[ ٣ / ٢٠٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
حرف السّين
السينُ حرفُ هجاء. تقول: سينٌ مُسَيَّنة، (وقيل: مُسَوَّنة)، وهي أسليَّة، وهي أختُ الصاد والزاي في مخرجهما، لا في المضاعف، فلا تأتلفان، فأهملتا، سر، رس.
وقد يبدلون من السين زايًا، كما قالوا لصانع الدُّروع: سراد وزَرَّاد، وسراط وزراط.
والسَّرْدُ: الخَرْزُ.
وعددها في القرآن خمسة آلاف وسبعمائة وستة وسبعون، غيره: ثمانمائة وسبعون. وفي الحساب الكبير: ستون، وف الحساب الصغير: اثنا عشر.
والسين حرفٌ يحصل في كثير من أسماء مستحسنة.
قال ابن عباس لعمر ﵄: إني نظرتُ إلى الأفراد فلم أر أحب إلى الله من السبعة، فذكر السموات سبعًا والأرضين سبعًا، والليالي سبعًا، والأفلاك سبعةً، والنجوم سبعة والسعي سبعًا، والطواف سبعًا، ورمي الجمار سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، ورزقه من سبع، شوق في وجهه سبعًان والحواميم سبعٌ، والحمدُ سبع آيات، والقراءةُ على سبعة أحرف، والسبعُ الطُّول، والسبعُ المثاني، والسجودُ على سبعة أعضاء، وأبواب جهنم سبعةٌ، وأسماؤها سبعةُ، وأدراكها سبعٌ، أصحاب الكهف سبعةٌ، وأهلك عادًا بالريح في سبع ليال، ومكث يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في بلائه سبع سنين، والبقراتُ سبعٌ، والسنونُ الجدية سبع، والسنونُ الخصبة سبع، والصلوات الخمس سبع عشرة ركعة، وقال تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وقال تعالى ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
[ ٣ / ٢٠٩ ]
اللَّهُ لَهُمْ﴾ وحرم من النساء سبعًا، ومن الصهر سبعًا، والأيام سبعًا، وجعل رسول الله صلى الله عليه [وسلم] طهارة الإناء من ولوع الكلب سبع مرات، وحروف سورة القدر إلى قوله ﴿سلامٌ﴾ هي سبعة وعشرون حرفًا، وقالت عائشة - ﵂ - "تزوجني رسول الله صلى الله عليه [وسلم] وأنا بنتُ سبع سنين" وأيام العجوز سبعة، ثلاثةٌ من شباط وأربعةٌ من آذار. وقال رسول الله ﷺ: "شهداء أمتى سبعةٌ: القتيل في سبيل الله، والمطعون، ٢/ ٤٧ والسُّلُّ والحرق والغرق والبطن والنفساء" وأقسم الله تعالى بسبعة بالشمس وضحاها إلى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ وكان طول موسى ﵇ سبع أذرع، وطول عصاه سبع أذرع، (وظفرته سبعة أذرع).
ومن الحروف المستحسنة: سلامةٌ، وسلامٌ، وسعادةٌ، وسموٌّ، وسنًا، وسدادٌ، وسرور، إلى حروفٍ كثيرةٍ، يطول تعدادها.
وللعرب في كل سين تجيء بعد القاف وكل صاد تجيء بعد القاف لغتان: منهم من يجعلها سينانً، ومنهم من يجعلها [صادا] مثل السُّقْع والصُّقْع لا يبالون أمُتَّصلة كانت أم منفصلة بعد أن يكونا في كلمة واحدة، إلا أن الصاد في بعض أحسن، والسين ف يبعض أحسن، وفي السُّقع السينُ أحسنُ، والصاد قبيح، وهي الناحية من الأرض.
وكذلك لغةٌ لبعض الأعراب يحولون السين التي تجيء قبل الطاء موصولة ومفصولة، فيقولون في بسط: بصط. قرأ الفراء: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾
[ ٣ / ٢١٠ ]
﴿وَزَادَهُ بَصطَةً﴾ و﴿بِمُصيْطِرٍ﴾.
ولا تجوز السين في كلمة جاءت القاف فيها قبل الصاد، إلا أن تكون الكلمة سينية، لا لغة للصاد فيها.
وقولهم: السلامُ عليكم
فيه قولان: قيل: السلام هو الله تعالى. والمعنى: الله عليكم، أي على خلقكم. وقيل: معناه: السلامة عليكم.
والسلامُ ينقسم في لغة العرب على أربعة وجوه:
يكون التسليم، كقولك: سلمتُ عليه سلامًا أي تسليمًا. ويكون الله تعالى، قال ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ ويكون السلام جمع سلامة.
ويكون السلام الشجر العظام واحدتها سلامة.
وسلام، بالكسر: الصخور، واحدتها سلمةٌ.
ويقال: السلام عليك من المسالمة، معناه: نحنُ سلمٌ لكم.
ويقال: سلم بمعنى سلام، كحرم وحرام، وحل وحلال.
وقولهم: قرأ سفرًا من التوراةِ
معناه: كتابًا. والسفرُ عند العرب: الكتابُ، وجمعُهُ أسفار، ومنه ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
[ ٣ / ٢١١ ]
والسفرُ: جزءٌ من أجزاء التوراة.
وكلُّ كتاب سفرٌ وسفرْ وسُفْر، بالضم والفتح والكسر، والجميعُ أسفار.
قال الفراء: الأسفارُ: الكتبُ العظام، واحدها سفر، وقوله تعالى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. قال الفراء: السفرةُ: الملائكة، واحدها: سافرٌ، وقيل للملك: سافر، لأنه ينزل بما يقع به الفلاح بين الناس، بمنزلة السفير: وهو المصطلح بين القوم قال:
وما أدع السفارة بين قومي وما أمشي بغش إن مشيت
والسفيرُ: المكنسةُ، سفرت البيت وغيره: إذا كنسته. وفي الحديث "دخل عمرُ إلى النبي صلى الله عليه [وسلم] فقال له: يا رسول الله! لو أمرتَ بهذا البيب فسُفِرَ" وكان في بيت فيه آهبٌ وغيرها. أراد: سُفِرَ: كُنِسَ.
والسَّفْرُ: قومٌ مسافرون سُفَّار. وسُمّيَ السَّفَرُ سفرًا لأنه يُسْفِرُ ٢/ ٤٨ عن أخلاق الرجال: أي يكشفها ويوضحها، من قولهم: سفرتٍ المرأةُ عن وجهها: إذا كشفته وأظهرته.
والسفيرُ: ما تساقط من الشجر أيام الخريف فسفرت به الريح. والسُّفْرَةُ: طعامٌ يُتخَذُ للمسافر، فكثر ذلك على ألسنتهم حتى سموا وعاء طعام المسافر سُفْرَة.
والسفسيرُ: الذي يقوم على الناقة يصلحها، والجميعُ سفاسير.
(والسفسيرُ: بياعُ القتِّ).
[ ٣ / ٢١٢ ]
والسفسيرُ: السمسارُ.
والسَّفَر: بياضُ النهار. أسفرَ القومُ: أي أصبحوا. وفي الحديث: "أسْفِروا بالفجر فإنه أعظمُ للأجر".
ويقال: سفر وجهُ فلان: إذا أضاء وأشرق.
والسُّفُورُ: سفرت المرأة نقابها عن وجهها: أي كشفته. قال توبة بن الحمير:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرقعت لقد رابني منها الغداة سفورها
وذلك أن الجارية منهم لم تكن تسفر قبل التزويج.
السَّيّد
قال الضحاك: السيدُ: الحليم:. ورُوي عنه أيضًا أنه التقي. وقال قومٌ: هو الكريم على ربه. وقال قومٌ: هو الذي يفوق في الخير قومه. وقيل: الحسنُ الخلُق.
والسيد أيضًا: الرئيسُ الذي يملكُ أمرهم وينقادون له، يقال منه: ساد يسود سيادة، قال:
أتطمع أن تسود ولا تغني وكيف يسود والدعة البخيلُ
فإن سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مسلكها طويل
آخر:
[ ٣ / ٢١٣ ]
فإن كنت سيدنا سدتنا وإن كنت للخال فاذهب فخل
والسيد أيضًا: زوج المرأة. قال الأعشى:
فبت الخليفة من بعلها وسيد نعم ومستادها
والسيد أيضًا: المالكُ. وسيد الجارية: مالكها.
وساد الرجل قومه يسودهم: أي صار سيدهم.
والمسودُ: السيدُ. قال:
خلت الديارُ فسدتُ غير مدافع ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
والمسود: الذي قد ساده غيره. قال:
* وما الناس إلا سيدٌ ومسودُ *
وسودَ فلانًا قومُه: أي جعلوه سيدهم.
والمُسَوَّدُ: السيدُ. قال:
وإن لقوم سودوك لفاقة إلى سيد لو يظفرون بسيد
قال عصامُ في نفسه:
نفسُ عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما
وصيرته ملكًا هُماما
[ ٣ / ٢١٤ ]
وساد الرجل قومه: إذا احتمل أمورهم وحلم عنهم.
قالت امرأة من العرب لطوق بن مالك في ابن لها:
إذا أنت لم تُذنب عليك غواتنا ولم يبد منا جدنا وجديدنا
ولم تعف عن زلاتنا ابن مالك ولا ما بدا منا فكيف تسودنا
آخر:
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وكيف يسود القوم من يحمل الحقدا
ويقال: السؤدد أربعة: العقلُ، والفقه، والأدبُ، والعلمُ.
وقولهم: فلانٌ سريٌّ من الرجال
٢/ ٤٩ أي رفيع. ومعنى سروَ الرجلُ يسروُ فهو سريٌّ أي ارتفع يرتفعُ فهو مرتفعٌ، مأخوذٌ من السراة، وسراةُ كل شيء: ما ارتفع منه وعلا.
قال: وأنشد الأخفش أبا عمرو بن العلاء بيت الأعشى:
قالت قبيلة ما له قد جللتْ شيبًا شواته
فقال أبو عمرو: صحَّفْتَ، كبرتَ الراء فظننتها واوًا، وإنما هو: سراتُه، وسراةُ كل شيء: أعلاه. قال أبو عبيدة: فمكثنا دهرًا نظن أن أبا الخطاب، وهو الأخفش، أخطأ وأن أبا عمروٍ هو المصيب، حتى قدم علينا أعرابي، فسمعناه يقول:
[ ٣ / ٢١٥ ]
اقشعرت شواتي، يريدُ: جلدة رأسي، فعلمنا أن أبا الخطاب وأبا عمرو أصابا جميعًا.
