وفي لغة العرب: الحقيقية، والمجاز، والتكرير، والإيجاز، والكناية، والإضمار، والحذف، والاختصار، والحكاية، والاتساع، والاستعارة، والإتباع، والإشمام، والإشباع، والاشتقاق، والترخيم، والإغراء، والإدغام، والتوكيد، والأضداد، والمقلوب، والإبدال، والجُوار، والمنقول والإيهام، والمعدول، والمعاريض، والنقص، والزيادة، والتقديم، والتأخير، والإمالة، والتفخيم، والتصغير، والتعظيم، ومخاطبة الواحد بلفظ الاثنين، ومخاطبة الاثنين بلفظ الواحد، ومخاطبة الغائب بلفظ الشاهد والشاهد بلفظ الغائب، وذكر شيء بسببه، وذكر سببه به، والأمثال.
وكل ذلك لاتساعها وفصاحتها، وتفهمهم لظاهر معانيها وكناياتها. وقد ذكرت من كل شيء من ذلك طرفًا مختصرًا؛ كراهة الإطالة، إن شاء الله.
الحقيقة
الحقيقة: ما وضح لفظه وصح معناه، ولم يكن فيه لبس ولا إشكال، ولا ريب ولا محال.
ومعنى الحقيقة: ما تصير إليه حقيقة الأمر ووجوبه.
نقول: بلغت حقيقة هذا الأمر، أي: بلغت حقه، يعني: يقين شأنه.
وفي الحديث: "لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يعيب على مسلم بعيب هو فيه".
[ ١ / ١٢٢ ]
المجاز
ومعنى المجاز: طرف القول ومأخذه.
فمن المجاز قول الله، ﷿: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، هذا عبارة: لتكوينه إياهما فكانتا.
وكما قال الشاعر:
يشكو إلي جملي طول السرى يا جملي، ليس إلي المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى
والجمل لم يشك حقيقة، ولكنه خبر عن كثرة أسفاره، وإتعابه جمله، وقضى على الجمل أنه لو كان متكلمًا لشكى ما به.
والسرى: سير الليل، نقول: سرى يسري سُرَى وسريًا. وكل شيء طرق ليلًا فهو سار. ومنه قوله، ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
[ ١ / ١٢٣ ]
وقال آخر:
سرى يخبط الظلماء والليل عاكف حبيب بأوقات الزيارة عارف
والسرى يؤنث ويذكر، قال آخر:
هن الغياث إذا تهولت السرى وإذا توقَّد في النجاد الحزور
النجاد: أرض فيها صلابة وارتفاع. والحزور: ما خشن من الحصى.
ويقال: طالت سرى القوم، وطال سراهم. ونقول أسرى فلان فلانًا، ولا يقال غيره. وسرى به وأسرى به واحد.
وكقول عنترة في فرسه:
فازورَّ من وقع القنابلبانه وشكى إلي بعبرة وتحمحم
لما كان ما أصابه يشتكى مثله، ويستعبر منه، جعله مشتكيًا ومستعبرًا. وليس هناك شكاية ولا عبرة حقيقة، ولكنه مجاز.
وكذلك قوله، ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ هذا عبارة عن سعتها، وأنها لما كانت مصير من أدبر وتولى، فكأنها الداعية لهم.
[ ١ / ١٢٤ ]
كقول أبي النجم:
مستأسدًا ذبانه في غيطل يقلن للرائد: أعشبت انزل
ولم يقل الذبان شيئًا من ذلك، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على المرعى؛ لأنه لا يجتمع إلا في عُشب، فكأنه قال للرائد: أعشبت فانزل.
وكقول الآخر:
ولقد هبطت الواديين فواديًا يدعو الأنيس بها الغضيض الأبكم
والغضيض الأبكم: الذباب. يريد: أنه يطن فيدل طنينه على النبات والماء، فكأنه دعاء منه.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾؛ فإن هذا، على ما ذكره أبو عبيدة، مجاز الموات والحيوان الذي يشبه تقدير [فعله] بفعل الآدميين.
وقال الجنابي: قال بعضهم: أنثا بمن فيهما من الخلق، فغلب المذكر المؤنث. وقال بعضهم: أجرامها مجرى الآدميين في الطواعية، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؟ والجلود مؤنث، ولم يقل: شهدتن؛ لأنه أجراها مجرى الآدميين.
ومثل هذا في اللغة والشعر موجود، يقولون: أصابنا وابلون، في [الوابل]،
[ ١ / ١٢٥ ]
وحرة وحرون.
وقال الجعدي:
سريت بهم والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
ولم يقل: فتصوبن.
وقال عبدة بن الطبيب:
إذا صوت الديك، يدعو بعض أسرته إلى الصباح، وهم قوم معازيل
وقال الراجز:
كفى بالمشرفية واعظينا
ولم يقل: واعظات.
وقال تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
فأجراهم مجرى الآدميين. ومثله قول الشاعر:
قف بالديار فحيها بتحية واستحفها واستخبر استخبارا
واستبحث الطلل المقيم على البلى عن أهله واستنطق الأحجارا
أين اللواتي كن فيك قواطنًا قد بن عنك ضحى فصرت بوارا
فتكلمت تلك الديار ولم تكن تلك الديار تكلم الزوارا
قالت: برغمي بان أهلي كلهم وبقيت تكسوني الرياح غبارا
[ ١ / ١٢٦ ]
فقال: تكلمت الديار وقالت، والديار لا تتكلم ولا تقول، ولكن لما كانت على الحالة التي لو كانت ممن يتكلم ويقول لقالت هذه المقالة، وخبرت بهذه الحالة، جاز أن نعبر عنها بذلك مجازًا.
ومثله عن بعض الحكماء أنه قال: وقفت على المعاهد والجنان، فقلت: أيتها الجنان، أين من شق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك. فإن لم تُجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا.
ومثله قول الشاعر:
سألت الدار تخبرني عن الأحباب ما فعلوا
فقالت: بي أناخ القو م أيامًا وقد رحلوا
فقلت: من أين أطلبهم وأي منازل نزلوا
فقالت: بالقبور هم لقوا، والله، ما عملوا
ومثله قول الآخر:
امتلأ الحوض وقال: قطني سلا رويدًا، قد ملأت بطني
والحوض لا يقول حقيقة، وإنما هذا على أنه لما كان في حالة من يكتفي بما فيه أن لو كان متكلمًا لقال ذلك، أطلق عليه هذا القول مجازًا. وكذلك الديار لا تقول شيئًا، وإنما هو على هذا المعنى.
ومثله قول المجنون:
[ ١ / ١٢٧ ]
أقول لرئم مر بي وهو راتع أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال
وإن لم تكن ليلى غزالًا بعينها فقد أشبهتها ظبية وغزال
فقال إن الغزال أجاب فقال: يقال. وهذا على ما تقدم ذكره.
وقال ﷿: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، والجدار لا إرادة له، ولكن هذا قول العرب للشيء إذا قرب من الشيء وتهيأ له. ويريد: كاد، أي قارب.
وأنشد الفراء:
يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل
فجعل للرمح إرادة، ولا إرادة له. وأنشد الفراء:
فلما أراد الصبح منه تنفسًا أنخنا فعرسنا وما كدت أفعل
وأنشد الفراء:
إن دهرًا يلف شملي بسلمى لزمان يهم بالإحسان
وقال الراعي:
في مهمه قلقت به هاماتها قلق الفؤوس إذا أردن نصولا
ويروى: في نفنف. فالمهمه: القفر المستوى، والنفنف: ما بين أعلى الجبل إلى أسفله. وما بين كل شيئين نفنف. وقلقت: رجفت كما ترجف الفأس إذا أرادت أن تسقط من الخشبة. ونصولا: يقال: قد نصل نصولا إذا خرج. وليس للفؤوس إرادة.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال أبو النجم:
بأن رأيت العارض المستحلبا باتت تناديه الجنوب والصبا
العارض: السحاب، وليس ثم نداء، ولكن المعنى: كانت تستدعيه وتجمعه، فجاز ذلك.
وقال ابن مقبل:
كمثل هيل النقا طاف الوشاة به ينهار حينا وينهاه الثرى حينا
وليس ثم نهي، ولكنه كأنه يمنعه، فوضع ينهاه في موضع يمنعه. والنقا: الرمل. والهيل: ما تناثر منه.
وقال أبو النجم:
كأن رملًا هم بالتقطع فهو جثًا فوق دهاس مضجع
وليس ثم من الرمل هم. والدهاس: الرمل.
وقال أيضًا:
همت الأفعى بأن تسيحا وسكت المكاء أن يصيحا
وليس من الأفعى هم، والمكاء: طائر.
وقال الراجز:
ورماد نار قد تهيأ للبلي وسواد منه كلون الجوزل
الجوزَلُ: الفرخ، شبه سواده بسواد الفرخ أول ما يخرج ريشه.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقال القطامي:
باتت تضاحكه البروق بساطع كسنا الحريق ولا مع لمعانا
وقال عبيد:
سائلي بناحجر بن أم قطام إذ ظلت به السمر الذوابل تلعب
وهي لا تلعب.
وقال الجعدي:
سألتني عن أناس هلكوا أكل الدهر عليهم وشرب
والمعنى أنه أبادهم وأذهبهم، كما قال عبيد في لعب الذوابل. ومعنى لعبها: قتالهم وهلكهم وتشردهم.
وقال ذو الرمة:
وأبيض موشي القميص نصبته على خصر مقلات سفيه جديلها
يعني الناقة. والمقلات: التي لا ولد لها. وسفيه: يقول مضطرب. والجديل: الزمام، وجعل الجديل سفيهًا ولا سفه منه، ولكنه، لما خف وأسرع وتحرك، سماه سفيهًا؛ لأن السفه خفة وطيش.
ومثله قول زياد الأعجم:
[ ١ / ١٣٠ ]
سبقت يداك له بعاجل طعنة شهقت لمنفذها أصول جوانح.
كأنها لما سالت وتبادر دمها صير ذلك سفهًا.
وقال زيد الخيل:
بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم منه سجدًا للحوافر.
الحوافر تجعل الأكم سجدًا.
وقال سويد:
ساجد المنخر لا يرفعه خاشع الطرف أصم المستمع
وهذا كلام العرب. وكذلك يقولون: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمار، وصاح الشجر: طال، لما تبين للناظر، ودل على نفسه، جعلوه كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته.
ومالت النخلة، ورخص البيع وغلا. ومثل هذا كثير، يطلقون الكلام على ما لا يعقل ولا فعل له، إطلاقهم له على ما يعقل ويفعل، مجازًا واتساعًا. وكذلك يقولون: وقفت الشمس، واحمر الأفق، وأظلم الليل، وظهرت النجوم، وطلع القمر وغاب، وسقط الحائط، وسطع الغبار.
قال الشاعر:
إذا لم يغبر حائط في سقوطه فليس له بعد السقوط غبار
فأضاف السقوط والغبار إليه، وهو مفعول به.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾، وإنما يعزم عليه. وكذلك قوله تعالى:
[ ١ / ١٣١ ]
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وإنما يربح فيها.
ومثل ذلك قولهم: ناقة تاجرة، أي تنفق نفسها، فكأنها لما كان عليها من الأعلام ما يدعو إلى نفاقها قيل لها: تاجرة.
والعرب تقول: مال ينطق: إذا رأوه نطقوا عجبًا به، فقالوا: سبحان الله.
ومثله قول الشاعر:
وأعور من نبهان، أما نهاره فأعمى، وأما ليله فبصير
فجعل الصفة للنهار والليل.
وقال آخر:
أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوت من الساج
وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم
والليل لا ينام، وإنما ينام فيه.
وقال آخر:
فنام ليلي وتجلى همي
وقال آخر:
[ ١ / ١٣٢ ]
نهارهم ظمآن أعمى وليلهم وإن كان بدرًا ظلمة ابن جمير
أي يظمؤون فيه.
قال الطرماح:
وأخو الهموم إذا الهموم تحضرت، جنح الظلام، وساده لا يرقد
كأنه قال: لا يرقد هو على وساده، ولا يُرقده وساده.
وقال الله، ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهما لا يمكران، ولكن المكر فيهما. وقرأ ابن مسعود: ﴿بَلْ مَكَروا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي مكر بعضهم على بعض فيه.
وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وإنما كُذِب به.
وقال [كلثوم بن عمرو العتابي]:
يا ليلة لي بحوارين ساهرة حتى تكلم في الصبح العصافير
فقال: ساهرة، والليلة لا تسهر، وإنما يسهر فيها.
وكذلك المائدة، هي في لفظ إلى فاعلة، والفاعل غيرها، إنما ميد بها أهلها، وهذا من السبب الذي حولت صفته إلى شيء من سببه، كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ وإنما يرضى بها أهلها.
والعرب تقول: تضعضع البناء وخشع، وردى الطلل والربع لفقد فلان، ولبكاي
[ ١ / ١٣٣ ]
على فلان، وبكت الناقة من بكاي. وقال الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت سور المدينة والجبال الخشع
وقال:
بكى حارث الجولان من هُلك ربه وحوران منه خاشع متضائل
وحوران والجولان: جبلان.
وقال آخر:
وقفت بها القلوص ففاض دمعي فما ملكت مدامعها القلوص
وقال آخر:
وعرفت من شرفات مسجدها حجرين طال عليهما العُصُر
وقال ابن أحمر:
بكيا الخلاء، فقلت، إذ بكيا: ما بعد مثل بكاكما صبر
فقال: حجرين بكيا.
وقال آخر:
سبحان من سبحت طير الفلاة له والريح والرعد والأنعام والكفر
فالكفر: مواضع في الجبال، وهذا كله لا يعقل التسبيح.
ومثله قولهم: الشمس أرحم بنا في الشتاء من القمر، فجعلوا لها رحمة وهي لا تعقل.
وقد جاء عن النبي، صلى الله عليه: "الإيمان قيدُ الفتكِ". وعلم أنه ليس هناك
[ ١ / ١٣٤ ]
قيد، ولكنه جعل منع الإيمان إياه تقييدًا له. وقوله، صلى الله عليه، في أهل الإسلام وأهل الشرك: "لا تراءى نارهما". وروي أنه، صلى الله عليه، أقبل من سفر، فلما رأى أحدًا قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، والجبل لا محبة له.
ويقولون: منزلي ينظر إلى منزل فلان، ودورنا تناظر. ويقولون: إذا أخذت في طريق كذا فنظر إليك الجبل، فخذ يمينًا عنه. وإذا كنت بمكان كذا، حيث ينظر إليك الجبل، فخذ عن يسارك [أو] عن يمينك. قال:
وكما ترى شيخ الجبال ثبيرا
وشيخ الجبال: يعني أبا قبيس.
وتقول العرب: هذه الجبال تتناظر، إذا كان بعضها قبالة بعض، وإذا كان الجبل من صاحبه بالمكان الذي لو كان إنسان رآه، جاز ذلك. وعلى هذا المثل قال النَّبي، صلى الله عليه، في نار المشركين [والمسلمين]: "لا تراءى ناراهما". [ومع قول الشاعر]:
لا تراءى قبورهما
وقال الشاعر:
سل الدار من جنبي حبر فواهب بحيث يرى هضب القليب المضيح
[ ١ / ١٣٥ ]
وتقول العرب: نزل الغيث وارتفع، وزكت السماء، وضحكت الأرض، وفاض الماء وغاض، وآل الشيء وآض. قال الشاعر:
إن السماء إذا لم تبك مقلتها لم تضحك الأرض في شيء من الخضر
ويقولون: هذا شجر واعد، إذا نور، كأنه لما نوَّر وعد أنه يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضر.
ويقولون: سمع الأرض وبصرها، والأرض لا سمع لها ولا بصر.
ويجعلون للفعل قولًا، ويقولون: قال برأسه، وقال بيده، إذا حرك رأسه وأومأ بيده، ولم يقل شيئًا.
ويقولون: قال الحائط فمال، وقل برأسك [إلي]، أي أمله. وقالت الناقة، وقال البعير. ولا يقال في هذا المعنى: تكلم.
كما قال أبو النجم:
قد قالت الأنساع للبطن الحق قدمًا، فآضت كالفنيق المحنق
الأنساع: السيور. والفنيق: الجمل، وليس ثم قول، إنما المعنى: لحق البطن بالظهر.
وقال الأعشى:
ويقسم أمر الناس يومًا وليلة وهم ساكتون والمنية تنطق
[ ١ / ١٣٦ ]
وهذا في الأشعار الشاهرة، والأمثال السائرة أكثر من أن يحصى.
التكرير
والتكرير من مذاهب العرب، كما أن من مذاهبهم الاختصار. قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، و﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، و﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾.
وعن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه، أخذ بيد أبي جهل بن هشام، فهزه مرة أو مرتين، ثم قال له: "أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى"، قال: فأوعده، صلى الله عليه، مرة بعد مرة، ثم نزلت الآية بعد ذلك على ما أوعد النبي، صلى الله عليه، أبا جهل، وهو وعيد بعد وعيد.
والعرب تقول للرجل إذا قارب العطب: أولى لك، أي كدت تذهب، وفيه تهدد لمن يعقل. وقال قوم: أولى لك: أي وليك المكروه. والعرب تقول ذلك إذا دعت عليه بالمكروه.
والعرب تكرر في الصفات، قال الله، ﷿:
﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقرأ ابن مسعود: ﴿وللظّالمين أعَدّلهم﴾ فكرر الكلام في الظالمين ولهم.
وأنشد الفراء:
[ ١ / ١٣٧ ]
فأصبحن لا يسألنه عن بما به أصعد في غاوي الثرى أم تصوّبا
فكرر الباء مرتين.
وقال عمرو بن ملقط:
ألفيتا عيناك عند اللقاء أولى فأولى لك ذا واقيه
ألفيتا، معناه: وجدتا، كأنه يقول من الخوف: ذا واقيه كأنه قال: يا ذا بواقيه.
ومثله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. [وكذلك]: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. ولو لم يقل: ﴿مَا غَشّى﴾ لكان ذلك المعنى.
وكذلك: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
وكذلك: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
وكذلك قولهم: المال بين زيد [وبين] عمرو، فكرَّر البيْنَ مرتين.
قال عدي بن زيد:
وجعل الشمس مصرًا لا خَفَاءَ به بين النهار وبين الليل قد فصلا
[ ١ / ١٣٨ ]
يعني: حاجزًا.
وقال آخر:
بين الأشج وبين قيس باذخ بخ بخ لوالده وللمولود
ومثله: جاد مجد. وقالوا: جد في الأرض وأجد.
وقال الشاعر:
حطامة الصلب حطومًا محطمًا
فكرر معنى واحدًا. ولو قلت: هذا شارب شروب، أو ضارب ضروب، لمن كثر شربه وضربه، كان أسهل من أن تقول: ضارب ضارِب؛ لاختلاف المعنى واللفظ؛ لأن ضاربًا، لمن كان منه ضرب مرة واحدة، وضروب وشروب لمن كان كثر ضربه وشربه.
ويقول الرجل للرجل: اعجِل اعْجِل، وللرامي: ارمِ ارْمِ.
قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم كَمْ كم وكم
وقال آخر:
وكم نعمة أودى وكم غبطة طوى وكم سيد أهوى وكم غزوة قضم
وكم هدَّ من طود منيف وكم فض من قصر مشيد وكم وكم
وقال الراجز:
[ ١ / ١٣٩ ]
هلا سألت جموع كنـ دة يوم ولوا: أين أينا؟
وقال عوف بن الخرع:
وكادت فزارة تشقى بنا فأولى فزارة أولى فزارا
وقالت الخنساء:
هضمت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لها
ومثله قوله: ﷿: ﴿اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
وإنما تقع من في كلامهم للآدميين. ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾، وهم مَنْ مَن.
وهذا التكرير كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وهما من الفاكهة. وقوله، ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون أراد جبريل، وهو من الملائكة، ﵈، فكرر.
فأما تكرير المعنى بلفظين مختلفين فلاتساع المعنى والإشباع في اللفظ، وذلك كقول القائل: آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر. والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر.
[ ١ / ١٤٠ ]
وآمركم بالتواصل [وأنهاكم عن التقاطع. والأمر] بالتواصل هو النهي عن التقاطع.
وقال الله، ﷿: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾، والنجوى هو السر. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.
ويقولون: من قبل ذاك ومن قبل. قال:
إذا أنا لم أوْمَنْ عليك، ولم يكن كلامك إلا من وراء وَراء
فكرر وراء مرتين.
وقال آخر:
ترمي بها من فوق فوق وماؤه من تحت تحت سريه يتغلغل
وقال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثاث، وفي أنيابها شنب
واللعس: حوة، فكرر لما اختلف اللفظان.
ومثله قول كعب بن سعد الغنوي:
أخي، ما أخي، لا فاحش عند بيته ولا ورع عند اللقاء هيوب
[ ١ / ١٤١ ]
والورع هو الهيوب، فلما اختلف اللفظان حسن التكرير.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والعيث هو الفساد.
وقولهم: لا تجر عليه ولا تظلمه. والجور هو الظلم.
وقال الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
والنأي هو البعد. ومثله كثير.
الإيجاز
والإيجاز: هو الاختصار، وقولهم: كلام موجز وخطبة موجزة، يراد به الاختصار. والإيجاز في الكلام: هو ضد العي فيه والإكثار.
وقال معاوية بن أبي سفيان لصحار العبدي: ما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. فقال معاوية: أو كذلك تقول؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، لا تخطئ ولا تبطئ.
وتكلم رجل بحضرة بعض العرب، فجعل يردد كلامه، ثم سأل العربي فقال: ما الفصاحة عندكم؟ قال: الإيجاز فقال: ما العي؟ فقال: ما أنت فيه منذ اليوم.
ويقال: كلام وجزٌ وواجز ووجيز. وقد وجَزَ الرجل وأوجز، ووجزَ الكلام وأوجزه، وأمرٌ وجيز موجز، وقد أوجزته إيجازًا، أي اختصرته.
[ ١ / ١٤٢ ]
الكناية
الكناية أنواع، ولها مواضع، فمنها:
أن يكنى عن اسم الرجل بالأبوة ليزيد في الدلالة والتعظيم له. وذهب هؤلاء إلى أن الكنية كذب، ما لم يكن الولد مسمى بالاسم الذي كني به عن الأب، وتقع للرجل بعد الولادة.
وقالوا: إن كانت الكنية للتعظيم، فما باله كنى أبا لهب وهو عدوه، وسمى محمدًا، صلى الله عليه، وهو وليه ونبيه؟
والجواب عن هذا: أن العرب ربما كانت تجعل اسم الرجل كنيته، وكانت الكنية والاسم واحدًا. وربما كان للرجل الاسم والكنية، فتغلب الكنية على الاسم، فلا يعرف إلا بها، كأبي سفيان، وابي طالب، وأبي ذر، وأبي هريرة. ولذلك كانوا يكتبون: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان؛ لأن الكنية بكمالها صارت اسمًا واحدًا، وحظ كل حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجره حرف من الأدوات أو الأفعال؛ فكأنه حين كني قيل: أبو طالب.
وقد روي أن علي بن أبي طالب كان إذا شهد في كتاب [كتب]: شهد علي ابن أبو طالب، يجعله اسمًا.
وقد روي أن اسم أبي لهب عبد العزَّى، فإن كان هذا صحيحًا فكيف يذكره رسول الله بهذا الاسم وفيه معنى الشرك والكذب؟
[ ١ / ١٤٣ ]
والكناية مثل قوله، ﷿: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فكنى عن المعنى.
وعن ابن باس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾. أن الملامسة هي الجماع، ولكن الله يكني ويعف.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ فذكر الموضع، وكنى عن السبب الذي يكون فيه.
وكذلك: العذرة، هي فناء الدار، وسميت الأنجاس التي تلقى بفناء الدور باسم المكان.
وكذلك: النجوة، مأخوذ اسمها من المكان الذي يذهب إليه الإنسان، وهو المكان المرتفع، تسميه العرب نجوة.
هذا ومثله مما يذكر الشيء ويراد به غيره ويكنى عن ذكره، هو كناية.
وقال بشار:
يا قرة العين، إني لا أسميك أكني بسلمى أسميها وأعنيك
ويروى: "أكني بأخرى". فهذا أيضًا من الكناية عن الشيء بذكر غيره.
والعرب تكني عن الشيء ثم تظهره لتبين عنه.
وقال مالك بن أبي كعب:
[ ١ / ١٤٤ ]
لعَمْرُ أبيها لا تقول ظعينتي ألا قرعني مالك بن أبي كعب
كنى عنها ثم أظهرها ليعلم.
والعرب تقول: أخي وأخوك أينا أبطش، يريدون: أنا وأنت نصطرع، فننظر أينا أشد، فتكني عن بطشه بأخيه؛ لأن أخاه كنفسه. قال
أخي وأخوك ببطن النسيـ ر ليس به من معد عريب
فكنى عن نفسه بأخيه.
وقد حصل شيء من هذا الباب في باب التعريض.
الضمير والإضمار
كقوله، ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني: تزويج أمهاتكم، فأضمر تزويج. ومثله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، يعني: على زنائهن، فأضمر الزنا.
ومثله: ﴿اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ يعني: من قومه.
ومثله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، يعني الأرض. وكذلك قولهم: ما عليها أعلم من فلان، يعني الأرض.
[ ١ / ١٤٥ ]
ومثله قوله، ﷿: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، يعني الشمس.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾، أي أشربوا في قلوبهم حب العجل فأضمر.
ومثله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، مجازه: سل أهل القرية ومن في العير. قال امرؤ القيس:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
معناه: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، فأضمر لعلم المخاطب بما أراد. وهو كقولك: لو زرتني. معناه: لسررتني، فيضمر لسررتني لفهم المخاطب بما يريد وأنشد:
وأنت صاحبها المذكور قد علمت ذاك العمائم يوم الخندق السود
يريد: أصحاب العمائم السود فأضمر.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقال آخر:
تحسبه خزًا تحته وقزَّا وفرشًا محشوة إوزا
يريد: ريش إوز فأضمر. والإوز: طائر.
قال النابغة:
كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن
يريد: كأنك جمل من جمال، فأضمر. وأقيش: حي من الجن.
قال الأسدي:
كذبتم، وبيت الله، لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب
أضمر التي شاب قرناها.
ومثله قول جرير:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنَّعا
ضوطرى: غليظ سمين كثير اللحم. يقول: هلا تعدون الكمي، فأضمر تعدون.
والعرب تضمر الشيء وإن لم يجر له ذكر. قيل: إذا كان معلومًا معناه كما قال القطامي:
[ ١ / ١٤٧ ]
قرم إذا ابتدر الرجال عظيمة بدرت إليه يمينه الأيمانا
لما كان في قوله: عظيمة، أمر عظيم، رُدَّ إليه على المعنى.
