم. قال الله - ﷿- ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾. والعربُ تقولُ: هو نصب عيني ونصبَ عيني، وهما في حالٍ سواء. والعربُ تقول: استغشى فلانٌ ثوبه، أي: تلقفَ به. قال الله - ﷿-: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾. قال المفضل: تلقفوا بها. وقال المجنون:
وإني لأستغشي وما بين نعسةٌ لعل خيالًا منك يلقى خياليا
وقال الحسن: استغشوا ثيابهم، أي: نفضوها وقاموا عني.
قال المفضل: والعربُ لا تقولُ: استغشى ثوبه: نفضه.
والعربُ تقول: نشطت بعيري، أي ربطتُ الحبل في يده، وأنشطته بالألف إذا حللتُه. ويقولون: كأنما أنشط من عقال. وربط: نشط، ١/ ٢٨٥ والرابط: الناشط الخارج. ومنه قيل للثور ناشط، لأنه في مرتعه يخرج من بلد إلى بلد.
وقال زهير:
[ ٢ / ٣٧ ]
ثلاث كأقواس السراء وناشط قد اخضر من لس الغمير جحافله
السراء: شجر يُتَّخَذُ منه القسي، واللسُّ: الأخذ بمقدم الفم من غير تمكن، والغميرُ: النبتُ يخرجُ مع نَبُتٍ قد جف فيغمره، والجحفلة: الشفة. والعرب تقول للشيء الضعيف أو الكليل هو ظنون، قال الفراء: سمعتُ بعض قُضَاعةَ يقول: ربما ذلك على الرأي الظنون، يريد الضعيف من الرجال، والعربُ تقول: هذا العدو فترفع، وفيه معنى التحذير. وأنشد الكسائي والفراء:
إن قومًا فيهم عُميرٌ وأشبا هـ عمير وفيهم السفاح
لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة: السلاح السلاحُ
فرفع وفيه معنى الأمر بليس السلاح، أي الأمر الذي يحتاجون فيه إلى السلاح.
وقالا: لو رفع رافعٌ ﷿-: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ على ضمير هذه ناقة الله فيها معنى التحذير لكان صوابًا.
والعرب تقفُ على النون الخفيفة على حسب ما قبلها، فإن كان مفتوحًا كانت ألفًا، وإن كان مضمومًا كانت واوًا، وإن كان مكسورًا كانت ياء والوقوف على قوله - ﷿ - ﴿لَنَسْفَعَن بِالنَّاصِيَةِ﴾ بالألف لانفتاح ما قبلها. وكذا حكم النون الخفيفة عند العرب. وفي قراءة عبد الله ﴿لَأسْفَعَن بِالنَّاصِيَةِ﴾. والعربُ إذا جاء الفعلُ بين صفتين تُرجع الثانية على الأولى أخروا النصب كقولهم عبد الله في الدار ١/ ٢٨٦ قائمًا فيها وقائمًا بها، وإذا لم ترجع الثانية على الأولى اعتدل عندهم الرفعُ والنصبُ كقولهم: في الدار عبد الله قائمًا إليك وقائمٌ إليك. وأنشد الفراء
[ ٢ / ٣٨ ]
وغيره:
والزعفران على ترائبها شرقًا به اللباتُ والنحرُ
فنصبت لأن معنى الترائب واللبات واحد. والعرب تقول: تركتُ الناس إلى فلان عُرفًا واحدًا، إذا توجهوا إليه وأكثروا. قال الله - ﷿- ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾. قال الكلبي: المعنى- والله أعلم- والمرسلات بعُرْفٍ، فلما أسقط الباء نصب، وبعُرْف وبالعُرْف واحد، لأن الشيء إذا كان عامًا تكلمت به العرب بالألف واللام، وبطرحهما. فيقول: خُلِقَ الإنسان من طين، ومن الطين. ورويتُ من الماء ومن ماء، أي أرسلت عُرفًا من الله - ﷿- إلى خلقه. ويُقالُ: عُرْفًا كثيرًا كعُرْف الفرس. والعربُ تطرحُ من الكلام فيه وعنده في مكان هو فيه مستقيم فيقول: هذا رجل لا رأي ولا عقلَ ولا خيرَ ولا شيء، يريدون عنده وله، وذلك لأن المعنى قد عُرِف. وتركته في أرض لا ماء ولا شجر أي لا ماء فيها ولا شجر. ويقول العرب: جاءتك الناس، يريدون جماعات الناس، واجتمعت قومُه، يريدون: عشيرته، وهو حسنُ. قال الله - تعالى-: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ و﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ أراد العشيرة والأمة. والله أعلم. والعربُ تقول: ليس ما تزويج ولا مهر، فيجعلون ما وحدها اسمًا بغير صلة. وقال:
لا تعجلا بالسير وادلواها لبئسما بُطءٌ ولا ترعاها
قال الفراء: نِعْمَ ما ونِعِمَّ ما بالتخفيف والتثقيل، وكل ١/ ٢٨٧ صواب.