وتقول: سرو الرجل سراوةً، وهو سر، وسرى يسري / سريًا [فهو] سري. وسري يسرو سروًا، فهو سري، وقوم سرواتٌ: سراةٌ.
والسرو: سخاءٌ في مروءة.
والسري: النهر فوق الجدول ودون الجعفر.
وسروتُ الثوب عنه أسروه سروًا واستريته استراء: إذا نزعته.
واستريت الشيء: خلعته. قال:
سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل وقرب للبين الخليط المزايل
ويروي: المزاول.
ويقال: سَرَّى وسَرَى، بالتشديد والتخفيف، واستريتُ الشيء: تخيرته وتسريته. وسراةُ الشيء: خياره. قال:
فلم أرَ عامًا كان أكثر باكيا ووجه غلام يُسترى وغلامه
يُسترى: أي يُختار.
وقولهم: قد سُريَ عن الرجُل
أي قد كُشف عنه ما كان يجده من الغضب والغم، من قولهم: قد سروتُ
[ ٣ / ٢١٦ ]
الثوب عن الرجل سريته: إذا كشفته. ومنه الحديث "الحساء يرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم". فمعنى يرتو: يشُد ويُقوي، ومعنى يسرو: يكشفُ.
وفي الحديث "أن النبي صلى الله عليه [وسلم] أُخبر بخبر غمه، فامتقع لونه، ثم سُري عنه". أي كُشِفَ عنه ما وجده. ومعنى امْتُقع: تغير، وفيها عشرُ لغات، مضت في حرف التاء.
وقولهم: فلانٌ سخيٌّ
أي جواد. والسخاء: الجودُ. ورجلٌ سخي.
وسخا يسخو سخًا وسخاء، بالمد والقصر.
وتقولُ: سخيتُ نفسي وبنفسي عن هذا الشيء: أي تركته وما تُنازعني نفسي إليه. قال الخليل بن أحمد:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لستُ ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى رجلًا يموتُ هزلًا ولا يبقى على حال
وتقول: سخيتُ سخوًا.
[سوخ]
وساخت الأرضُ تسوخُ سوخًا: إذا انخسفتْ، وقيل: تسوخ سؤوخًا وسوخانًا.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وكذلك تسوخ الأقدام في الأرض، وساخت بهم الأرض، فهي تسوخ سوخًا،
وقولهم: فلانٌ سمحٌ
أي يجودُ بما لديه.
وقد سمح سماحةً.
ورجلٌ مسماحٌ وقومٌ سمحاء ومسامحي. قال:
٢/ ٥٠ غلب المساميح الوليد سماحة وكفى قريش المعضلات، وسادها
سميدعٌ
الشجاع. قال أبو عبيد: الكريم. ويقال: هو السهلُ، ويقال: النجدُ الشديد. قال متمم بن نويرة:
وإن ضرس الغزو الرجال وجدته أخا الحرب صدقًا في اللقاء سميدعا
وقولهم: توسَّمْتُ فيه الخير
فيه قولان: أحدهما: رأيتُ أثر الخير فيه وعلامتَهُ، وسُميت السمةُّ سمة لأنها أثر في الموضع.
ويقال: القول الآخر: رأيتُ فيه حُسْنَ الخير، أُخِذَ من الوسامة، وهي الحُسْنُ. يقال: رجلٌ وسيمٌ قسيمٌ: وهو الحسنُ.
قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
[ ٣ / ٢١٨ ]
قال مجاهد: المطهمةُ الحسان. ويقال: المعلمةُ بالسيما.
ويقال: المرعيةُ، منه: أسمت الإبل وسامت. قال تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. وأنشد أبو عبيدة:
وأسكن ما سكنت ببطن واد وأظعن إن ظعنت فلا أسيم
وفلانٌ موسومٌ بالخير: أي عليه علامته، وكذلك الشر، قال:
ومُسر الخير موسومٌ به ومسر الشر موسومٌ بشر
وفلانةٌ ذات ميسم، وميسمها: أثر الجمال، وقد وسُمَتْ وسامةً، قال عمرو بن كلثوم:
ظعائن من بني جُشم بن بكر خلطن بميم حسبًا ودينا
وسُمي الوسمي من المطر لأنه يسمُ الأرض فيصير فيها أثرٌ من المطر.
وتوسمتُ في فلان خيرًا: أي رأيتُ عليه أثره. قال:
توسمته لما رأيت مهابة عليه وقلتُ: المرءُ من آل هاشم
ويقال: سيما فلانٍ حسنه: أي علامته، من وسمتُ الشيء أسمهُ وسمًا: إذا علمْتُهُ.
قال جرير:
لما وضعتُ على الفرزدق ميسمي وعلى البُعيث جدعت أنف الأخطل
أراد بالميسم: العلامة التي يعرفون بها.
[ ٣ / ٢١٩ ]
وأصل ميسم: موسم، فصار الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وأصل سيما: وسمى، فحولت الواو في موضع الفاء، فوضعت موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وأيطبه، فصار سومي، فجعلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فقيل: سيما، ومنه ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ و﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ وبسيمائهم وبسميائهم، ثلاث لغات.
قال الشاعر:
غلامٌ رماه الله بالحسن مقبلا له سيمياء لا تشق على البصر
فزاد على السيماء ألفًا ممدودة، ومعنى الحرف في مده كمعناه في قصره.
وفلان سمي فلان: أي اسمهما واحد. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ليس أحد يسمى الله غير الله تعالى.
قال الحسنُ: هل تعلم له شبهًا. قال ابن عباس في موضع آخر: هل تعلمُ له ولدًا ﵎، وقال: السمي: الولد. (قال:
أما السمي فأنت منه مكثر والمال قدمًا يغتدي ويروح)
والسماء: سقفُ كل شيء.
٢/ ٥١ والسماءُ: المطر، ومنه: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم: أي الغيث.
والسماءُ: المطرةُ الجيدة.
والسماوةُ: شخصُ كل شيء.
وسومته في مالي: أي حكمتُهُ.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
وسئمت الشيء: مللته وبرمته.
والسأمُ: الملالة، سئم يسأم سأمًا فهو سئيم. قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
ويقال: سئمتُ من الشيء، فأنا أسأم منه سأمًا وسأمةً، ساكنة الهمز، وسآمةً، بألفٍ بعد الهمزة، مثله: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة. قال لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
والسامةُ: عرقٌ في جبل [كأنه خط] ممدودٌ يفصل بين الحجارة وجبلة الجبل، والجمع السامُ. وإذا كانت السامةُ ممدها من قبل تلقاء المشرق إلى المغرب لم تُخْلِفْ بتةً أن يكون فيها معدنُ فضة. ولذلك يقول بعض الناس: السامُ الفضةُ، وهو غلط.
قال الأصمعي: عِرْقُ الذهب، الواحدة سامةٌ. عن بعض العلماء: السامُ: الذهبُ نفسهُ.
[السيراء]
وقيل: السيراءُ: الذهب، وقيل لضربٍ من البرودِ: السيراء. قال النابغة:
[ ٣ / ٢٢١ ]
صفراء كالسيراء أخلص لونها ريا الروادف بضة المتجرد
فهذا يدل على الذهب.
قال قيس بن الخطيم:
كشقيقة السيراء أو كعسامة ربعية في عارض مخبوب
تدل على أنه أراد البرد لاقترانه بالشقيقة.
وقولهم: فلانٌ ساحرٌ
السحرُ: الخديعة. وفلانٌ يسحر بكلامه: أي يخدعُ. ومنه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أي من المخدوعين، وقيل: من المعللين. وقالوا في قوله تعالى ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي من أين تُخدعون. وقال أبو عبيدة: أي كيف تمنعون وتصدون عنه، من قولهم: سحرت أعيننا عنه فلم نبصره.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي مخدوعًا، لأن السحر خديعة وحيلة. قال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لوقت عيث ونسحر بالطعام وبالشراب
أي: نعللُ فكأنا نخدعُ. وقال آخر:
أرانا موضعين لوقت غيب ونسحر بالشراب وبالطعام
كما سحرت به إرم وعاد وأضحوا مثل أحلام النيام
[ ٣ / ٢٢٢ ]
قال لبيد:
فإن تسألينا: فيم نحن؟ فإننا عصافير في هذا الأنام المسحر
أي: المعلل.
والناس يقولون: سحرتني بكلامك: أي خدعتني. ويكون السحرُ: الاستهزاء والسخرية، ويكونُ: الصرف. سحرتُهُ عن كذا: أي صرفته عنه.
والساحر كان في قوم فرعون: العالم، قال: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي العالم.
عن ابن عباس قال: عظموه بقولهم: يا أيها الساحر، وكان الساحر يعظمونه ويوقرونه.
٢/ ٥٢ وكل شيء يؤكل فهو مسحور لأن له سحرًا. قال عائشة "مات رسول الله صلى الله عليه [وسلم] وهو بين سحري ونحري". والسحرُ لا يكونُ إلا داخلًا، ولغةُ قريش بفتح السين، وأهلُ نجد يضمونها.
والبطنُن نصفان فالأعلى منه: السحرُ، وهو الذي يخرج منه الكلام والنفسُ والصوتُ، ومنه المجاري، والأسفَلُ: هو القُصْبُ، وفيه الأعْفَاجُ.
وفي الحديث "كأني أنظرُ إلى ابن قمعة بن خندف يجرُّ قصبهُ في النار" وهو أول من غير دين إسماعيل ومن بحر البحيرة والسابية.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وجمع القُصب أقصابُ.
والسحرُ والسحرُ لغتان.
والسحرُ: البيانُ، كما جاء في الحديث "إن من البيان لسحرا".
والسحرُ: آخر الليل. تقولُ: لقيته سحر وسحرًا، يُنونُ ولا يُنَوَّنُ. ولقيته بالسحر الأعلى، ولقيته بسُحْرَةٍ ولقيته سُحرةً. قال الطرماح:
بان الخليط بسحرة فتبددوا والدار تسعف بالخليط وتبعد
ولقيته بأعلى سحرين وبأعلى السحرين. وتقول: سحري هذه الليلة، وسحريةَ هذه الليلة.