وكما قال حميد بن ثور:
وصهباء منها كالسفينة، نضجت به الحمل، حتى زاد شهرًا عديدها
صهباء: ناقة بيضاء تضرب إلى الحمرة، وهو من علامات الكرم. نضجت: أتمت الحمل وزادت على أيامها، وهو أكرم للولد. وقوله: منها، من الإبل، ولم يجر للإبل ذكر. وبه: بالولد، أضمره. ولم يجر له ذكر لما وصف الحمل؛ لأنه معروف.
وقال الفراء: إنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدل بعضه على بعض كقولهم: كسب فلان المال فبنى الدور والعبيد واللباس: اتخذ ذلك؛ لأن البناء لا يقع على العبيد واللباس، ولكنه من صفة اليسار.
وأنشد المفضل:
ولقد رأيتك لا تنا ل لأكلة ماء وخبزا
وأنشد الفراء لبعض بني أسد يصف فرسه:
علفتها تبنًا وماء باردًا حتى شتت همالةً عيناها
أي من سوء الحال.
ويقولون: ما أدري أغيَّره الدَّهر أم مال أصاب. ولا يجوز النصب في المال؛ لأن ما
[ ١ / ١٤٨ ]
قبله مرفوع، والهاء مضمرة؛ كأنه قال: أم أصابه مال.
قال الشاعر:
فما أدري أغيَّرهم تناء وبُعد الدار، أم مال أصابوا؟
أراد: أصابوه، فأضمر الهاء.
وأنشد هو وغيره:
ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا
ومثله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: إلا من له مقام معلوم. ومثله: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، أي: إلا إنهم "من"، فأضمر من. وإنما جاز ذلك؛ لأن "من" بعض للشيء الذي هي منه فاستغنى [عن] مَنْ لذلك.
قال ذو الرمة:
تولَّوا فمنهم دمعه سابق له وآخر يذري عبرة العين بالمهل
والماء لا يعلف، ولكنه من صفة الغذاء. والرمح لا يتقلَّد، ولكنه من صفة السلاح.
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال حاتم:
أماوي، ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
يريد: النفس، فأضمر.
ومثله قول الآخر:
لقد عَلِمَ الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبَّت شمالا
كأنه قال: وهبّت الريح شمالًا، فأضمر الريح. والمرْمِلُ: الذي نفد زاده.
والعرب قد تستعمل الإضمار كثيرًا كما قال ﷿:
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ إنماهو على إضمار: احذروا ناقة الله. وقال بعضهم: على معنى: اتقوا ناقة الله. وقال بعضهم: على معنى: لا تعقروا ناقة الله.
ومثله: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ على إضمار: يقولون يا ربنا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، على إضمار: يقولون سلام عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، على إضمار: قالوا ما نعبدهم.
[ ١ / ١٥٠ ]
والعرب تُضمر "رُبَّ" في أشعارها كثيرًا، وتضمرُ "قَدْ" في الأيمان. يقولون: والله لجئت، أي: لقد جئت.
قال امرؤ القيس:
حلفت لها بالله حَلْفَة فاجر لناموا، فما إن من حديث ولا صال
يريد: لقد ناموا. وصال: في موضع مصطل، يقال: صلى واصطلى بمعنى.
قال الله، ﷿: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ المعنى: وقد كنتم.
ومثله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾، المعنى: فقد كذبت.
ومثله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ يريد: والله أعلم قد حصرت. ولولا إضمار قد لم يجز مثله في الكلام.
وقولك للرجل: أصبحت كثُرَ مالك. يريد: قد كثُر مالك، ولا يجوز إلا بإضمار قد.
ويُضمر جواب لما، كما قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى [بنا بطن واد ذي نعاف عقنقل]
البيت جوابه مضمر، معناه: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا، خلونا. ولولا هذا الإضمار لكان الكلام مُحالًا.
[ ١ / ١٥١ ]
وتُضمر الجحد مع كاف التشبيه إذا أرادته لكثرة استعمالهم لذلك؛ فيقولون: عمرو فارسًا، وكاليوم رجلًا، أي ما رأيت كذلك.
ومنه قول ابن أحمر:
كالكلب والكلَّاب قال له: كاليوم مظلومًا ولا ظُلِما
أراد: لم أر كاليوم، فأضمر لم أر.
الحذف
الحذف حذفان: حذف بعض الكلام، وحذف بعض الحروف؛ إيجازًا واستغناء بما بقي منه عما حذف. وهو في كلامهم وأشعارهم كثير إذا كان فيما ألقوا دليل على ما ألقوا.
قال الله، ﷿: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، أي: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف هؤلاء، وأبقى يا.
قال المرقِّش:
ألا يا اسلمي يا هند، هند [بني بدر] وإن كان حيانا عدى آخر الدهر
[ ١ / ١٥٢ ]
وقال آخر:
ألا يا اسلمي لا صرم في النوم فاطما ولا أبدًا ما دام وصلك دائما
وأنشد أبو العباس:
ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا تحية من أمسى إليك حزينا
تحية من لا قاطع حبل واصل ولا صارم قبل الفراق قرينا
قال العجاج:
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي بسمسم، أو عن يمين سَمْسَمِ
وقال ذو الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مَيَّ على البِلَى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
وقال الكُميت:
ألا يا اسلمي يا ترب أسماء من تِرْبِ ألا يا اسلَمي، حييت عني وعن صحبي
أرادوا في جميع هذه الأبيات: ألا يا هذه، فحذفوا "ألا هذه" وتركوا "يا".
وقال آخر:
يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار
[ ١ / ١٥٣ ]
أراد: يا هؤلاء، فحذف هؤلاء.
وأنشد الفراء:
وقالت: ألا يا اسمع نعِظك بخطة فقلت: سمعنا فانطقي وأصيبي
أراد: وقالت يا هذا اسمع، فحذف هذا.
وأنشد الفراء أيضًا:
يا قاتل الله صبيانًا تجيء بهم أم الصبيين من زند لها واري
أراد: يا هؤلاء، قاتل الله.
وقال أبو نخيلة:
أمسلم يا اسمع، يا ابن كل خليفة ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض
أراد: يا هذا اسمع، فحذف هذا.
وقال الله، ﷿: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟ ومثله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ﴾ يريد: كلّمه الله.
ومثله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، تقديره: ما تعبدونه، فحذف الهاء. والعرب، إذا
[ ١ / ١٥٤ ]
طال عليها الاسم بالصفة، حذفوا الهاء.
قال الشاعر:
ذريني، إنما خطئي ولومي علي، وأن ما أهلكت مال
أي: إن ما أهلكته هو مال.
قال قيس بن ذريح:
وفي عروة العذري، إن مت أسوة وعمرو بن عجلان الذي قتلت هند
يريد: الذي قتلته هند، فحذف الهاء.
وقال الله، ﷿: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. قيل، والله أعلم: فآواك، وفهَدَاك، وفأغْناك، فحذف الكاف.
والعرب إذا حذفوا مرفوعًا، رفعوا ما بعده عِوَضًا منه، وغن حذفوا منصوبًا نصبوا. قال الله ﷿: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾، أي: مَلَكُ الموت. فلما حُذف الملَك ارتفع الموت؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. وقال ﷿: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾، إنما: واسأل أهل القرية، فحذف الأهل، فانتصبت القرية. وكذلك: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾، أي: لا تكلَّف إلا طاقة نفسِك،
[ ١ / ١٥٥ ]
فحذف الطاقة وانتصبت النفس.
وأكثر العرب يحذفون الياء في النداء، إذا أضافوه إلى أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يريد: يا قومي.
ومثله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾. و﴿رَبِّ احكُمْ بالحقِّ﴾، فحذف [الياء]. ومثله كثير.
ومنهم من ثبَّتها، ومنهم من يحذف، [والحذف] أكثر.
والعرب تحذف الألف من آخر الكلمة، إذا كان في أولها حرف من حروف الجر مثل: لم، وعمَّ ومِمَّ، وفيم، وبم. والأصل في ذلك الألف: لِمَا، وعمّا، ومما، وفيما، وبما. فلما صار في أوائلها حروف الخفض حذف الألف منها.
قال الله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾؟ و﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾؟ و﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ و﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾؟ و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؟.
وكذلك: غلام، وحتّام، وعَلام، يريدون: إلى متى، وحتى متى، وعلى ما.
ومن العرب من يجعل مكان الألف هاء في الوقف. يقولون: لِمَهْ، وعَمَّهْ، ومِمَّهْ، وفِيمَه، وبِمَه.
[ ١ / ١٥٦ ]
والعرب تحذف الفاء من الجواب. قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا﴾، والجواب: فقالوا، فحذف الفاء استغناء، فاكتفى بالمعنى؛ لأنه يحسن الوقف على ما قبله، ألا ترى أنك تقول: ماذا قال لك؟ فتقول: كذا وكذا.
والعرب تحذف النون المضافة؛ لأنهم يستثقلونها. قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، والأصل: ملاقون، فحذف النون.
ومثله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ و﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ و﴿إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. والأصل في كل هذا النون؛ لأنه جمع، إلا أنهم يستثقلون النون فيحذفونها، فصير الكلام مضافًا.
ويقولون: هؤلاء مسلمو البلاد وصالحوها، وهذه عِشرو زيد، وإحدى عشري زيد. وهذه عشروك، وثلاثوك، وإحدى عشريك، وثلاثيك.
وقد يحذفون إحدى النونين من الكلمة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ وقرئ: ﴿أتُحاجُّونَا﴾ بنون واحدة.
قال الشاعر:
تراه كالثغام يُعَلُّ مِسْكًا يسوء الفاليات إذا فليني
يريد: فلينني.
والعرب تحذف الألف من المؤنث. يقولون: جاريتك زنيه، بفتح الهاء وحذف
[ ١ / ١٥٧ ]
الألف.
وقرئ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ بفتح النون والهاء، أراد: ابنها، فحذف الألف وهي لغة للعرب. وقرأ بعضهم ابنها بإثبات الألف، وهي قراءة شاذة.
وتقول العرب: تعلقت الخطام، أي تعلقت بالخطام.
وقال:
تعلقت هندًا ناشئًا ذات مئزر وأنت، وقد قارفت لم تدر ما الحُلم
أراد: تعلقت بهند.
وقال المجنون:
تعلقت ليلى وهي ذات موصَّد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
وأنشد الفراء:
نغالي اللحم للأضياف نيئًا ونرخصه إذا نضج القدور
أراد: نغالي باللحم، فحذف الباء.
وقال الله، ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: وقت الحجِّ.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾، أي: إذا كالوا لهم، فحذف اللام.
وأنشد الفراء:
[ ١ / ١٥٨ ]
إذا قالت حذام فأنصتوها فإن القول ما قالت حذام
ومثله قوله ﷿: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، وإنما هو: بدلنا لهم.
[ومثله قوله تعالى]: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا﴾، أي: يُبْدِل لنا.
وأنشد الفراء:
إن كنت أزمعت الفراق فإنما زُمَّت ركائبكم بليل مظلم
أراد: أزمعت على الفراق، فحذف على.
وأنشد الفراء:
وأيقنت التفرق يوم قالوا: تقسم مال أربد بالسهام
أراد: بالتفرق، فحذف الباء.
وأنشد ابن الجراح:
لقد طرقت حيال الحي ليلى فأبعد دار مرتحل مزارا
أراد: فأبعد بدار، فحذف الباء.
والعرب تقول في جواب كيف أنت؟: خير، عافاك الله؛ يريدون: بخير، فيحذفون الباء.
ويقولون: والله أفعل ذاك، يريدون: لا أفعل ذاك. ويقولون: أتانا فلان مغيب الشمس، أي حين كادت تغيب.
قال ذو الرمة:
[ ١ / ١٥٩ ]
فلما لبسن الليل [أو] حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح
أراد: أو حين أقبل الليل.
وكذلك يحذفون من الكلمة الحرف والشطر والأكثر، ويبقون البعض والشطر والحرف يوحون به؛ فيقولون: لم يك، فيحذفون النون مع حذفهم الواو لاجتماع الساكنين.
ويقولون: لم أُبَلْ، يريدون: لم أُبَالِ.
ويقولون: ولاك افعل كذا، يريدون: ولكن. قال الشاعر:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
والعرب تجترئ بإظهار ما تظهر في أول الكلام عما ينبغي أن يظهر بعده مع شئت وأردت، فيقولون: خذ ما شئت. معناه: أن تأخذ، وكن مع من شئت، أي: أن تكون معه؛ فتترك ذلك لأن المعنى معروف.
ومنه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾.
ومثله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. المعنى، والله أعلم: في أي صورة ما شاء أن يركِّبك فيها.
والعرب تحذف ألف "يا" من الكتاب؛ من ذلك: يكتبون ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: يقوم، بحذف الألف. وإنما جاز حذف الألف من "يا"؛ لأن "يا" يُدْعَى بها
[ ١ / ١٦٠ ]
الأشياء، ولا يُدعى بها الأفعال، فحذفوا الألف لكثرة الاستعمال.
وحكى الفراء عن العرب: ألا يا ارحموا، ألا يا تصدقوا علينا، بمعنى: ألا يا هؤلاء، افعلوا هذا.
ويقولون: سترى، يريدون: سوف ترى، فحذفوا الواو والفاء. وكذلك: سيكون وسيفعل، أي: سوف يكون وسوف يفعل.
ويقولون: بينا، يريدون: بينما. ويقولون: المنا، يريدون: المنازل.
قال لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان
يريد: المنازل فحذف.
وقال [الطرماح]:
تتقي الشمس بمدرية كالحماليج بأيدي التلام
المرية: القرون ها هنا والحماليج: منافيخ الصاغة، شبَّه قرونها بها إذا نفخ فيها. والحملجة: شدة الطي. والتلام؛ أراد: التلاميذ، يعني غلمان الصاغة، فحذف.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال أبو دؤاد:
فكأنما تذْكي سنابكها الحُبا
أراد: الحباحب، فحذف.
وقال آخر:
أناس ينال الماء قبل شفاههم لهم واردات الغرض شم الأرانب
أراد: الغرضوف، فحذف.
وقال آخر:
في لجة، أمسك فلانًا عن فُلِ
أراد: عن فُلان، فحذف.
وقال آخر:
قواطنًا مكة من وُرق الحمي
أراد: الحمام، فحذف.
وقال جرير:
أبحت حِمى تهامة بعد نَجد وما شيء حميت بمستباح
[ ١ / ١٦٢ ]
أراد: حميته، فحذف الهاء.
وقال الأعشى:
إن محلاَّ وإن مرتحلًا وإن في السفر ما مضى م هلا
أراد: [إن] لنا محلًا وإن لنا مرتحلًا، فحذف لنا لِعِلْم المخاطب بما يعني.
ويقولون: زيدًا لقيت، ورجل لقيت.
وقال:
فيوم لنا، ويم علينا ويوم نساء، ويوم نُسر
أراد: نساء فيه، ونُسَرَّ فيه.
وقال آخر:
وخالد يحمد أصحابه بالحق ولا يحمد بالباطل
أراد: يحمده، فأضمر الهاء.
والعرب قد تبتدئ بكلام ثم تحذف خبره، استغناء عنه؛ لعلم المخاطب به.
قال، ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية. ثم قال، ﷿: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ مجازه: لو سيرت به الجبال لسارت، أو قطعت به الأرض لتقطعت، أو كُلِّم به الموتى لنُشرت.
[ ١ / ١٦٣ ]
ومثله: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الآية.
ومثله، مما تُرِك بغير خبر، قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
ومثله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
ومثله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
ومثله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: والبَادِ﴾.
ومثله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
ومثله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية.
والمعنى: أن القوم كلِّموا بلغتهم، وبما يعقلون، فجاز ذلك عندهم؛ لأنك إذا قلت: لولا فلان، ثم سكت، علِم المستمع أنك تريد: لولا فلان لفعلت كذا. وكذا لو قلت: لولا حرمتك وصحبتك، ثم سكت.
[ ١ / ١٦٤ ]
ومثله قولك للرجل: إن رأيت أن تقوم معنا، أي: فافعل، فيحذف الجواب.
ومثله في الشعر قول امرئ القيس:
وجدِّك لو شيء أتانا رسوله سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
ثم قال:
فبتنا نصد الوحش عنا كأننا قتيلان، لم يعلم لنا الناس مصرعا
كأنه قال: لو أتانا سواك لرددناه، ولم نقض حاجته.
وقال آخر:
فلو مارسوه ساعة إنَّ قِرْنه إذا خام أخدان الإماء يطيح
فترك الخبر، كأنه قال: لعرفوه.
وقال [عبد مناف بن ربع] الهذلي:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلًا، كما تطرد الجمالة الشردا
هو آخر القصيدة، فتركها بلا خبر.
وقال:
حتى إذا بلغ العناء أنوفها ونفت بدرة صائك متفجر
الصائك: الدم. وليس بعد هذا البيت شيء.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقال آخر:
حتى إذا دجا الظلام المختلط جاؤوا بصبح هل رأيت الذيب قط؟
كأنه قال: مثل لون الذئب، فترك الخبر.
وقال أبو ذؤيب:
فما إن وجد معولة رقوب بواحدها، إذا يغزو تضيف
تنفض مهده وتذود عنه وما تغني التمائم والعكوف
الرقوب من الأرامل والشيوخ: الذي لا ولد له، ولا يستطيع كسب نفسه. ويقال: الذي لا يقدم من ولده شيئًا. وفي الحديث عن النبي ﷺ، أنه قال: "الرَّقوب الذي لا فرط له".
وأصل الرقوب: الذي لا يبقى له ولد. وقوله: تضيف: تعدل، يقال: ضاف الطريق، إذا عدل. والتمائم: العوذ، الواحدة تميمة.
قال النمر بن تولب:
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
ثم قال:
وإن تتخطاه أسبابها فإن قصاراه أن يهرما
[ ١ / ١٦٦ ]
وقال آخر:
أمسلمتي للموت أنت فميت وهل للنفوس المسلمات بقاء؟
أراد: فميت أنا، فحذف أنا؛ لأن معناه في الكلام مفهوم.
وقال عمرو بن معدي:
إذا قلت سيروا نحو ليلى لعلها جرى دون ليلى مائل القرن أعضب
فقال: لعلها، ولم يجيء بخبر.
وقال أبو دؤاد:
ومن له بالطعن والضراب يلمع في كفي كالشهاب
كأنه قال: من له حاجة في سيف يلمع.
ثم قال:
إن من شيمتي لبذل تلادي دون عرضي، فإن رضيت فكوني
وقال:
أو تأتَّي لرحلة واحتمال لنوى غربة ودار شطون
فقال: إن رضيت فكوني، فترك الخبر، كأنه قال: كوني كما أنت، أو كوني معي.
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال آخر:
أتوني فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة أبدالًا، فقلت: لعلها
وقال آخر:
ألا يا عين بكي لي شنينا وبكّي لي الملوك الذاهبينا
فلو في غير معركة أصيبوا ولكن في ديار بني مرينا
أراد: فلو في معركة أصيبوا لكان كذا، فحذف الجواب.
ومثله:
وكنت لزاز خصمك لم أعرِّد وقد سلكوك في يوم عصيب
وقالوا في كلامهم: هل أنتما فتقيداها؟ المعنى: هل أنتما قائمان فتقيداها؟
وقال الله، ﷿: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ﴾، [معناه: تقيكم الحر] والبرد، فاكتفى بالحر من البرد.
ومثله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾، معناه: الهدى والإضلال، فاكتفى بالهدى من الإضلال فحذفه.
ومثله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، معناه: فهَدَى وأضل، فحذف.
[ ١ / ١٦٨ ]
وقول الشاعر:
وما أدري إذا يممت وجهها أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني
وقال أبو ذؤيب:
عصاني إليها القلب إني لأمره سميع، فما أدري أرشد طلابها؟
فمعناه: أرشد طلابها أم غير رشد، فاكتفى بالرشد من الذي يخالفه. ومعنى البيت الأول: أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر فحذف.
ومن الحذف شيء يأتي بعد هذا في باب الياء من الكتاب إن شاء الله.
الاختصار
والاختصار في الكلام هو [أن] تنزع الفضول وتستوجز الذي يأتي على المعنى، وكذلك الاختصار في الطريق. والعرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد به.
فمن ذلك: قول الله، ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ فإنه خرج مخرج [قولك]: فيقال لهم: أكفرتم؟ فاختصر.
[ ١ / ١٦٩ ]
ومثله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، أي إلا من يعبد رب العالمين.
ومثله، حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، قيل: ذاهب إلى حيث أمرني ربي.
ومثله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ﴾. المعنى: فضرب فانفجرت. وقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَت﴾ دليل على أنه ضرب، فاختصر، ولم يذكر: فضرب؛ لأن ما بعده دل عليه. ولمثل هذا سميت العربية المختصرة.
ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. المعنى: ويقولون: ربنا تقبل.
ومثله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: ووصى بالوالدين.
ومثله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، أي: أرسلنا.
وقال الشاعر:
رأتني بحبليها، فصدَّت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
أراد: مقبلًا بحبليها.
ومثله: ﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، اكتفى بذكر الثاني من الأول.
[ ١ / ١٧٠ ]
ومثله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، أي: ولكن البرَّ بر من آمن بالله.
وقال الهذلي:
يمشِّي بيننا حانوت خمر من الخُرس الصراصرة القطاط
أراد: صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه اختصارًا.
وقال كثير يذكر الأظعان:
حزيت لي بحزم فيدة تُحدى كاليهودي من نظاة الرقال
أراد: كنخل اليهودي من خيبر، فأقامه مقامها.
[ومثله قوله تعالى]: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾، أي: أهله.
وقال ذو الرمة:
[لعرفانها والعهد ناء]، وقد بدا لذي نهية أن لا إلى أم سالم
أراد: أن لا سبيل إلى أم سالم.
[ ١ / ١٧١ ]
ومثله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، أي: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو في مصحف عبد الله.
وقال الشاعر:
تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أي: يجدع [أنفه] ويعمي عينيه.
وقال جميل:
إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد: وزججن الحواجب، وكحّلن العيون.
وقال آخر:
تسمع للأحشاء منه لغطا ولليدين جسأة وبددا
البددُ: انفراج اليدين، والجساة: غلظ متسع ما بين اليدين، والجسأة لا تسمع، فكأنه [قال]: قد ترى.
[ ١ / ١٧٢ ]
ومثله: قوله: ﷿: ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أراد: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فيبلغه فاه.
قال ضابئ:
وإني وإياكم وشوقًا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله
وهو من: وسق يسق ويسقه من الوسق. والعرب تقول لمن تعاطى ما لا يجد منه شيئًا: هو "كالقابض على الماء".
قال:
ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع
ومن الاختصار قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، يريد: على الأرض.
وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، أي: بالوادي.
وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، أي: بموسى، أنه ابنها.
وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾ يعني: الدنيا أو الأرض.
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال حميد بن ثور في أول قصيدة:
وصهباء منها كالسفينة نضجت به الحمل حتى زاد شهرًا عديدها
أراد: صهباء من الإبل.
وأنشد الفراء:
إذا نهي السفيه جرى عليه وخالف، والسفيه إلى خلاف
أراد: جرى على السَّفه.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾، أراد: فبعث الله غرابًا يبحث التراب على غراب ميت ليواريه، ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾.
ومن الاختصار: القسم بلا جواب، إذا كان في الكلام بعده ما يدل عليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ إلى قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ولم يأت بالجواب، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا لتبعثن، فقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ نبعث؟!
ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارها يجده كثيرًا.
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال الشاعر:
فلا تدفنوني، إن دفني محرَّم عليكم، ولكن خامري أم عامر
يريد: لا تدفنوني، ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم عامر، يعني الضبع، لتأكلني.
والعرب تقول: قد خسر بيعك وربحت تجارتك. يريدون بذلك الاختصار.
قال الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب
يريد: كخلالة ويجوز خِلالة وخُلالة وخَلالة أبي مرحب، فاختصر.
ومثل ذلك من كلامهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، أي: أهل الطريق، والطريق لا يطأ.
وكذلك: ما زلنا نطأ السماء حتى جئناكم، أي: ماء السماء، والسماء لا توطأ.
وحكي عن العرب: أطيب الناس الزبد، وأنفع الناس الدواء، أي: أطيب طعام الناس الزبد [وأنفع علاج الناس الدواء].
ومثله قول الخنساء:
ترتع ما رتعت، حتى إذا ادّكرت فإنما هي إقبال وإدبار
[ ١ / ١٧٥ ]
فجعلت الإقبال والإدبار.
وقال:
كأن عذيرهم، بجنوب سلّى، نعام قاق في بلد قِفار
أي: عذير نَعام.
وقال ذو الخِرق الطهوي:
حسبت بغام راحلتي عناقًا وما هي، ويب غيرك، بالعناق
أي: بغام عناق. وهذا مثل: خشيت صياحي زيدًا، أي صياح زيد.
قال ذو [الخرق الطهوي]:
سادوا البلاد، وأصبحوا في آدم، بلغوا بها بيض الوجوه فحولا
فقال: في آدم، أي: في بني آدم.
والعرب تقول: أيش تقول؟ يريدون: أي شيء تقول؟ فيختصرون. وقال بعضهم: بغير نون كأنها أيش. وقالوا: أيش عندك؟.
[ ١ / ١٧٦ ]
الحكاية
الحكاية لا تكون إلا في الأسماء والكُنى، ولاتكون إلا بأربعة أفعال: بقرأت وكتبت ووجدت وسمعت.
والمخاطب يحكي على قدر لفظه في حال الرفع والنصب والجر؛ فإذا قال: رأيت زيدًا، فقل: من زيدًا؟. وإذا قال: هذا زيد، قلت: من زيد. وإذا قال: مررت بزيد، قلت: من زيد. وكذلك في الكنية القول واحد.
وبعض العرب، إذا قيل له: رأيت زيدًا، يقول: من زيد؟ يستفهم عنه، ولا يحكيه، كلام معلوم.
وتقول: قرأت: الحمد لله، وكتبت: أبو جاد، ووجدت: الله أكبر كلمة صدق، وسمعت الناس يقولون ذاك، تحكي ما تُخبر عنه.
قال ذو الرمة:
سمعت: الناس ينتجعون غيثًا فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
فرفع الناس على الحكاية.
وقال آخر:
كتبت: أبو جاد وحطّي مرامر وخرّقت سربالًا ولست بكاتب
وقال آخر:
[ ١ / ١٧٧ ]
وجدنا في كتاب بني تميم أحق الخير بالجري المعار
فقال: أحق، فرفع على الحكاية.
وقال آخر:
فأجبت قائل: كيف أنت؟ بصالح حتى مللت وملَّني عوّادي
فقال: بصالح، فحكى؛ لأنك تقول: أنا صالح.
وقال حسان:
إني وجدت: الله أكبر أخذة يدعى بها للكلب واليعفور
فرفع على الحكاية؛ لأنه يقول: الله أكبر.