والعرب تقول: لا أدري من أي عاد هو؟ ومن أي تُبَّع هو؟ لا يجُرُّونَ عاد ولا تُبَّع يجعلونهما أمنين. والعربُ تقول: عجبتُ من لوم الناس بعضهم بعضًا وبعضهم بعضًا، وسمعتُ وقعَ أنيابه بعضها فوق بعض، وبعضها فوق بعض، إذا أردت على
[ ٢ / ٣٩ ]
الأول خفضت وإذا مضيت، على التأويل رفعت، ومن العرب من يقول إذا أضاف إلى يوم وحين وزمان وشهر وأشباه هذا، أضافه إضافة، وإضافة ليست بمحضة، يجعلُه في حال النصب والخفض والرفع نصبًا أبدًا، وتنشِدُ العربُ هذا البيت:
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت لما أصح والشيب وازعُ
ومنهم من يخفض ومن حين تطلعُ الشمس إلى حين تغيب. والخفض هو الوجه. قال ﷿: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ القراءة بالخفض، ولو نصب لكان صوابًا. ومن عذاب يومئذ، ومن خزي يومئذ، ومن فزع يومئذ. ومن جعلهن مضافات فإن العرب، منهم من يخفض، ومنهم من ينصب "يوم"، على ما ذكرت لك. وعامة القراء يقرءون بالنصب من خفض ومن نصب جميعًا، يرجعون إلى النصب، قال ١/ ٢٨٨ في المطففين: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾.
ويقول: لك يومان يوم تُضحى ويوم تُفْطر، والعربُ أكثر قولها أن تجمعَ بيْنَ الساكنين، ومنهم من يُحرك فيتبع الساكن الأول لما أدغم إن كان ما أدغمت مكسورًا كسرت، وإن كان مرفوعًا رفعت، وإن كان منصوبًا نصبت، كما قالوا في عبد شمس وعبشمس، وهو عبشمي، ولقيت عبشمس. هذا ما كان أوله مفتوحًا، فأما ما كان أوله مكسورًا أو مضمومًا فإنهم يكسرونه أبدًا إذا حركوا في حال الخفض والرفع مثل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ إذا أدغمت القاف عند الكاف وخفضت جمعت بين ساكنين في لغة من جمع، فإن حركت الراء بها دون ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾ يخفضون الراء. ومثل هذا في الكلام في مُلِككم إنْ حركت
[ ٢ / ٤٠ ]
خفضت الكاف، وإن أدغمت فيمن جحع بين ساكنين جزمت اللام والكاف. والعربُ تقول: لا آتيك السَّمَر والقَمَر. فالسَّمَرُ في هذا الموضع سوادُ الليل. وتقول: "اللهم سِمْعَ لا بِلْغَ"، وسَمْعَ لا بَلْغَ، وسِمْعًا لا بِلْغا وسَمْعًا لا بَلْغًَا، أي أسمعُ بالدواهي لا تبلغني. قال الكسائي: إذا سمعوا الخبر لا يعجبُهم قالوا: سِمْعَ ولا بِلْغَ، وسَمْعَ لا بْلَغَ وسَمْعًا ولا بَلْغًا.
فصل
الأخيران: العدْل والهذَر، والأخرسان: النؤي والحجر، والأخبثان الجَدْب والعسر، والأطيبان، الخصب واليُسْر، الأغْزَران: البحر والمطر، الأنضران: النّوْر والزَّهَر، الأسيران: الشعر والسَّمَر، الأفيحان: البدو والحضر، الأصدقان: الآي والسؤر، الأكثران النصر والظفر، الأكران: القدر والخطر، ١/ ٢٨٩ الأفشلان اللوم والجور، الأكرمان: السمع والبصر، الأعجزان. العِيُّ والحصر، الأغبران الرمل والمدر، الأخضران: الزرع والشجر، الأحمران: اللحمُ والخمْر، الأجملان: الحمدُ والشكر. وقال:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ما لي وكنتُ بهن قدما مولعا
الراحُ واللحمُ السمين أحبه والزعفران به أروح مُنَقَّعا
والأسودان: التمرُ والماء، والأبيضان: الخبز والماء، وقيل: الشحم والشباب، وقيل: اللبن والماء، والأطيبان: الطيبُ والنكاح، والأصفران: الذهب والزعفران،
[ ٢ / ٤١ ]
والمرمضان: الوَجْد والكَمَد. المقرحان: الدمع والسُّهد، المُنْحِلان: السُّقْم والجُهْد، ويقال: الورس، الوابلان: السكب والبرد، الأسودان: القلب والكبد، المعجبان: الغصن والعقد، المُعْرضان: العقل والقود، الأجمدان: الصبر والجلد، الأقصدان: القرب والصدد، الراسيان: الركن والعمد، المصرعان: البغي والحسد، المعقلان: العز والعَدد، النعمتان: الأمن والرَّغَد، الماضيان: السيف والأسل، الهاديان: الرُّشْدُ والسَّدَد، العُدَّتان النصر والمدد، المحرمان: البأس والعدَد، الأشأمان. الغُرابُ والصُّرَد، الموبقان: الجُبْن والنكد، الأسعدان: النَّجْحُ والرَّشَد، المبهجان: البِشْرُ والصَّفَد، الوطنان: الأهل والولد، المفضيان: الوعر والجدد، الذخران: الطارف والتالد، الأعضمان: الرأسُ والجسد، الكاهلان: الجيدُ والكتدُ، المقلقان: الجوعُ والصرد، الأبكمان: النؤي والوتد، ١/ ٢٩٠ الفتيتان: المالُ والولد، الزايغان: الأمتُ والأود، العاملان: العُمر والأيد، القمران: الشمس والقمر، العمران أبو بكر وعمر، وقيل لعثمان يوم الدار، تسلك سيرة العمرين.