وأسحرنا مثل أصبحنا.
وتسحرنا: أكلنا سحورًا. والسحورُ، بالفتح، اسم ما يؤكل. والسحورُ، بالضم اسم الفعل.
وقولهم: سخِرَ فلانٌ من فلانٍ
أي استهزأ منه، وسخر به.
والسخريةُ: مصدرٌ فيهما جميعًا، وهو السُّخري أيضًا، كقولك: هؤلاء سِخْريُّ وسخريةٌ، وسخريةُ فلان وسخريةُ. ومنه: سَخْرًا وسَخَرًا أيضًا.
والسُّخْرَةُ: الضحكةُ.
والسُّخْرَةُ: ما تسخرتَ من خادم أو دابةٍ بلا أجرٍ ولا ثمن، وهم لك سخرةً وسُخْرِيٌّ. وقرئ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي سخرةً من سُخْرةِ الخول، وما
[ ٣ / ٢٢٤ ]
سوى ذلك (سِخْرِيًا) من الاستهزاء.
وسخرتُ دابةَ فلان سُخْرًا، أي بغير أجرٍ.
قال الجياني: ما كان من الاستهزاء جاز كسر سينه ورفعها: سخريًا وسُخْريًا. وأما قوله في الزخرف فبالضم فقط، لأنه من السخرةِ لا من الاستهزاء، ولأن يستعبد بعضهم بعضًا.
وسخرت المطيَّةُ: إذا أطاعت فطاب لها السَّيْرُ.
وقولهم: فلان سادمٌ نادمٌ
وندمانٌ وسدمان: أي مهتم. والجميعُ ندامى سدامىة ونُدّامٌ سُدَّامٌ. وهو النَّدَمُ والندامة.
وقيل في السادم قولان:
قيل: السادمُ: المتغيرُ العَقْل، ووأصْلُهُ من قولهم: ماءٌ سادمٌ ومياهٌ سُدْمٌ وأسْدام: إذا كانت متغيرة. قال ذو الرمة:
وماء كلون الغسل أقوى فبعضه أواجن اسدامٌ وبعضٌ معور
وقيل: السادمُ: الحزينُ الذي لا يطيق ذهابًا ولا مجيئًا كالممنوع من ذلك، من قولهم: بعيرٌ مسدمق: إذا كان ممنوعًا ٢/ ٥٣ من الضرابز
والتَّنَدُّمُ: أنْ يتبعَ الإنسانُ أمرًا فيندم عليه ندمًا، يُقال: التقدُّمُ قبل التَّنَدُّم. وقل ما يُفْرَدُ السَّدَمُ من الندم.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وسدومُ: مدينة من مدائن قوم لوط ﵇، وكان قاضيها يقال له: سدوم، وله أحاديث جهل.
وقولهم: سَامِد
أي غافل، والسُّمودُ في الناس: الغفلةُ والسهوُ عن الشيء. يقال: دعْ عنكَ سُمودَك. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَامِدُونَ﴾ قال: السُّمودُ: اللهو والباطل، وأنشد لهرملة بنت بكر تبكي قوم عاد:
ليت عادًا قبلوا الحق ولم يبدوا جحودا
قيل: قم فانظر إليهم ثم ذر عنك السمودا
لن تراهم آخر الدهر كما كانوا قعودا
والسامِدُ: اللاهي، ببعض اللغات، يقال للجارية: اسمُدي لنا: أي غني لنا.
والسامدُ على سبعة أوجه: اللاهي، والمغني، والقائم، والساكت، والحزينُ، الجائع، والرافع رأسهُ.
سمَدَ يَسْمِدُ وَيسْمُدُ.
والسامِدُ: آخِذُ الشعْرِ، سَمَدَ الشَّعْرَ: إذا أخذه.
السّايَةُ
فيها قولان:
[ ٣ / ٢٢٦ ]
فَعَل فُلانٌ بفُلانٍ سايةً، قال اليمامي: هي الفَعْلَةُ من السوء، أصلها الهمزُ، فتُرِكَ. والمعنى: قصد به إلى مكروهه والإساءة به.
وقيل: معناه [جعل لما يُريد أن] يفْعَلَهُ به طريقًا، فالسايةُ: فعْلَةٌ من (سويت)، أصلها: سوية، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكنٌ جعلوهما ياء مشددة، ثم استثقلوا التشديد، فاتبعوه الفتحة التي قبلها فقالوا: ساية، كما قالوا: دينار وديوان [وقيراط]، أصله: دِنار ودِوّان وقِرّاط، فاستثقلوا التشديد فأتبعوه الكسرةَ التي قبله.
والسوء: نعتٌ لكل لغةٍ في المساءة. وتقول: أردْتُ مساءتك ومسايَتَكَ، وهي تُسيءُ، بلا مدّ، والسوءُ الاسمُ الجامعُ للآفات والداء.
والمسايةُ لغةٌ في المساءة.
(تقول: مساءتك ومسايتك).
وأسأتُ إليه في الصنع.
واستاء فلانٌ: من السوء، بمنزلة اهتم، من الهم. والسيءُ والسيئةُ عملان قبيحان، السيء ذكرٌ، والسيئة أنثى.
والسيئةُ: اسمٌ كالخطيئة.،
والسوأى: فُعلى، اسمٌ للفَعْلَةِ السيئةِ كالحسنى للحسنة، والسوأى: الفعلةُ القبيحةُ.
رَجُلٌ سخيفٌ
لا تثبت معه.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
والسخفةُ عندهم: الخِفَّةُ من الجوع. ومنه حديث أبي ذر قال: "مكثتُ أيامًا ليس لي طعامٌ ولا شرابٌ إلا ماء زمزم فسمنت فلم أجد على كبدي سخفة جوع". أي خفة جوع.
والسخفةُ: رِقَّةُ العقل.
رجلٌ بينُ السخفِ، وهذا من سخفِ عقلك وسخافته.
(وثوبٌ سخيفٌ: رقيقُ النسج بين السخافة).
ولا يكادون يقولون (السُّخْفَ) إلا في العقل خاصة، والسخافةُ عام حتى في السحاب والسقاء إذا تغير وبلي. ٢/ ٥٤ والعُشْبُ السخيف، والرجلُ السخيف. قال المغيرة بن حبناء يهجو أخاه صخرًا:
وأمك حين تنسب أم صدق ولكن ابنها طبع سخيف
آخر:
أتيت أبا جعفر مرة فصادفت نذلًا وضيعًا سخيفًا
ولولا الضرورة لم آته وعند الضرورة تأتي الكنيفا
السَّفيه
والسَّفيهُ: خفيفُ العقل، أيضًا قليل الحِلْمِ، ومنه: ثوبٌ سفيه: أي خفيفٌ رقيق.
قال ذو الرمة:
وأبيض موشي القميص عصبته على ظهر مقلاة سفيه جديلها
[ ٣ / ٢٢٨ ]
الجديلُ: الزمامُ، أي خفيفٌ زمامها.
وتسفهت الريح الشيء: استخفته وحركته. قال:
مشين كما اهتزت رياح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
ومن لا يُميزُ تمييزًا صحيحًا فهو سفيه.
والسَّفَهُ والسَّفَاهُ والسَّفَاهَةُ: نقيضُ الحلم.
سَفَّهْتُ أحلامهم: أي قُلْتُ إنهم جهلة لا حُلوم لهم.
وسَفِهَ الرجُلُ: صار سفيهًا.
وسَفِهَ رأيهُ وحِلْمَهُ ونفسَهُ: إذا حمَلَها على أمرٍ سفهًا. والسفاء والسَّفَهُ: الجهلُ والطيش. قال:
كم أزالت رماحُنا من أناس سافهونا بغرةٍ وسفاء
يعني الجهل والسفه.
ورجلٌ سفي: سفيه، وقد سفي يسفي فهو سفيه.
والسفَهُ على وجهين: سفهُ هلاك، وسفَهُ طيش. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي أوبق نفسه وخسرها وأهلكها. يقال: سفهت نفسك: أهلكتها، وليس من سفه الطيش. سَفُهَ، بالكسر والضم، الرجل نفسه: إذا أهلكها بفعل منه.
والسفه والسفاه: ضعف الرأي والجهلُ. قال النمر بن تولب:
[ ٣ / ٢٢٩ ]
بكرت نصيحتك الملامة فاعلمي سفهًا تبيتك الملامة فاربعي
وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
عتبت سلمى علينا سفاها قد عصين فيها اللئيم سفاها
ويقال: سَفِهَ يَسْفَهُ سفهًا، وسَفُهَ يَسْفُهُ سفهًا وسفاهة. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال الفراء: نصب (نفسهُ) على التفسير، وكان الأصل: سفُهَتْ نَفْسُهُ، فلما أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت (النَّفْسُ) مُفسرةً لتُعْلِمَ موضع السفه.
قال يونس: سَفِهَ نفسه بمعنى: سَفَّهَ بنفسهِ.
قال الأخفش: معناه سفه في نفسه، فلما سقط حرف الخفض نصب ما بعده، كقوله تعالى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي: على عُقْدَةِ.
وتقولُ: سَفِهَ نفسهُ مثل: صبر نفسه، ولا يقال: سَفِهْتُ زيدًا ولا صبرتُهُ. قال جرير:
٢/ ٥٥ أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ﴾ قيل: معنى السفه في الآية التي
[ ٣ / ٢٣٠ ]
قبلها: من سفه الهلاك لا سفه الأحلام، والله أعلمُ.
والسفَهُ: الجهلُ، يكون لكل شيء، يقال للكافر سفيه، كقوله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ يعني اليهود. وقوله ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾، قال ابن عباس: سفيهًا: جاهلًا بالإملاء، والضعيف: الأحمق. قال مجاهد: السفيه: الجاهل، والضعيفُ: الأحمقُ.
ويقال للنساء والصبيان سفهاء، لجهلهم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ يعني النساء والصبيان. ويُقال: ما قل سُفهاء قوم لوطٍ إلا ذلوا. وقال:
لابد للسؤدد من رماح ومن سفيه دائم النباح
ومن عديد يتقى بالراح
وقال المهلب بن أبي صفرة: لأن يطيعني سفهاءُ قومي أحب إلي من أن يطيعني حلماؤهم. قال:
بني هلال ألا تنهوا سفيهكم إن السفيه إذا لم ينه مأمور
وقال حسان لعلي: إنك تقول ما قتلتُ عثمان ولكن خذلته ولا أمرتُ به، ولكنك لم تنه عنه، فالخاذل أخو القاتل، والسكوتُ أخو الرضا.