وقال آخر:
لو أن من قال نار، أحرقت فمه لما تفوَّه باسم النار مخلوق
فرفع النار على الحكاية.
وقال آخر:
لتسمعنَّ وشيكًا في دياركم الله أكبر، يا ثارات عثمانا
فقال: الله أكبر، فحكى.
والحكاية تبطل لمجيء الواو؛ فإذا تكلَّم المتكلمُ برفع أو نصب أو خفض، وقد دخلت الواو؛ فأجبه بالرفع إذا قال: رأيت زيدًا؟ فقل: ومن زيد؟ فإن قال: رأيت أبا
[ ١ / ١٧٨ ]
محمد، فقل: ومن أبو محمد؟؛ لأن الحكاية تبطُل لمجيء الواو، ويرتفع الجواب بمن.
ولو قال: رأيت زيدًا؟ فلم تُجبه بالواو، لقلت: من زيدًا؟ لأن الواو لم تدخل في الجواب، والنُّعوت لا تحكى فإذا قال: رأيت الطريق؟ فقل: مَنْ الطريق؟ أو قال: مررت بالطريق؛ فقل: من الطريق؟ وما أشبه ذلك مثله.
وتقول: قرأتُ: ﴿والطُّورِ﴾ [و] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، وقرأت: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [و] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾؛ فتأتي بواوين: واو القسم وواو العطف وإنما تقع الحكاية في هذا الموضع.
ومثله: إذا وصلْت المحكى بهاء بعده، فإن لم تصله استعملت الأفعال فتقول: قرأت الطور، قرأت سورة، قرأت براءة، قرأت الحمد؛ لأنك لم تحك ما في الإمام، وإنما حذفت الواو من المقسم به؛ لأنك عدّيت الفعل إلى الاسم، ومثله كثير.
الاتساع
والاتساع معروف في كلامهم، وهو: إقامة الكلمة موضع الأخرى اتساعًا. وهو كالاستعارة؛ وذلك لسعة لغتهم، وحسن فصاحتهم، وفهم كل منهم ما يريده الآخر.
كقول الله، ﷿: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة من الأمر.
[ ١ / ١٧٩ ]
وأصله: أن الإنسان إذا وقع في أمر عظيم، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة اتساعًا.
قال دريد بن الصمة:
كميش الإزار، خارج نصف ساقه صبور على العزاء، طلاع أنجد
وقال الهُذلي:
وكنت، إذا جاري دعا لمضوفة، أشمِّر حتى ينصف الساق مئزري
قول دريد: "كميش الإزار، أي: هو مشمّر من أمره، وهذا مثل. ويقال: رجل كميش، أي: عزوم ماض.
وقول الهُذلي: "لمضوفة"، أراد به: مفعلة من التضيف. نقول: نزلت به مضوفة من الأمر، أي: شدة.
وقال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾؛ أي: قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها.
والأصل: أن من أراد التقدم إلى موضع عمد له وقصده.
ومثله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾؟ أي: كافرًا فهديناه، فاستعار الموت مكان
[ ١ / ١٨٠ ]
الكُفْر، والحياة مكان الهداية اتساعًا. ومثله كثير.
قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه، وإن كانوا غضابا
لأنهم يقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل.
ويقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم.
ويقال: ضحكت الأرض: إذا أنبتت. وبكت السماء: إذا أمطرت.
وقال:
وضحك المزن بها ثم بكى
يريد بضحكه: البرق، وببكائه: المطر.
وقال الأعشى:
يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل
ومن الاتساع قولهم: قطع الوالي اللض وضربه. وإنما قطعه أعوانه وضربوه. وكذلك: بني فلان الدار، وإنما بناها غيره بأمره. وكذلك: قدم الأمير: إذا قدم أهله وأعوانه. وكذلك: كنا في كتبة فلان، ثم تحولنا إلى بني فلان، ولم يتحول من موضع
[ ١ / ١٨١ ]
إلى موضع؛ وإنما المعنى: تحوَّلت الكتبة إليهم.
وكذلك: فلان ظاهر مشهور، وهو في بيت لا يُرى، إذا كان ظاهر الأمر والنهي.
ومثل ذلك: قوله، ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، وهو لم يل ذلك، جل ثناؤه، ولكن النبي ﷺ والملائكة، صلى الله عليهم، بتأييد الله رمَوْا.
ومن الاتساع: قوله، ﷿: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. ولم يلتقطوه ليكون لهم كذلك، ولكن ليسروا به .. فلما كان المعنى: إلى أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، جاز أن تقول ذلك اتساعًا.
ومثله: قولهم: أعددت الخشبة لأن يميل الحائط فأعمده. ولم يعدها لذلك، ولم يرد ميل الحائط.
قال الفرزدق:
وأنتم لهذا الدين كالقبلة التي بها أن يضل الناس يهدي ضلالها
ولم تنصب القبلة لأن يضل الناس.
وقال آخر:
وللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تُبنى المساكن
والأم لا تغذو أولادها للموت، ولا تُبنى البيوت للخراب؛ وإنما تُبنى للعمارة، وتغذو الأم ولدها للمنفعة والسرور. ولكن لما كانت العاقبة إلى الموت والخراب، جاز ذلك اتساعًا.
[ ١ / ١٨٢ ]
ومثله: قول الآخر:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
ولم يجمع المال للوارث، ولم تُبْن الدار للخراب، ولكن ليسكنها.
ومثله: قول الأعشى:
جاءت لتطعمه لحمًا ويفجعها بابن، فقد أطعمت لحمًا وقد فجعا
ومثله: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا﴾. والنذير لا يزيدهم نفورًا، إنما يدعوهم إلى رشدهم.
ومثله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ﴾. وإنما هي خشب لا تُضل ولا تَهدي. ولكن، لما ضلوا عنها، جاز ذلك اتساعًا.
ومثله: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. وهي أصنام لا تُضِل ولا تعقل شيئًا، ولكن المعنى ما ذكرنا.
ومثله: قول الرجل لابنه أو لصاحبه: أخرجتني من مالك أو كُتُبك، ولم يكن فيهما قط، ولكنه على الاتساع.
وشبيه بهذا: قوله، ﷿: ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ولم يكن في تلك الحال قط.
ومثله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [و] ﴿مِنْ النُّورِ إِلَى
[ ١ / ١٨٣ ]
الظُّلُمَاتِ﴾. وهم كفار لم يكونوا في نور قط.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، كأنه قال: حتى صار.
ومثله: قول ساعدة:
فقام ترعُد كفاه بمحجنه قد عاد رهبًا رذيًا طائش القدم
فقال: عاد رهبًا. الرهب: الجمل الذي استعمل في السفر وكل. والأنثى رهبة. والرذي: المهزول من الإبل الذي لا يستطيع براحًا. والأنثى رذية.
وقال الشماخ:
ولقد قطعت الخرْق يحمل نمرقي رهب لأهوال الخروق رهوق
النمرق: الوسادة، وربما قالوا: نُمرقة.
وقال آخر:
أطعت العِرس في الشهوات حتى أعادتني عسيفًا عَبْدَ عَبْدِ
ولم يكن عبدًا قط.
وقال امرؤ القيس:
وماء كلون البول قد عاد آجنًا كتيمًا به الأصوات في كلأ مُخلي
[ ١ / ١٨٤ ]
فقال: عاد آجنًا، يريد: صار.
قال الغنوي:
فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب
والعرب تقول: عميت عن كذا وكذا وصممت عنه، وإن لم يكن أعمى ولا أصم.
قال مسكين الدارمي:
أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الستر
وأصم عما كان بينهما سمعي، وما سمعي به وقر
فجعل نفسه أعمى أصم لم يبصر ولم يسمع.
وقال آخر:
وكلام سيء قد وقرت أذني عنه، وما بي من صمم
ومثله قولهم: احتج فلان ولم يحتج، أي: لم يحتج بحجة تنفعه. وكذلك: قال ولم يقل، أي: لم يقل قولا ينفعه.
وقال آخر:
يُلقين بالخبار والأجارع كل جهيض ليّن الأكارع
[ ١ / ١٨٥ ]
ليس بمحفوظ ولا بضائع
يعني الإبل. والأجارع: الرمال. والجهيض: سقط الناقة. والخبار: الأرض الصلبة.
ومثله: قال الشاعر:
بلهاء لم تحفظ ولم تضيَّع
وقال أبو النجم:
وقد أجوب البلد البراحا المرمريس القفرة الصحصاحا
بالقوم لا مرضى ولا صحاحا
يريد: من الإعياء والتعب. وأجوب: أقطع. والمرمريس: من صفة الفلاة، وهي التي لا نبات بها.
والعرب تقول: آسيت الموضع، أي: أهله.
قال الله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: أولياء الله.
وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
وقال المهلهل يرثي أخاه كليبا:
أنبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب، المجلس
[ ١ / ١٨٦ ]
أي: أهل المجلس.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ أي أهل ناديه.
ومثله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ أي: أهل السماء وأهل الأرض.
قال الشاعر:
ومن جالس الجُهّال أصبح جاهلًا ومن جالس الألباب يومًا تفهما
أي: من جالس أهل الألباب.
قال الله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: أهل درجات.
والعرب تقول: هذا طريق ضاحك ولاحِب، تعني ظاهرًا واضحًا.
ويقال: ضحكت الطلعة: إذا بدا ما كان فيها مستخفيًا.
قال الشاعر:
أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها بخضرة، واكتسى بالنور عاريها
وللسماء بكاء في جوانبها وللربيع ابتسام في نواحيها
يعني بالابتسام: ظهور النبات.
وقال آخر:
[ ١ / ١٨٧ ]
كل يوم بأقحوان جديد تضحك الأرض من بكاء السماء
يريد بالضحك أيضًا: الطلوع والظهور. [و] بالبكاء: نزول المطر من السماء. وللعرب في كلامها الاتساع الذي لا يؤتى عليه لكثرته.
الاستعارة
العرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاورًا لها، أو مشاكلًا؛ فيقولون للنبات: نوء؛ لأنه عن النوء يكون عندهم.
قال رؤبة:
وجف أنواء السحاب المرتزق
أي: جف البقل.
ويقولون للمطر سماء؛ لأنه من السماء ينزل. ويقول الناس: "لقيت من فلان عرق الجبين"، أي شدة.
ومنه قوله، ﷿: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [و] ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
والفتيل: ما يكون في شق النواة. والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد أنهم
[ ١ / ١٨٨ ]
لا يُظلمون ذلك بعينه، وإنما أراد: أنهم لا يُظلمون شيئًا، ولا مقدار هذين التافهين الحقيرين.
والعرب تقول: "ما رزاأته زبالًا" والزِّبال: ما تحمله النملة بفيها. يريدون: ما رزأته شيئًا.
قال النابغة:
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ثم لا يرزأ العدو فتيلا
وكذلك قوله، ﷿: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، وهي الفُوفَة التي فيها النواة، أي القشرة. يريد: ما يملكون شيئًا.
ومنه قوله، ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا [عَلَيْهِمْ]﴾ يريد: أطلعنا عليهم. وأصله: أن من عثر بشيء وهو غافل، نظر إليه حتى يعرفه. فاستعير العثار مكان التبيين والظهور.
ومنه قولهم: "ما عثرت على فلان بسوء قط"، أي: ما ظهرت على ذلك منه.
[ ١ / ١٨٩ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، أراد: الخيل، فسماها خيرًا لما فيها من المنافع.
قال الراجز:
والخيل والخيرات في قرنين
قال [طفيل]:
وللخيل أيام، فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير تُعقب
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أي: سترًا وحجابًا لأبصاركم.
وقال ذو الرمة:
ودوية مثل السماء اعتسفتها وقد صبغ الليل الحصى بسواد
[أي]: لما ألبسه الليل سواده وظلمته، صار كأنه صبغه.
وقد يكون اللباس والثوب كناية عما ستر ووقى؛ لأن اللباس والثوب ساتران واقيان.
[ ١ / ١٩٠ ]
قال الشاعر:
كثوب ابن بيض وقاهم به فسدَّ على السالكين السبيلا
قال الأصمعي: ابن بيض: رجل نحر بعيرًا له على ثنية فسدَّها، فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: "سد ابن بيض الطريق".
وقال غير الأصمعي: ابن بيض: رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها، فاتَّبعه مطالبه. فلما خشي لحاقه وضع ما يطلبه به على الطريق ومضى. فلما أخذ الإتاوة رجع وقال: سدّ ابن بيض الطريق، أي: منعنا من اتّباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سد الطريق.
فكنى الشاعر عن البعير بالثوب، إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي، [أو]، عن الإتاوة، إن كان التفسير على ما ذكر غيره، بالثوب؛ لأنهما وقيا كما يقي الثوب.
ومن الاستعارة: اللسان يوضع موضع القول؛ لأن القول يكون به.
قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾، أي: ذكرًا حسنًا.
وقال الشاعر:
إني أتتني لسان لا أسرُّ بها من علو، لا عجب منها ولا سخر
أي: أتاني خبر لا أُسَرُّ به.
[ ١ / ١٩١ ]
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، أي: كل ذي مخلب من الطير، وكلَّ ذي حافر من الدواب، كذلك قال المفسرون.
وسمّى الحافر ظفرًا على الاستعارة كما قال الشاعر، وذكر ضيفًا:
فما رقَدَ الوِلدان حتى رأيته على البَكْرِ يمريه بساق وحافر
فجعل الحافر موضع القدم.
وكما قال آخر:
سأمنعها، أو سوف أجعل أمرها إلى مَلِكٍ أظلافه لم تشقَّقِ
أي: ليس ببهيمة، يريد بالأظلاف: قدميه، وإنما الأظلاف للشاء والبقر.
والعرب تقول للرجل: هو غليظ المشافر، يريدون: الشَّفَتَين، والمشافر للإبل.
قال الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته وقلص عن برد الشتاء مشافره
والعرب تقول: ذُقت هذا الأمر ذوقًا، بمعنى: علمته علمًا واختبرته اختبارًا، وإن
[ ١ / ١٩٢ ]
كان الذوق، في الحقيقة، لا يكون إلا باللسان.
قال الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي: فأبلاهم بذلك؛ لأن الخوف والجوع لا يصح ذوقهما في الحقيقة، وإنما هذا على استعارة العرب.
قال الشاعر:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجَّر من الغيظ، في أكبادنا، والتحوُّب
ولم يرد به ذوق الفم
قال الشماخ:
فذاق أعطته من اللين جانبًا كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز
ويقول الرجل، إذا بالغ في عقوبة عبده: ذُق، وكيف ذقته؟
قال الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
ثم تجاوزوا في ذلك إلى أن قال يزيد بن الصعق:
وإن الله ذاق حلوم قيس فلما راء خفَّتها قلاها
رآها لا تُطيع لها كبيرًا فخلاها تردد في عماها
[ ١ / ١٩٣ ]
فزعم أن الله يذوق.
أولا ترى إلى هذه الاستعارات، واحتمال هذه اللغة لوجوه المعاني الصحيحة القائمة عندهم على تقاربها وتباعدها مقام الوضوح؟
وقالوا أيضًا: طعمت لغير الطعام.
قال العرجي:
فإن شئت حرّمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نُقاخًا ولا بردا
النقاخ: الماء البارد، والبردُ: النوم.
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. لم يطعمه، يريد: لم يذق طعمه.
والعرب تسمي ما لا يؤكل مأكولًا.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَاتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ﴾.
قال أوس بن حجر:
وقد أكلت أظفاره الصخر، كلما تعايا عليه طول مرقى توصلا
فجعل النحت والتنقص أكلًا.
وقال خُفاف بن ندبة:
[ ١ / ١٩٤ ]
أبا خُراشة، أما كنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع
والضبع: السنة؛ فجعل تنقص الجدب، وتحيف الأزمنة أكلًا.
قال مرداس بن أدية:
وأدَّت الأرض مني مثل ما أكلت وقربوا لحساب القسط أعمالي
وأكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها.
وقال الله، ﷿: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾؛ فقد قال تعالى إنهم يأكلون، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحُلل، وركبوا الدواب، ولم ينفقوا منها درهمًا واحدًا في سبيل المأكل.
وقال الشاعر:
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ونأكل بعضنا بعضًا عيانًا
ويقال: فلان يتأكَّل الناس، وإن لم يأكل من طعامهم شيئًا.
قال دُهمان النهري:
سألتني عن أُناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
وقيل: نزل النعمان بن المنذر، ومعه عدي بن زيد، في ظل شجرة مونقة مرتفعة، [ليلهو النعمان] هناك. فقال له عدي، أيها الملك، أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟.
[ ١ / ١٩٥ ]
قال: وما الذي تقول؟ قال: [تقول]:
رُبَّ ركب قد أناخوا عندنا يمزجون الخمر بالماء الزُّلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم وكذاك الدهر حالًا بعد حال
قال: فتنغَّص النعمان.
وهو أكثر من أن يحصى.
الإتباع
الإتباع: هو قولهم: عطشان نطشان، وجائع نائع، وعيي شيي، وما أعياه وأشياه وأشواه أيضًا. وجاء بالعي والشي.
وقبيح شقيح، وجاء بالقباحة والشقاحة. ولا تكاد [العرب] تعزل الشُّقْح من القُبْح؛ إنما هو مثل: حسن بسنٍ. وأجمع أكتع، ولا يفردون أكتع من أجمع.
وكثير بثير، وشيطان ليطان، وحار يار، وقيل: جار بالجيم. ومائق دائق، وحاذق باذق. ومليح قزيح. وشحيح نحيح. وحقير نقير. وفقير وقير.
وهو كثير فاختصرته.
[ ١ / ١٩٦ ]
الإشمام
والإشمام: شمةٌ غير إشباع كقولك: هذا العمل، [وتسكت]، فتجد [في] فيك إشمام اللام، لم يبلغ أن يكون واوًا، ولا تحريكًا يعتد به، ولكن شمةٌ من ضمة خفيفة. ويجوز ذلك في الكسر والفتح أيضًا.
وكقول الله، ﷿: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ﴾ وكان مجازه. يدعو، ولكن الشمة أخفت الضمة.
ومثله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ والحُجَّة في هذا أنهم اكتفوا بالضمة من الواو.
ومثله:
إذاه سيم الخسف آلى بقسم تالله لا يأخذ إلا ما احتكم
أراد: إذا هو فحذف الواو.
وحكى الكسائي عن العرب: أقبَل يضربه لا يألُ. أراد: لا يألو، فاكتفى بالضمة من الواو.
وقال:
له زجلٌ كأنه صوت ظبي إذا طلب الوسيقة أو زمير
[ ١ / ١٩٧ ]
قال: كأنه، ولم يقل كأنَّهو مشبع.
وقال أمية بن أبي الصَّلت:
فسبحانه من كل إفك وباطل وكيف يلد ذو العرش أم كيف يُولدُ
فقال: يَلْد، ولم يقل: يَلِد بإشباع.
ومثله:
ألم تعجب لذئب بات يعوي ليؤذن صاحبًا له بالتّلاق
فترك الإشباع بالشمة؛ لأنها أخت الضمة.
وكذلك إنما يكتفون بالكسرة من الياء.
من ذلك: قوله ﷿: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ و﴿يَوْمَ يَاتِ﴾، وهي لغة فاشية سائرة عند العرب.
قال [كعب بن مالك]:
ما بال هم عميد بات يطرقني بالواد من هند إذ تعدو عواديها
أراد: بالوادي، فاكتفى بالكسرة من الياء فحذفها.
وقال آخر:
ولكن ببدرٍ سائلوا عن بلائنا على الناد، والأنباء بالغيب تنفع
[ ١ / ١٩٨ ]
أراد: على النَّادي، فاكتفى بالكسرة من الياء فحذفها.
وقال الأعشى:
وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ويكنَّ أعداء بُعَيْد وداد
أراد: وأخو الغواني، فاكتفى بالكسرة من الياء.
وقال آخر:
فما وجد النجدي وجدًا وجدته ولا وجد العذري قبل جميل
أراد: قبلي، فاكتفى بالكسرة من الياء.
وأنشد الفراء:
يا عين جودي بدمع منك مجهودا وابك ابن أمي إذا ما مات مسعودا
وقال حسان بن ثابت:
يا عين بكي سيد الناس، واسفحي بدمع، فإن أنزفته فاسكبي الدما
أراد: يا عيني.
وقال آخر:
يا نفس صبرًا على ما كان من مضض إذ لم أجد لفضول الناس أقرانا
أراد: يا نفسي.
[ ١ / ١٩٩ ]
والعرب تقول: لا أدْرِ، لا لعَمْرِ، فيحذفون الياء في السكون. قاله الفراء.
[وقال بعض الأنصار]:
ليس تخفى يسارتي قدر يوم ولقد تُخفِ شيمتي إعساري
أراد: تُخفي، فاكتفى بالكسرة من الياء.
وأنشد:
كفَّاك: كفّ ما تليق درهمًا جودًا وأخرى تُعطِ بالسيف الدما
أراد: تُعطي، فاكتفى بالكسرة من الياء.
وقال أبو خراش:
فلا أدر من ألقى عليه رداءه خلا أنه قد سُلَّ من ماجد محض
وكذلك: حذف واو الجمع في كلام العرب موجود كثيرًا اكتفاءً منهم بالضمة منها.
قال :
متى تقول خلت من أهلها الدار كأنهم بجناحي طائر طار
أراد: طاروا، فاكتفى بالضمة من واو الجمع.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ومثله:
فلو أن الأطبا كان حولي وكان مع الأطباء الشفاة
إذا ما أذهبوا وجدًا بقلبي وإن قيل: الشفاة هم الأساة
أراد: كانوا، فحذف الواو.
ومثله:
إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يألوهم أحد ضرارا
أراد: شاؤوا.
ومثله:
شبوا على المجد وشابوا واكتهل
لو أن قومي حين أدعوهم حمل
على الجبال الصم لارْفَضَّ الجَبَل
أراد: اكتهلوا وحملوا، فاكتفى بالضمة من الواو، ثم سكن اللام للقافية.
وقال آخر:
جزيت ابن أوفى في المدينة قرضه وقلت لشفَّاع المدينة أوجف
[ ١ / ٢٠١ ]
وقال آخر:
لو ساوفتنا بسوف من تحيتها سوف العيوف لراح الركب قد قنع
أراد: قد قنعوا، فحذف.
وقال آخر:
راحت بأعلاقه خودٌ يمانية تدعو العرانين من بكر وما جمع
أراد: ما جمعوا، فحذف.
وقال آخر:
ومن حذف الياء أيضًا قول لبيد:
فانتضلنا، وابن سلمى قاعد كعتيق الطير يغضي ويجل
أراد: ويجلّي، فحذف.
وقال الأعشى:
ومن كاشح ظاهر غمره إذا ما انتسبت له أنكرن
أراد: أنكرني، فحذف.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقال آخر:
إذا حاولت من أسد فجورا فإني لست منك ولست مِنْ
أراد: مني، فحذف.
وقال آخر:
وهم وردوا الجفار على تميم وهم أصحاب يوم عكاظ إنْ
أراد: إني، فحذف.
[وهو] كثير في أشعارهم.
الإشباع
الإشباع: كقولك: هذا رجل.
قال الأعشى:
قالت هريرة، لما جئت زائرها: وَيْلي عليك وويْلي منك يا رجل
فقال: يا رجل، فأشبع.
وقال أيضًا:
أرقْتُ، وما هذا السُّهاد المؤرِّقُ وما بي من سُقم وما بي معشق
[ ١ / ٢٠٣ ]
فأشبع.
ومنهم من يشبع في ميمات الجمع، فيقول: منكمو عليكمو. ومنهم من يقطع؛ فأيًا ما فعلت فصواب.
وقال الله، ﷿: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. كانت نونًا مفتوحة، فمد فيها ألفًا للإشباع.
وقوله تعالى: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾. فمد فيها ألفًا للإشباع.
وقد يُتْبِعون الفتحة ألفًا للإشباع. قال الراجز:
قلت وقد خرَّت على الكلكال
يا ناقتي ما جُلت من مجال
قوله: الكلكال، يريد: الكلكل.
وقال عنترة:
ينباع من ذفري غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم
ومعناه: ينبُع، من نَبَع الماء ينبُع، فزاد الألف على الإنباع لفتحة الباء.
ويتبعون الضمة واوًا. قال:
[ ١ / ٢٠٤ ]
الله يعلم إنا في تلفُّتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور
وإنني حيث ما يثني الهوى بصري من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
أراد: فأنظُرُ، فوصل الضمة بالواو.
ويتبعون الكسرة الياء. قال امرؤ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوة على عجل مني أطأطئ شيمالي
أراد: شمالي. ويروى: شِملالي.
يقال: طأطأت، أي: أسرعت.
ومنه قوله: ﷿: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾، فرفع تنسى جزم بلا على النهي. والألف صلة لفتحة السين.
وقال أيضًا:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
موضع "انجلي" جزمٌ على الأمر، وعلامة الجزم فيه سكون اللام في الأصل، ثم احتاج إلى حركتها بصلة لها ليستوى له وزن البيت، فكسرها ووصل الكسرة بالياء.
وقال آخر:
[ ١ / ٢٠٥ ]
إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا
الألف في الظنون صلة لفتحة النون.
وقال آخر:
هجوت زبَّان ثم جئت معتذرًا من سبّ زبان، لم تهجو ولم تدع
الواو صلة لضمة الجيم. وهو كثير في أشعارهم.
الاشتقاق
والاشتقاق: هو أن يُشتق للشيء اسم من صفته أو لونه أو فعله؛ كما سمي الإنسان إنسانًا لنسيانه. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾.
وقال أبو تمام:
لا تنسينَّ تلك العهود فإنما سميت إنسانًا لأنك ناسي
وقيل: سمي إنسانًا لأنسه.
وكما سمي القلب قلبًا لتقلبه. قال [الهذلي]:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب
وكقول إبراهيم:
[ ١ / ٢٠٦ ]
هم هيجوا الحرب واسمُ الحرب قد علموا لو ينفع العلم مشتق من الحرب
وكقول أبي تمام:
لما رأى الحرب رأي العين توفلس والحرب مشتقة المعنى من الحرب
وسميت قريش قريشًا؛ لأنهم كانوا أصحاب تجارة. ويقال: قرش الرجل شيئًا يقرشه: إذا كسبه وأخذه. وتقرَّش فلان مالًا: إذا أخذه أولًا فأولًا.
ويقال: اقترشت الرماح اقتراشًا: إذا وقع بعضها على بعض.
قال القُطامي:
قوارش بالرماح كأن فيها شواطن ينتزعن بها انتزاعا
وسأل معاوية ابن عباس: لم سميت قريش قريشًا؟
فقال: بدابَّة في البحر هي أعظم دواب البحر، لا تظفر بشيء من دواب البحر إلا أكلته؛ فسميت قريشًا لأنها أعظم العرب.