وقال الفرزدق يمدحُ هشام بن عبد الملك:
فحل بسيرة العمرين فينا شفاء للقلوب من السقام
البصرتان: الكوفة والبصرة، الجديدان والملوان: الليل والنهار، والعصران: الغداة والعشي قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يوم وليلة وإذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال آخر:
[ ٢ / ٤٢ ]
وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
وقال ابن مقبل في الملوين:
ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلي الملوان
والصرعان: الغداة والعشي قال:
كأنني نازع يثشنيه عن وطن صرعان رائحة عقل وتقييد
والحجران: الذهب والفضة، والأصمعان: القلب الذكي والرأي الحازم، والأصغران: القلب واللسان. قال:
وما المرء [إلا] الأصغران لسانه ومعقوله والجسم خلقٌ مصور
الغاران: البطن والفرج وهما الأجوفان قال:
ألم تر أن الدهر يوم وليلة وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا
قال:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى السؤل أجمعا
الطرفان: الرجل نسبه من قبل أبيه ونسبه من قبل أمه. وهو قولهم: "لا يدري أي طرفيه أطول".
[ ٢ / ٤٣ ]
وأنشد أبو زيد:
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ومن بعد شتم الوالدين صلوحُ
يراد أجداده من قبل أبيه وأمه. يقال: فلان كريم ١/ ٢٩١ الطرفين. قال ابن الأعرابي: طرفاه: لسانه وذكره. وقيل: قلبه ولسانه. والأخبثان: البخرُ والسهر، الأسودان: قيل: الليل والحرة. "وضاف قوم مزبدًا المدني فقال: ما لكم عندي إلا الأسودان، فقالوا: إن ذلك لمقنع، التمر والماء. قال: ما ذلكم عنيت، إنما أردت الليل والحرة". المسجدان: مسجد الكوفة ومسجد المدينة. قال الشاعر:
لكم مسجد الله المزوران والحصى لكم قبصه من بين أثرى وأقترا
الحرمان: مكة والمدينة، والخافقان: المشرق والمغرب، لأن الليل [والنهار] يخفقان فيهما. المصران: الكوفة والبصرة، وهما العراقان. والقريتان: مكة والطائف. قال الله - ﷿- ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يعني: مكة والطائف. الهجرتان: هجرة إلى المدينة وهجرة إلى أرض الحبشة.
الأهيغان: الخِصْبُ وحُسْنُ الحال. الأبتران: العبد والعير، سُميا أبترين لقلة نسلهما. الأصرمان: الذئب والغُراب لأنهما انصرما من الناس، أي انقطعا. قال
[ ٢ / ٤٤ ]
المرار:
على صرماء فيها أصرماها وخربت الفلاة بها دليلُ
صرماء: فلاة ليس فيها ماء. الأزهران: الشمس والقمر، الفرجان: سجستان وخُراسان. الأيهمان عند أهل البادية: السيلُ والجمَلُ الهائج، وهما الأعميان، وعند أهل الأمصار: السيلُ والحريق.