[السَّفي]
والسفي: جمعُ سفاةٍ، مقصور، وهو ترابُ البئر والقبر.
[ ٣ / ٢٣١ ]
قال كثير:
وحال السفي بيني وبينك والعدا ورهن السقي غمرُ النقيبة ماجد
آخر:
فلا تلمس الأفعى يداك تريدها ودعها إذا ما غيبتها سفاتها
فأما السفاء، بالمد، فالخفةُ والطيش.
السَّفِلَةُ
السَّفِلَةُ (سُمي تشبيهًا بسفِلةِ البعير): وهي قوائمه. ويقال: فلانٌ من سفلة الناس، وعليه جمعُ علي أي شريفٌ رفيع، مثل: صبية وصبي.
وسفلةٌ: لغةٌ في سُفْلَة.
والأسفلُ: نقيضُ الأعلى.
والسُّفْلُ: نقيضُ العلو. ويقال: سِفْلٌ وعِلْوٌ.
والتسَفُّلُ والتعَلي.
والسِفْلَةُ: نقيضُ العلية.
والسَّفَالُ: نقيضُ العلاء.
والسُّفُولُ: مصدر، وهو نيقضُ العلو.
وقيل: السَّفِلَةُ: الذي يأكل الطيبات مستترًا عن أهله، وقيل: هو الذي يأكل الحرام. وقيل: هو الكافرُ. وقيل هو الذي يدفعُ الناس بعجزه، فاشتقوا له هذا الاسم
[ ٣ / ٢٣٢ ]
لأنه دفعه بأسفله. وقيل: هو الذي لا يخاف الله.
ويقال للسفلة: رجسٌ.
الساقطُ
اللئيم في حسبه ونفسه، وهو الساقطة أيضًا. قال:
* نحن الصميمُ وهم السواقطُ *
ويقال للمرأة الدنيئة الحمقاء: سقيطة.
٢/ ٥٦ والسقاطاتُ من الأشياء: ما يُتهاونُ به، فلا يُعتد به من رُذالةِ الثياب والطعام ونحوه.
وسقطُ البيت: نحو الإبرة والفأس والقدر ونحوه، والجميعُ الأسقاطُ.
والسقطُ: الخطأُ في الكتابة والحساب.
والسِقْطُ، بالكسر: لعله ما سقط من الزناد. قال ذو الرمة:
وسقط كعين الديك عاودت صحبتي أباها وهيأنا لموقعها وكرا
قال أبو عبيد: في سقط الولد والنار والرمل ثلاث لغات، كسرٌ وفتحٌ وضمٌ.
قال الرياشي: لا يعرفُ الأصمعي سقط الرمل إلا مفتوحًا، ويجيز الثلاث اللغات في النار.
ويقال: سقط الولدُ في بطن أمه، ولا يقال: وقع.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وفلانٌ يحن إلى سقطه: أي حيثُ وُلِدَ.
ويقال لكل من وقع في مهواة، أو وقع اسمه من الديوان: وقع وسقط، جميعًا.
وإذا لم يلحق الإنسان ملحق الكرام، يقال: تساقط.
قال سويد:
كيف ترجون سقاطي بعدما لفع الرأس مشيبٌ وصلع
أي كيف يظنون أني أسقط عن النجدة وقد ذربتني الأمور.
وقوله: لفع الرأس: أي شمله الشيب كأنه غطاءٌ على سواد الرأس واللحية.
وقولهم: لكل ساقطةٍ لاقطة
معناه: لكل كلمة ساقطة، أي يسقط لها الإنسان، لاقطٌ لها متحفظٌ بها. وكان يجب أن يُقال: لكل ساقطةٍ لاقطٌ، أي لكل كلمةٍ خطأ متحفظٌ بها، فأُدْخِلَت الهاء في اللاقطة لتزدوج الكلمةُ الثانية مع الأولى، كما قالوا: فلانٌ يأتينا بالغدايا والعشايا، فجمع الغداة: غدايا، ليزدوج الكلام مع العشايا. وقال الفراء: العربُ تُدخِلُ الهاء في نعت المذكر في المدح والذم، فالمدح قولهم: رجلٌ راويةٌ وعلامة ونسابة، والذم قولهم للأحمق: فقاقة وهلباجة وجخابة، ذهبوا إلى معنى البهيمة. ولم يقل هذا غير الفراء ومن أخذ بقوله.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وقولهم: أخذهُ أخْذَ سبْعَةٍ
أي أخذ سبعة، بضم الباء: وهي اللبؤة، فسكن الباء. وقرئ ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.
قال بعض النحويين: من قرأ بضم الباء أراد الأسد، ومن قرأ بسكونها فغيره من السباع.
قال الأخفش والفراء والكسائي: هما لغتان بمعنى.
قال ابن الأعرابي: أخذه أخذ سبعة، يعني من العدد، وخص اسبعة لأنها أكثر ما يستعملون في كلامهم، كقولهم: سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام.
قال هشام بن الكلبي: سبعةُ اسمُ رجل، هو سبعةُ بن عوف، وكان رجلًا شديدًان فضُرِبَ به المثل.
٢/ ٥٧ وقيل: أرادوا المبالغة وبلوغ الغاية. ومن أراد سبعةَ رجال أسكن الباء وثقل في بعض اللغات وأصله الجزمُ، قال تعالى ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
ولا يجوز تحريك الباء في العدد إلا أن يريد قومًا سبعة، سابع وسبعة.
مثل كعالم وعلمة، وكاتب وكتبة.
وفلانٌ سبع فلانًا، قيل: يرميه بالقبيح، منْ: سبعهُ الذئبُ: إذا رميته.
وقيل: قال: فيه قولان: غمه وذُعِرَ منه، يقال: سبعتُ الوحش: إذا ذعرته، وكذلك سبعت الأسد: إذا ذعرته وأفزعته. قال الطرماح يذكر ذئبًا:
[ ٣ / ٢٣٥ ]
فلما عوى لفت الشمال سبعته كما أنا أحيانا لهن سبوعُ
وتقول: سبعتُ فلانًا: إذا وقعتَ فيه وقيعةً
والمسبعُ: الدعيُّ، تميمية.
والمسْبَعُ: الذي تموتُ أمهُ فيتولى رضاعه نسوةٌ فيغتدي بينهن.
وقيل: هو ولدُ الزنا.
وعبدٌ مسبعٌ: أي مهملٌ، هذيلية، وهو المترفُ حلي وما يريد. قال أبو ذؤيب يصف حمار الوحش:
صخب الشوارب لا يزال كأنه عبدٌ لآل أبي ربيعة مسبع
وتقول: تُرك حتى صار كالسبع من جرأته على الناس. وقيل: هو الذي [ينسب] إلى سبعة آباء في العبودية أو في اللؤم. وقيل: وُلِدَ لسبعةِ أشهر.
والسبيعُ كالعشير في العدد.
وأرضٌ مسبعةٌ: ذات سباع.
والمسبعُ: الراعي الذي أغارت السباع على غنمه. قال:
قد أسبع الراعي وضوضي أكلبه واندفع الذئب بشاة يسحبه
[ ٣ / ٢٣٦ ]
المِسْوَرَة
سُميتْ مسورة لعُلوها وارتفاعها، من سار يسور سورًا: إذا ارتفع. قال العجاج:
فرُب ذي سرادق محجور سُرتُ إليه من أعالي السور
أي: ارتفعت إليه.
قال أبو عبيدة: قالوا جميعًا في [جمع] سورة البناء، سور، الواو ساكنة.
وسورةُ القرآن بعضهم يهمزها، وبعضٌ لا يهمزها، وسميت سورة في لغة من لا يهمزها، لأنه يجعلُ مجازها مجاز منزلة ثم ترتفع إلى منزلة أخرى كمجاز سورة البناء. قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي منزلة شرف ارتفعت إلهيا عن منازل الملوك. ومجازُ سورة في لغة من همز مجاز قطع من القرآن لأنه يجعلها من قولهم: أسأرتُ سؤرًا منه: أي أبقيت وأفضلتُ فضلةً منه. وفي الحديث "أسئروا من طعامكم" أي أبقوا منه.
ويقال: أسأروا في الحوض بقية، وبقيةُ كل شيء سؤره.
٢/ ٥٨ وسورةُ الشراب: حُميَّاهُ الذي ترتفع في الرأس، سار يسورُ.
وسورةُ الحرب والغضب: شدته وبطشه.
والسوارُ: الذي يسور الشراب في رأٍه سريعًا، وقيل: هو الذي يَرُدُّ سؤره في
[ ٣ / ٢٣٧ ]
القدح. قال:
من شاربٌ مريحٌ للكاس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار
وقولهم: السكينةُ على فُلان
هي فعِيلَة من السكون الذي هو وقارٌ، لا الذي هو ضد الحركة. قال الهُذلي:
لله قبرٌ غاله ماذا يجنـ ـن لقد أجن سكينةً ووقارا
قال الفراء: معناها عندهم: الطمأنينة، ومنه ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
قال علي: السكينةُ وجهٌ كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريحٌ هفافة. وقال مجاهد: لها رأسٌ كرأس الهر وجناحان، وهي من أمر الله تعالى. وقال مقاتل: كان في السكينة رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفر لبني إسرائيل. والسكينةُ: الوداعةُ والوقار. تقول: إنسانٌ وديعٌ وقورٌ هادٍ ساكنٌ.
والسكينةُ مصدرُ فعل المسكين، وهو مفعيل كالمنطيق، فإذا اشتقوا فعلًا قالوا: تمسكن إذا صار مسكينًا.
والسكينُ يذكر ويؤنث، وجمعهُ السكاكين.
وسُكان السفينة: ذنبها الذي تُعدلُ به.
وسكن بمعنى سكت، سكنت الريحُ وسكن المطر وسكن الغضب، و﴿سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي سكن.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
والسكن، مجزوم: هم العيال، وهم أهلُ البيت. والسكنُ: السكانُ.
والسكنُ: المنزلُ، وهو المسكن.
والسكنُ: الرحمةُ، وما تستريح وتسكنُ إليه.