قال معاوية: هل تروي من ذلك شيئًا؟
فأنشده قول الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحـ ر، بها سميت قريش قريشا
تأكل الغثَّ والسَّمين ولا تتـ رك يومًا لذي الجناحين ريشا
ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا
[ ١ / ٢٠٧ ]
ويقال: قد قرّش يقرّش تقريشًا: إذا حرش.
وقال الحارث [بن حلزة]:
أيها الناطق المقرّش عنّا عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
وقرواش: اسم رجل، فعوال، مشتق من قريش.
وهو شيء كثير فاختصرته.
الترخيم
الترخيم: سمي ترخيمًا لأنه قطع للحرف؛ من قول العرب: جارية مرخمة: إذا كانت تقطع كلامها.
والترخيم: هو أن تحذف آخر حرف من الاسم.
قال جميل بثينة:
قالت: يا جميل، أربتني فقلت: كلانا يا بثين مريب
يريد: يا بثينة، فحذف الهاء. وقوله: أربتني، أي عرَّضتني للتهمة. ويروى: أربتنا، أي عرَّضتنا للتهمة. يقال: أراب يريب إرابة وريبًا: إذا أتى بتهمة. وأراب صاحبه: إذا عرضه للتهمة.
قال كثيّر عزّة:
فيا عزَّ، إن واش وشى بي عندكم فلا ترهبيه أن تقولي له مهلا
كما لو وشى واشٍ بعزَّة عندنا لقلنا: تزحزح لا قريبًا ولا سهلا
[ ١ / ٢٠٨ ]
فقال في الأول: يا عز، فرخّم لما كان نداء. وقال في الثاني: عزّة، فأثبت الهاء ولم يرخم.
فإن جعلت الاسم مفردًا مستغنيًا عن الهاء، رفعته فقلت: يا بثين، أقبلي، ويا عز، أقبلي، وياميُّ، أقبِلي.
قال الشاعر:
فياميُّ، ما يدريك أين مناخنا معرفة إلا لحي يمانية شحرا
وتقول: يا أميمة أقبلي. ويجوز نصبها إذا توهمت فيها فتح الترخيم.
قال النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
فإذا رخمت اسمًا فيه مدة التأنيث أو ياء التأنيث، قلت يا حَمْرَ، أقْبلي، ويا أسم، أقبلي، في الترخيم بحمراء وأسماء.
قال الشاعر:
ألم تعلمي يا أسم، ويحك أنني حلفت يمينًا، لا أخوان أميني
ويجوز: يا اسم، ويا حَمْرُ.
وتقول في ترخيم حارث وعامر ومالك: يا حار، أقبل، ويا عام، أقبل، ويا مال، أقْبِل.
قال الشاعر:
[ ١ / ٢٠٩ ]
يا حار، لا أُرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة قبلي ولا مَلِكُ
وقرئ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
وفي حديث عمر، ﵁، أنه قال لمالك بن أوس:
"يا مال، إنه قد دفَّت علينا من قومك دافة، وقد أمرنا لهم برضخ، فاقسمه بينهم".
قوله: يا مال، يريد: مالك، فرخّم. والدّافة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. يقال: هم يدفون دفيفًا. ومنه الحديث المرفوع: أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، هل في الجنة إبل؟ فقال، صلى الله عليه: "نعم، إن فيها لنجائب تدف بركبانها في الجنة".
وقال:
فقلت، ولم أملك، أمال بن مالك لفي جمل عود عليه أياصر
أي: ولم أملك صبرًا، فحذف الصبر. أمال بن مالك، أراد: يا مالك بن مالك، فرخَّم. لفي جمل: شبه فمه في سعته بفم جمل. وأياصر: جمع أيصر، وهو كساء [يُجمع] فيه الحشيش.
فإذا أردت ترخيم اسم على ثلاثة أحرف، ثانيه ساكن، لم يجز؛ لأنك إذا حذفت الحرف الآخر، لزمك أن تحذف الحرف الساكن الذي قبله، فيبقى الاسم على حرف واحد؛ فخطأ أن ترخم زيدًا وعمرًا وبكرًا.
[ ١ / ٢١٠ ]
فإذا كان الاسم على ثلاثة أحرف متحركات كلها، جاز ترخيمه من قول الفراء، ولم يجز ترخيمه من قول الكسائي. فتقول في ترخيم رجل: يا رجُ، أقْبِل.
وقال الكسائي هذا خطأ؛ لأن أقل أصول الأسماء ثلاثة، فلا يجوز أن أسقط من الثلاثة حرفًا.
وقال الفراء: قد جاء في كلام العرب أسماء على حرفين منها: يد ودم وهن، وما أشبه ذلك.
وأكثر ما يكون الترخيم في النداء، وربَّما استعمل في غيره؛ لقول الشاعر:
وما أدري، وظني كل ظن أمسلمني إلى قومي شراح
أراد: شراحيل، فرخّم في غير النداء.
الإغراء
العرب تغري بعليك ورويدك ودونك. يقولون: عليك زيدًا، ينصبون زيدًا؛ لأن المعنى: خُذْ زيدًا، ورويدك زيدًا؛ لأن المعنى: انتظر زيدًا.
وقد يحذفون الكاف وينصبون أيضًا؛ فيقولون: رويدَ زيدًا. وإنما نصبوا لأن الكاف مضمرة.
قال الشاعر:
[ ١ / ٢١١ ]
أقول، وقد تلاصقت المطايا: رويد القول، إن عليك عينا
وأجاز الفراء خفض زيد إذا حذف الكاف، وقال: المعنى فيه أنك تأمر زيدًا باحتباسه.
والعرب تغري بكذب عليك كذا وكذا؛ كقول عمر، ﵁: "كذَب عليكم الحج، كذب عليكم العُمرة، كذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم".
قوله: كذب عليكم: يعني الإغراء، أي: عليكم به وكان الأصل في هذا أن يكون نصبًا، ولكنه جاء عنهم الرفع شاذًا على غير قياس.
قال معقر البارقي:
وذبيانية وصت بنيها بأن كذب القراطف والقروف
معناه: عليكم بالقراطف والقروف فخذوها. وواحد القراطف قرطف وهي قطيفة مُخملة والقروف: الأوعية.
وعن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو لرجل فقال: كذب عليك البرد والنوى، بالنصب. حكى ذلك أبو عبيدة.
والعرب تقول للمريض: كذب عليك العسل كذا، أي: عليك به.
والإغراء يكون للشاهد، وقد جاء أيضًا للغائب.
[ ١ / ٢١٢ ]
قال النبي، صلى الله عليه: "من لم يستطع الباءة فعليه بالصوم فإنه له وجاء". وروي: إجاء. لا واو.
وهذا الخبر حجة على الإغراء للغائب.
وقد يجيء التحذير بلفظ الإغراء؛ يقولون: الليل الليل، والأسد الأسد، والطريق الطريق وأخاك أخاك.
والمعنى: احذر الليل والأسد، وخلّ الطريق، وأكرم أخاك.
قال:
أخاك أخاك، إن من لا أخاله كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وكذلك: نفسك نفْسَك، أي: احفظ نَفْسَكَ.
قال:
فنفسك نَفْسَكَ، إن تأتنا تنم نومةً ليس فيها حُلم
[والرفع جائز [نقول]: اللهُ اللهُ، أي: هو الله فاحذره. [وقوله، ﷿]: ﴿نَاقَةَ اللهِ﴾ منصوبة على [التحذير]، ولو رفعت على ضمير: هذه ناقة الله، وفيها
[ ١ / ٢١٣ ]
معنى التحذر لجاز. والعرب تقول: هذا العدو [فاهربوا]، وفيه معنى التحذير.
وأنشد الفراء والكسائي:
إن قومًا منهم عمير وأشباه عمير ومنهم السفاح
لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة: السلاح السِّلاحُ]
الإدغام
معنى الإدغام: أن يدخل حرف في حرف حتى يصير مثل المدغم، كقوله، ﷿: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
صارت اللام راء حين أدغمت في الراء. وإنما أدغموا الحرف في الحرف؛ لأنه من مخرجه. وكرهوا أن يُخرجوا حرفًا من موضع ثم يعودوا إلى ذلك الموضع فيخرجون مثل ذلك الحرف؛ فكان أن جُعِلا حرفًا واحدًا، أخف عليهم من أن يجعلوا الحرفين في كلمتين من موضع واحد.
وإذا كان حرفان مثلان في كلمتين ومخرجهما واحد؛ فإن شئت فادغم، وإن شئت فلا تُدغم، وترك الإدغام أحسن.
وذلك مثل: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾، لم يُدغموا اللام واللام فيهما؛ لأن اللام الأولى في كلمة والثانية في كلمة، والأولى متحركة، وإن شئت أدغمت.
والألفات لا تُدغم في شيء، ولا يُدغم فيها؛ لأنها حرف ميت؛ فلو أدغموا فيهما تحرَّكت فتحوَّلت همزة. فلما [لم] يدغموها لم يُدغموا فيها.
[ ١ / ٢١٤ ]
والياء لا تُدغم في الفاء، ولا تدغُم الفاء فيها.
والسين لا تُدغم فيما قرب منها، لا تدغم في اللام كما أُدغمت اللام في الراء.
والنون تُدغم في الميم، نحو: عمن، يريد: عن من. ولا تُدغم الميم في النون فنقول: قُم نذهب، فتجعل، الميم نونًا.
والنون تُدغم في اللام. قال أبو صخر:
كأنهما مل الآن لم يتغيرا وقد مر للدارين بعدنا عصر
والعصر ها هنا: الدهر. يقال: عَصْر وعصُر، وجمعه: أعْصُر وعُصُور.
وحروف الفم أقوى على الإدغام من حروف الشفتين.
وقال آخر:
عوّد لسانك قول الخير تحظ به إن اللسان لما عودت معتاد
موكل يتقاضى ما رسمت له مِلء خير ولاشر، فانظر كيف ترتاد
يريد: من الخير والشر، فأدغم النون في اللام.
ولا يُدغم أبدًا إلا الأول في الثاني، ولا يُدغم الثاني في الأول.
ومن الحروف ما لا يُدغم فيما قرُب منها؛ فالهمزة لا تُدغم في شيء، ولا يُدْغَمُ فيها.
وتقول: هو من بني العَنْبَر. وإن شئت قُلْت: هو من بني العنر، فحذفت النون إذا كانت بعدها لام تظهر. فإذا قلت: هو من بني الرَّجل، لم تقل: بنرجل؛ لأن اللام في الرجل تظهر.
[ ١ / ٢١٥ ]
قال الشاعر:
غداة طُفت علماء بكر بن وائل وعُجنا صدور الخيل نحو تميم
أراد: على الماء، فحذف اللامين.
وتقول: زياد الأعجم فإذا تركت الهمزة قلت: زياد اللعجم، تريد: الأعجم، فتترك الهمزة، وتُبْدِلُ من التنوين لامًا وتُدغمها في اللام التي بعدها.
وعلى هذا قرأ أبو عمرو: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاد للُّولَى﴾ وقرأ نافع: عادً الأولى، بالهمز. والأصل فيه: عادًا الوُولى؛ فأبدلوا من الواو المضمومة همزة فصارت عادًا الأولى، فحولت ضمة الهمزة إلى اللام، وأسقطت الهمزة، وأُدغمت النون في اللام فصارت عاد اللُّولى.
وابنُم للعرب فيه مذهبان: منهم من يُعربه من الميم ويلزم النون الفتح. ومنهم من يُعربه من النون والميم فيقول: ابنَم وابنَما وابْنَمٍ.
وقال الفراء: إنما أعرِبَت من مكانين؛ لأنه قلَّ، ومع قِلّته، أن النون آخره، وهو حرف خفي فزيدت عليه الميم، كما زيدت على فم وعلى ما قَلَّ.
قال الشاعر في إعرابه من جهتين:
غرَّاءُ، لم تسغب ولما تسقم ولم يُلِحْها حزن على ابْنَمِ
[ ١ / ٢١٦ ]
وقال في اللغة الأخرى:
تعاورتما ثوب العقوق كلاكما أبٌ غير بَر وابْنَم غير واصل
تعاورتما، تعني: تعاونتما. يقال: تعاورَ القوم فلانًا واعتوروه ضربًا، أي: تعاونوا، فكلما كفَّ واحد، ضرب آخر. والتعاور عام في كل شيء.
وقال في لغة [المثنى والجمع]: هذان ابنمان. وفي جمعه: هؤلاء ابنمون.
قال الكُمَيت:
ومنا ضرار وابنَماه وحاجب مؤجج نيران المكارم لا المخبي
وقوم من العرب يقفون عند الساكن في الحرف إذا انقطع نفس الرجل منهم، ولا يقف عند المتحرك. ثم يعيدون الذي يقفون عليه في الابتداء إذا كان مدغمًا؛ فيقولون: قام الرجل؛ فإذا انقطع نفس أحدهم عند الألف واللام، قال: قام الّ، ثم يقول بعْدُ: الرجل، فيدغمون اللام في الرجل، فيعيدونها من أجل الإدغام.
فإذا كانت اللام غير مدغمة لم يعيدوها. من ذلك أنهم يقولون: قام الحارث فإذا اضطروا إلى الوقف على الألف واللام قالوا: قام الْ، ثمّ يقولون في الابتداء: حارث، ولا يعيدون الألف واللام؛ لأن اللام ظهرت، فكرهوا إعادتها لظهورها.
أنشد بعض العرب:
قلت لطاهينا المطرِّي في العمل عجِّل لنا هذا وألحقنا بِذَلْ
بالشحم إنا قد أجِمنا ذا بجل
[ ١ / ٢١٧ ]
فأعاد الألف واللام في الشحم لاندغام اللام في الشين.
وليس في مذهب الفراء ولا العرب الفصحاء الوقوف على بعض الحروف دون بعض. لا يجوز أن تقف على ألْ وتبتدئ: هاكم التكاثر؛ وإن كان قد جاء ذلك عن بعض العرب.
فإذا كان بعد "هل" ففيها لغتان: بعضهم يبين لام هل، وبعضهم يُدغمها فيقول في هل تعلم: هَتعْلَم؛ فإنما أُدغمت اللام في الهاء فثقّلوها.
قال الشماخ:
فقال له: هتّ تشتريها فإنها تُباع إذا بيع التّلاد الحرائز
يريد: هل تشتريها، فأدغم اللام في التاء.
وقال الكسائي: يقولون: قد تيتُك، وقد تّاك، أي: قد أتيتك، وقد أتاك، فيدغمون.
ومن قرأ على التخفيف، ولم يمكن، قرأ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾: "يُخيل إليه". و: ﴿هَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ و﴿أنْزَلْ لَيْكَ﴾ أي أنزل إليك.
وللإدغام شرح طويل فاختصرته.
[ ١ / ٢١٨ ]
التوكيد
التوكيد فيه لغتان: يقال: توكيد وتأكيد، ووكدته وأكدته. والهمز في العقد منه أجود.
وتقول: وكدتُ اليمين. وتقول: إذا عقدت فأكِّد، وإذا حلفت فوحِّد.
فمن التوكيد قوله، ﷻ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾. ونعلم أن الأموات غير أحياء، وإنما جاء به توكيدًا.
ومثله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، جاء به توكيدًا.
كما قال الشاعر:
ثلاث واثنتان، فهن خمس وسادسة تميل إلى السهام
ومعلوم أن ثلاثًا واثنتين هنَّ خمس.
وكما قال عبد بني الحسحاس:
تجمعن من شتى: ثلاث وأربع وواحدة، حتى كمُلن ثمانيا
ومعلوم أن ثلاثا وأربعًا وواحدةً هن ثمان. ولكن قد يجوز بالتأكيد في بعض كلمهم، كما يوجزون في بعضه.
[ ١ / ٢١٩ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ جاء به توكيدًا.
وسأل ابن كيسان ثعلبًا عن ذلك فقال: لم أدخل اثنين، وإلاهان اثنان؟ فقال: لإخراج الشك الذي يعترض في قلب الملحد، فأتى بلفظ اثنين في معنى واحد.
وقول القائل: قد أشهدت شاهدين اثنين، هو تأكيد ومبالغة. وقوله: عَدْلين، زيادة في التوكيد.
والعرب ربما جاؤوا بالحرف الذي لا يستعملونه توكيدًا. وقد قرئ: ﴿عَمَّا قَلِيلٌ﴾ رفعًا؛ لم يُعملوا عن، وأعملُوا ما فرفعوه باسم ما. ومن قرأ: ﴿عَمّا قليلٍ﴾ بالجر، لم يُعمِلوا ما، وأعملوا عن، يريدون: عن قليلٍ.
ومنه قوله، ﷿: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾. فلو قال تعالى: وُعِدنا وآباؤنا، أجْزَى.
وكذلك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾. فلو قال تعالى: إنا نحي الموتى، لأجْزَى. جاء بنحن توكيدًا.
كما قال، ﷿: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، وإنما هو: إني أنا الله، فجاء بالنون توكيدًا، وهي نون أخرى.
وكذلك: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. جاء بأنه توكيدًا.
وكذلك: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ مِنْ، جاء بها توكيدًا.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وكذلك: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾. والطيران لا يكون إلا بالجناح.
ومثله من الكلام: جئتك بنفسي، ومشيت إليك برجلي، وكلّمتُك بلساني، ونظرت إليك بعيني، وسمعته بأذني. والمجيء لا يكون إلا بالنفس، والمشي لا يكون إلا بالرجل، والكلام لا يكون إلا باللسان، والنظر لا يكون إلا بالعين، والسمع لا يكون إلا بالأذن. ولكن كل هذا توكيد.
قال أوس بن حجر:
وتنكسف الشمس، شمس النها ر مع النجم والقمر الواجب
والشمس لا تكون إلا بالنهار.
وقال الآخر:
أجل شغلت فلا أعطيت من سعة حتى يغيب لحيي رأسك الجول
واللحيان لا يكونان إلا للرأس. والجُول: زاوية القبر.
وقال عنترة:
حرِقُ الجناح، كأن لحيي رأسه جَلمان بالأخبار هش مُولعُ
ومثله قول طرفة:
فأصبحت فقعًا نابتًا بقرارة تصوح منه والذليل ذليلُ
[ ١ / ٢٢١ ]
تصوّحُ: تقطَّرُ، فأخبر أن الذليل ذليل، وهو توكيد.
وقال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. يقال: خرَّ على فلان منزله واستهدم وسقط، وليس هو تحته؛ فإذا قال: من فوقه، عُلِمَ أنه تحته.
وقال تعالى: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال المبرد: المعنى فيه: أنه كان يصلح أن يقول: ولي نعجة أنثى في موضع آخر. فلَمّا قال: واحدة، بلغ النهاية.
وأنشد مسلمة عن الفراء عن الكسائي فيمن أتى بلفظ الاثنين وهو بمعنى واحد:
ومهمهين فدفدين مرتين قطعته بالسَّمت لا بالسمتين
فأدخل اثنين وأخرج الشك.
وقال الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاو مشل شلولٌ شلشلٌ شوِلُ
فالشاوي: الذي يشوي. والشَّلول: الخفيف. والمِشَلّ: الطرد. والشُّلشُل: الخفيف السريع. والشَّول مثله. والألفاظ متقاربة المعنى، وجمع بينها، وأريد بذكرها المبالغة والتوكيد.
والعرب تقول للرجل، توبخه: أنت قلت كذا، وأنت فعلت كذا. وقولهم: أنت، توكيد عند أهل اللغة.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ معناه: ليس كهو شيء، وإنما أدخل المِثل
[ ١ / ٢٢٢ ]
توكيدًا للكلام.
وقال أوس بن حجر:
وقتلى كمثل جذوع النخيل تغشاهم سبل منهمر
وإنما أراد: كجذوع النخيل لا كمثله.
وقال الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
وإنما أراد: ثم السلام عليكما، وكذلك فسِّر: بسم الله الرحمن الرحيم؛ كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم. وإنما أدخل الاسم زيادة في الكلام وتأكيدًا.
الأضداد
والأضداد: مثل قولهم للعطشان: ناهل، وللذي قد شرب حتى روي: ناهل.
وقال:
والطاعن الطعنة يوم الوغى ينهل منها الأسل الناهل
وقولهم: لله در فلان، يكون مدحًا وذمًا.
قال في الذم:
وبنو أمية أسلمونا للردى لله در ملوكنا ما تصنع
[ ١ / ٢٢٣ ]
والسُّدْفة في لغة تميم: الظلمة. والظلمة تأتي على الضوء.
والحميم: الماء الحار والماء البارد أيضًا.
قال الشاعر:
فساغ لي الشراب، وكنت قبلًا أكاد أغص بالماء الحميم
أي: بالماء البارد. ونون قبلًا، وهي صفة، لأنه خرج مخرج الأسماء.
وطلعت على القوم: إذا أقبلت إليهم حتى يروك. وطلعت عليهم: إذا غبت عنهم.
ولمقت الشيء: إذا كتبته، في لغة هذيل، ولمقته: محوته، في لغة قيس.
وبعت الشيء: إذا بِعْتَه، وبعته: اشتريته.
وشعبت الشيء: أصلحته، وشعبته: شققته.
والجون: الأسود، والجوْن: الأبيض.
والتِلاع: ما علا من الأرض، والتِّلاع: ما خفض منها.
والجلل: الأمر العظيم والأمر الحقير.
قال امرؤ القيس:
بقتل بني أسد ربَّها ألا كل خطب سواه جلل
[ ١ / ٢٢٤ ]
أي: كل خطب سواه حقير.
وقال الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفونَّ جللا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
أي: لأعفونَّ عظيمًا.
والماثل: القائم. والماثل: اللاطي بالأرض.
والصريم: الصبح. والصريم: الليل.
والبَثْر: القليل. والبَثْر: الكثير.
الرهوة: الارتفاع والانحدار.
وراء: يكون: خلف، ويكون قدّام. وكذلك: قدّام.
دون: تكون فوق، وتكون تحت.
أفرع: صعد ونزل.
الخُلوف: القوم الغيَّب والمتخلفون.
والذرية: الأولاد والآباء، وهي للنساء أيضًا.
والهاجد: النائم والقائم المصلي بالليل.
سواء الشيء: غيره ونفسه أيضًا.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال الله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال الله، ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
المشيح: الجاد في الأمر.
قال أبو النجم:
قبًا أطاعت راعيًا مشيحا
والمشيح: الجبان.
وبعير معبَّد: إذا كان مذللًا قد طُلي بالهناء من الجرب حتى ذهب وبَرَهُ.
قال طرفة:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبّدِ
وبعير معبّد: إذا كان مُكرمًا.
قال حاتم:
تقول: ألا أمسك عليك فإنني أرى المال عند الباخلين معبّدا
معناه: مكرمًا. ويروى: معتَّدا، أي يجعلونه عدةً للدهر.
أطلبت الرجل أعطيته ما طلب، وألجأته إلى أن يطلب.
أشكيت الرجل: رجعت له من شكايته إلى ما يحب وأتيت إليه أمر إشكائي منه.
[ ١ / ٢٢٦ ]
الإهماد: سرعة السير والإقامة.
خفيت الشيء: أظهرته وكتمته.
قال امرؤ القيس يصف عدو فرسه وإظهاره الجرذان من جحرتهن بشدته:
خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من سحاب مجلِّب
وأهل المدنية يسمون النباش المختفي؛ لأنه يخرج الأكفان ويظهرها.
وخفا واختفى واحد: أظهر وأخفى وأرى.
وقال امرؤ القيس أيضًا:
وإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
ويروى: لا نخفه، بالضم، والمعنى واحد.
وقال عبدة بن الطبيب:
يخفي التراب بأظلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليل
يريد: يظهر التراب، يعني: الثور الوحشي.
وقال النابغة:
يخفي بأظلافه حتى إذا بلغت يُبْسَ الكثيب تداعى التُّرْبُ فانهدما
[ ١ / ٢٢٧ ]
وقولهم: لا أمَّ لك، مدح وذم.
قال:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وغذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا، وجدكم، الصغار بعينه لا أم لي، إن كان ذاك، ولا أب
أسررت الشيء: أخفيته وأظهرته.
قال الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾، قيل في التفسير: أظهروها، ويقال: كتموها.
وقال الفرزدق:
فلما رأى الحجاج جرَّد سيفه أسرَّ الحروري الذي كان أضمرا
يريد: أظهر، وهذا من الأضداد، وهو كثير فاختصرته.
المقلوب
القلبُ: تحويلك الشيء عن وجهه. تقول: كلام مقلوب: قلبته فانقلب، وقلبته فتقلب. ومن قال: أقلبتُه، بالألف، فقد أخطأ.
والقلب أيضًا: صرفك إنسانًا، تقلبه عن وجهه الذي يريد. والفعل اللازم من ذلك: الانقلاب.
[ ١ / ٢٢٨ ]
والقلب سمي قلبًا لتقلُّبِه. وفي الحديث: "سبحان مقلب القلوب". وفيه أيضًا: "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس".
وقال الشاعر:
ما سمي القلب إلا من تقلبه والرأي يصرف بالإنسان أطوارا
فمن المقلوب قوله، ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ [كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ]﴾. يقول: ذرأنا جهنم لكثير من الجنس والإنس.
وقال الأعشى:
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المُعان موفق
أي: الموفق معان، فقلب.
وقال آخر:
ترى الثور فيها مُدخِل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أهيعُ
أراد: مُدْخِل رأسه الظلَّ، فقلب؛ لأن الظل التبس برأسه، فصار كل واحد منهما داخلًا في صاحبه.
ومثله:
[ ١ / ٢٢٩ ]
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرَّجم
أي: كما كان الرجم فريضة الزنا، فقلب.
ومثله: أصبح ينعى للملاح نفسه، أي ينعى لنفسه الملاح.
والعرب تقول: "اعرض الناقة على الحضو"، تريد: اعرض الحوض على الناقة.
ومن المقلوب أن تقدم ما يوضحه التأخير، وتؤخذ ما يوضحه التقديم؛ كقوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾، أي: مخلف رسله وعده؛ لأن الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرسل.
وكذلك قوله تعالى: ﴿دَنَا فَتَدلّى﴾، أي: تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا للتدلي.
وقال النابغة:
وقد خفت، حتى ما تزيد مخافتي على وعِل في ذي القفارة عاقل
وكان الوجه أن يقول: حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي، فقلب؛ لأن المخافتين استويا. وفي البيت أيضًا حذف وهو: تزيد مخافتي على مخافة وعْل، فحذف مخافة.
وقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، مجازه: خُلِق العجل مِنَ الإنسان.
[ ١ / ٢٣٠ ]
والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء، بدأوا بالسبب.
ومثله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾. والعُصبة هي التي تنوء بالمفاتيح.
والعرب تقول: إذا طلعت الشِّعْرى استوى العود على الحرباء. المعنى: استوى الحرباء على العُود.