فصل
العربُ تَزْجُر الإبل بِهَيْدِ وهادِ. يقول هيد هيد تزجر بذلك وتحُث. قال الراجز:
معاتبةٌ لهن حلا وحوبا وجل غنائهن هيا وهيد
الحوب: زجرٌ للبعير ليمضي، وللناقة حل وحِس، ويزجرون الجمل بجاه. قال الراجز: وهو يُحمق رجلًا هجاه:
يقول للناقة ١/ ٢٩٣ قولًا للجمل يقول جاه ثم يثنيه بحل
ومن زجر الناقة هيج. قال ذو الرمة:
أمرقت من جوزه أعناق ناجيةٍ تنجو إذا قال حاديها لها هيج
والجمل يهاج في زجره كذلك فإذا حكوا ضاعفوا
[ ٢ / ٤٥ ]
فقالوا: هجهج كما يُضاعفون الولولة من الويل فيقولون: وَلْوَلتِ المرأة إذا أكثرت من قولها الويل" مشتق من المعتل كما يُشتق من المُقل. والهَجْهَجَة أيضًا صوت الرجل إذا صاح بالأسد. وعيق من أصوات الزجر يعيق في صوته. والنهيم من زجر الإبل تصيحُ بها لتمضي. يقول: نَهَمْتُها نهمًا ونهيمًا. ويقولون للبعير أيضًا جيء جيءْ ليشرب وهي الجَاجَأة. تقول: جأجأت به. الأصمعي يقال للبعير إذا زجرته حَوْبُ وحَوبَ. وللناقة جَزْم وحَلْ وحَلَى لا حَلَيْتُ. غيْرُه حَوَّيْتُ بالإبل من الحَوْب. ويقال: جوتَ جوتَ إذا دَعوتَها إلى الماء قال:
كما رُعتَ بالجوت الظماء الغواديا
والإهابةُ: الصوت بالإبل ودعاؤهن. ويقال: عاج وجاه ويقالُ للناقة إذا دعوت لها بالنهوض والارتفاع: لعا. قال الأعشى:
بذاتِ لوثٍ عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
العفرناة: الشديدة، واللوثُ: قوةٌ وثقل في الجسد لكثرة اللحم وهي الضخمة،
[ ٢ / ٤٦ ]
وليس يمنعها ذلك من السرعة. ويقولون للفرس: اجْدَمِ وأقدِم إذا هيجَ ليمضي، وأقدم أجودهما، وإجِدْ أيضًا. وتُزْجَرُ البَغْلُ بِعَدْ وعدس. قال يزيد بن مُفرغ لثعلبة:
عدس ما لعبادٍ عليك إمارةٌ غزوت وهذا تحملين طليقُ
وتزجر العنَْزَ والبقرة أوس أوس، والشاة إسْ وهِسْ، وللكلب ١/ ٢٩٤ وسَرْمًَا سَرْمَا إذا دَعَوْته إليك. والسَّرْم من زجر الكلاب وهو هذا. والعربُ تزجر الزِّجْرَ، ولو رُفعَ أو نُصِبَ كان جائزًا، لأن الزجر والأصوات والحكايات تُحرك أواخرها على غير إعرابٍ لازم، وكذلك الحروف والأدوات التي لا تتمكن في التصريف، فإذا حُوَّل من ذلك شيء إلى الأسماء حُمِلَ عليه الألف واللام وأُجري مجرى الاسم كقول الكميت:
حلفت برب الناس يا أم خالدٍ بأمك إذ أصواتنا المال والحب
وروُي: الهال والحُبَ. وقال: والحوبُ لما ثقل، والحل، وقيل الحُوبُ - بضم الحاء. والعرب تسمى دعاء الراعي الإبل شياعًا.
وقال الخليل: الشياع: قصية ينفخ فيها الراعي. قال قيس بن ذريح:
أحن إليك من طرب وشوق حنين النيب تطرب للشياع
[ ٢ / ٤٧ ]
وانيب جمع نابٍ، وهي المُسِنَّة من النوق، ويجمع أيضًا نُيوب.
فصل
الأخفش؛ العربُ تُكنى الدواب، الفيل أبو الحجاج. الجمل: أبو صفوان. الأسد: أبو الحارث وأبو ثور وبه كُنِّي عمرو بن معد يكرب. الذئب: أبو جعدة. الغزال: أبو الحسين. الفرس: أبو طالب. البرذون: أبو المضاء. البغل: أبو المختار. الحمار: أبو زياد. الكلْب: أبو خالد، وأبو ناصح، ويقال للبحر: أبو خالد. السَّنْورُ: أبو خِداش. الثعلب: أبو الحصين. النسر: أبو يحيى. الخنزير: أبو قادم. الديك: أبو حسان وأبو يقظان وأبو نبهان، الثور: أبو مُزاحم. الدجاجة: أم حفص. الضبُّ: أبو الحِلْس وأبو الحسْل، والحِسْل ولدُ الضَّبُّ. الغُرابُ: أبو زاجر. الحمام: أبو ١/ ٢٩٥ المهدي. الجرادة: أم عوف. القرد: أبو قيس. القملة: أم عقبة. الضفدع: أبو قادم: السلحفاة أم العوام. الفأر: أبو حاتم. الحية: أبو يقظان. العقرب: أم ساهر. الضبع: أم عامر. الخنفساءة: أم سالم. الذباب: أبو جعفر.