سرد فلانٌ الكتابَ
درسهُ محكمًا مجودًا، أي أحكم درسه، من قولهم: سردتُ الدرع: أحكمتُ مساميرها، ودرعٌ مسرودةٌ: محكمةُ المسامير والحلق، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال الفراء: أي لا تجعل المسامير غلاظًا، فتقصم الحلق، ولا دقاقا، فنقلق في الحلق. قال:
من كل سابغة تخير سردها داود إذ نسج الحديد وتبع
قال الآخر في سرد الكلامك
وأسرده مستأنسًا عند أهله كما يُسرد الياقوت والدر في النظم
أراد: وأُحْكِمَ درسهُ ونظمُهُ.
وسرد فلانٌ القراءة والحديث يسردُهُ سردًا: أي تتابع بعضه على بعض.
وسمي السرادُ زَرَّاد، لقرب السين من الزاي، كما قالوا: الأسد: أزْد، فإذا صغروا أرجعوا إلى السين، فقالوا: أسيد.
والمسردُ: المثقبُ، وهو السرادُ. قال طرفة:
كأن جناحي مضرحي تكنفا حفافيه شكا في العسيب بمسرد
[ ٣ / ٢٣٩ ]
سبيل الله تعالى
طريقه الذي يريده ويثيب عليه.
والسبيلُ: الطريق، يُذكر ويؤنث. قال الله تعالى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ ٢/ ٥٩ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أراد الطريق. وقال ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ وفي بعض المصاحف ﴿لا تتخذوها﴾. وقال ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. بالياء والتاء. قال:
فلا تبعد فكل فتى أناس سيصبح سالكًا تلك السبيلا
وقال قيس الرقيات يمدح عبد الله بن جعفر:
إذا مُت لم يوصل صديق ولم تقم طريق إلى المعروف أنت منارها
والسابلةُ: المختلفةُ في الطرقات في حوائجهم، والجميع السوابلُ. وسبيلٌ سابلٌ: مثل شِعْرٌ شاعرٌ، اشتقوا له من اسمه فاعلًا.
والسبل: المطرُ.
وأسبل الزرعُ: إذا سنبلَ.
والسبولةُ: هي سُنبلةُ الذرة والأرزّ ونحوهما إذا مالت.
وقولهم: شرابٌ سَلْسالٌ
معناه: عذبٌ سهلُ الدخول في الحلْق، وفيه لغات: سلْسَال وسَلْسَبيل وسلْسَل. قال أبو كبير:
[ ٣ / ٢٤٠ ]
أم لا سبيل إلى الشراب، وذكره أشهى إلي من الرحيق السلسل
وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ يجوز أن يكون اسمًا للعين غير منون، ويجوز أن يكون صفة للعين ونعتًا قال عبد الله بن رواحة:
إنهم عند ربهم في جنان يشربون الرحيق والسلسبيلا
وقال ابن عباس: معنى سلسبيلا: ينسلّث في حلوقهم انسلالا. قال سعيد بن المسيب: هي عين تجري من تحت العرش في قضيب من ياقوت. وقيل: معناها: سل ربك سبيلًا إلى هذه العين. قال أبو بكر: هذا خطأ، لأنه لو كان كذلك لفُصِلَتْ اللام من السين، واتصالها أكبرُ دليل على غلط القوم، وأوضح بُرهان على أنهما حرفٌ واحد لا يُفصلُ بعضهُ من بعض.
وماءٌ سلسل: عذبٌ.
وسُلاسِل: صافٍ يتسلْسَلُ في الحَلْق.
والماء إذا جرى في صببٍ وحدورٍ يُقال: تسلسلَ، وهو السَلْسَالُ.
وخمرٌ سلْسَل. قال حسان:
يُسقون من ورد البريض عليهم بردي يصفق بالرحيق السلسل
والسليلُ: الولدُ.
[ ٣ / ٢٤١ ]
وكل من سل شيئًا من شيء فهو: سليل.
والسلُ: طرائق السنام.
والسليلُ: دماغُ الفرس.
وقولهم: نظيفُ السَّراويلُ
أي عفيفُ الفرج. والسراويل كناية عن الفرج، مثل عفيف المئزر، والإزار: إذا كان عفيف الفرج. قال أبو تمام:
لا يضمر الفحشاء تحت ثيابه حلوٌ شمائله عفيف المئزر
أي: الفرج.
وقيل: نجِسُ السراويل: غيرُ عفيف الفرج، ويكنون بالثياب عن النفس والقلب. قال امرؤ القيس:
فإن كنتِ قد ساءتك مني خليقةٌ فسُلي ثيابي من ثيابك تنسل
فيه ثلاثةُ أقوال: قيل: الثيابُ كناية عن الأمر، ٢/ ٦٠ أي: اقطعي أمري من أمرك. وقيل: المعنى: سُلّي قلبي من قلبك. وقيل: هذا كناية عن الصريمة، كان الرجل يقول لامرأتِهِ: ثيابي من ثيابك حرام.
ومعنى البيت: إن كان في خُلُق لا ترضينه فانصرفي.
وقولُ الناس: فلانٌ بليدُ السراويل ليس من كلام العرب.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
[السوق]
والسوقُ سُميتُ سوقًا لأن الأشياء تُساقُ إليها ومنها، جمعُها أسواق.
والسُّوقُ، بالضم: اسمٌ من سُقْتُ، وبالفتح: المصدرُ. سُقْتُ أسُوُقُ سوقًا.
والسوْقُ: الحشرُ، والناس يُساقون يوم القيامة أي يُحشرون.
وتقول: رأيته يسوق سياقًا: أي ينزع نزعًا. والسوقة: أوساط الناس، والجمعُ: السوقُ. والعامةُ تظن السوقة أهل الأسواق والمتبايعون فيها وليس كذلك عند العرب، إنما السوقة عندهم: من لم يكن ملكًا، تاجرًا كان أو غير تاجر. قال زهير:
يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة منكم ولا ملك
يقال: رجلٌ سوقةٌ ورجلان سوقةٌ ورجالُ سوقةٌ وامرأة سوقةٌ وامرأتان سوقةٌ ونساء سوقةٌ.
وقولهم: سخَّم وجهَهُ
أُخِذَ من: السُّخام: وهو سَوادُ القِدر.
والسُّخامُ، في غير هذا: اللَّيْنُ.
شعرٌ سُخام: أي لَيِّنٌ.
وعسلٌ سخام.
وقيل للخمر سخامية للينها.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
والسخامي من الخمر: لونٌ يضربُ إلى السواد. قال:
* سخاميةً سوداء تحسب عندما *
والسخَمُ: مصدرُ السخيمة وهي: موجِدَةٌ في النفس وحِقْدٌ محتملٌ. تقول: سخمت بصدرِ فلانٍ: أي أغضبته في شيء.
وسللتُ سخيمتَهُ بالقولِ الطيبِ اللطيف وبالتراضي.
والسُّخامُ: الريشُ الليّنُ الذي تحتَ الريش من الطير، والواحدة بالهاء.
وقولهم: حَلَف بالسَّماء
أي بالسماء المعروفة. قال الأصمعي: بالمطر. والسماءُ عندهم: المطرُ. قال الله تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. أي أرسلنا المطر. قال النابغة:
كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعاليه وأسفله ندى
وقيل: [معناه]: حلف بربّ السماء. وكذلك قال المفسرون في قوله ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ وجميع الأقسام: أراد: ورب هذا كُله.
قال الفراء وقُطرب: إنما أقسم الله بهذه الأشياء، ليُعجب منها المخلوقين، ويعرفهم قدرته فيها، لعظم شأنها عندهم، لدلالتها على خالقها ﷿.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
والسماء: سقف كل شيء.
والسماءُ: المطر، وجمعهُ: أسميةٌ، وسُمي. وأسمتِ السماءُ: إذا أمطرت .. ومنه: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. يعني: الغيث.
والسُّمي: بُعْدُ ذهاب اسم الرجل. قال:
لأوضحها وجهًا وأكرمها أبًا وأسمحها كفًا وأعلنها سُمي
٢/ ٦١ [السّمُّ]
والسمُّ معروفٌ.
والسَّمُّ والسُّمُّ: خرتُ الإبرة. ومنه ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.
وسمُّ الأذُنِ: ثقبها. والسمومُ: الثقوب كلها، المنخران والمِسْمعَان والفم.
والسمُومُ: الريحُ الحارةُ ليلًا تهبُّ أو نهارًا.
ونباتٌ مسمومٌ: أصابتْهُ السمومُ.
ويقال: السمائمُ، وهو جمع.
وقولهم: السَّوادُ
سوادُ الإنسان: شخصُهُ.
والسواد عندهم: الشخص، وكذلك البياض. قال حسان بن ثابت:
يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
[ ٣ / ٢٤٥ ]
أي عن الشخص.
والسوادُ، بالكسر والضم، عندهم: السرار.
يُقال: ساودتُ الرجلَ أساوِدُهُ مساوَدةً [وسوادًا]؛ وبالكسر المصدر، وبالضم الاسم، مثل: الجِوار والجُوار، فالجِوار مصدرُ جاورتُهُ مُجاورةً وجِوارًا، والجُوار الاسم. قال:
من يكن في السواد والددِ والإغـ ـرام زيرًا فنني غير زير
الزيرُ: الذي يحبُّ مجالسة النساء. ومنه قال النبي صلى الله عليه [وسلم] لابن مسعود "أذُنُكَ على أن تَرْفَعَ الحجاب وتستمع سوادي حتى أنهاك".
والسوادُ: معظمُ القوم والعسكر.
وسواد الكوفة: عمرانها وحضرتها. وبياضُها: خرابُها وعامِرُها وهو ما حواليها من القُرى والرساتيق.
وتقول: رمَيْتُهُ فأصبتُ سواد قلبِهِ وسويداءَ قلْبِهِ.
السِّكَّةُ
سُميت سكةً لاصطفاف الدور فيها، ويُقال للطريق المستوية [المصطفة] من النخل: سكة.