ومثله قول الشاعر:
وتركب خيل لا هوادة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحُمر
المعنى: وتشقى الضياطرة بالرماح، فقلب. الضيطر من الرجال: الضخم الذي لا غناء عنده.
وقال آخر:
آمل، والإنسان من طول الأمل آمل أن أراه نخلًا قد حمل
والمعنى: طول الأمل من الإنسان، فقلب.
وقال العجاج:
يشقى بأم الرأس والمطوَّق ضرب هدال الأيكة المسوَّق
المطوق: العُنُق. والهدال: الأغصان. والأيكة: الشجرة. والمسوّق: الذي له سوق؛ كأنه قال: تشقى أم الرأس. والمطوق بالضرب، يعني: ضرب السيف، فقلب.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقال آخر:
حسرت كفي عن السربال آخذه فردًا يجر على أيدي المفدينا
أراد: حسرت السربال عن كفي، فقلب.
وقال الأعشى:
وقد لحقن بهم تُعدي فوارسنا كأننا رعن قُفّ يرفع الآلا
أراد: الآل نرفعه، فقلب. والآل يكون طرفي النهار بكرة وأصيلا. والسراب: هو الذي يكون نصف النهار، تراه كأنه ماء.
قال الله، ﷿: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.
قال امرؤ القيس:
يضيء سناه أو مصابيح راهب أهان السليط بالذُّبال المفتَّل
ويروى: أمال السليط. ويروى أو مصابيح راهب، بالخفض، على أنها منسوقة على اللمع؛ كأنه قال: كلمع اليدين أو مصابيح راهب أهان السليط. وهي الرواية المتفق عليها. وإنما يريد: كأن مصابيح راهب في سناه، فقلب.
ومثله:
[ ١ / ٢٣٢ ]
حتى إذا احتدمت وصا ر الحمر مثل ترابها
أي: صار ترابها مثل الجمر. والحَدْم: شدة إحماء حر الشمس والنار.
نقول: حدمه كذا واحتدم.
قال الأعشى:
وإدلاج ليل على غرَّة وهاجرة حرها يحتدم
ويروى: محتدم.
ومثله قال:
كأن لون أرضه سماؤه
يريد: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه.
ومثله لامرئ القيس:
يضيء الفراش وجهها لضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال
يريد: في ذبال قناديل، فقلب.
ومثله:
كأن أنساعي وكور الغريز
وإنما هو: غرز الكور.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال أبو ذؤيب:
عرفاء قد رفع المرار سنامها فنوت، وأردف نابها بسديس
يقول: أردف سديسها بناب، فقلب. وقوله: فنوت: أي كثر نيها، وهو شحمها. وقوله: سديس، أي: سدست وبزَلَتْ. وناقة ناوية: كثيرة الني.
وقال آخر:
قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الشَّجعما
فنصبهما، وكان الوجه رفعهما؛ لأن من سالمته فقد سالمك؛ فهما فاعلان ومفعولان.
ويروى:
[قد سالم] الحيات منه القدم الأفعوان والشجاع الشجعم
رفع الأفعوان، وهو نعت للحيات. والحيات نصب على المعنى.
وقال الشماخ يذكر أباه:
منه وُلدت، ولم يوشب به حسبي ليًا كما عُصب العِلباء بالعود
وكان الوجه أن يقول: كما عُصب العود بالعلباء، فقلب؛ لأنك تقول: عصبت
[ ١ / ٢٣٤ ]
العِلباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء. والعِلباء: عصب للعنق، وهما علباوان، والجميع: العلابي.
ويقلبون الحروف بعضها ببعض، فيقولون: أنبضت القوس وأنضبتها: إذا جذبت وترها لتصوت.
ودمقت فاه ودقمته: إذا ضربته.
وأحجمت من الأمر وأجحمت.
وطمس الطريق وطسم: إذا درس.
وقاع الفحل على الناقة وقعا.
واضمحل الشيء وامضحل: إذا ذهب.
وحمت يومنا ومحت: إذا اشتد حره.
وصعق الرجل وصقع. وصاعقه وصاقَعَه. وصعق الغراب وصقع.
وقال جرير:
يناشدني النظر الفرزدق بعدما ألحقت عليه من جرير صواقع
وهذا كما قالوا: جذب وجبَذَ. وأغرل وأرغَلُ، وهو الأقلف، وجمعه: غُرْل.
وقال الكميت:
ترى أبناءنا غرلًا عليها وتنكؤهم بهن مختَّنينا
وما أطيبه وأيطبه. وبطيخ وطبيخ.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقد روي عن النبي، صلى الله عليه، أنه قال: "أكلت بطيخًا ورُطبًا، فما كان أطيبه".
ونقول: أيطب به وأطيب به. ومكان أبرش وأربش، وأرشم وأرمَش. وأرض برشاء: كثيرة النبت، مختلف الألوان.
ومكان عميق ومعيق، وهي لغة تميم، وقد معُقَ معاقة. ولا تصلح هذه اللغة في القراءة. ولفت الرجل وجهه وفتل. طفس وفطس: إذا مات. وجخجخ وخجخج: إذا لم يُبد ما في نفسه.
ويقولون: تهتاب ودهداب، يقلبون الدال تاء. وسراه وستاه، وسدّاه تسدية، وستّاه يستِّيه، للثوب.
ويقلبون الدال ذالًا. وفي قراءة ابن مسعود: ﴿فَشَرِّ ذْ بِهِم﴾. ونمرود ونُمْروذ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الإبدال
والإبدال قولهم: مدهته ومدحته. وهتنت السماء وهتلت. والكتلُ والكتَنُ: وهو التلزُّج. ولعاعة ونعاعة. و[هو] بقل ناعم. وسجيل وسجين. واين وأيم وهو الحيَّة. وطامه الله على الخير وطانه يعني: جبَله. وفناء الدار وثناء الدار. وجدث وجدف، وهو القبر.
والمغافير والمغاثير، وهو دود يخرج من العُرفط حلو يصيح بالماء فيشرب. يقال: قد أغفر العُرفط: إذا ظهر ذلك فيه. وواحد المغافير مغفور ومُغفر. والعرفط: شجرة من شجر العضاة تأكله الإبل. والواحدة: عُرْفُطة.
وجذوت وجثوت: وهو القيام على أطراف الأصابع. وبعير رفل ورِفَنّ: سابغ الذنب. ونبض العرق ونبذ، ينبض وينبذ.
وتريَّع السراب وتريَّه: إذا جاء وذهب. وهرت فلان الشيء وهرده: إذا خرَّقه.
وهو شثن الأصابع وشثل. وهو كبنُ الدَّلو وكَبْلُ الدلو: يعني: شفتها. وجردبت في الطعام وجردمت: وهو أن تستر بيدك ما بين يديك من الطعام عن غيرك.
قال الشاعر:
إذا ما كنت في قوم شهاوى فلا تجعل شمالك جردبانا
[ ١ / ٢٣٧ ]
وضربه ضربة لازب ولازم. ونعامة ربداء ورمداء: التي لونها كلون الرماد. وخمدت النار وهمدت. وبزق الرجل وبصق.
والصراط والزراط. وهام وحام، وهو هائم وحائم من العطش.
وهرقته وأرقته. وأساغ إلى الشيء وأصاخ. واعلنكس الليل واعرنكس. ومرست الشيء ومرصته، وهو غمز بالأصابع. والكُسْت والكُسط والكُسبرة والكُزبرة. والقهر والكهر. وقرئ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ﴾.
والصَّقب والسقب وهو: ولَدُ الناقة، وهو: الطويل أيضًا من كل شيء مع ترارة. وهو القرب أيضًا. ومنه: "الجار أحق بصقبه وسقبه".
وصديغ وسديغ: وهو اسم الولد إلى سبعة أيام؛ سمي به لأنه لا يشدُّ صدغه إلى سبعة أيام. والرصغ والرسغ، والسين أفصح.
ويقولون: هذا علج، يريدون: علي، فيبدلون الجيم من الياء، حرصًا على البيان؛ لأن الياء من مخرج الجيم، والجيم أمشى في الفم من الياء، فإذا وصلوا لم يُبدلوا.
قال الشاعر:
خالي عويف وأبو علِج المطعمان الشحم بالعشج
وبالغداة فلق البرنج يقلع بالقرن وبالصيصج
[ ١ / ٢٣٨ ]
يريد: علي والعشي والبرني [والصيصي].
والعرب تُبدل من السين ياء، فيقولون في الخامس: خامي، وفي السادس: سادي. قال:
مضى ثلاث سنين منذ حل بها وعام حلت، وهذا التابع الخامي
يريد: الخامس.
ويقال: جاء فلان خاميًا وساديًا. وقد جاء مثل هذا في العدد إلى العشرة. وهو في آخر الكتاب موجود إن شاء الله.
والعرب تعوض الحرف الخفيف من الثقيل؛ فيبدلون الياء من الحرف إذا استثقلوه في الشعر ليتم لهم الوزن.
فمن ذلك قول الشاعر:
ومنهل ما أن له حوازق ولضفادي جمه نقانق
المنهل: الماء الذي ينهل منه، أي: يروى. وحوازق: مضائق. يعني: أنه ليس بغدير ولا نهر، وإنما هو بئر، وجمه: كثرة مائه. أراد: ولضفادع جمه، فأبدل الياء من العين لخفتها.
وقال آخر في عقاب:
[ ١ / ٢٣٩ ]
لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها
أشارير: جمع إشرارة، وهو ما يجفف من اللحم ها هنا. وكل ما شررته فهو إشرار. والمتمر: ما قُطع صغارًا، فإن قطع كبارًا فهو ضفيف. فإذا قُطع طولًا فهو قديد، وجمعه الوشيق. والوخز: الشيء اليسير. والثعالي: أراد: الثعالب، فأبدل من الباء ياء. وأرانيها: أراد: أرانبها، وهو جمع الأرنب.
والبدل في الكلام على وجهين: وجه على الغلط، نحو: مررت برجل حمار، كأنه أراد أن يقول: مررت بحمار فغلط، فقال: برجل، ثم أدرك كلامه بعد فقال: بحمار.
والوجه الثاني: يكون على البيان، نحو: مررت بعبد الله عاقل لبيب كأنك قلت: مررت بعاقل لبيب.
قال الله، ﷿: ﴿لَنَسْفَعًَا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، على البدل. وقد قرئ بالرفع والنصب: ناصيةٌ بدل من الأول، كاذبةٌ: نعت لها.
والعرب تبدل النكرة من النكرة، والنكرة من المعرفة، والمعرفة من النكرة.
قال الله، ﷿: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾.
ثم قال النابغة:
لئن كان بالقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حارب
[ ١ / ٢٤٠ ]
فأبدل نكرة من معرفة.
وكذلك: مررت برجل أخيك، إذا أردت به البدل. قال الله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ﴾.
قال ذو الرمة:
ترى خلفها نصفًا قناة قويمة ونصفًا نقًا يرتج أو يتمرمر
رواية سفلى مضر: نصف قناة، على المبتدأ والمبني. ورواية عُليا مضر: نصفًا قويمة، على البدل. وهو جامع لمن قرأ: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بالرفع والنصب.
قال الراجز:
لقد رأيت يا لقومي عجبا حمار قبان يقود أرنبا
مجازه: رأيت عجبًا، رايت حمار قبّان، وهو حجة لمن قرأ: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.
قال جميل:
وآخر عهدي من بثينة أنها تريني بنانا كفُّهن خضيب
حجة لمن قرأ: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقال كثير:
وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشُلَّت
يروى بالرفع والجر.
وقال آخر:
إني وجدتك يا جرثوم من نفر جرثومة اللؤم لا جرثومة الكرم
وقال آخر:
إنا وجدنا بني جلّان كلهم كساعد الضب لا طول ولا عِظم
وكل شيء من هذا البدل يجوز في المعرفة والنكرة، وهو على مثال حاله في الجر. ويجوز أن يرفع الآخر من كل شيء من هذا، فتقول: مررت برجل أخوك، كأنك قلت: هو أخوك؛ فهو ابتداء، وأخوك خبر الابتداء.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الجوار
الجِوار والجُوار، بالكسر والضم، لغتان، وهو المجاورة والجميع: الأجوار.
قال:
ورسم دار أجْوار
والجيرة والجيران كذلك جماعة.
والجؤار، بالضم والهمز: صوت البقر. جأرت تجأر جؤارًا: وهو رفع صوتها.
والعرب تخفض بالجوار وتنصب. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾. فجرَّه لقرب الجوار وقال، ﷿: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. والعُصوف من صفة الريح، لا من صفة يوم، فجرَّه لقرب الجوار، كما قالوا: جحر ضب خرب، والخراب من صفة الجُحر لا من صفة الضب.
وقال أبو عبدان: العرب، إذا جاؤوا باسم موصوف، وجعلوا بين الاسم والصفة ظرفًا، جعلوا الصفة من صفة الظرف. ويوم: ظرف، وإنما جرّه بفي، ولو لم تكن في، لكان نصبًا؛ لأنه ظرف.
وقال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ﴾. نصبهما جميعًا على إعمال الفعل فيهما، أي: هدى فريقًا، ثم أشرك الآخر في نصب الأول، وإن لم يدخل في معناه.
والعرب تُدخل الآخر المشترك بنصب ما قبله على الجوار، وإن لم يكن في معناه.
وقال امرؤ القيس:
[ ١ / ٢٤٣ ]
كأن أبانًا في أفانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل
فخفض مزملًا على الجوار، ووجهه الرفع لأنه من صفة الكبير لا من صفة البجاد.
والبجاد: كساء من أكسية الأعراب، من وبر الإبل وصوف الغنم مخطط، والجميع: بُجُد.
ومثله:
كأن نسج العنكبوت المرمل
خفض المرمل على الجوار للعنكبوت، وهو في المعنى نعت للنسج.
وأنشد الفراء:
كأنما ضربت قدّام أعينها قُطنًا بمستحصد الأوتار محلوج
فخفض محلوجًا على الجوار لمستحصد، وهو في المعنى نعت للقطن.
[ ١ / ٢٤٤ ]
المنقول
والمنقول: هو ما نُقِل من الكلام عن أصله. وأكثر ما يكون في المعتل.
قالوا: كان اسم الله، تقدَّست أسماؤه، إلاهًا، على فعال، فأدخلوها الألف واللام، فقالوا: الإله. ثم خففوا الهمزة وأدغموا اللام في اللام، فقالوا: الله، ﷿.
وأصل الإله: ولاه، من: تأله الخلق إليه، أي فقرهم وحاجتهم إليه، كما يقال في وعاء: إِعَاء، وفي وشاح: إِشَاح. ثم تدخل الألف واللام للتعظيم والتعريف، فصار الإله.
وأصل القيُّوم: القيْيوم؛ فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن، جعلتا ياء مشددة. وأما القيَّام فأصله: القيْوَام؛ فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن، جُعلتا ياء مشددة. وأما القيّم فأصله: القَيْوِم؛ فلما اجتمعت الواو والياء، والسابق ساكن، أبدلوا من الواو ياء، وأدغموا فيها الياء التي قبلها، فصارتا ياء مشددة.
والحي، أصله: الحيْو؛ فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق [ساكن]، جعلتا ياء مشددة.
وأصل مهيمن: مؤيمن، فأبدلوا من الهمزة هاء، كما قالوا: أرقْتُ الماء وهرقته، وهياك وإياك.
قال:
يا خال هلا قلت إذ أعطيتني: هياك هياك وحنواء العنق
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال آخر:
فهيَّاك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره
فمن قال: أرقت الماء، قال: أريق إراقةً. ومن قال هرقت الماء، قال: أهريق هراقة. ومنهم من يقدِّر أن الهاء من الفعل، فيزيد عليها ألفًا، فيقول: أهرقت الماء أهريق إهراقة.
وقال زهير في اللغة الأولى:
ينجمها لقوم غرامة ولم يهريقوا بينهم ملء محجم
وأنشد أبو العباس في اللغة الثانية:
فلما دنت إهراقة الماء أمسكت لأعزله عنها، وفي النفس أن أثني
وأصل الحي: حيوة، فردوا إلى الياء. وقال بعضهم: الأصل ياءان، لأنه من: أحييت، فأدغم الياءَ في الياءِ. وأصل ميت: ميوِت مثل: صيقِل، فأدغموا الواو في الياء. وقال قوم: كان أصله: مويت، فأدغمت الواو في الياء ونُقِل، فقيل: ميت. ولغة: يخففون فيقولون: ميت.
قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
[ ١ / ٢٤٦ ]
فجاء باللغتين معًا.
وقال بعض: التخفيف لما مضى، والتثقيل لما يستقبل، واحتج بقول الله، ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. أي: ستموت وسيموتون، والله أعلم.
وأصل الإنسان: إنسيان، يظهر لك في التصغير، تقول: أنيسيان، وتجمع: أناسي، ومرجع المد الذي حذف وهو الياء.
ومن العرب من يقول في إنسان: إيسان، بالياء، ويجمعه: أياسين. وقد جمعوا إنسانًا: أناسية. ومنهم من يجمع الإنسان: أناسين مثل: بستان وبساتين.
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، فقيل: واحدهم إنسي.
والعرب توقع الإنسان على المذكر والمؤنث والواحد والجميع. ومنهم من يقول في المؤنث: إنسانة.
وقال:
إنسانة تسقيك من أسنانها خمرًا حلالًا، مقلتاها عنبه
وأصل آدم: أأدم، فجعلوا الهمزة الساكنة ألفًا لانفتاح ما قبلها.
وأصل الناس: النيس، فصارت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقرأ الكسائي "الناس" بالإمالة. وإنما أمال ليدل على ألف منقلبة من ياء.
وقال ابن الأنباري: الأصل في الناس: النُّوس. وقال سيبويه: أصل الناس: الأناس، فتركوا الهمزة تخفيفًا، وأدغموا اللام في النون.
وأصل الأيام: أيوام، والياء منها مثقلة. ويدلّك على أصل الواو أنك تقول: يوم. وله تمام في حرف الياء من هذا الكتاب إن شاء الله.
وكذلك: سيئة، الياء مثقلة؛ لأن الأصل: سيِّوة، فقلبت الواو ياء، وأُدغمت فيها.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وأصل ديار: ديوار، من: دار يدور، فقلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء فيها.
وصيب، أصله: صيوب، ألا ترى أنك تقول: صاب يصوب؟ فقلبوا الواو ياء وأدغموا الياء فيها، وهو المطر، وجمعه: صياب.
وقولهم: رجل صب، أصله: صبب، فاستثقلوا الجمع بين الباءين المتحركتين، فأسقطوا حركة الباء الأولى، وأدغموها في الثانية.
وأصل القيام: قِوام. وكذلك ضياء، أصله: ضواء؛ لأنه من الضوء.
وأصل خيفة: خوف. فلما كُسر ما قبل الواو انقلبت ياء.
وأصل إياك: إيياك، فاستثقلوا إظهار الياءين، فأدغموا الأولى في الثانية، فثقلت. ومنهم من يقول: أصلها: إيواك، فقلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء فيها. ويقال: إيواك، فقلبوها من الواو ياء لسكونها، وأدغموا الياء، ثم جاؤوا بالألف الأخرى التي بعد الياء ليرتفع بها الصوت. ثم جاؤوا بالكاف للخطاب، فقالوا: إياك. والكاف، في الظاهر، في معنى الخبر؛ لأنها تصير في معنى الإضافة.
وقال قوم: هو في الأصل: إي واك، فحولوا الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء وشددت.
وأصل نستعين: نستعون؛ لأنها في المعاونة. فلما [كسر] ما قبل الواو، انقلبت ياء. ويقال: نستعين، بكسر النون، وإستعين بكسر الألف، وتستعين بكسر التاء. كما يقال: إحبُّ، وتِحِبّ، ونِحِبّ، بكسر الألف والتاء والنون.
وقال:
إحِبُّ لحُبِّها السودان حتى إحبَّ لحبها سود الكلاب
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقرئ على هذه اللغة: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ بكسر التاء والتاء.
ولا يجوز فيه بالياء؛ لأن الياء والكسر أختان.
وأصل جهنم: جهانم، فأدغمت الألف في النون. وقال بعضهم: أصلها: جهينم، فأدغمت الياء في النون. وقال بعضهم: جهننم، فأدغمت النون في النون؛ لأنهم استثقلوها، واللسان يجفو عنها.
وقال ابن دريد: جهنم اسم أعجمي، وكان الأصل جهانم. وسميت جهنم لسعتها وعمقها وغزرها.
وأصل عنتم: عندتم، فقلبت الدال تاء وأدغمت في التاء.
وكذلك أصل ستة: سدته، ألا ترى أنك تقول سدس؟ فذلك يدل على الدال، فقلبت الدال تاء وأدغمت في التاء وقال بعضهم: أصلها سدسة، فثقلوا التاء من ستة، كذلك دليله أنك تقول: أسداس وسديسة، فلزمهم أن يدغموا الدال في السين؛ لأنها من مخرجها حتى تصير ستة؛ لأن الحرف المثل، إذا أدغم، صار مثل ما أدغم فيه. فلما اجتمعت ثلاث سينات، وثقل ذلك عليهم، أبدلوا مكان السين تاء ثقيلة، فقالوا: ستة. والدليل على أنهم استثقلوا السينات أنهم يقولون: سديسة وأسداس. ولما فصلت الياء والألف من الحرفين لم يستثقلوا.
وقال ابن شبيب: كرهوا أن يجمعوا بين الدال والسين، فأدخلوا الياء، كما أدخلوها في مدَّكر، وإنما هو مدتكر. فلما حقروا قالوا: سديسة، فردوه إلى اصله؛ لأن الياء قد دخلت حاجزة بين الدال والسين.
كقولك: طست، وإنما هو طسس، فعافوا اجتماع حرفين مثلين من جنس
[ ١ / ٢٤٩ ]
واحد، فأتوا بالتاء التي هي عوض من السين التي هي لام الفعل. فلما حقروه قالوا: طسيسة، فردوها إلى أصلها للحاجز الذي دخل بين السينين.
وأصل اللهم: اللهمم، ميمان، فاستثقلوا إظهار الميم الأولى، فأدغموها في الثانية، وثقَّلوها للإدغام، وفتحوها؛ لأنها شبيهة بنون الجمع. ولم يقدروا لها على حركة إلا بالنصب؛ لأنه قبح الرفع والخفض. وحسن النصب لأنه أخف الحركات عليهم.
وأصل كنا: كننا، نون الكون ونون الاسم؛ فإذا التقى حرفان من جنس، والأول ساكن، أدغم في الثاني.
وأصل أنا: آنا، وهكذا هو في الخط؛ إلا أن العرب تحذف هذه الألف لأنهم يكرهون أن يجعلوا فتحة بين ألفين، فيحذفون الألف الثانية في الاتصال، ويثبتونها في الوقف، وهي لغة قريش وتميم وغطفان وعبد القيس.
وأماطيئ وغيرهم من العرب، فإنهم يثبتونها في الوصل.
قال الكسائي: سمعت أعرابيًا فصيحًا يقول:
أنا شيخ العشيرة فاعرفوني
فأثبت الألف.
وأصل يا أبت: يآب، فوجدوا الكلام ضعيفًا ناقصًا، ولا يكون اسم أقل من ثلاثة أحرف، فأدخلوا هاء لتمامه، إلا أنها تكتب تاء، والإعراب الهاء. والتاء لغة قريش كما كتبوا التابوه: تابوت.
وأصل القول: قول، والبيع: بيع. وقال بعض: الأصل فيهما: قول وبيع، فصارت الواو والياء ألفين لتحركهما وانفتاح ما قبلهما.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وبعض يقول في قيل: قُيِلَ، وسيق: سيق: وحيل: حُيِل.
وقرأ بعضهم بذلك. وكان الأصل في قيل: قول، فكرهوا أن يجمعوا بين ضمة وواو، فألقوا الضمة من القاف فسكنت، ولم يستقم لهم أن يبتدئوا بساكن، فسكنوا، علاج الكسرة التي في الواو، فألقوها على القاف الساكنة، فانكسرت القاف، ثم قلبوا الواو ياء لانكسار ما قبله فقالوا: قيل. والذي قرأ بضم القاف، فإنه أقر الضمة التي كانت في الأصل أولًا، ثم استثقل ضمة وواوًا مكسورة، فقلبها ياء؛ لأن الياء أخف من الواو.
وأصل يَقُول: يَقْوُل: ويَقُومُ: يَقْوُم، ويبيع: يبيعُ، ويسير: يسْيِرُ، على مثال: يعبد ويضرب.
وأصل خاف: خوف، ونام: نَوَمَ. وأصل يخاف: يَخْوُف، وينام: ينْوُم. وأصل الدائم منه: قاوُل وخاوُف وناوُم.
وكان أصل الأسماء الممدودة أن يقال: الكساو، والفضاي، ورأيت الكساو والفضاي. ونظرت إلى الكساي والفضاي؛ فهمزوا ذلك؛ لأن الهمزة أقرب الأشياء من الياء والواو والألف.
وأصل لم يزدد: لم يزتود، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم سقطت لسكونها وسكون الدال، وأبدلوا من التاء دالًا لقربها منها. وقيل: أصلها: يزتد. فأبدلوا من الياء دالًا لأنها أشبه بالزاي، وأسكنوا الدال الثانية للجزم، وجعلوا الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم أسقطوا الياء لسكونها وسكون الدال الثانية.
وأصل زاد: زَيَدَ. وأصل خفت: خوفْتُ. وأصل المستقيم: المستَقْوم. وأصل يزن:
[ ١ / ٢٥١ ]
يوزِن. ويصل: يوْصِل. ويَعِد: يوْعِد. وأصل ميعاد: مِوْعَا. وميراث: مِوْرَاث. وميقات: مِوقات. وميزان: مِوزان وميتة: مِوتة. فلما وقعت الواو ساكنة، وقبلها كسرة، قلبت ياء، فإذا ذهبت الكسرة، ردت الواو، فقيل: موازين، ومواقيت، ومواريث، ومواعيد.
وأصل جيد: جيود. وأصل أحد: وَحَد، أي واحد؛ انقلبت الواو ألفًا.
وليس في كلام العرب واو قلبت همزة، وهي مفتوحة إلا حرفان: أحد، وقولهم: امرأة أناة، أي رزان؛ لأن الواو إنما تستثقل عليها الكسرة والضمة، فأما الفتحة فلا تستثقل. وهذان الحرفان شاذان. وزاد ابن دريد حرفًا ثالثًا، قال: إن المال إذا زكا ذهبت أبالته، أي: وبالته.
وزاد محمد بن القاسم رابعًا: إليا معرفًا. والأصل: ولى، من: أولاه معروفًا. فإن جمعت بين واوين قلبتها همزة؛ كراهة لاجتماع واوين.
وأصل قويت: قووت، فكرهوا الجمع بين واوين.
وأصل كلا: كلْوَى، وهي منقلبة من واو.
وأصل يد: يدي؛ لأنها أيدي.