قال رسول الله صلى الله عليه [وسلم]: "خيرُ المال سكةٌ مأبورةٌ ومهزةٌ
[ ٣ / ٢٤٦ ]
مأمورةٌ". فالسكةُ: الطريقةُ المصففةُ من النخل. والمأبورة: الملقحة. يقال: أبرتُ النخلة أبرها: إذا ألقحتها. ومنه الحديث "من باع نخلًا قد أُبرت فثمرتُها للبائع إلا أن يشترطها المشتري". ويقالُ: قد ائتبرت غيري: إذا سألته أن يأبر لك نخلك. قال طرفة:
ولي الأصل الذي في مثله يصلح الآبر زرع المؤتبر
المؤتبرُ: ربُّ الزرع، والآبر: هو الملقحُ.
والمُهْرَةُ المأمورة: هي كثيرة النتاج، وفيها لغتان: مأمورة ومؤمرة. ويقال: أمرها الله تعالى وآمرها: إذا أكثرها.
قال تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، فيه ثلاثة أوجه: أحدهن أن يكون: أمرناهُم بالطاعة فعصوا. والثاني: أن يكون أمرنا: أكثرنا. والثالث: أمرناهم: جعلناهم أمراء.
والسكةُ أوسعُ من الزقازق.
والسكاكُ: الهواءُ. تقول: ارتفع في السُّكاك.
ويقال: استَكَّ سمعُ فلان: أي صم، وتوصفُ به القطاة، فهي سكاء. قال:
أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتًا يوافق نعتي بعض ما فيها
سكاء مخطومة في ريشها طرق حُمرٌ قوادمها سودٌ خوافيها
[ ٣ / ٢٤٧ ]
وبعير أسكُّ.
وبئر سكوك: إذا كانت ضيقه الخرق.
أسْبَلَ عَلَيْهِ
أي أكثر عليه كلامه، أُخِذَ من قولهم: السبل، وهو المطرُ. قال ابن هرمة:
وعرف أني لا أطيق زيالها وإن أكثر الواشي علي وأسبلا
٢/ ٦٢ وقال آخر في سبيل المطر"
لم يلق بعدك منزلًا فيحله فسقيت من سبل السماك سجالا
وقولهم: أحدَّ السِّكِّينَ على المِسَنِّ
سُمي مسنًا لأن الحديد يُسَنُّ عليه أي: يُحَكُّ عليه.
ويُقال للذي يسيلُ عند الحك: سنين، ولا يكونُ إلا مُنْتِنًا. قال تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. فيقالُ: المحكوك. قال ابن عباس: هو الرطبُ. ويقال: المسنونُ: المُنْتِنُ.
قال أبو عبيدة: المسنونُ: المصبوبُ. يقالُ: سننتُ الماء على وجهي: إذا صببتُهُ عليه. ويقال: شننتُهُ، بالشين أيضًا.
وعن الحسن أنه كان إذا توضأ سن الماء على وجهه سنًا: أي صبَّهُ صبًا.
وحكى اللحياني فرقًا بين سننتُ وشننتُ، فقال: سنَنْتُ: صبَبْتُ،
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وشننتُ: فرِّقْتُ. منه: شننتُ عليهم الغارات: إذا فرقتها عليهم. أنشد أبو العباس:
بقيتُ وفري وانحرفتُ عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشُن على ابن هند غارة لم تخل يومًا من نهاب نفوس
ويقال: المسنُونُ: المصبوبُ على صورة ومثال، من قولهم: رأيتُ سُنة وجهه: أي صورة وجهه.
وسُمي الوجه المسنونُ مسنونًا لأنه كالمخروط. ويقال: سِنانٌ سنينٌ: أي حديد ومسنونٌ أيضًا. قال:
* فيه سنانٌ سنينُ الحد منفصم *
والسَّنَنُ: قصدُ الطريق. تقول: الْزَمْ سنن الطريق. والمُسَنَّنُ: طريقٌ يُسْلَكُ.
وفلانٌ يسننُّ: أي يمضي على أمرٍ شاء، لا يزجره عن زاجر.
والسننُ عند العرب: المذهب. قال:
ألا قاتل الله الهوى ما أشده وأًرعه للمء وهو جليد
دعاني إلى ما يشتهي فأجبته فأصبح بي يستن وهو يريد
[ ٣ / ٢٤٩ ]
[سيّ]
السيُّ: المِثْلُ. وسيان: مثلان. قال:
فإياكم وحية بطن وادٍ هموز الناب ليس لكم بسي
أي بمثل.
وتقولُ: هما سيان: أي مثلان. غير أن العرب تقول: هما سواء.
وإذا جمعوا سيان قالوا: سواسي، ولا يقولون: سواسين. والعالي في كلامهم المعروف: هم سواء. قال الراعي:
ضافي العطية راجيه وسائله سيان أفلح من يعطي ومن يعدُ
قال جرير:
وبلدةٍ ليس بها ديارُ سيان فيها الليل والنهار
أي: هما مثلان.
قالت التمناه بنت الهيثم الشيباني في أبيات تذكر فيها كشفها لوجهها، قالت: أي هما مثلان.
ولساعتي هذي ببذلي حرهُ سيان عندي حره وجهنم
قال الحطيئة:
٢/ ٦٣ سُئلت فلم تبخلْ ولم تُعط طائلًا فسيان لاذم عليك ولا حمدُ
وتقول: هذا سيُّ هذا: أي مثلُ هذا.
ومعنى سيما: أي مثلما، وهو قولك سواء. قال امرؤ القيس:
[ ٣ / ٢٥٠ ]
ألا رُب يوم لك منهن صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل
ولا سيما: ولا مثلما، وتروي: سيما يوم، بالجر، وهو أجود، لأن (ما) زائدة. ومن رفع جعل (ما) اسمًا، كأنه قال: ولا سي الذي هو يوم.
وسي منصوبٌ. قال زهير:
جوارٌ شاهدٌ عدلٌ عليكم وسيان الكفالة والتلاء
والتلاءُ: الحوالة. يقال: قد أتْلَيْتُ فلانًا على فلان بما كان لي عليه: أي أحلْتُهُ.
قال أبو عبيدة: التلاءُ أن يُكْتَبَ على سهم أو قدح: فلانٌ جار فلان. يقال: أتلبْتُهُ ذمةً: أي أعطيتُهُ ذِمَّةً، وسيان: مثلان مستويان.
والسيُّ: المكانُ المستوي.
وقولهم: تَسَبَّبْتُ إلى فُلان
أي توصَّلْتُ.
والسبب عند العرب: كلُّ شيء جر مودةً وصلةً، وأصلُهُ أنهم يسمون الحبل: سببًا، وإذا كان مشدودًا في شيء يجذبُهُ لم يُقل له سببٌ. قال:
وقال الشامتون هوى زيادٌ لكل منية سبب معين
ومنه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾.
قال أبو عبيدة والفراء: السببُ: الحبْل. وقال الفراء: معنى الآية ﴿مَنْ كَانَ
[ ٣ / ٢٥١ ]
يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ محمدًا ﷺ بالغلبة، فليشدُدْ في سماء بيته حبلًا، ثم ليختنق به. فلذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾، [أي: ثم ليقطع] اختناقًا، ﴿فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ إذا فعل ذلك غيظه.
قال أبو عبيدة: المعنى: من كان يظن أن لن يصنع الله له ولن يرزقه. وقال: وقف أعرابي يسألُ الناس في المسجد الجامع، فقال: من نصرني نصره الله. ويقالُ: قد نصر المطرُ أرض بني فلان إذا جادها وعمها. قال:
إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامر
آخر:
أبوك الذي أجدى علي بنصره فأنصت عني بعده كل قائل
والسببُ: كل ما تسببتَ به من رحِم وغيره وكان وصلةٌ إلى ما تريد. قال النبي صلى الله عليه [وسلم]: "كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي".
واستَسَبَّ له هذا الأمر: أي تهيأ له. فإذا تم الأمر واجتمع قلت: استتبَّ له.
والسبابُ: المشاتمةُ. وسبهُ: شتمه. والسبَّةُ: العار.
٢/ ٦٤ ويقال: سبةٌ من سباتِ الدهر: أي حالٌ بعد حالٍ.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقولهم: سطَا فُلانٌ على فلان
أي بطش به. قال الله تعالى ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي يبطشون. وقيل: ينالونه بالمكروه من الشتم والضرب.
والسطوُ: القهرُ، يُقال منه: سطوتُ به وعليه: إذا سطوتُ عليه وثبًا وضربًا وشتمًا.
والسطوةُ العليا: لله على أعدائه. ويقال: نعوذُ بالله من سطوات نقمه. قال:
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
وقولهم: غضِبَ السُّلْطانُ
فيه قولان: أحدهما لتسلطه. والثاني: سُمي سلطانًا لأنه حجةٌ من حجج الله تعالى على خلقه.
والسلطانُ عند العرب: الحجة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. أي: من حجه.
و﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ﴾ بهذا.
﴿أَوْ لَيَاتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجة. والسلطانُ يُذكرُ ويؤنثُ: غضب السلطانُ، وغضبتْ السلطانُ.
و﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾: أي حجته.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجة.
وحكي عن العرب: قضت به عليك السلطان. قال:
أحجاج لولا المُلك هنت وليس لي بما قضت السلطان منك يدان
التذكر على معنى الرجل، والتأنيثُ بمعنى الجمع، وقال: هو جمعٌ، وواحده: سليط. يقال: سليطٌ وسلْطان، كما يقال: قفيزٌ وقُفْزان، وبعير وبُعران، وقميص وقُمصان، ولم يقل هذا غيره.
والسلطانُ: قدرةُ الملك، وقدرةُ من جعل له ذلك، وإنْ لم يكن ملكًا، كقولك: قد جعلتُ لك سلطانًا على أخذ حقي من فلان.
والنونُ في السلطان زائدة، لأن أصل بنائه من التسليط، بلا نون.
والسليطُ من الرجال والسليطةُ من النساء: الطويلا اللسان الشديدا الصخب.
والفعلُ سَلُطَ سلاطةً وسلُطَتْ. والسلاطةُ مصدرهما.
وقولهم: عليه سِرْبالٌ
ينقسم السربال على قسمين: يكونُ القميص، ويكون الدرع.
ومنه ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ﴾ الأول: القميص، والثاني: الدرع. قال امرؤ القيس:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
[ ٣ / ٢٥٤ ]
أي قميصي. قال لبيد:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى لبست من الإسلام سربالا
أي قميصًا. آخر:
باسلة الوقع سرابيلها بيضٌ إلى دانئها الظاهر
يريد: الدرع.
قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي قُمصهم، جمع سربال.