وأصل فم: فُوه؛ ودليل ذلك قولهم: أفواه، وفُوَيْه، إذا صغَّروه. غير أنهم أبدلوا مكان الواو ميمًا، وحذفوا الهاء، فقالوا: فم، فصار مثل يدودم.
وأصل من: منا. قال الشاعر:
منا موت يعقوب بكيت فما الذي تبقي المنايا من جميع الخلائق؟
ففتح على الأصل.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال آخر:
منا أن ذر قرن الشمس [حتى]
فحذفوا الألف من منا، كما حذفوا الياء من يد.
وأصل عن: عني مثل: عصي، فكسروا النون من عن على الأصل. وفتحوا النون من منا مثل قفا.
وأصل خُذ: أوخذ. وكُلْ: أُوُكل. ومر: أومر؛ فحذفوا الهمزة؛ لأنه كان يلزمهم أن يقولوا: أأمر، أأخذ، أأكل؛ فيجتمع همزتان: همزة من الأصل، وهمزة ألف الوصل. فلما ثقل اجتماع الهمزتين عليهم، حذفوا الهمزة الأصلية، وهي الثانية، وسقطت ألف الوصل؛ لأنها إنما دخلت لسكون الهمزة [الثانية، فلما] سقطت الهمزة، استغنوا ن الألف، كما قالوا: زن، عد، فحذفوا ألف الأمر لذهاب الواو من: عد، وصل؛ وهو من: الوصل والوزن والوعد.
ومن العرب من يُتم هذا فيقول: أأكل، أأمر، أأخذ. وقد قال الله، ﷿: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ على هذه اللغة.
وأصل دينار: دنار. وأصل ديوان: دِوّان؛ يدلك على ذلك: مدنَّر ومدوَّن، ودنينير ودويوين. فلما كان أصله دنار ودوان، استثقلوا اللفظ بالواو المثقلة والنون؛ فأبدلوا مكان الواو المدغمة ياء، فصارت ديوانًا ودينارًا؛ فالنون والياء والواو والياء غير مدغمة أخف عليهم من الواوين الثقيلتين. فلما جمعوا وصغَّروا فقالوا: دواوين ودويوين، ففصلوا بين الواوين والنون بالألف والياء، لم يبدلوا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وأصل أخ: أخُو. وأصل أب: أبو؛ من الأخوة والأبوة. غير أن العرب استثقلت هذه الواو، ولم يأمنوا أن تنقلب ألفًا لانفتاح ما قبلها، فتصير أخا وأبا، كما قالوا: قفا وعصا، فحذفوا الواو والياء مع الإعراب؛ ألا ترى أنهم قالوا: أدل لجماعة الدّلو، فقلبوا الواو ياء. أو قالوا: هذا قاض، فحذفوا الياء مع التنوين.
فلما ثنوا وأمنوا الإعراب، ردوا الواو، فقالوا: أخوان وأبوان؛ لأن الإعراب قد صار في الألف والياء في أخوين وأبوين.
وأما قولهم: أخت وبنت، وقالوا: أختان وبنتان، فلم يردوا الواو فيقولوا: أختوان وبنتوان، وأخوتان، وبنوان، وهو أيضًا من الأخوة والبنوة؛ لأن أختًا وبنتًا قد زادوا فيهما هذه التاء، وبنوهما بناء آخر، فلم يكونوا ليردوا ما حذفوا، وقد بنوا لهما بناءً آخر على حيالهما.
وأصل ليّك: لويك. فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن، جعلتا ياء مشددة. كما قال الله، ﷿: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، وأصله: مقضوي، فلما اجتمعت الياء والواو، فكان مثل ما تقدم.
وكذلك: كويته كيًا، ولويته ليًا.
وأصل مطية: مطيوة.
وأصل طلَّ يطلُّ: طلل يطلُلُّ، فكرهوا أن يجمعوا بين حرفين من جنس واحد؛ فاستثقلوا حركة الحرف الأول وأدغموه في الثاني، كما قالوا: ضم يضم، والأصل: ضمم يضمُمُ، فأسقطوا حركة الميم الأولى وأدغموها في الثانية كما ذكرنا.
وأصل مهما: ماما، فاستثقلوا أن يقولوا: ماما؛ لاستواء اللفظين؛ فحذفوا الألف منها، وجعلوا الهاء خلفًا منها، ثم وصلت بها فدلت على المعنى.
وأصل المنارة: منورة، فألقيت فتحة الواو على النون، فصارت الواو ألفًا لانفتاح
[ ١ / ٢٥٤ ]
ما قبلها. ووزن المنارة من الفعل: مفعلة [من النور]. وجمع المنارة، على القلة: منارات، وعلى الكثرة: مناور. [قالوا: منائر]، بالهمز والياء، لغتان شاذتان لا يقاس عليهما.
وأصل التليد: الوليد. وأصل التالد: الوالد، فأبدلت التاء من الواو. وكما قالوا: ميزان، وأصله: موزان وقالوا: التراث، وأصله: الوُراث. وتُجاهي، أصلها: وجاهي.
وأصل يريق: يروق، فأبدلوا من الهمزة هاء، فصار يهروق، فاستثقلوا الكسرة في الواو، فألقوها على الراء، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وأصل أرقت الماء: أريقت الماء، فألقيت فتحة الياء على الراء، وصارت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، ثم سقطت؛ لسكونها وسكون القاف.
وأصل حيث: حوث، فتقلب من الواو إلى الياء، وجعلت ضمة الثاء خلفًا من الواو.
وأصل شاكي: شائك، فقلب كما قالوا: جرف هار، وأصله: هائر.
قال الشاعر:
فلو أني رميتك من قريب لعاقك عن دعاء الحي عاق
أراد: عائق.
وأصل غد: غدوٌ، فحذفت الواو، وعريت الدال.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قال لبيد:
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها، يوم حلوها، وغدوًا بلاقع
وقال ابن أحمر:
أغدوًا واعد الحي الزيالا وشوقًا، لا يبالي الحي بالا
وأصل مسومة: موسمة لأنها من: وسمت الشيء، إذا علمته، فنقلت الواو من موضع الفاء إلى موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وأيطبه.
وأصل الميسم: المِوْسَم، وهو الحُسن. فلما سكنت الواو، وانكسر ما قبلها، صارت ياء، كما قالوا: ميثاق، وأصله: مِوْثاق؛ لأنه مفعال من وثقت، ودليل هذا أنهم يقولون في جمعه: مواثيق.
وأصل حياك الله: أحياك الله، بمنزلة: كرّمك وأكرمك.
وأصل جوان: جواني، فاستثقلت الضمة في الياء فأسقطت، وأسقطت الياء لسكونها.
وأصل دار: دور، على مثال حجر، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وديار، في الجمع، بمنزلة: عبْد وعباد، وبحر وبِحار. ويقال في جمع الدار أيضًا: دور وأدؤر. والأصل في أدؤر: أدور؛ فلما انضمت الواو همزت.
وأصل الخليّ: الخلْيو؛ فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن، أبدل من الواو ياء، وأدغمت الياء الأولى فيهما فصارتا ياء مشددة. كذلك حكم الواو إذا سبقت
[ ١ / ٢٥٦ ]
الياء والواو ساكنة.
وأصل الموالي: المواليُ، فاستثقلت الضمة في الياء فأسقطت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون التنوين.
وأصل جالت: جالوتْ، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وسقطت لسكونها وسكون التاء، وكسرت التاء لسكونها وسكون اللام.
وأصل تأتا له: تأتوي له، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ومعنى تأتا: أي أصلح. وقال بعضهم: تأتا، معناه: تسوَّس.
وأصل ناج: ناجيُ، وعماد: عمادي، وناع: ناعِيُ، فاستثقلوا الضمة في الياء وحذفوها، وبقيت الياء ساكنة والتنوين ساكن، فحذفوا الياء لاجتماع الساكنين.
وكذلك استثقلوا الكسرة في الياء فحذفوها، فبقيت الياء ساكنة، والتنوين ساكن، فأسقطوها لسكونها وسكون التنوين. وإنما استثقلوا الضمة والكسرة في الياء؛ لأن الضمة والكسرة إعراب، والياء إعراب، فكرهوا أن يدخلوا إعرابًا في إعراب.
والعرب تستثقل الضمة والكسرة في المكسور ما قبلهما، ولا يستثقلون الفتحة فيهما. والعلة في هذا أن الضمة والكسرة تخرجان بتكلف شديد، والفتحة تخرج مع النفس بلا مؤونة.
وأصل حبذا: حبَّ وذا، فجعلوهما واحدًا. وقيل: الأصل: حبب ذا، ثم أدغموا الباء الأولى في الثانية، فقالوا: حبذا، ثم رفعوا بها.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وأصل الطست: طس. ولكنهم كرهوا تثقيل السين، فخففوها وأسكنت، وظهرت التاء في موضع هاء التأنيث لسكون ما قبلها. وكذلك تظهر في كل موضع يسكن ما قبلها غير ألف الفتح. والجمع: الطساس. والطساسة: حرفة الطساس. ومن العرب من يتم الطسّة، فيثقل السين ويظهر الهاء.
وأصل أعاد: أعود. وأقال: أقيل؛ لأنك تقول: يقيل ويعيد. فلما ذهب الواو، وجاءت ألف ساكنة، وذهبت الحركة، وضعوا هاءً آخر المصدر، فقالوا: يقيل إقالة، ويعيد إعادة، فصارت عوضًا من ذهاب الحركة التي كانت في الواو والياء في أفعل، ألا ترى أنك إذا لم يكن في الفعل واو ولا ياء لم يدخلوا الهاء، فيقولون: أرسل إرسالًا، وآمن إيمانًا إذا لم يكن في أرسل واو ولا ياء، لم يدخلوا الهاء على المصدر.
وأصل عِدَة: وِعْدَة، وصِلَة: وِصْلَة، وزِنَة: وزنة؛ لأنه من: وعدت، ووصلت، ووزنت، فقالوا عدة، وصلة، وزنة؛ لأنهم لما قالوا: يعد، ويصل، ويزن، فحذفوا الواو منه في يفعل، وكان وجهه: يوصل، ويوزن، ويوعد، حذفوا الواو أيضًا من المصدر؛ ليكون المصدر فيما يحذف منه بمنزلة يفعل فيما حذف منه.
وأصل عدي: أوْعَدِيّ، وأصل عمي: أوعمي، فحذف الواو من الأمر بناءً على حذفها من المستقبل، وهو: يعِدُ ويعِمُ، وأصله: يوعِد ويوعِم؛ فحذفت الواو لوقوعها بين الكسرة والياء.
وأصل دُعي: دُعُو، فصارت الواو ياءً. وأصل ادعوا: ادعُوَنْ، فحذف النون علامة للجزم، والواو ضمير الجمع، وكان الأصل: ادعوو؛ فالواو، التي هي لام الفعل، ساكنة، والواو، التي هي للضمير، ساكنة فعافوا اجتماع ساكنين، واجتماع حرفين مثلين في المعتل؛ لأن جنس هذا الفعل معتل اللام، وربما أخرجوه على الأصل.
قال الشاعر:
[ ١ / ٢٥٨ ]
من البرامكة الذين من الندى خلقوا وإن دعووا إليه أجابوا
فأتى به على الأصل مع اعتلاله.
وقال حاتم:
وداع دعاني دعوةً فأجبته وهل يدعووا الداعين إلا المبلد؟
فأتى به على الأصل.
وقال آخر:
فأنت خلصاني دون العمي أدعوو من أجلك لا أسمي
فأتى به على الأصل.
وأصل اقضوا: اقضيوا، فعافوا اجتماع الساكنين: الياء وواو الضمير.
وأصل إيجل: إوْجَل، فقلبوا الواو ياء لانكسار ما قبلها. ونقول: أيجل ثم أوجل، ردوه إلى أصله لانفتاح ما قبله.
وأصل الريح: ريُوح، فأسقطوا الواو وقالوا: ريح. وقد تجمع أرواحًا على الأصل، ورياحًا على القلب.
قال الصمة بن عبد الله القشيري:
وكانت رياح تحمل الحاج بيننا فقد عميت أرواح ريا وصمَّت
فجاء باللغتين جميعًا.
وقال زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى، وغيَّرها الأرواح والديم
[ ١ / ٢٥٩ ]
فجمعها على الأصل.
والحاج: جمع حاجة، مثل: ساع جمع ساعة.
وأصل الولي: الوالي، فأدغم الألف في الياء. وقال بعضهم: طرح الألف وثقل الياء عوضًا منها.
كذلك عصي وعلي، فهما عاص وعال، فطرحوا الألف منهما، وثقلوا الياء عوضًا.
وأصل أوَّه: أوْه؛ فالاختيار أن يكون الأصل: أوه.
قال الشاعر:
فأوه من الذكرى، إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماء
وأصل رويد: أرود.
وأصل ليال: ليالي، والاختيار أن يكون الأصل: ليالي، بالفتح؛ لأنه لا ينصرف، فاستثقلوا الكسرة على الياء فحركوها، وعوضوا التنوين مما حذفوا.
وأصل أي: أوي، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن، أبدلوا من الواو ياء وأدغموها في الياء التي بعدها.
وأصل أدل، جمع دَلْو: أدلو.
وأصل ألح، جمع لِحَى: ألْحُوٌ. فنقلوهما إلى الياء لما وصفتا.
وأصل مصوغ: مصووغ، من صاغ يصوغ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأصل تقوى: وقيا، والتاء في أولها مبدلة من واو، والواو مبدلة من ياء.
وأصل مغزو: مغزوو.
وأصل حي: حيي.
وأصل بيع: بُيعَ، فنقلوا حركة العين إلى الياء.
وكذلك ذوات الياء والواو، هذه سبيلها نحو: كيل الطعام. و﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وأصل التراث: وراث؛ لأنه من: ورثت، فأبدلوا الواو تاء، كما قالوا: التخمة والأصل: الوخمة.
وأصل مال: مَوِل، فقلبوا الواو ألفًا لانفتاح ما قبلها وتحركها. ويقال: رجل مال: إذا كثر ماله.
وأصل الملك: ملأك، بالهمز. قال:
فلست لإنسي ولكن لملأك تنزَّل من جو السماء يصوب
وأصل آمن: أأمن، فاستثقلوا الجمع بين همزتين في أول الكلمة.
وأصل مرضية: مرضوة، فقلبوا من الواو ياء لأنها أخف.
قال الجرمي: هذا مما قلبت العرب فيه الواو ياء بغير علة.
[ ١ / ٢٦١ ]
ومثله قول عبد يغوث:
وقد علمت عرسي مليكة أنني أنا الليث معدوًا علي وعاديا
ومن العرب من يقول: مرضوة على الأصل.
وأصل رضيت: رضوت، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
والعرب تقول: أرض مسنية، والأصل: مسنوَّة، وهي التي سقيت بالسانية: وهو الناضح الذي يستقى عليه. والجمع: السواني، والذكر والأنثى فيه سواء.
وأصل يلد: يَوْلِد، ويعد: يَوعِد؛ فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة.
وأصل تواصوا: تواصيوا، فسقطت الياء لسكونها وسكون الواو.
وأصل يرى: يرأى. ومن العرب من يأتي به على الأصل.
قال الشاعر:
أري عينيَّ ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات
وفي ﴿أَرَأَيْتُ﴾ أربع لغات: أرأيت، على الأصل بالهمز. وأرايت بتليين الهمزة، وأريت بحذف الهمزة تخفيفًا، وهي قراءة الكسائي، وينشد:
أريت إن جئت به أملودا مرجلًا ويلبس البرودا
[ ١ / ٢٦٢ ]
أقائلن أحضروا الشهودا؟ كاللذ تزبى زبية فاصطيدا
الأملود: اللين. كاللذ، يريد: الذي.
والقراءة الرابعة: أرايتك، وهي قراءة ابن مسعود. والعرب تقول: رأى ورآي بالمد.
قال كثير:
وكل حميم رآني فهو قائل: من أجلك هذا هالك اليوم أو غد
ويروى: هذا هامة.
ونقول: الرجل يراك، وأصله: يرأيك، فصارت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح الهمزة، ثم ألقيت فتحة الهمزة على الراء، واستثقلت الهمزة. وكذلك: لن يراك، الأصل: لن يرأيك. ونقول: لم يرك، ولم يراك؛ فمن قال: لم يرك، قال: أسقطت الألف المنقلبة من الياء للجزم، وبقيت الألف المبدلة من الهمز.
وأصل طاح: طوِحَ. وأصل يطيح: يطوِحُ، مثل حسب يحسب.
وأصل يتمطى: يتمطَّط. ومعنى تمطّى: تبختر.
وفي الحديث: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، كان بأسهم بينهم".
قال الشاعر:
تقضي البازي إذا البازي كسر
أراد: تقضض.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وأصل شاء: شيأ، فجعلوا الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وكذلك أصل الماء: الموه، فجعلوا الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: ماه، ثم أبدلوا من الهاء همزة، لقرب مخرجها منها؛ وذلك أن أقصى مخارج الحلق الهاء والهمزة، فصار ماء.
وأصل شتان: شتت، وفتحة النون هي فتحة التاء.
وأصل كنت: كونت. وأصل كُدْتُ: كُوُنْتُ. وأصل كُدْتُ: كُيِدْتُ؛ فأنقص من كنت واو، ومن كدت ياء.
وأصل طغوا: طغيوا، فحذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع.
وأصل آوى: أأوى، فاستثقلوا الجمع بين همزتين، فلينوا الثانية: اوى، فهو مؤو، والمفعول: مؤوي.
وأصل يجد: يوجد، فسقطت الواو لوقوعها بين فتحة وكسرة.
وأصل قيمة: قيومة، فقلبوا الواو ياء وأدغموها في الياء، فالتشديد من خلل ذلك.
وأصل أوتوا: أأوتوا، فصارت الهمزة الثانية واوًا لانضمام ما قبلها.
وأصل يقيموا: يُقْوِمُوا، فنقلوا كسرة الواو إلى القاف، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وأصل فتى: فتي، ورأيت فتيًا، ومررت بفتي.
وكذلك أصل عصًا: عصوٌ وعصوًا وعصوٍ، فصارت الواو والياء ألفين، لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، وسقطت الألف لسكونها وسكون التنوين.
وأصل البرية: البريئة، فتركوا الهمزة تخفيفًا، وهو من: برا الخلق، وهو البارئ
[ ١ / ٢٦٤ ]
المصور.
عن أنس قال: "جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه، فقال: يا خير البرية. قال: ذاك إبراهيم خليل الرحمن". وإنما قاله تواضعًا، صلى الله عليهما.
قال العجير [يمدح نافع] بن علقمة:
يا نافعًا، يا أكرم البريه والله لا أكذبك العشيه
إنا لقينا سنة قسيه ثم مطرنا مطرة رويه
فنبت البقل ولا رعيه فانظر بنا القرابة العليه
والقرب مما ولدت طفيه
فأمر له بألف شاة.
وقال آخرون: من ترك الهمز من البرية أخذه من البرا وهو التراب.
وأصل يؤتون: يؤتيون، فذهبت الياء لالتقاء الساكنين.
وأصل رضي: رضيو، فقلبوا من الواو ياء لانكسار ما قبلها. وأصل رضوا: رضيوا، فحذفوا الياء لسكونها وسكون واو الجمع بعد أن أزالوا ضمها.
وأصل آمنوا: أأمنوا. الهمزة الأولى تسمى ألف القطع، والثانية: سنخية.
وأصل تطلع: تطيلع؛ فتاء الافتعال، إذا أنثت بعد صاد أو ضاد أو طاء أو ظاء، تحولت طاء، ثم أدغموا الطاء في الطاء، فالتشديد من خلل ذلك.
ومظلَّم، من الظُّلم، مفتعل، أصله: مظتلم، فأبدلوا من التاء طاء، ومن الظاء الطاء،
[ ١ / ٢٦٥ ]
فأدغموها في الطاء التي بعدها. ومنهم من يغلب الظاء فيقول: مظلم.
قال زهير:
هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
وأصل قنا: إوقينا، ذهبت الياء للجزم، والواو لوقوعها بين الكسرتين، فبقيت قاف واحدة.
وأصل ترميهم: ترميُهم، فاستثقلوا الضمة على الياء فخزلوها.
وأصل الشتاء: الشتاو؛ لأنه من: شتا يشتو. فلما تطرفت قبل الواو ألف، قلبوا من الواو همزة. وجمع الشتاء: أشتية، كرداء وأردية.
وأصل ساهون: ساهيون؛ لأنها على وزن فاعلون، من: سهَا يسهو سهوًا، فهو ساه؛ فاستثقلوا الضمة على الياء وقبلها كسرة فخزلوها، ثم حذفوها لسكونها وسكون الواو. ويقال: سها يسهو سهوًا.
قال:
أترغب عن وصية من عليه صلاة الله تقرَن بالسلام؟
أما تخشى السهو فتتقيه أم أنت مبرأ من كل ذام؟
الذام: الذم.
وأصل إنا: إننا، فلما اجتمع ثلاث نونات، حذفت واحدة اختصارًا.
وأصل جاء: جيأ، فصارت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ومدّت الألف تمكينًا للهمزة عند الكتابة بألف واحدة؛ لأنه حين اجتمع ألفان اجتزأوا بواحدة، وإذا اجتمع ثلاث ألفات اجتزأوا باثنتين. والمصدر: جاء يجيء جيأ ومجيئًا، فهو جائي، والأصل جائئ، فاستثقلوا الجمع بين الهمزتين، فلينوا الثانية، فصارت ياء لانكسار ما قبلها، وحذفوها لسكونها وسكون التنوين، فصارت جاء مثل قاض ورام.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأصل تكأة: وكأة. وأصل كِلتا: كِلْوا، والتاء بدل من الواو.
وأصل عدان: عِتْدان، فاستثقلوا التاء عند ظهورها مع الدال، ولاسيما إذا كانت ساكنة، فأدغمت التاء في الدال. وإنهم ليدغمونها إذا كانت متحركة. يقولون: هذه ثلاثة دراهم، تدغم الهاء المبدلة من الدال لتشابهها، فإذا سكنت التاء دخلت في الدال.
وأنكر آخرون ذلك، واحتجوا بقول الله، ﷿: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. وقالوا: إن أعد من تأليف عين ودال.
[وأنشد]:
أعددت للحرب صارمًا ذكرا مجرب الوقع غير ذي عتب
أي: غير ذي التواء عند الضريبة ولا نبوة.
وأصل مدعو: مدعوو. وأصل مرجو: مرجوو. كما نقول: مضروب.
وأصل مرمي: مرموي.
وأصل مقضي: مقضوي.
وأصل مطوي: مطووي.
فلما سكنت الواو وبعدها ياء، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء بعدها، حتى صارت ياء ثقيلة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وكذلك كل ما أدغمت حرفًا في حرف وصار مثله وثقلته.
وكذلك أصل قضى: قضوي، ورمى: رموي، وطوى: طووي، كما تقول: ضرب. فقلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها، فصارت ياء ثقيلة.
وأصل مقول: مقوول. ومجود: مجوود. ومعود: معوود. فلما تحركت الواو بالضمة، وبعدها ساكن، ولم تقدر أن تسكنها، فتجمع بين حرفين ساكنين، حذفتها، فتبقى: مقول ومجود ومعود. نقول: هذا قول مقول. وهذا مال مجود به. وهذا معود في مرضه.
وأصل يَلِدُ: يَوْلِد؛ فلما جاءت الواو بين ياء وكسرة، حولوها. فإن جاءت الواو بين ياء وفتحة، أو بين ياء وضمة، لم تحذف. مثل: يوطؤ ويوضؤ، ويوجل، ويوحل.
فإن قيل: لِمَ لَمْ تسقط الواو من: يوعد، ويوزع، وقد حلت بين ياء وكسرة؟ فقل: إن هذه الواو مدة لا واوًا صحيحة؛ لأن الواو، إذا سكنت وانضم ما قبلها تصير مدة، فصارت بمدة الألف في واعد.
وأصل موسر: ميسر. وموقن: ميقن؛ فصارت الياء واوًا لانضمام ما قبلها.
وأصل غازين: غازيون. وقاضون: قاضيون. فلما انضمت الياء وبعدها واو ساكنة، لم تقدر على إسكانها، فتجتمع بين ساكنين، ولا على تحريكها، حذفتها.
وأصل يزدد: يزود.
وأصل يكيل: يكتول، فأعلّوا الواو.
ومفتعل من الذخر أصله: مذتخر، ومنهم من يقول: مذّخر.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأصل مضطجع: مضتجع.
وأصل يتزن: يوتزن. وكذلك: يتعد: يوتعد. ويتثق: يوتثق.
وأصل دابة: داببة، ودواب: دوابب، فأسكنوا الأولى وأدغموها في الباء التي بعدها.
وأصل أعوذ: أعوُذ، فاستثقلوا الضمة على الواو، فنقلت إلى العين، فصارت أعوذ.
وكذلك: أقول، أصلها: أقول. وأزول، أصلها: أزول. وما أشبهه هذه علته.
وأصل الرجيم: المرجوم، صرف مفعول إلى فعيل، لأن الياء أخف من الواو.
وكما قيل: كف خضيب، والأصل: مخضوبة، ولحية دهين، والأصل: مدهونة.
وصريع وجريح وقتيل، كل هذا أصله الواو؛ لأنه مفعول. والعرب تضع "فعيل" أيضًا في موضع "مُفْعِل". قال الله تعالى: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي مُبصر.
وقال عمرو بن معدي كرب:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
أي: المسمع.
ومثله: بديع، أي: مبدع. وأليم، أي: مؤلم.
وأصل لكنا: لكن أنا، فحذفوا الهمزة اختصارًا، وأدغموا النون في النون.
قال:
[ ١ / ٢٦٩ ]
وترمينني بالطرف، أي أنت مذنب وتقلينني، لكن إياك لا أقلي
أراد: ولكن أنا، يخاطب امرأة.
وأنشد:
ولكنني من حبها لعميد
وقال: لولا أن معناه: ولكن إنني، لما أدخل الشاعر اللام؛ لأن اللام لا تكون جوابًا للكن، وإنما هي جواب لإن.
وأصل جزاء: جزاي، فأبدلوا من الياء همزة، وأبدلوا من التنوين ألفًا، فاجتمع ثلاث ألفات: الأولى مجهورة، والثانية مبدلة من الياء، والثالثة مبدلة من التنوين.
وأصل الماء: موه، فأبدلوا من الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأبدلوا من الهاء همزة لقرب مخرجها منها، ولأن الهمزة أجهر من الهاء، وأبدلوا من التنوين ألفًا؛ ففيه ثلاث ألفات. والدليل على أن أصل الهمزة في الماء هاء، أن العرب تقول في جمعه: أمواه. ومنهم من يقول في الوقف على الماء؛ ماي وكذلك في: دعاء: دعاي، وفي ندى: نداي.
قال:
غداة تسايلت من كل أوب كنانة عاقدين لهم لوايا
وقال آخر:
[ ١ / ٢٧٠ ]
إذا ما الشيخ صمَّ فلم يكلَّم ولم يك سمعه إلا ندايا
وأصل أستطيع: أستطوِع، فاستثقلوا الكسرة في الواو فنقلوها إلى الطاء، فصارت الواو ياء، لانكسار ما قبلها. وحذفوا التاء من: تستطيع كما حذفوها من استطاع.
وقال الحطيئة:
والشعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه
وأصل الآن: الأوان.
وأصل العذارى: العذاري.
وأصل الأمر [من رأى: ارأ]، والفعل ثلاثة أحرف، فصار على حرف واحد؛ لأن الهمزة سقطت تخفيفًا، والألف للجزم، فبقي الأمر على حرف واحد [هو] ر].
ومثله قول العرب: ع كلامي: وش ثوبك. وقِ زيدًا. ولِ الأمر. وفِ بالوعد. وأصله من: وفى يفي. ووعى يعي. ووشى يشي، وولي يلي. فذهبت الياء للجزم والواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فبقي الأمر على حرف.
قال الله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ والأصل: إِوقينا، ذهبت الياء للجزم، والواو لوقوعها بين الكسرتين، وبقيت قاف واحدة، فنقول: قِ يا رجل، وقيا للاثنين، وقُوا للجماعة. قال الله، ﷿: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾.
[ ١ / ٢٧١ ]
وكذلك نقول: ر يا زيد، ورَيا للاثنين، وروا للجماعة، ورَيْ يا هند، ورَيا مثل المذكَّرين، ورين يا نسوة.
إذا وقفت على كل ذلك قلت: عِهْ وقِهْ، بالهاء لا غير.
وأصل ترميهم: ترميهم.
وأصل مِيْسَم: مِوْسَم. وأصل سيما: وسمى، فحولت الواو من موضع الفاء، فوضعت في موضع العين، فصار سَوْمَى، وجُعلت الواو لسكونها وانكسار ما قبلها، فقيل: سيما. ويقولون: سيمياء أيضًا.
قال ابن عنقاء الفزاري:
غلام رماه الله بالحسن مقبلًا له سيمياء لا تشق على البصر
فزاد على السيما ألفًا ممدودة. ومعنى الحرف في مده كمعناه في قصره.
وأصل هلم: أم يا رجل، أي: اقصد، فضموا هل إلى أمَّ، وجعلوهما حرفًا واحدًا، وأزالوا أم عن التصرف، وحوّلوا ضمة همزة أم إلى اللام، وأسقطوا الهمزة، فاتصلت الميم باللام. وهذا مذهب الفراء.
وأصل درِّي: درُّو على مثال: سبوح قدّوس. فجعلوا الواو ياء، والضمة التي قبلها كسرة، فقالوا: دُرِّيّ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ومثله من كلام العرب: عتا عُتُوًا وعتيًا.
وخطيَّة: تُجمع بالهمزة وغير الهمز؛ فمن همزها قال: خطيئات. ومن لم يهمز قال: خطايا. قال بعض: بُني هذا الجمع على ترك الهمز من خطيئة، وأجريت خطيئة مجرى قولهم: مطية ومطايا، وهدية وهدايا، وحشية وحشايا.
وقال آخرون: الأصل فيه: خطيئة وخطائئ، مثل: قبيلة وقبائل، فاستثقلوا الجمع بين همزتين، فأبدلوا من الثانية ياء، ثم سكّنوا الياء، فلزمهم أن يسقطوها، لسكونها وسكون التنوين؛ فكرهوا أن يقولوا: خطاءً فيلتبس بالواحد، كقولك: عطاءً وقضاءً، ففتحوا الهمزة وجعلوا الياء ألفًا كما قالوا: جارية جاراةٌ، وناصية ناصاة؛ فصار خطاءً، فأبدلوا من الهمزة ياء، فصار: خطايا.
وأصل لِمَ: لما، أي: فلأي شيء. فحذفوا الألف ليفرقوا بين "ما" في الاستفهام، وبين "ما" التي بمعنى الذي؛ كقولك: فعلت ذلك لما تُحب. وقد أثبت بعضهم الألف على الأصل.
قال بعض الأنصار:
إنا قتلنا بقتلانا سراتكم أهل اللواء ففيما يكثر القيل
فإذا أسقطوا الألف بقيت الميم على فتحها.
قال الفراء: وقد كثرت في كلمهم حتى سكنوا الميم تشبيهًا بالأداة. وأنشد:
يا أبا العوام لم خلفتني لهموم طارقات وفكر
[ ١ / ٢٧٣ ]
ونقول: عيي الرجل، وحيي عمرًا طويلًا، فتظهر الياءان على الأصل. وإن شئت أدغمت فقلت: حي وعي لاجتماع حرفين متحركين من جنس واحد. قال الله، ﷿: ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. وتقرأ: ﴿مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ على الأصل.
ويقال: عيّت المرأة وعييت. والرجلان عييا وعيّا. والرجال عيُّو وعيُو.
قال:
عيُّو بأمرهم كما عيَّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من نشم، وآخر من ثمامه
وقال آخر:
وكنا حسبناهم فوارس كهمس حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا
ونقول: الرجل لن يعيى، فنختار إظهار الياءين، كما قال الله، ﷿: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟.
وأصل نحن: نحن، فألقوا ضمة الحاء على النون للإدراج.
[ ١ / ٢٧٤ ]
المعدول
معنى المعدول: أي الممال عن وجهه. نقول: عدلته عن الطريق، وعدلت أنا عن الطريق. والعدل: أن تعدل الشيء عن وجهه فتميله. والعدل أيضًا: مثل الشيء سواء. وإذا أردت أن تقيم شيئًا قلت: عدلته، أي: أقمته حتى اعتدل واستقام.
وعن عمر بن الخطاب، ﵀، أنه قال: "الحمد لله الذي جعلني في قوم، إذا ملت عدلوني، كما يُعْدل السهم في الثقاف".
وتقول: عدلت الدابة إلى مكان كذا. فإذا أردت الاعوجاج نفسه قلت: ينعدل في مكان كذا، أي: يعوج.
وقال ذو الرمة:
وإني لأنحي الطرف من نحو غيرها حياءً، ولو طاوعته لم يعادل
أي: لم ينعدل.
فمن المعدول قولهم في أسماء النساء: هذه رقاش وغلاب، وحذام، وفطام، ولكاع، وفساق.
وأهل الحجاز وناس من بني تميم يكسرون ذلك بغير تنوين على حال، فيقولون: هذه حذام، ورأيت حذام، ومررت بحذام. وإنما كسروه لأنه معدول عن: فاعلة؛ فحذام معدول عن حاذمة، ورقاش عن راقشة، وفطام عن فاطمة، وغلاب عن غالبة، وفساق عن فاسقة، في حال المعرفة والتسمية.
وما كان من هذا في الفعل أو في الصفات فهو مكسور في اللغات كلها، لا
[ ١ / ٢٧٥ ]
يختلف فيه.
وقولك للرجل: تراك ونزال، تعني: اترك، وانزل.
قال الشاعر:
تراكها من إبل تراكها أما ترى الموت لدى أوراكها
وقال زهير:
ولأنت أشجع من أسامة إذ دعيت: نزال، ولج في الذعر
والمعدول ينقسم على أربعة أقسام:
فمنها: ما عدل عن اسم، نحو: حذام وفطام.
قال الشاعر:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
وقال النابغة:
أتاركة تدللها قطام وضنًا بالتحية والسلام؟
ومنها: أن يكون نعتًا غالبًا، نحو قولهم للمرأة: يا فساق، يا خباث، يا لكاع، يا فجار.
قال:
[ ١ / ٢٧٦ ]
أطوف ما أطوف، ثم أوي إلى بيت قعيدته لكاع
وهو ذم، ويقال يقال لها: ملكعانة أيضًا.
قال:
عليك بأمر نفسك يا لكاع فما من كان مرعيًا كراع
ورجل لكيع، وامرأة لكيعة؛ كل ذلك يوصف به الحُمق والموق واللؤم. ويقال: اللكع: العبد.
ومنها: أن يكون معدولًا عن مصدر مؤنث، نحو قول الشاعر:
وذكرت من لبن المحلَّق شربة والخيل تعدو بالصعيد بداد
ومنها: أن يكون في موضع أمر، نحو: حذار ومناع.
قال:
مناعها من إبل مناعها أما ترى الموت لدى أرباعها؟
وقال آخر:
حذار من أرماحنا حذار
وكذلك قالوا: دفار [للريح النتنة. قيل للأمة: يا دفار. ويقال للدنيا: دفرة وأم دفر وأم دفار].
[ ١ / ٢٧٧ ]
والدَّفر: وقوع الدود في الطعام واللحم ونحوهما.
وإنما أجرت العرب هذه الأسماء لما صرفوها إلى فعال؛ لأنهم وجدوا أكثر حالات المؤنث إلى الكسر، كقولك: أنت، عليك.
وقال قوم: إن كل شيء عدل، من هذا الضرب، عن وجهه، حمل على إعراب الأصوات والحكايات من الزجر أو نحوه مجرورًا، كما تقول في زجر البعير: ياه ياه. إنما هو يضاعف "ياه" مرتين.
قال ذو الرمة:
ينادي بيهياه وياه كأنه صويت الرويعي ضل بالليل صاحبه
كذلك قالوا للمنية: حلاق؛ لأنها تحلق كل شيء.
قال مهلهل:
ما أرجي بالعيش بعد ندامى قد أراهم سقوا بكأس حلاق
مثل: حذام وفساق وغيرهما.
وأما رباب وصلاح، فإنه لا يكون جرًا؛ لأنه قد سمي به شيء قبل أن يكون اسمًا للمرأة.
وأما سعاد وشمال، إذا كان اسم امرأة، فلا يكون جرًا؛ لأن أوله غير مفتوح على وزن فعال، وهو غير معدول من فاعلة.
وقال الكسائي: يقال: كويته وقاع، وجاءت الخيل بداد، أي متبددة.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقال الشاعر:
كنا ثمانية وكانوا جحفلًا لجبًا فشلوا بالرماح بداد
أي: متبددين.
وقال أيضًا:
وكنت، إذا منيت بخصم سوء دلفت له فأكويه وقاع
وهي الدارة على الجاعرتين وحيثما كانت، ولا تكون إلا دارة.
وقال الكسائي: سببته سبَّة تكون لزام، وحيدي حياد، وحضار، وفيحي فياح، أي: اتسعي عليهم.
قال:
دفعنا الخيل شائلة عليهم وقلنا بالضحى: فيحي فياح
أي: اتسعي عليهم.
وكذلك: سماع، بمعنى: اسمع.
قال:
ومؤتلك زمع الكلاب يسبني فسماع أستاه الكلاب سماع
[ ١ / ٢٧٩ ]
ونزال: بمعنى انزل.
قال أبو مقروم الضبي:
فدعوا: نزال، فكنت أول نازل ،علام أركبه إذا لم أنزل؟
وقال الأحمر: نزلت بلاء على الكفار، يعني البلاء، يحكيه عن العرب. ونزلت بوار على الناس.
وأنشد:
قتلت، فكان تباغيًا وتظالمًا إن التظالم في الصديق بوار
والشعر لأبي مكعث الأسدي.
وأنشد لعمرو بن معدي كرب:
أطلت فراطهم حتى إذا [ما] قتلت سراتهم كانت: قطاط
وفي الحديث: "يا نعاء العرب"، أي: انعهم.
وقال الأموي: يقال: ركب فلان هجاج، غير مجرى: إذا ركب رأسه.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وأنشد:
وقد ركبوا على لومي هجاج
قال الكميت:
[بهم] لا هَمام لي لا همام
أي: لا أهُمُّ.
ونقول: حَذار حذار، أي: احذر. وعاج، مِن زَجْر الإبل.
قال ابن أحمر:
كأني لم أزجر بعاج نجيبة ولم ألق، عن شحط، خليلًا مصافيًا
ويقال: عاج، بلا تنوين، مخفوضًا. وإن شئت جزمت على توهم الوقوف نقول: عجعجت بالناقة: إذا قلت: عاج.
والعرب تقول للفرد: فرادى، وللاثنين: مثنى، وللثلاثة: ثُلاث، وللأربعة: رباع.
قال الله، ﷿: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾. وقال تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ و﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾، يعني: اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا. وهذا يسمى المعدول.
[ ١ / ٢٨١ ]
الإيهام
الإيهام في المعنى بمنزلة التعريض بالشيء، وهو: التورية عن الشيء بغيره مما يدل على مراد المتكلم؛ كقول الرجل للرجل: إن إنسانًا لقي اليوم من فلان أمرًا عظيمًا، يعني بالإنسان نفسه، وهو يوهم مخاطبه أنه يريد غيره. وهو في معنى التعريض.
وفي الحديث: أن النبي، صلى الله عليه، "كان إذا أراد سفرًا، ورّى عن نفسه بغيره".
وأما في الإعراب: يقول الشاعر:
مشائيم، ليسوا مخلصين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها
فخفض ناعبًا على توهم الباء، أراد: ولا بناعب.
ومثله:
معاوي، إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فنصب الحديد على توهم حذف الباء: فلسنا بالجبال ولا بالحديد.
ومثله:
فكيف بليلة لا نجم فيها ولا قمر لساريها منير
[ ١ / ٢٨٢ ]
فخفض القمر على توهم الباء. يريد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا بليلة قمر.
وهو كثير فاختصرته.
[ ١ / ٢٨٣ ]
التعريض
التعريض بالكلام: هو ما يشبه بعضه بعضًا في المعنى ومنه قول عمر، ﵀: "لكم في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب"، أي سعة.
وقول ابن عباس، ﵀: "ما أحب بمعاريض الكلام حمر النعم". وحمر النعم: هي الحمر من الإبل، وهي أفضل ما يكون منها. وهذه لفظة تقولها العرب في الشيء تجلّه وتعظّمه.
وقد جاء التعريض في القرآن. قال الله، جل ثناؤه. ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ الآية. إنما هو مثل ضربه الله تعالى له، ونبهه على خطيئته، وكنى عن النساء بذكر النعاج، كما كنى عنترة بذكر الشاة عن المرأة، قال:
يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت علي وليتها لم تحرم
يعرض بجارة، يقول: أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك، فأما أنا، فإن حرمة الجوار قد حرمتك علي.
وكما كنى الآخر عن النساء بالقلص، وهو أن رجلًا كتب إلى عمر، ﵁، في مغزى كان فيه، قال:
ألا أبلغ أبا حفص رسولًا فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا، هداك الله، إنا شغلنا عنكم زمن الحصار
فما قلص وجدن معقَّلات قفا سلع، بمختلف النجار
[ ١ / ٢٨٤ ]
يعقلهن جعد شيظمي وبئس معقل الذود الظؤار
وإنما كنى بالقلص، وهن النوق، عن النساء، عرّض برجل يقال له جعد كان يخالف [إلى] المغزيات من النساء، ففهم عمر ما أراد. وقيل: إنه جلد جعدًا ونفاه، والله أعلم.
قوله: "فدى لك من أخي ثقة إزاري"، مختلف فيه. قال قوم: أراد نفسه. وقال قوم: أراد امرأته. والعرب تسمي المرأة إزارًا. وقوله: معقلات، من العقال. وسلع: جبل أو موضع. والنجار: الأصل والمنبت من كريم أو لئيم. وتقول العرب: إن نجارها لواحد.
وقال الراجز يصف الإبل:
شُكْلُ النجار وحلال المكتسب
والذود من الإبل: من الثلاثة على العشرة. والعرب تقول: "الذود إلى الذود إبل". والظؤار: جمع ظؤور، وهي من النوق التي تعطف على ولد غيرها، أو على بو. نقول: ظئرت عليه فاظأرت، فهي ظؤور ومظؤورة.
وقال:
مثل الروائم بوًا بين أظار
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال متمم بن نويرة:
فما وجد أظآر ثلاث روائم رأين مجرًا من حوار ومصرعا
أظآر: واحدتها ظئر، وتجمع ظؤارًا، على فعال. وروائم: عواطف. يقال: رئمت الناقة على البو وعلى ولدها: إذا عطفت.
[وأنشد] للخنساء:
على صخر، وأي فتى كصخر إذا ما الناب لم ترأم طلاها
والطلا والحوار: ولد الناقة، والجماعة: الأطلاء والحيران.
وبهذا المعنى قال عبد الله بن رواحة الأنصاري حين اتهمته امرأته بجارية، فقالت: إن لم تكن فعلت فاقرأ [القرآن]، فإن الجنب لا يقرأ [القرآن]، فقال:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن الماء تحت العرش طام وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ثمانية شداد ملائكة الإله مسوّمينا
ويروى: وتحمله كرام كاتبونا.
فبلغ ذلك النبي، ﷺ، فضحك، فقال: "رحم الله نساءكم
[ ١ / ٢٨٦ ]
يا معاشر الأنصار".
وروي أن جابر بن عبد الله أتى إلى النبي، صلى الله عليه، فقال: يا رسول الله، إني قمت إلى جارية في بعض الليل، فاتهمتني المرأة، فقلت: إني لم أفعل شيئًا، فقالت: اقرأ ثلاث آيات من كتاب الله، ﷿، إن كنت صادقًا، فأنشأت أقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع
يبيت تجافى جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أغر وهوب ماجد متكرم رؤوف رحيم واضح اللون ناصع
فقالت: أما إذا قرأت ثلاث آيات فأنت صادق. فقال رسول الله، صلى الله عليه: "رحم الله ابنة عمك، فقد وجدتها فقيهة في الدين".
وروي هذا الحديث أيضًا عن عبد الله بن رواحة، وأنها، لما أشهدها، قالت: آمنت بالله، وكذّبت بصري قال عبد الله: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه، فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه. فجعلا كلامهما عرضًا ومعرضا فرارًا من القراءة.
وهكذا معنى المعاريض في الكلام.
وعن ابن عباس، في قول الله، ﷿، حكاية عن موسى، ﵇: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، قال: لم ينس، ولكنه قال: لا تؤاخذني بما نسيت، فأوهمه النسيان، تعريضًا، ولم ينس ولم يكذب.
ومنه قول إبراهيم، ﷺ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أي: إني سأسقم؛ لأن
[ ١ / ٢٨٧ ]
من كُتب عليه الموت فلابد أن يسقم.
ومثله قوله، ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، أي: ستموت وسيموتون، فأوهم القوم بمعاريض الكلام أنه عليل، وإن لم يكن عليلًا ولا كاذبًا.
وكذلك، في قوله حين خاف على نفسه وامرأته: "إنها أختي"؛ لأن بني آدم جميعًا يرجعون إلى أبوين، فهم إخوة، ولأن المؤمنين إخوة.
وكذلك قوله، ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾. أراد: فعله الكبير، إن كانوا ينطقون فسلوهم؛ فجعل النطق شرطًا للفعل، [أي]: إن كانوا ينطقون فقد فعله الكبير، وهو لا يعقل ولا ينطق.
وقد روي عن النبي، صلى الله عليه: "إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يماحل بها عن الإسلام". فسماها كذبات؛ لأنها شابهت الكذب وضارعته.
ولذلك قال بعض السلف لابنه: "يا بني، لا تكذبن، ولا تشبهن الكذب". فنهاه عن المعاريض؛ لئلا يجري عليها، فيتجاوزها إلى الكذب، وأحب أن يكون حاجزًا بين الحلال والحرام.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومن ذلك: أن يسأل الرجل عن رجل قد رآه، فيكره أن يكذب، وقد رآه، فيقول: إن فلانًا ليرى.
ومثله: حديث امرأة عثمان بن مظعون، حين بلغ النبي، صلى الله عليه، عنه وعن أصحابه ما بلغه مما كانوا هموا به من السياحة والتعبد. فجاء إليهم، ﵇، فوجدهم قد تفرقوا، فسألها عن الحديث، فقالت: إن كان عثمان قد أخبرك بذلك، يا رسول الله، فقد صدق. فكرهت أن تنمَّ على زوجها بما كان منه، وكرهت أن تكذب النبي، صلى الله [عليه]. [فسمي] هذا تعريضًا.
ومن ذلك قوله، ﷿: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. والمعنى: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم لضالون أو مهتدون. وهو يعلم أن رسوله، صلى الله عليه، المهتدي، وأن مخالفه الضال. وهذا كما تقول للرجل يكذبك ويخالفك: إن أحدنا لكاذب. وأنت تعنيه، فكذبته من وجه هو أحسن من التصريح.
وروي أن قومًا من الأعراب خرجوا يمتارون. فلما صدروا، خالف رجل منهم، في بعض الليل، إلى عكم صاحبه، فأخذ منه برًا وجعله في عكمه. فلما أرادوا الرحلة قاما يتعاكمان، فرأى عكمه يشول وعكِم صاحبه يسفل.
فأنشأ يقول:
عكم تغشَّى بعض أعكام القوم لم أرعكما سارقًا قبل اليوم
فخوَّن صاحبه بوجه هو أحسن وألطف من التصريح.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ
[ ١ / ٢٨٩ ]
يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
فالمخاطبة للنبي، ﷺ، والمراد غيره من الشكاك؛ لأن القرآن إنما أنزل بمذاهب العرب كلها، وهم يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره؛ ولذلك يقول متمثلهم: "إياك أعني واسمعي يا جارة".
ومن ذلك قول النبي، ﷺ: "أنزل علي كتاب لا يغسله الماء". أراد به: محفوظ في صدور الرجال، يأخذه الآخر عن الأول إلى يوم القيامة. فإن محي بالماء لم يذهب كما ذهب كثير من كتب الله، ﷿، لم تحفظ وباد أهلها كصحف شيت وصحف إبراهيم، ﵇. وكل كتاب لا يحفظ، إذا محي ذهب.
ومن ذلك قول الله، ﷿: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
يقال: هذا من معاريض الكلام؛ لأنه لم يكن عندهم [علم] أنه على دينهم؛ فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك تصدقك.
وذكروا أن مهلهلًا، لما أراد عبداه قتله، حمّلهما بيت شعر إلى ابنتيه، وكان من المعاريض، وهو:
من مخبر الأقوام أن مهلهلًا لله درُّكُما ودرر أبيكما
فلما قتلاه وجاءا إلى الحي سألتاهما ابنتاه عنه، فقالا: مات، فقالت ابنته الصغرى: ما كان أبي يموت عن غير وصية، فهل أوصاكما بشيء؟ فقالا: استحملنا بيت شعر
[ ١ / ٢٩٠ ]
إليكما وهو:
من مبلغ الأقوام أن مهلهلًا لله درّ كما ودرّ أبيكما
فقال أهل الحي: ما نرى في هذا البيت وصية. فقالت ابنته الصغرى، بلى وأنصاب وائل، فدونكم العبدين، فاستوثقوا منهما حتى أخبركم أن العبدين قتلا أبي، وإنما أراد:
من مبلغ الأقوام أن مهلهلًا أضحى قتيلًا بالفلاة مجدلا
لله دركما ودر أبيكما لا يبرح العبدان حتى يقتلا
ومن ذلك: أن شيخًا كان يقف على رأس الرشيد، فخلا المجلس يومًا، وذكر شاب من الهاشميين أمر الجماع فأكثروا. فقال الشيخ: كم تكثرون مما تصفون، عتقت ما ملكت، ونسائي طوالق، وعلي مئة حجة، إن برحت ركبتي من موضعهما حتى وطئت أربعين مرة. فغضب الرشيد وقال: لأعتقن عليك مماليكك، ولأطلقن نساءك، ولألزمنك الحج. فقال: يا أمير المؤمنين، لا تغضب، فوالله ما برحت ركبتي قط من موضعهما، أفتراني ما وطئت في طول عمري أربعين مرة؟ فضحك الرشيد وقال لله در المعاريض.
ومثله قول النبي، ﷺ: "لا تستضيئوا بنار المشركين". يريد، ﷺ: لا تستشيروهم، ولا تستعينوا بهم في مصالح دينكم. فأقام الرأي في الخبر مقام السراج في الظلمة.
وهذا كقول الله، ﷿: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا﴾. والمعاريض كثيرة في كلامهم وأشعارهم.
[ ١ / ٢٩١ ]
فصل في نحو من ذلك
قال الله، ﷿: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قيل: أراد تعالى بثيابه قلبه، أي طهره من عبادة الأوثان.
قال عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
قيل: أراد قلبه، وقيل: بدنه.
وعن أبي رزين قال: عملك أصلحه. قال: كان الرجل إذا كان خبيث العمل قالوا: فلان خبيث الثياب، وفلان طاهر الثوب، إذا كان حسن العمل، نقيًا من الغدر والريب. وفلان دنس الثوب، إذا كان غادرًا ذا ريب.
قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم بيض المشاهد غران
والعرب تقول: وثياب فلان، أي: وحياته. وفداك ثوبي، أي نفسي.
قال الأعشى:
فإني وثوبي راهب الحج والذي بناه قصي وحده وابن جرهم
وقال ابن عباس: لا تكن غادرًا فتدنس ثيابك، فإن الغادر دنس الثياب.
وقال الشاعر:
فإني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من سوءة أتقنَّع
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقال الحسن: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: خلُقك فحسنه.
وقال الفراء: وثيابك فقصر. قال: تقصير الثياب طُهر.
وقال ابن سيرين: اغسلها بالماء.
قال الزجاج: العرب تسمي المرأة لباسًا وإزارًا، وبيتًا وحرثًا، وقال في قول الشاعر:
فدىً لك من أخي ثقة إزاري
قال: امرأتي.
قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا
والعرب تكني عن المرأة باللؤلؤة والبيضة والسرحة والأثلة، والنخلة، والشاة، والبقرة، والنعجة، والودعة، والعتبة، والقوارير، والربض، والفراش، والإزار، والثياب، والريحانة، والظبية، والدمية، وهي الصورة، والنعل، والغُل، والقيد، والجارة، والمزخة والقوصرة.
وكنى الفرزدق عنها بالجفن، فجعلها جفنًا لسلاحه، وكانت امرأته ماتت وهي حامل، فقال:
[ ١ / ٢٩٣ ]
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح عليه، ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة لو أن المنايا [أنسأته] لياليا
وكنى آخر عنها بموضع السرج من الفرس، فقال يخاطب امرأته:
فإما زال سرج من معد فأجدر بالحوادث أن تكونا
يقول: ربما مت فزلت عنك، فانظري [كيف] تكونين بعدي.
وقال علي بن أبي طالب:
أفلح من كانت له مزخَّه يزخها ثم ينام الفخه
وقال أيضًا:
أفلح من كانت له قوصرَّه فأكل منها كل يوم مره
وقال أيضًا:
أفلح من كانت له كرديده يأكل منها وهو ثان جيده
وقال أيضًا:
أفلح من كانت له ثرعامه ورسَّة يدخل فيها هامه
[ ١ / ٢٩٤ ]
كنى بالمزخة والقوصرة عن المرأة. ومزخه الرجل: امرأته. ويقال: زخ الرجل امرأته يزخها. وقوله: الفخة، هي فعلة من الفخخ، وهو دون الغطيط في النوم.