٢/ ٦٥ السَّبْتُ
السبتُ: القَطْعُ.
سبتَ رأسَهُ: إذا حَلَقَهُ وقطع الشعْرَ منهُ.
ونعلٌ سبِتَّيةٌ: إذا كانت مدبوغةً بالقرظِ، محلوقةَ الشعر. قال عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة يُحذى نعال السبت ليس بتوأم
وسُمي يوم السبت لأن الله ابتدأ خلقهُ فيه وقطع فيه بعض خلقِ الأرض، أو لأنه تعالى أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال فيه. منه ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أي قطعًا لأعمالكم.
وقيل: سُمي سبتًا لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال فيه والاستراحة فيه من الأعمال، واستراح من خَلْقِ السموات والأرض يوم السبت. وفي هذا نظر.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
قال أبو بكر: هذا خطأ عندي، لأنه لا يُعْرَفُ في الكلام: سبت بمعنى استراح، إنما المعروف فيه: قطع، ولا يُوصفُ سبحانه بالاستراحة، لأنه لا يتعب فيستريح، ولا يشتغل فينتقل من الشغل إلى الراحة، والراحةُ لا تكونُ إلا بعد تعب أو شُغْلٍ، جل الله عن ذلك.
واتفق العلماء أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت، ولمْ يخْلِقْ يوم الجمعة سماء ولا أرضًا.
وقالت اليهود: ابتدأ بالأحد، وفرغ بالجمعة، واستراح يوم السبت. فقول هؤلاء خارج عن اللغة، وموافقٌ لتأويل اليهود، ومُباين لقول المسلمين.
استلم الحَجَرَ
أخذهُ ومسَّهُ بيده. وزنه: افتعَلَ، من السِلَّمَة، والسَلِمَةُ: الحجرُ والصخرةُ، جمْعُها: سلام.
ويكون "استلم": افتَعَلَ من "المُسَالَمة" يُرادُ به: ضم الحجر إليه، وفعَلَ به ما يَفْعَلُ المسَالِمُ بمَنْ يُسَالِمُهُ.
ويكونُ "استلَمَ": استفْعَلَ من "اللأمَةِ". واللأمَةُ السلاحُ، يريد: أنه حصنَ نفسَهُ بمس الحجر من عذاب الله تعالى، لأن السلاح إنما يُلْبَسُ لِيُحَصَّنَ به البدنُ مما لعَلَهُ يصيبه من السلاح. قال امرؤ القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر
والأصل في "استلم" على هذا المعنى، فحولوا فتحة الهمزة إلى اللام، وأسقطوا الهمزة، كما قالوا: خابية، بلا همز، وأصله: خابئة، لأنها (فاعلة) من خبأتُ، وكما
[ ٣ / ٢٥٦ ]
قالوا النبي، بلا همز، وأصلُه الهمزُ، لأنه مِنْ: أنبأ عن الله إنباءً. ويقال: استلمتُ الحجر، بلا همز، تخفيفًا واختصارًا. واستلأمته، بالهمز.
واستلام الحجر: تناوله بالكف، وباليد، والقُبْلَةِ. ومسحهُ أيضًا بالكف: استلام. وفي الحديث "كان النبي صلى الله عليه [وسلم] يطوف ويستَلِمُ الحجر بمحجن كان معه". ويُقال: أخذه سلمًا: إذا أسره ولم يشركه أحدٌ فيه.
قال الله [تعالى]: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾.
٢/ ٦٦ والسَّلَمُ: السَّلَفُ. وفي الحديث: "لا سَلَمَ إلا في وزنٍ معلومٍ أو كيْلٍ معلومٍ إلى أجل معلومٍ".
والسُّلَّمُ: السببُ والمرقى، والجميعُ السلاليمُ.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾.
قال ابن قتيبة: سلمٌ: درجٌ.
قال السجستاني: سُلَّم: مصعد.
ويقال: هي السُّلَّم والسُّلُمُ.
قال ابن مقبل:
لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا تبنى له في السموات السلاليم
أحجاء: نواح، واحدها حجًا، مقصور، يُلْجأُ إليها.
والسلْمُ: لدغ الحية. والملدوغ سليمٌ ومسلوم. ورجلٌ سليمٌ: أي سالمٌ.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
وسُمي اللديغ سليمًا تفاؤلًا له بالسلامة، ولأنه من سمع به أيضًا قال: سلمهُ الله. قال النابغة:
يسهدُ من نوم العشاء سليمها لحلي النساء في يديه قعاقع
يسهدُ: يُسَهَّرُ لئلا ينام، فيجري فيه السُّمُّ فيقتله، وكانوا يجعلون في يد اللديغ الحلي ويحر كونه لئلا ينام. وكانوا يريدون أن تعليق الحلي وخشخشة الجلاجل على السليم مما لا يفيق ولا يُبرأ إلا به. قال:
كأني سيم نابه كلم حية ترى حوله حلي النساء موضعا
قال زيد الخيل:
فثم يكون العقل منه صحيفة كما عُلقت فوق السليم الجلاجل
[السِّفاحُ]
السفاح في كلام العرب: الزنا، منه ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: مُزانين. قال:
فما ولدتكم حية بنت مالك سفاحًا وما كانت أحاديث كاذب
والسفْحُ: الصبُّ. منه ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أي: مصبوبًا. قال كثير:
أقول ونضوى واقف عند رمسها عليك سلام الله والعين تسفحُ
[ ٣ / ٢٥٨ ]
الرمس: الترابُ.
ورمسُ القبر: ما حُثِي عليه. تقول: رمسنا القبر بالتراب.
والرَّمْسُ: الترابُ تحملُه الريح فترمُسُ به الآثار أي تعفيها.
والرياحُ الروامس، وكل شيء نُثِرَ عليه الترابُ فهو مرموس.
وسفح الدمع سفوحًا، وسحتِ العين دمعها سفحًا، وسفح الدمعُ سفحانًا. قال الطرماح:
مفجعةٌ لا دفع للضيم عندها سوى سفحان الدمع من كل مسفح
والسفحُ للدمع كالصب.
رجلٌ سفاحٌ: سفاكٌ للدماء، وسُمي السفاحُ سفاحًا لكثرة ما سُفح: أي سُفِكَ، من الماء في أيامه.
وقولهم: استكان الرَّجُلُ
أي خضع وذَلَّ، منه ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. قال:
لا أستكين إذا ما أزمة أزمت وإن تراني بخير فاره اللبب
وفي اشتقاقها قولان:
قيل: استفعَلَ من كان يكون، وأصله استكون، فحُوَّلَتْ فتحةُ الواو إلى الكاف وجُعِلَتِ الواوُ ألفًا لانفتاح ما قبلها وتحركها في الأصل، كقولهم: استقام، أصله: استقومَ.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وقيل: هو افْتَعَلَ من السكون، فكأن أصله (استكنَ) فوصل فتحة الكاف بالألف، لأن العرب رُبما وصلتِ الضمة بالواو ٢/ ٦٧ والفتحة بالألف، والكسرة بالياء، فمن الضم قوله:
لو أن عمرًا هم أن يرقودا فانهض وشد المئزر المعقودا
أراد: يرقُدَ، فوصل ضمةَ القاف بالواو آخر:
* قلتُ وقد خرت على الكلكال *
أراد: على الكَلْكَل، فوصل فتحةَ الكاف بالألف. آخر:
لا عهد لي بنيضال أصبحتُ كالشنن البالي
أراد: بنضال، فوصل كسرة النون بالياء.
وقد تقدم شيء من هذا في باب الإشباع من أول الكتاب.
وقولهم: السُّرِّيَّةُ
سميت سُريَّةً لاتخاذ صاحبها إياها للنكاح، وهي "فُعْليَّة" من السر، وهو الجماع. ومنه ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي جماعًا.
وسُمي النكاح سرًا لأنه يُخْفَى ويُسْتَرُ عن الناس، فشبه بالسر من القول،
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وربما سمت العرب الزنا: سرًا. قال الشاعر:
ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع
أراد: الزنا.
وقيل: سميت سُرية لسرور صاحبها بها، وهي "فُعْلِيَّة" من "السُّرّ". قال ابن الأعرابي: السُّرَّ عندهم السرورُ بعينه.
وقال بعضهم: يجوز أن تكون السُّريَّة "فُعُّولَة" من "السُّرور" أصلها: سُرُّورة، فاستثقلوا الجمع في ثلاث راءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، وأبدلوا من الواو ياء، فأدغموها في التالية بعدها، فصارتا ياء مشددة، وكسروا ما قبل الياء ليصح.
ويُقال: سُرَّيَّة وسِرَّيَّة، بالضم والكسر. وفي الجمع: سَراريٌّ وسراري، بتثقيل الياء وتخفيفها، فمن ثَقَّلَ أثبتها في الخط، ومن خففها حذفها لسُكُونها وسكون التنوين في الرفع والخفض. وفي النصب يثبتها في الخط في اللغتين جميعًا، كقولهم: رأيتُ سراريَّ وسَراريَ، وكذلك مع الألف واللام تُثبتُ في المذهبين جميعًا كقولهم: رأيتُ السَّراري وقام السَّراري، ومِثْلُهُنَّ: القُماري والرياشي والدراري والأماني.
تقول: تَسَرَّرْتُ سُرَّيَّةً، وتسرَّيْتُ غلطٌ.
والسُّرْسُورُ: العالِمُ الفَطِنُ الدخَّالُ في الأمور.
والسَّريسُ: العِنِّينُ من الرجال، والجمعُ سُرَساء.
قال لبيد:
[ ٣ / ٢٦١ ]
أفي حق مواساتي أخاكم ويظلمني السريس من الرجال؟!
وجمعُ السَّريس: سُرَساء.
وسرارُ القوم: أوسطُهُمْ حسبًا.
والسَّرارةُ مصدرُ السَرِ في الحسب والمنبتِ.
[سَوْفَ]
سوف تأكيدٌ للاستقبال، وكذلك سَأفْعَلُ، ومعناهُما تأكيد لفعل مستقبل.
وفي "سَوْفَ" أربعُ لغات: سوف يُعطيك، وسَيُعْطيكَ، وسوْ يُعْطيكَ، وسَفْ يُعْطيكَ. وفي حرف ابن مسعود: ﴿وَلَسَيُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ ويعطيك حرف مستقبل، والكاف اسم محمد ﷺ، وأهل الحجاز يقولون: سَوْ تَرى، وسَوْ تعلمون، يَطْرحَوُنَ الفاءَ.