النقص
النقص يكون مصدرًا، ويكون قدرًا للشيء الذاهب من المنقوص، اسم له. نقول: نقص ينقص نقصًا ونقصانًا، فهو منقوص.
ونقول: نقص الشيء نفسه ونقصته أنا، استوى في هذا الفعل اللازم والمجاوز.
ومعنى هذا النقص الذي ذكرته: ذهاب بعض الكلمة منها. والعرب تنطق بالحرف الواحد فيدل على الكلمة التي هو منها.
قال الشاعر:
قلنا لها: قفي، قالت: قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
فنطق بقاف فقط. وهو يريد: قالت: أقف.
وقال الراجز:
ما للظليم عاك، كيف لا يا ينقدُّ عنه جلده إذا يا
أهبى التراب فوقه إهبا يا
يريد: يفعل شيئًا فقال: يا، ثم ابتدأ كلامه.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقال آخر:
جارية قد وعدتني أن تا تدهن رأسي وتفلّيني وا
وتمسح القنفاء حتى تنتا
يعني: تذهب عني الأذى، فأفاض التاء، وألغى ما سواها، فقال: أن تا، يريد: أن تدهن وتمسح القنفاء، يعني الفرْج.
وقال:
نادوهم أن الجموا ألاتا صوت امرئ للجليات عيا
يريد: ألا تركبوا. والجليات: آخر الخيل.
قالوا جميعًا كلهم الافا ثم تنادوا بعد ذلك الضوضى
منهم: بهاب وهلاويايا
وقال آخر، ويروى للقيم بن أوس بن سعد بن مالك:
إن شئت أشرفنا كلانا فدعا الله جهدًا ربه فأسمعا
بالخير خيرات وإن شرًا فآ ولا أريد الشر إلا أن تآ
[ ١ / ٢٩٦ ]
يريد: إلا أن تشاء، فأدخل الهمزة. وقوله: "إن شرًا فآ"، يريد: إن شرًا فشر، فاقتصر على الفاء والتاء.
وحكي عن راعيي غنم قال أحدهما لصاحبه: ألا تا؟ فقال الآخر: بلى فا. يريد: ألا تنهض؟ فقال الآخر: بلى فانهض.
وحكي أيضًا عن رجلين قال أحدهما لصاحبه: ألا تا؟ فقال الآخر: بلى فا. يريد: ألا ترحل؟ فقال الآخر: بلى فارحل.
ويقال: إن حروف أب ت ث من ذلك، ذُكرت مقطعة لتعرف إذا ألِفَتْ.
ومثله: ما حكي عن أم خارجة، أنه كان يأتيها الرجل خاطبًا إلى نفسه للتزويج، فيقول لها: خِطب، فتقول له: نكحٌ. يريد الرجل: إني جئتك خاطبًا لك، فتقول له: قد نكحتك نفسي، فتقتصر على هاتين الكلمتين من كلمات. فضربت العرب بها المثل فقالت: "أسرع من نكاح أُمِّ خارجة".
والعرب قد تأخذ الحرف من الكلمة فتجمعه إلى حرف آخر من كلمة أخرى، فتجمعها كلمة تامة؛ كقول الشاعر:
أقول لها ودمع العين جار ألم تحزنك حيعلة المنادي؟
يريد قول المؤذن: حي على الصلاة. فهذه كلمة جمعت من: حيَّ ومن: على. يقال: حيعل يحيعل حيعلة، وقد أكثر من الحيعلة، إذا قال: حي على الصلاة.
وقال آخر:
[ ١ / ٢٩٧ ]
ألا رُبّ طيف منك بات معانقي إلى أن دعا داعي الصباح فحيعلا
وقال آخر:
فبات خيال طيفك لي عنيقًا إلى أن حيعل الداعي الفلاحا
وكذلك: قد بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله. وقد أكثر من البسملة، إذا أكثر من قول: بسم الله.
قال الشاعر:
ألا بسملت ليلى غداة لقيتها ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
أي قالت: بسم الله.
وقد أكثر من الهيللة، أي من قول: لا إله إلا الله. وأكثر من الحمدلة، أي من قول: الحمد لله. ومن الحولقة، أي من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
[وجعفل جعفلةً]: هو من الجعفلة، أي من قول: جعلت فداك.
ومثله قولهم: تعبشم الرجل وتعبقس، ورجل عبشمي وعبقسي. يريد: من عبْد شمس ومن عَبْدِ القيس؛ فبنوا من الكلمتين كلمة.
قال الشاعر:
وتضحك مني شيبة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا
فأخذ الباء والعين من عبد وأسقط الدال، وأخذ الشين والميم من شمس وأسقط السين، فبنى من الكلمتين كلمة واحدة.
[ ١ / ٢٩٨ ]
ومثله: قد تبهيم الرجل: إذا أتى فعل البهيمة. ويتمهجر الرجل: إذا يتشبه بالمهاجرين. ويتمولى: أي يتشبه بالموالي.
وتمقدر الرجل، أي: تكلف القدرة على شيء يتكلفه بتعب.
ومثله: قد تزيَّبت حصرمًا. يقال للرجل يروم بلوغ حالة ليس من أهلها. أي: إنك تريد أن تكون زبيبًا وأنت حصرم بعد.
ومثله قولهم: "أستتيست الشاة": أي صارت تيسًا بعد أن كانت عنزًا.
ومثله قولهم: "إن البغاث بأرضنا يستنسر".
والبغاث: الطير الذي يصاد، واحدتها بغاثة. ويقال: بُغاثة، وجمعة بغاث وبغثان.
قال:
بغاث الطير أكثرها فراخًا وأُمُّ الصقر مقلاة نزور
والمقلاة: القليلة الولد. وبغاث، بالضم، لغة فيه.
ومثله قول طرفة: "قد استنوق الجمل". أي: صار الجمل ناقة؛ وذلك أنه كان عند الملك عمرو بن هند، فأنشده المسيَّب بن علس هذا البيت:
وقد أتلافى الهم عند احتضاره بفحل عليه الصيعرية مكدم
فقال طرفة، وهو غلام: استنوق الجمل؛ لأن الصيعرية سمة يسمون بها النوق دون الفحول. فغضب المسيب وقال: من هذا الغلام؟ قالوا: طرفة بن العبد. فقال: ليقتلنَّه لسانه. فكان كذلك. وكان طرفة معجبًا وقتله إعجابه.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ومثله: قد تمذهب الرجل بكذا، أي: اعتقد ذلك المذهب وتحمله.
ومثله: ما روي عن النبي، صلى الله عليه، أنه قال: "تنيعشوا صائفين، وتثريوا شاتين". أي: كونوا كبنات نعش متفرقين في جلوسكم في الصيف لأجل الحرل، وكونوا كالثريا مجتمعين في جلوسكم لأجل البرد؛ لأن الحر لا يحتمل التضايق، والشتاء يحتمله. وهذا من آدابه لأمته، صلى الله عليه.
ويقولون: تطلَّس الرجل: إذا لبس طيلسانه. وتقلنس: إذا لبس القلنسوة. وتندّل وتمندل: إذا لبس المنديل. وتمدرع وتدرّع: إذا لبس المِدْرَعَة.
وتمسكن وتسكّن: إذا صار مسكينًا.
وقال بعضهم لأبي خليفة الفضل بين حُباب الجمحي: أيشتنُّ المترمّن؟ فقال: نعم، ويتمحلب ويتندَّل.
قوله: أيشتن، من الإشنان. والمترمّن: آكل الرمان. ويتمحلب: من المحلب. ويتندَّل: من المنديل.
ومثله: خرج القوم يتمغفرون: إذا خرجوا يجتنون المغافير من شجره. وهو صمغ الألا بخاصة. وواحد المغافير: مغفور ومُغْفُر.
ومثله: قول عمر، ﵀: "اخشوشِنُوا واخشوشِبوا وتمعددوا". يقول: دعوا عنكم التنعُّم وزي العجم، وعليكم بمعدّ وما كانوا عليه في زيهم ومعاشهم.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وكانوا أصحاب غلظ وخشونة. والمتمعدد: البعيد.
وقال معن بن أوس:
قفا، إنا أضحت قفارًا ومن بها وإن كان من ذي ودنا، قد تمعددا
أي تباعد.
وفي رواية أخرى عن عمر: "تمعددوا واخشوشنوا، وانزوا عن الخيل، واقطعوا الركب".
وخبر آخر عنه: "عليكم باللبسة المعدية"؛ لأن معدًا إنما كان لباسها البُجد والعبا.
ويقولون: بأبأت الصبي: إذا قلت له: بأبي وأمي، أي أفديك بأبي وأمي، فاكتفى من كلمات بواحدة.
قال الراجز:
والخيل [مني أهل] ما أن يُعْلَيْنْ وأن يبأبأن وأن يفدَّيْنْ
ويقولون: قرطس الرجل: إذا أصاب بسهمه القرطاس، وهو كل أديم ينصب للنضال. والرمية التي تصيب اسمها مقرطسة.
ويقولون: تغطرس الرجل: إذا فعل الغطرسة، وهي الإعجاب بالنفس والتطاول على الأقران. يقال: فتى متغطرس.
[ ١ / ٣٠١ ]
قال:
كم فيهم من فارس متغطرس شاكي السلاح يذود عن مكروب
وتغطرس على كذا: أي جسر عليه. ورجل غطرس وقوم غطارس.
ومثله: تفقعس: إذا انتمى إلى فقعس، حي من بني أسد. وتعقرس: انتمى إلى عقرس، حي من اليمن. مثل قولهم: تيمَّن: انتمى إلى اليمن، وتنزَّر: انتمى إلى نزار.
وكل هذا من باب: تفعَّل، وهو اقتصار على بعض الحروف من الكلام.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الزيادة
الزيادة معروفة من كلام العرب. وهي على ضربين: زيادة حروف، وزيادة كلام تام.
فمن زيادة الحروف:
الألف: تزاد في آخر الكلمة، ولا تزاد أولًا أبدًا؛ لأنك، إن زدتها وابتدأت بها، تحركت فصارت همزة. ولكن تزاد ثانية في: ضارب وما أشبهه؛ لأنه فاعل. وثالثة في: مقاتل؛ لأنه من قتل. ورابعة في: علْقَى وسلمى؛ لأنه من علِق وسَلِم. فالألف زائدة، وإنما يكتبونها بالياء من أجل الإمالة.
وتزاد خامسة [في]: حبنطَى، فالألف والنون زائدتان؛ لأنه فعنْلى؛ فالفاء والعين واللام من الأصل، والألف والنون زائدتان.
وتزاد سادسة، لا تجاوزه أبدًا، وهو قولهم: اشهيباب واحميرار؛ فلا تكون إلا في المصدر؛ فالألف والياء والهمزة في أوله وإحدى الباءين زوائد. وهو من الفعل افعيلال، وإنما الأصل: الفاء والعين وإحدى اللامين؛ لأنك تقول: شهبة، فلم يتبق إلا الشين والهاء والباء، والهاء الآخرة زائدة للتأنيث.
فهذه حال الألف. وتزاد الألف آخرًا إشباعًا وتفخيمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. وقد تقدم هذا في باب الإشباع.
والباء تزاد. قال الله تعالى: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. والباء زائدة، قيل في التفسير: إلحادًا بظلم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ومثله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قيل: تُنبت الدهن، والباء زائدة. قال الشاعر:
نحن بنوجعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
أي: ونرجو الفرج، والباء زائدة.
وقال عنترة:
شربت بماء الدُّحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديْلَم
يريد: ماء الدحرضين، والباء زائدة.
ومثله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. و﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. أي: هزِّي إليك جذع النخلة.
ومثله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ﴾.
ومثله قول الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجردا
وقال امرؤ القيس:
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
أي: هصرت غصنًا، فالباء زائدة.
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال أمية بن أبي الصلت:
إذ يسفُّون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون شيئًا فطيرا
أي: يسفون الدقيق.
وقال الله تعالى: ﴿تُلْقُونَ [إِلَيْهِمْ] بِالْمَوَدَّةِ﴾. أي: المودة.
وقال الحارث بن حلزة:
قبل ما اليوم بيَّضت بعيون الـ ـناس فيها تعيطٌ وإباء
يريد: بيضت عيون الناس.
قال الفراء: سمعت أعرابيًا من ربيعة، وسألته عن شيء. فقال: أرجو بذلك. يريد: أرجو ذلك.
وأنشد أبو الجراح:
فلما رجت بالشرب هزّلها العصا شحيح له عند الإزاء نهيم
أراد: فلما رجت الشرب. والإزاء: وضعك شيئًا على [فم] مصب الماء في مجراه [إلى] الحوض. تقول: آزيت الحوض إيزاء. والنهيم: زجرك الإبل لتمضي.
قال قيس بن زهير:
[ ١ / ٣٠٥ ]
ألم يأتيك، والأنباء تنمي، بما لاقت لبون بني زياد؟
أراد: ما لاقت، والباء زائدة.
وقال آخر:
بواد يمان يُنبت الشثَّ صدره وأسفله بالمرخ والشبهان
أراد: ينبت المرخ، والباء زائدة.
والتاء: تزاد في: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
وفي: ثمت، ورُبَّت، وفي عفريت؛ لأنه من عَفَر. وفي معتدل، وما أشبهه؛ لأنه من العدل.
والكاف: تزاد أيضًا في كلامهم إذا سئلوا: كيف تعملون الأقط؟ يقولون: كهين، يريدون: هين.
قال آخر:
وصاليات ككما يؤثفين
فأدخل كافًا على كاف، وإنما المراد: يؤثفين. ومعنى يؤثفين: من الأثفيَّة.
قال:
تنفي الغياديق عن الطريق قلص عن كبيضة في نيق
يريد: قلص عن كما تقلص عن بيضة في نيق. وإنما يصف السحاب. والغياديق: الماء الكثير. والنيق: حرف الجبل.
[ ١ / ٣٠٦ ]
والكاف [في قوله] تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وكذلك يدخلون اللام على اللام زيادة.
وقال:
ولا والله ما يلفى لما بي ولا للما بهم أبدًا دواء
واللام: تزاد في: عبدل، وفي: ذلك. لا تزاد في غيرهما. يريدون: عبد وذاك. والجميع أولئك وأولالك وألالك. قال الشاعر:
ألا لِك قومي، لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا ألالِكا؟
يقال: هؤلاء قوم أشابة، أي: ليسوا من مكان واحد. وكذلك الأشابة في الكسب: مما يخالطه من الحرام وما لا خير فيه. والوشب: شبيه بالأشابة في المعنى. نقول: رجل من أوشاب الناس. والضليل، على بناء سكير: الذي لا يقلع عن الضلالة.
والسين: تزاد في مستخبر؛ لأنه من الخبر.
والميم: تزاد في: مخرز ومروحة وما أشبه ذلك؛ لأنه من: خرزْتُ وتروّحت. وفي: مسجد، من سجدت، وفي مضرب، من ضربت.
فإن كانت في ثلاثة أحرف لم تكن زائدة، نحو: مشط وميل ومهد؛ لأنه لابد من
[ ١ / ٣٠٧ ]
ثلاثة أحرف: الفاء والعين واللام.
والميم تزاد أولًا ولا تزاد آخرًا إلا في أحرف معروفة، وهي:
زُرقم: وهو الأزرق الشديد الزرقة.
وستهم: وهو عظيم الإست. ويقال: ستاهي وأسته.
وسلطم: من السلاطة وهو الطول.
وكردم وكلدم: من الصلابة. أرض كلدة.
والدلهم: من الدَّله، وهو التحير. فإن كان هذا من هذا فالميم زائدة. وإن [كان] من ادلهمَّ الليل، فالميم أصلية.
وشبرم: وهو القصير من [الرجال والقـ]ـصير الشبر. فأما الشُّبرم، ضرب من النبت، فليست الميم فيه زائدة.
وفسحم: من الفساحة.
وجلهم: من جلهة الوادي، وهي ناحيته. وجلهتا الوادي: ناحيتاه إذا كان فيهما صلابة.
وخلجم: من الخلج، وهو الانتزاع.
وصلقم: من الصلق، وهو رفع الصوت.
وشدقم: الواسع الشدق.
والميم في: منديل زائدة مكسورة.
والنون: تزاد في: رعشن وعثمان؛ لأنه من الارتعاش والعثم، فالنون زائدة.
وقالوا للمرأة المهزولة والخرقاء في عملها: خلبن وخلباء والجميع: خلا بن.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال رؤبة:
وخلطت كل دلاث علجن تخليط خرقاء اليدين خلبن
فجاء بالاسمين جميعًا. والنون في علجن أيضًا زائدة، وهي الغليظة المستعلية الخلق.
وقالوا للضيف: ضيفن. وقيل: الضيفن: هو ضيف الضيف.
قال الشاعر:
إذا جاء ضيف، جاء للضيف ضيفن فأودى بما تقرى الضيوف الضيافن
وقالوا: امرأة سمعنّة نظرنة، وهي التي إذا تسمعت أو تبصرت، فلم تر شيئًا، تظنت تظنيًا.
وقال الأحمر، أو غيره: سمعنَّة نظرنَّة، بكسر السين والنون.
وأنشد:
إن لنا لكنَّه معنَّة سمعنَّه
نظرنَّة مفنّه إلا تره تظنَّه
ويقال: في خلق فلان خلفنة، مثال درفسة، يعني الخلاف.
ورجل سيفان: وهو الطويل الممشوق. وامرأة سيفانة.
ورجل موتان الفؤاد، وامرأة موتانة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
والهاء: تزاد في: حمدة وحمزة؛ لأنه من الحمد والحمز. والحمز: الشدة. والحامز: الشديد من كل شيء. ورجل حامز الفؤاد حميزه: إذا كان قوي الفؤاد شديده. ونقول: حمز اللوم في فؤاده، أي: أوجعه.
قال الشماخ:
فلما شراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزَّاز من اللوم حامز
شراها: باعها. والحزاز: وجع في القلب من غيظ أو أذى.
وقالوا: رجل علامة للعالم. ونسَّابة للنساب. وتقوالة، من المنطق. ودقرارة: وهو النمام، وجمعه: دقارير.
وجماعة: للجامع للمال. ومبذارة: للمبذِّر لماله.
وسندأوة وقندأوة: وهو الخفيف، وهي من النوق الجريئة.
ورجل ضحكة ولعبة: كثير اللعب، وتلعابة أيضًا.
ولعنة: كثير اللعن. وهزأة: يهزأ بالنا.
وسخرة: يسخر بالناس. وعذلة: كثير العذْل. وخذلة: يخذل. وخدعة: يخدع. وهذرة: كثير الكلام وأمنة: يثق بكل أحد. وحمدة: يكثر حمد الأشياء بأكثر مما فيها.
ونومة: كثير النوم. وكذلك: نومة أيضًا: خامل الذكر لا يؤبه له. وجثمة وجثَّامة للنؤوم.
وسهرة: قليل النوم. وقعدة: لا يبرح. وكذلك: ضجعة، ومسكة للبخيل.
[ ١ / ٣١٠ ]
وصرعة: شديد الصراع. وهُمَزة لُمَزة: يهمز الناس ويلمزهم، أي يعيبهم.
قال:
تدلي بودي إذا لقيتني كذبًا وإن أغب فأنت الهامز اللمزة
ورجل نتفة: ينتف من العلم ولا يستقصيه.
وأكلة شربة: كثير الأكل ولاشرب. وحطمة: كثير الأكل.
ورجل وكلة تكلة: أي عاجز يكل أمره إلى غيره ويتَّكل عليه.
وعلنة: يبوح بسره. وسؤلة: كثير السؤال.
وولعة: يولع بما لا يعنيه. وهلعة: يهلع ويجزع.
وحولة: محتال. ونكحة: كثير النكاح. وعرقة: كثير العرق.
ومثله كثير من زيادة الهاء في المذكّر زيادة ومبالغة.
والهمزة: تزاد أولًا ووسطًا وآخرًا. نقول: أحمد وأحمر، فهو أفعل، والهمزة زائدة، وإنما مثلت بالألف، وليست ألفًا؛ لأنها متحركة، والألف لا تتحرك. ألا ترى أنك إذا قلت: أحمد كأنك قلت: عحمد؛ فوضع العين مكانها يدلُّك أنها همزة لا ألف.
وقالوا: شأمل، فزادوا الهمزة، وهي من الفعل فعأل. وقال بعضهم: شأمل، وهي فأعل، فزادوها وسطًا.
[ ١ / ٣١١ ]
وقالوا: حمراء وبيضاء، فزادوها آخرًا.
والواو: تزاد في نحو: قسور؛ لأنه من قسرت. والواو لا تزاد أبدًا أولًا. وتزاد ثانية في: حوقل وجوهر وكوكب؛ لأنه فوعل؛ فالفاء والعين واللام من الأصل، والواو زائدة.
وتزاد ثالثة في: قسور وجهور؛ لأنه من قسر وجهر.
وتزاد رابعة في: مفعول نحو: مفقود. وفي: فعلول نحو: جمهور، فهي زائدة.
وواو النسق قد تزاد حتى يكون الكلام كأنه لا جواب له، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
وقال الجنانيُّ: قال أصحاب العربية في هذه الواو: إنما هي للعدد.
والعرب، إذا عدوا عددًا عدَّة، لم يدخلوا عليه الواو، وإنما أدخل الواو في ذكر الجنة دون ذكر النار؛ لأن؛ أبوابها ثمانية، فأدخل الواو على معنى العدد. قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأدخل الواو في ثمانية.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾. وقوله، ﷿: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ﴾.
ومثله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ
[ ١ / ٣١٢ ]
الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل
أراد: انتحى بنا، والواو زائدة.
وقال آخر:
حتى إذا قُفلت قلوبكم ورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا إن اللئيم الغادر الخب
أراد: قلبتم، والواو زائدة.
وقال الله، ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾. والمعنى: الفرقان ضياء، والواو زائدة.
قال [لبيد]:
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجن قافلًا أعصامها
والمعنى: أرسلوا، والواو زائدة. غضفًا: يعني كلابًا مسترخية الآذان، واحدها أغضف، والكلاب كلها غضف. يقال: غضفت أذنه تغضف غضفًا، وقد غضفها يغضفها غضفًا. ويقال للحية إذا تطوَّى: قد تغضَّف. ويقال: قد تغضَّفت البئر على من فيها فقتلتهم. وقال بعض أهل اللغة: إذا [كان] الاسترخاء في الأذن خلقة فهو غضف. فإن أرخاهما، ولم يكن ذلك خلقة، فهو غاضف.
[ ١ / ٣١٣ ]
والدواجن: المعودة للصيد. وقوله: "قافلًا أصعامها"، معناه: يابسة قلائدها في أعناقها من القد، جعلها كأنها ربط القرب. وعصام القربة: ما شدت به. وقال بعض النحويين: واحد الأعصام: عصام، وهو جمع على غير قياس. وقال غيره: واحد الأعصام: عُصْم، وهي في الجمع بمنزلة قولك: قُفل وأقفال، وبُرد وأبراد.
والميم: زيدت [في] أنتما؛ لئلًا يكون أنتا، فالخطاب للواحد.
قال:
يا مُرَّ، يابن واقع، يا أنتا أنت الذي طلَّقت عام جعتا
واختيرت الميم لأنها من زيادات الأسماء؛ وذلك أنهم يزيدونها في: مخلد ومنصور ومزيد، وما أشبه ذلك.
وتقول في جمع المذكر: أنتم قمتم، فتزيد الميم في الجمع بناءً على التثنية، وأصله: أنتمو قمتموا، فحذف الواو تخفيفًا؛ لأنهم يستقلونها في أواخر الحروف. ومنهم من يثبتها ويخرج الحرف على أصله. وحذف الواو من أنتمو حذف عارض. والحذف لا يقاس عليه؛ ألا ترى أنهم قالوا: لم تك، يريدون: لم تكن، فحذفوا النون، ولم يقولوا: لم أق في: لم أقل، وذلك مِن: قال يقول، وذاك من: كان يكون، والفعل واحد.
واللام: تزاد في الكلام أيضًا كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.
والياء: تزاد أولًا في: يزيد، وهو مِنْ زاد، ويربوع، الواو والياء زائدتان؛ لأنه من الفعل يفعول.
[ ١ / ٣١٤ ]
والياء زائدة في اسم يحيى، وهي ناقصة في اسم سارة.
عن الضحاك قال: كان اسمها يسارة، التي لا تلد، فقال لها جبريل، ﵇: كنت يسارة لا تحملين، فصرت سارة تحملين. قالت: يا جبريل، نقصت اسمي. قال: إن الله، ﷿، قد وعدك أن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك اسمه حيي، فسماه يحيى، وسمي يحيى لأن الله تعالى أحياه من موات، أخرجه من شيخ كبير وامرأة عاقر.
[ومن زيادة الكلام]
قولهم: بسم الله. الاسم زيادة. قال أبو عبيدة: بسم الله، إنما هو بالله. وأنشد للبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
أي: يعذر. ويقال: معنى اعتذر: أعذر، أي أتى بما يعذر معه، أي: السلام عليكما.
ومثله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾. أي: تبارك ربك.
والوجه: يزاد أيضًا في الكلام. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. أي: إلا هو.
[ ١ / ٣١٥ ]
و﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. أي: فثم الله. و﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. أي: لله.
وعلى: تزاد في الكلام. قال حميد بن ثور:
أبى الله إلا أن سرحة مالِكٍ على كل أفنان العضاه تروق
أراد: تروق كل أفنان العضاه، وعلى زائدة.
وعن: تزاد أيضًا، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
وإن الثقيلة، أيضًا تزاد؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾.
وقال الشاعر:
إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم
وإن الخفيفة: تزاد أيضًا؛ كقول الشاعر:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
وقال الله، ﷿: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾. قال بعضهم: أراد فيما مكناكم فيه وإن زائدة.
[ ١ / ٣١٦ ]
وإذ: قد تزاد، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ و﴿إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾.
وقال ابن ميادة:
إذ لا يزال قائل: أبِنْ أبِنْ هوذلة المشآة عن ضرس اللَّبِنْ
الهوذله: التحرك والاضطراب.
وما: قد تزاد، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. و﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾. و﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾. [قيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم، وعن قليل، وأيًا تدعوا]؛ فما زائدة فيهن.
قال الشاعر:
لو بأبانَيْنِ جاء يخطبها رُمّلِ ما أنف خاطب بدم
كأنه أراد: رُمِّل أنف خاطب، وما زائدة.
قال حسان بن ثابت:
ولدنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بذا خالًا وأكرم بذا ابنما
كأنه أراد: أكرم بذا ابنًا.
[ ١ / ٣١٧ ]