والذين قالوا: سَتَرَوْنَ، وسَتَعْلَمُونَ، يطْرَحُونَ الفاء والواو جميعًا.
٢/ ٦٨ ويقولون: سَوَّفْتُهُ تسْويفًا: إذا دَفَعْتَهُ في وعدٍ تعِدُهُ.
وسوف فلانٌ تسويفًا: أكثر من قول: سوفَ يكونُ كذا.
والسوْفُ: الشَّمُّ. سَافَهُ يَسُوفُهُ سَوْفًا واسْتَافَهُ اسْتيافًا. قال:
* إذا الدَّليلُ اسْتافَ أخْلاقَ الطُّرُقْ *
والمسافُ: الأنْفُ.
وكان لِلْعَرَبِ دليلٌ يقالُ له الهِدْلِق، فعَمِيَ وكان في عَماهُ أدَلَّ من غيره، فامْتَحَنَهُ قَوْمُهُ بعْدَ عماه، فحملوا ترابًا من قو، حتى أتوا به الدو، فقالوا له: أيْنَ نَحْنُ يا هِدْلِقُ؟ فقال أرُوني تُرابَ الأرضِ حتى أشُمَّهُ. فأعْطَوْهُ من التراب الذي حَمَلُوهُ مِنْ قَوَّ. فقال: التُّرْبَةُ تُرْبَةُ قَوّ، وأيدي الركاب في الدَّوّ.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
والمسافة ما بين الأرضين سُميت مسافةً، لأن الدليل إذا اشتبه عليه الأرضُ، أخذ التراب فشمه من الأرض. والجمعُ مسافات.
وأساف فهو مسيفٌ: مات وهلك مالُه.
والسوافُ: الهلاكُ.
وقد ساف ماله يسوف سوفًا: إذا هلك.
والسوافُ: فناءٌ يقع في الإبل، وهي مالُ العرب.
يُقال: قد أساف مالُ فلان: إذا هلك، وأساف فلانٌ أيضًا. قال:
فأثل وأسترخي به الحال بعدما أساف ولولا سعينا لم يؤثل
وتأثَّل في موضع أثَلَ. وأثْلَةُ كل شيءٍ أصلهُ. وتقول: أثَّلَ اللهُ مالك: أي عظمَهُ.
وقولهم: ذهب القومُ أيدي سبا
أي تفرقوا فلا يُرجى لهم رجوع. قال ذو الرمة:
أمِن أجل دار طير البين أهلها أيادي سبا بعدي وطال احتيالها
ونسابي القومُ: إذا سبى بعضهم بعضًا، وسبيتهم سبيًا وسباءً وسبيّ، مقصور.
وقولهم: سباكَ اللهُ
أي لعنَكَ ونحّاك عن خيره. وقد يُستعملُ في موضع المدح كقولهم: قاتله الله، وقطع الهل لسانه. قال امرؤ القيس:
[ ٣ / ٢٦٣ ]
فقالت: سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السُّمار والناس أحوالي
وقيل: سباك الله: أبعدك الله.
وسبأت النار فلانً: إذا أحرقته.
وسبأته السياط: إذا لذعته.
سَلَقهُ بلسانه
أي أسمعهُ ما يكره.
ولسانٌ مسلقٌ: حديدٌ مُذَلَّقٌ. منه ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي آذوكم بالكلام.
وخطيبٌ مسلقُ ومِسْلاقٌ وسلاق. قال الأعشى:
فيهم الخصب والسماحة والبذْ لةُ فيهم والخاطبُ المسلاقُ
وصلقوكم لغةٌ فيه ولا تُقرأ بها. وأصل الصلق: الصوتُ، قال لبيد:
فصلقنا في مُراد صلقةً وصداء، ألحقتهم بالثلل
صلقنا من الصوت، يقال: سمعتُ صلقةَ القوم أي صوتهم. ومُراد وصُداء: حيان من العرب. والثلاث: القلال.
السليقي من الكلام: ما لا يُتعاهدُ إعرابُهُ، وهو في ذلك فصيحٌ بليغٌ في السمع عثور في النحو.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
٢/ ٦٩ والسلْقَةُ: الدَّنِيَّةُ.
وقولهم: سَفيقُ الوجْهِ قليلُ الحياءِ
والسَّفْقُ: لغة في الصّفْقِ، تقول: سَفُقَ وهو يَسْفُقُ سفاقةً: إذا لم يكُنْ سخيفًا، وكان سَفِيقًا.
والسَّفيقُ: ضِدُّ السخيفِ من النسيج وغيره.
وقولهم: الزَمْ سواء الطريق
أي قصدهُ: والسَّواءُ: الوَسَط، وهو العَدْلُ أيضًا والقصْدُ،
وفسر منه قوله تعالى ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي وسط الجحيم.
وسوى: بمعنى غيْر، بكسر السين، مقصور، يُكتبُ بالياء، وقد يُفْتَحُ أولُهُ، فيُمَدُّ، ومعناهما واحدٌ. قال الأعشى:
* وما قصدت من أهْلِها لسوائكا *
أي لغيرك، ففتح ومدَّ.
قال ثَعْلَبُ: يُقالُ سوى وسُوى وسواء وسِواء كله بمعنى غير.
وتقول: على سواء: أي على استواء. وهم على سويةٍ من الأمر، كذلك. ومنه ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم فصرتُ أنا وأنتم على سواء في العلم فاستوينا فيه، وهذا من المختصر. وقوله تعالى ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ أي مكان مُعَلِّم، أي قد عَلَّمَ القوْمَ الخُروجَ، وتصغير سواء الممدود سُوي.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وقولهم: فلانٌ من أهْلِ السُّنَّةِ
أي الطريقة المحمودة، فحذف نعت السُّنة لانكشاف معناه من السُّنَّة.
يقالُ: خُذْ على سننِ الطريق وسُنَّنِه وسَلْكِهِ وسُلْكِهِ وسِلْكِه وملْكِهِ وسُنْحِهِ وسُجْحِهِ ودُرَرِهِ وثُكْنِهِ ومرتكنه ولَقَمِهِ وبَلَقِهِ ووضَحِهِ ولفائه: أي على وسطه وجادته.
ويقال: ركبَ فلانٌ الجادة والحَرَجَة والمجَبَّةَ بمعنى، ثم تستعمل السين في شيء يراد به القصد. قال جرير:
نبني على سنن العدو بيوتنا لا نستجير ولا نحل حريدا
قال لبيد:
من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنةٌ وإمامُها
والسُّنَّةُ: ما سَنَّ الرجل من عملٍ أو أمْرِ ليُقْتَدَى به، والسُّنَّةُ يُقتدى بها.
واستنَّ الرجلُ: إذا مضى على أمرٍ لا يرده عنه رادٌّ.
قال:
دعاني إلى ما يشتهي فأجبته فأصبح بي يستن حيث يريد
[السَّنِقُ]
والسِّنِقُ من العامةِ: الشرِهُ الحريصُ على الطعام. وهو خطأ، إنما المعنى الذي
[ ٣ / ٢٦٦ ]
يريدون به هذه الكلمة هو أن يُقال: رجلٌ لَعْمَظٌ ولُعْمُوظٌ ولَعْوٌ ولَعْوَدٌ ولعًَا، منقوص، وأرْشَمُ، كُلَّهُ بمعنى الشَّرِهِ الحريص على الطعام. والأرْشَمُ الذي يتشممُهُ ويحرصُ عليه. قال:
لعًا حملته أمُّهُ وهي ضيقةٌ فجاءت بيتن للضيافة أرشما
وأما السنقُ من الدواب: هو الذي يصيبه من الرطب البشمُ، وهو الأحم بعينه، إلا أن الأحَمَّ من الناس.
والفصيلُ إذا أكثر من اللبن حتى يكاد يمرض يقال: سَنِقَ. قال الأعشى:
ويأمرُ لليحموم كل عشية بقت وتعليق وقد كاد يسنقُ
٢/ ٧٠ وقولهم: سؤَّلَتْ له نَفْسُه كذا وكذا
أي زينَتْهُ له وأغْوَتْهُ، تُسَوِّلُ تسويلًا، منه ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ و﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي زينت لي وأغوتني، و﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زَيَّنَتْ.
والتَّسْويلُ: توليد السائل، من السائل على المسئول. تقول: سوَّلَ المسألة. والسُّؤال معروف، والعربُ قاطبةً تحذِفُ همزة "سَلْ"، فإذا وُصِلَتْ بالواو والفاء هُمِزَتْ كقولك: فاسْألْ واسْأل.
(وتقول: ساولْتُهُ مُسَاوْلةُ، في لغة هُذَيْل، ومن قال: سابلْتُهُ، فقد أخطأ).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وتقول: سألْتُهُ سُؤالًا، وسألْتُهُ مسْألةً، وتقول: سَلْتُ سالةً. قال المجنون:
وناديتُ يا ذا العرش أول سالتي لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ بالهمز، وبعضُهُمْ يقول: سالتُمْ، فيجمع بينَ ساكنين. وبعضهم يجعله من أولاد الثلاثة فيقول: سَلْتُم، وأنتم تسَالون، مثل: خفتم وتخافون، قال:
تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا لصاحبه في أول الدهر تابعُ
وقرأ بعضهم: ﴿كَمَا سِيلَ مُوسَى﴾ بكسر السين وترك الهمزة، وهي لغةُ مَنْ لا يرى الهمز. قال:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت ولم تصب
وهو من السؤال، إلا أنها لغة من لا يهمز. قال آخر:
سالتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بِنُكْرِ
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الأمثال على حرف السين
سُبَّني واصدق.
سكت ألفًا ونطق خلفًا.
سد ابن بيض الطريق.
سقط العشاء به على سرحان.
سُرِقَ السارق فانتحر.
سمِنَ كلبكَ يأكلك.
سمنَ كلبٌ في جوع أهله. قال:
هم سمنوا كلبًا ليأكل حقهم ولو علموا بالحزم ما سمن الكلبُ
سَقَتْ دِرَّتَهُ غرارُهُ.
سبق سيلُهُ مطرهُ.
سبق السيف العذلَ.
تم حرْفُ السين، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على رسوله محمدٍ النبي وآله وسلم.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم