[ ٤ / ٨١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الكاف لهوية، وعددها في القرآن عشرة آلاف وخمسمائة وثمانية وعشرون كافًا، وفي الحساب الكبير عشرون، وفي الصغير ثمانية.
والكاف أخت القاف وفي مخرجها، تقول: كَهَرَهُ في موضع قَهَرَه، وقرئ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ﴾، وقالوا: القَفُور، ويريدون الكَفُور.
والكاف ألفها واو، فإن استعملت لها فعلًا قلت: كوَّفْتُ كافًا حسنة، أي كتبت. وكذلك القسطلان والكَسْطَلان: الغبار، والقسطل والكَسْطَل؛ قال الشاعر:
مصاليت ضرابون ذا التاج عزة وفوق القتام كسطل النقع ساطع
ولغة العرب يجعلون التاء كافًا [كقولهم]: أكلك اليوم شيئًا؛ قال:
يا ابن الزبير طال ما عصيكا
وطال ما عنيتنا إليكا
أي: عصيت.
والكاف قد تكون صلة للكلام قبلها؛ قال امرؤ القيس:
كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل
ومنه قوله تعالى: ﴿كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والمعنى كفرت اليهود ككفر آل فرعون.
[ ٤ / ٨٣ ]
وقد تجيء للتشبيه، يقولون: هذا كهذا، أي مثل هذا. وأنت كزيد، أي مثل زيد. وقد يدخلون على كاف التشبيه كافًا أخرى، فيقولون: ككُما؛ قال:
ومائلات ككُما يوهيْن
وقال آخر:
شكوتم إلينا مجانينكم ونشكو إليكم مجانيننا
فلولا المعافاة كنا كَهُمْ ولولا البلاء لكانوا كنا
يريد: كنا كمثلهم، وكانوا كمثلنا، فالكاف للتشبيه.
والعرب تجعل الكاف كافية من خبر قد شبهت به لكثرة استعمالهم إياها، فيقولون: كاليوم رجلًا، أي لم أر مثل هذا الرجل الذي رأيته اليوم. ويقولون للرجل ينكرون عليه الشيء: كالمجنون، وكأجن البشر، أي أنت كذلك؛ قال ابن أحمر يصف الثور والكلاب، ويقال إنه أوس بن حجر:
كالثور والكلاب قال له كاليوم مطلوبًا ولا طلبا
أي: لم أر كاليوم.
ومثله قوله تعالى: ﴿كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي دأبهم ودأبكم؛ قال امرؤ القيس:
[ ٤ / ٨٤ ]
ورحنا بكابن الماء ينفض رأسه متى ما ترق العين فيه تسهل
أي: بفرس كابن الماء، وهو طائر شبهه به في خفته وسرعته، وعطفه جانبه ينتقض من نشاطه. ويعني أنه من حسنه يرتفع الطرف فيه وينحدر.
قال آخر:
على كالخنيف السحق يدعو به الصدى له طرق عادية وصحون
أي على طرق كالحنيف، وهو ثوب من كتان شبهه به. ويروى: له قلب يخفي الحياض أجون.
والعرب تخاطب المرأة بالكاف؛ قال الله تعالى: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ و﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾، ومنهم من يفهم الشين إلى الكاف يقول: عليكش وإليكش، يريد عليك وإليك؛ ومنهم من يخاطبها بالشين وحدها. وقد ذكرته في حرف الشين.
مسألة
إن قال قائل: [لِمَ] لم يقولوا: ضربك زيد، فيضموا الكاف، وقالوا: ضَرَبَكَ ففتحوا؟
فقل: لأنهم يقولون في تاء الغير: ضرَبْتَ زيدًا، لأنهم يخاطبونه. ولو قالوا:
[ ٤ / ٨٥ ]
ضربت زيدًا، في معنى ضربت لالتبس بنا المخبر عن نفسه. فلما لم يجز ضم التاء لم يجز ضم الكاف.
والعلة في الكاف كالعلة في التاء، ألا ترى أنهم قالوا: غَلَبْتَ، للواحد بفتح التاء؛ وللاثنين: غلبتما، بضم التاء وقد كانت مفتوحة في الواحد؛ ثم قالوا: عليكم كما قالوا غلبتم.
وكذلك في المؤنث: عليكما وعليكُنَّ مثل غلبتما وغلبتُنَّ، فقس الكاف بالتاء فإن شأنهما واحد.
فإن قال: لِمَ قالوا: أنت كعبد الله، ففتحوا الكاف، وقالوا: مررت بعبد الله، فكسروا الباء؟ قيل له: إنما قالوا: كعبد الله ففتحوا لأن الإمالة لا تدخلها؛ لأنك تقول: كوَّفت كافًا. فلما كان أصل فعلها الواو، والإمالة لا تدخلها فُتِحت. وكُسرت [الباء] لأنك تردها إلى الياء؛ لأنك تقول: بيَّأت باء لأن الإمالة تدخلها، تقول: الباء والكسرة بما كان من الياء، وبما حسنت فيه الإمالة أولى.
مسألة
إن الكاف إنما يستوي فيها الجر والنصب إذا قلت: هذا غلامك وضربتُك، ففتحت الكاف في موضع الجر والنصب لأنها في قولك: ضربتُك في موضع نصب، وغلامك في موضع جر؛ لأن النصب شريك الجر في قولك: رأيت رجلين، ومررت برجلين. فلما اشترك النصب والجر في الباء اشتركا أيضًا في كاف الإضمار.
واعلم أنه لا يجوز في (عليكُم) كسر الكاف لأنها حاجز حصين بين الياء
[ ٤ / ٨٦ ]
والميم، فلا تقلب الضمة كسرة.
وقد روي عن بعض العرب: عليكم ولَكِمْ، ولم يلتفت إلى هذه الرواية؛ وأنشد:
وإن قال مولاهم على كل حادث من الأمر ردوا فضل أحلامكم ردوا
كَمْ
لها معنيان: معنى الاستفهام، ومعنى الخبر. تقول في الاستفهام: كم رجلًا قام؟ وكم رجلًا قعد؟ تنصب الرجل على التفسير عن كم، لأن تحتها عددًا مجهولًا. وتدخل (مِنْ) في الاستفهام، فتقول: كم من رجل.
وتقول في الخبر: كم رجلًا قام، وكم رجلًا ضربت، وتجعلها في الخبر بمنزلتها في الاستفهام. ويجوز أن تجعلها في الخبر بمنزلة رُبّ؛ قال الفرزدق:
كم عمَّة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلَبَتْ عليَّ عشاري
فجعل كم بمنزلة رُبَّ فجرَّ بها.
ومن رفع [جعل كَمْ] ظرفًا بمعنى مرة، ومن نصب جعلها استفهامًا.
وزعم الفراء أن كم جعلتها العرب للإخبار عن الكثير ورُبّ للقليل.
[ ٤ / ٨٧ ]
وفي كم لغات: كم وكأيِّنْ وكائنْ وكأيْن وكيئن وكأنْ. قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ والمعنى: وكم نبي. قال في كائن:
وكائن وكم عندي لهم من صنيعة أيادي بنوها علي وأوجبوا
آخر:
وكائن بالأباطح من كريم يراني لو أصبت هو المصابا
والمعنى: وكم بالأباطح.
وقال زهير:
وكائن ترى من صامت لك مُعجب زيادته أو نقصه في التكلم
كما
الكاف في كما تشبيه وما زائدة؛ قال:
إلا إن أصحاب الكنيف وجدتُهُم كما الناس إما أرملوا أو تموّلوا
أي كالناس، وما زائدة. والكنيف: يأتي تفسيره إن شاء الله.
وكما تكون في معنى كي، تقول: كما أكرمك، فتنصب أكرمك بكما؛ قال الشاعر:
وطرفك ما حيتنا فاصرفَّنه كما يحسبوا أن الهوى حيث تصرف
وتكون بمعنى الذي، قال الله [تعالى]: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال أبو
[ ٤ / ٨٨ ]
عبيدة: "والذي أخرجك ربك"، وقيل: معناها هنا: إذ أخرجك. ومثله قوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي إذ أحسن.
كِلا
اسم يجمع الأجزاء، تقول: كلا الرجلين. واشتقاقه من كل القوم، وكلتهم فرقوا بين التثنية والجمع بالتثقيل والتخفيف.
وقد تأتي [كل] لجميع الأشياء وللبعض، فمن جميع الأشياء قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، و﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. وأما البعض فقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في قصة بلقيس. قال ابن عباس: يعني مما في أرضها. وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ولم تدمر الأشياء كلها وإنما دمرت ما أمرت بتدميره دون غيره.
وكل لا يقع إلا على نكرة وكل واحد، ومعناه الجماعة. وهو حرف وضع ليدل على الجماعة. ولفظه واحد، ولا يدخله التأنيث، تقول: كل الرجال يذهب، على اللفظ، وإن شئت: يذهبون، على المعنى. وكل النساء يذهب، على اللفظ، وإن شئت: يذهبون، على المعنى. وكل النساء يذهب، على اللفظ، ويذهبن على المعنى. وحُكي عن بعض أهل العلم أن بعض العرب يقول: كلَّتُهن قُلْن ذلك.
[ ٤ / ٨٩ ]
ويقولون في التأنيث: كلتاهما؛ قال الله تعالى: ﴿كِلْتا الجَنّتيْنِ﴾، وقال حسان:
كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل
وكلتاهما علامة التأنيث فيها الألف والتاء.
وكلا واحد يقع على الاثنين في المعنى، ولا يضاف أبدًا إلا إلى اثنين؛ لأن معناه معنى المثنى. وأنت في كلا بالخيار إن شئت جعلت الخبر على المعنى، فقلت: كلاهما قائمان، وإن شئت قلت: كلاهما قائم. وفي حال الإضافة، وأظهروا نصبها عند المكني.
[كلأ]
والكلاء ممدود جمع كلاءة وهو الحفظ؛ قال جميل:
فكوني بخير في كلاء وغبطة وإن كنت قد أزمعت هجري وبغضتي
والكلأ بالفتح: هو العُشب؛ قال زهير:
فقضَّوا منايا بينهم ثم أصدروا إلا كلا مستوبل متوخم
والكُلَى بالضم: جمع كُلية؛ قال عنترة:
[ ٤ / ٩٠ ]
من كل أروع ما جِد ذي مرة مرس إذا لحقت خصى بكلاهما
كلّا
ردع وزجر؛ قال الله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ، كَلاَّ﴾ ومثله كثير.
قال الفراء: كلا بمنزلة سوف لأنها صلة، وهي حرف رد فكأنها نعم ولا في الاكتفاء، ومن جعلها صلة لما بعدها لم يقف عليها، كقولك: كلّا ورب الكعبة، لا تقف على كلّا لأنها بمنزلة: أي ورب الكعبة. ومنه قوله تعالى: ﴿كلّا والقَمَر﴾، فالوقف على كلّا قبيح لأنها صلة لليمين. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لا تقف على إي لأنها صلة لليمين. وكان ابن سعد يقول: يقول القُرّاء: إن معنى كلّا: سوف.
قال الأخفض: معناها الرَّدع والزَّجْر. وقال المفسرون: معناها: حقًا. وقال السجستاني: كلا في الكلام على وجهين، وهي في مواضع بمعنى: لا يكون ذلك، وهو رد. وفي مواضع على معنى ألا، التي للتنبيه والافتتاح. قال: فما جاءت من كلا بمعنى ألا قول العرب: "كلّا زعمت أن العير لا تُقاتل" وهو مثل العرب. واحتج بقول أعشى قيس:
كلّا زعمتم بأنا لا نقاتلكم إنا لأقوامكم يا قومنا قُتُلُ
قال ابن الأنباري: وهذا غلط منه، معنى كلّا في المثل والبيت: لا، ليس كما
[ ٤ / ٩١ ]
يقولون. قال أبو العباس: لا يوقف على كلّا في جميع القرآن. لا جواب، والفائدة فيها تقع بعدها.
وفي الوقف على كلّا اختلاف إلا في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاَّ﴾، وفي الشعراء: ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ، قَالَ كَلاَّ﴾، وفيها: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ﴾. وفي سورة سبأ: ﴿أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ﴾.
وما لم يختلفوا فيه أنه لا يجوز الوقف عليها: في سورة المدثر لا يجوز الوقف عليها. وفي القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وفيها: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. وفي اقرأ: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وفي ألهاكم: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي المدثر: ﴿يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلاَّ﴾ مخيّر فيها. وقال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ﴾ ردعًا وردًا لمقالته، ولذلك حسن الوقف عليه. قال الشاعر:
[ ٤ / ٩٢ ]
يقلن: لقد بكيت فقلت: كلّا وهل يبكي من الطرب الجليل
ولكني أصاب سواد عيني عويد قذى له طرف حديد
فقلن فما لدمعهما سواء أكلتا مقلتيك أصاب عود
قال ثعلب: معنى كلّا لا، قيل له: فما لاكاف؟ قال: المعنى كقوله لا، فإذا رأيت كلّا فهي موصولة.
كي
حرف جر، تقول: أتيتك كي تُكرمني، رفعت أتيتك بالاستقبال، ونصبت تكرمني بكي. ويجوز أن تجعل الفعل الذي قبل كي ماضيًا ودائمًا، فتقول: أتيتك كي تأتيني، وأكرمتك كي تُكرمني، وأنا مُكرمك كي تُكرمني، وضربت زيدًا كي يضربني، وأنا ضارب زيدًا كي يضربني.
ولا يجوز أن تجعل الفعل الذي بعد كي ماضيًا ولا دائمًا. فخطأ أن تقول: أتيتك كي أتيتني، وأكرمتك كي أكرمتني. وأكرمك كي أنت مُكرمي.
والكي- بالتثقيل: كي النار، كوى يكوي بالمكواة كيَّة وكيًا؛ قال الشاعر:
يموت مني كلَّ يوم شيُّ
وأنا مع ذاك صحيح حيُّ
وآخر الداء العياء الكيُّ
كيف
حرف أداة، ونصب الفاء لئلا يلتقي الساكنان. ويكون استفهامًا، ويكون
[ ٤ / ٩٣ ]
تعجبًا، ويكون توبيخًا. فالاستفهام مثل قولك: كيف أنت؟ وكيف حالك؟ والتعجب مثل قولك: كيف فعلت كذا وكذا! ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾ وهذا تعجب، والعرب تتعجب بكيف؛ قال زهير:
وكيف اتقاء امرئ لا يؤوب من الغزو بالقوم حتى يُطيلا
وكيف تعجب وقع على الاتقاء.
والعرب تكتفي بكيف عن ذكر الفعل معها لكثرة دورها، منه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ﴾ أي كيف يفعلون عند ذلك، فلم يبح بالفعل؛ قال الحطيئة:
فكيف ولم أعلمهم خذلوكم لدى حادث ولا أديمكم قدُّوا
أي فكيف يعادونهم له بما مر في الثاني والعشرين.
والتوبيخ كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ هو لفظ استفهام، ومعناه تعجب وتوبيخ. معناه: وَيْحَكُم، كيف تكفرون بالله! قال الزَّجاج: وهذا التعجب إنما هو للخَلْق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء، كيف يكفرون بالله وقد ثبتت حجته عليهم! ومعنى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾: وقد كنتم، وهذه الواو واو الحال.
[ ٤ / ٩٤ ]
ويأتي ذكرها في باب الواو إن شاء الله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ توبيخ على لفظ الاستفهام. وهو اسم فزال الإعراب عنه لما استفهم به ضارع الحرف، فوجب أن يسكن آخره، فلما التقى في آخره ساكنان فتحوا الفاء. فإن قيل: فهلّا حركوه بالكسر إذ كان الكسر لالتقاء الساكنين أكثر في كلام العرب، فقل: كرهوا الكسر مع الياء، والفتح أكثر في مثل قولك: جير لأفعلن ذلك، وقيل: جير في معنى أجل؛ قال طفيل:
وقلن ألا البردي أول منزل بلى جير إن كانت رواء أسافله
وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بالكسر، وكله صواب.
كاد
لها ثلاثة معان، يقال: كاد يفعل ذاك، إذا قاربه، ومنه قول الكناني ويروى للفرزدق:
[ ٤ / ٩٥ ]
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وتقول: كاد يفعل، إذا فعله؛ ومنه قول النابغة يصف كف المرأة يقول:
بمخضَّب رخص كأن بناته عنم يكاد من اللطافة يُعقد
فكأنه جعل: كاد يُعقد، للعنم؛ قال الأعشى:
قد كاد يسموا إلى الجرفين فارتفعا
أي سما فارتفع.
ومثله قول ذي الرمة:
ولو أن لقمان الحكيم تعرَّضت لعينيه مي سافرًا كاد يبرق
أي لو تعرضت له مي برق، أي دهش وتحير.
قال الفرزدق:
وإني أقمت اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تعزب
أي حتى غربت.
واختلفوا في بيت جرير يصف إبلًا:
[ ٤ / ٩٦ ]
كومًا مهاريش مثل الهضب لو وردت ماء الفرات لكاد البحر ينتزف
قال بعضهم: لكاد ينتزف، أي ينتزف البحر؛ وقال بعضهم: قرُب من ذلك. وكاد يكون كذا، أي لم يكن كذا. وقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي لم يرها.
والعرب لم تدخل أن على كاد، تقول: كاد يكون كذا قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾، وقوله: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
وقد يدخلونها؛ قال ﷺ: كاد الفقر أن يكون كُفرًا". أنشد الأصمعي:
كادت النفس أن تفيض عليه إذا ثوى حشو ريطة وبرود
والكيْد: من المكيدة والفعل منه كاد يكيد كيدًا، فهو كائد والمفعول مكيد. أبو حاتم قال: سمعت أعرابيًا فصيحًا بينه وبين صاحب له خصومة، فقال له: كِدْ ما شئت.
والعرب تقول: كِدْنا، ومنه قوله تعالى: ﴿كذلِكَ كِدْنا ليُوسُف﴾.
[ ٤ / ٩٧ ]
كذا
العرب تقول: كذا وكذا، الكاف كاف تشبيه وذا اسم يشار إليه. ويقال: فعل لي فلان كذا، أي بلا حجة. قال الشاعر:
تظلَّمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
وكذا كهكذا، وكذاك كهذا، وكذلك هو كذاك واللام زائدة.
وقولهم: رجل كاتب
ومصدره الكتابة، تقول: كتب يكتب كتابة وكَتْبًا، وكِتْبةً ومَكْتَبًا. وهو كاتبٌ. وهم كُتّابٌ وكَتَبَةٌ؛ والمفعول به مكتوب.
والكتاب مصدر؛ [والكتاب، مُرسَل: التوراة؛ والمَكْتَبُ والكُتَّاب]: الذي يُعلّم فيه الصبيان؛ قال دعبل:
وأتى بكُتَّاب لو انطلقت يدي فيهم رددتهم إلى الكُتّاب
والمُكْتِبُ: المعلم، والكِتْبةُ أيضًا: اكتتابك كتابًا تنسخه. واستكتبت فلانًا: إذا أمرته أن يكتب لك، واتخذته كاتبًا.
والكتاب يكون واحدًا وجمعًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ يريد واحدًا. وقال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يريد
[ ٤ / ٩٨ ]
جمعًا. فإذا قلت: الكُتُب، فليس إلا الجمع، وهي من ثلاثة إلى العشرة. فإذا قلت: الكِتاب، فهو الجمع الذي لا عدد له، ويكون الواحد منه الكتاب.
وكل كتاب ذي حكمة فهو زَبُور، وكتاب داود ﵇ فهو زبور اسمه الزَّبور. يقال: زَبَرت الكتاب، إذا كتبت؛ وزَبَرْت إذا قرأت. الذبْر، هُذَلية: كل قراءة خفيفة ذبرها يذبرها ذَبْرًا. وبعضهم يقول: ذَبَر الكتاب، كَتَب؛ وبعضهم يقول: الذُّبور بالشيء: الفقه به والعلم؛ قال أبو ذؤيب:
عرفت الديار كرقم الدواة كما ذبر الكاتب الحميري
ويروى: كما يذْبر، ويروى: يذبرُها.
قال أبو عبيدة: الزَّبر والذَّبْر بمعنى؛ وقال الأصمعي: زَبَرْت كتبت، وذَبَرْت قرأت. قال امرؤ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبُور في عسيب يمان
أراد كاتبًا. قال بعضهم: سمعت أعرابيًا يقول: أنا أعرف تَزْبِرِتيَهْ، أي كتابتي.
وقيل: الزُّبُر كتب الأنبياء بالنبوة على ما يكون والكِتاب: المبين الحلال والحرام، وكل كتاب زَبُور.
والزُّبر- مضمومة الزاي مفتوحة الباء: القِطَعُ، واحدها زُبْرَة مضمومة
[ ٤ / ٩٩ ]
الزاي، [مثل] قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قطع.
ويقال: زَبَرْت الركية أي طويتها. ومنه قيل: فلان لا زَبْر له أي لا عقل له يقيمه كما يقيم الزَّبْر الركية أن تنهار.
وسمي الكتاب سفرًا لأنه يحمل من مكان إلى مكان؛ والأسفار: الكُتُب بلغة كنانة؛ والسفر: الكتاب الطويل الذي ليس بكراسة؛ والسفر: جزء من أجزاء التوراة، وكل كتاب سفر والجمع أسفار. والسَّفَرَة: الكَتَبة، من قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ بلغنا أنهم ملائكة سماء الدنيا، وهم الكتبة يحصون أعمال أهل الأرض.
ويقال للكتاب: الرقيم؛ قال:
لمن طلل مثل الكتاب المُرَقَّم
ويقال: هو مرقوم عليك أي مكتوب، وهو فعيل بمعنى مفعول. ويقال: الرقيم اسم الوادي الذي فيه الكهف.
والطلس: الكتاب قد مُحِي ولم يُنعم محوه فيصير طلسًا، فإذا محوته لتفسد خطه قلت: طلسته، فإذا أنعمت محوه قلت: طرسته.
وترجمة الكتاب: كلمة مولّدة عراقية غير عربية، ومعناها الإبانة؛ والدليل يقال لصاحب الترجمة: ترجمان، ولا تفتح التاء.
[ ٤ / ١٠٠ ]
وسمي الكتاب كتابًا لأنه يضم بعض الحروف إلى بعض، من كتبت القِرْبة إذا ضممت خرزًا إلى خرز؛ قال ذو الرمة:
وفراء غرفيَّة أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكُتب
الوفراء: المزادة، والغرفية: المدبوغة بالغَرْف وهو شجر، وأثأى: فسد، والمشلشل: الماء، والكُتَب: الخرز.
ويقال: كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة. وسميت الكتيبة كتيبة لاجتماع بعضها إلى بعض، يقال: قد تكتَّب القوم إذا اجتمعوا؛ قال الشاعر:
أنبئت أن بني جديلة أدعبوا سفواء من سلمى لنا وتكتبوا
أي: تجمعوا.
والناقة إذا ظئرت كُتِب منخراها بخيط لئلا تشم البوفلا ترأم.
والكَتْب: الخرز بسيرين، والفعل يكتب؛ قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
والكِتبة: الاكتتاب في الفرض والرزق، يقال: اكتتب فلانًا أي كتب اسمه في الفرض. والمُكاتب: العبد يكاتب على نفسه بثمنه، ومنه قوله تعالى:
[ ٤ / ١٠١ ]
﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
[وقولهم: عندي كراسة من عِلْم]
الكراسة معناها في كلام العرب: الورق المجموع بعضه إلى بعض. وقيل: مأخوذة من تكرُّس الحلي وهو اجتماعه؛ قال المسيب بن علس:
إذ هي كالرَّشأ المخروف زيَّنها مكرس كطلاء الخمر منظوم
والكرس: من أكراس القلائد، تقول: قلادة ذات كرسين وذات أكراس ثلاثة إذا ضممت بعضها إلى بعض.
ورجل كروَّس: شديد الرأس كامل الجسم.
والكرسي عند العرب: الأصل، يقولون: فلان كريم الكُرسي أي الأصل؛ والكرسي أيضًا: العلم؛ قال الشاعر:
تحفُّ بها بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب
قيل: هم العلماء.
[وقولهم: رجل كيِّس]
الكَيْس: العقل، والكيِّس: العاقل؛ قال الشاعر:
فلو كنتم لمكيسة لكستم وكيس الأم يعرف في البنينا
[ ٤ / ١٠٢ ]
ولكن أمكم حمقت وماقت فصرتم أجمعين لأحمقينا
آخر:
فكن أكيس الكيسَى إذا ما لقيتهم وكن جاهلًا إما لقيت ذوي جهل
وعن الحسن قال: الأكايس من المؤمنين، إنما هو الغدو والرَّواح والفعل كاس يكيس، وتقول: هذا الأكيْس والكيِّس.
والكِيْس: معروف، والجمع الكِيَسة.
والكِسْوَة والكُسْوة، لغتان: وهي: اللباس، ولها معان مختلفة؛ تقول: كسَوت فلانًا، وأنا أكسوه كسوة إذا ألبسته ثوبًا أو ثيابًا؛ وتقول: اكتسى فلان إذا لبس الكسوة؛ وتقول: اكتست الأرض بالنبات إذا تغطَّت به.
والكِساء: اسم، وفيه لغتان: كساءان وكِسَاوان، والنسبة إليه كسائي وكساوي. وتقول: مضى الليل كسؤه، أي قطعة.
والكَوْس: فعل الدابة إذا كاست على ثلاث [قوائم]؛ قال الشاعر يصف الناقة إذ عقرها:
[ ٤ / ١٠٣ ]
فظلَّت تكوس على أكرع ثلاث وكان لها أربع
والكوْس: كلمة كأنها أعجمية، والعرب تتكلم بها، وذلك إذا أصاب الناس خِبِّ في البحر فخافوا الغرق، تقول: خافوا الكَوْس.
[وقولهم: فلان كافر]
الكفر على أربعة أصناف: كُفر الجُحود مع معرفة القلب ككفر أبي طالب، والكفر المُعاند، وكفر النفاق، وكفر القلب واللسان.
والكفر نقيض الإيمان، [يقال]: رجل كافر، ورجال كافرون وكفرة وكُفار، ولا يقال في النساء إلا كوافر.
وقال أهل اللغة: الكافر معناه في كلام العرب الذي يغطي نعم الله وتوحيده، أخذ من قولهم: قد كفرت المتاع إذا سترته أكْفِرُهُ كَفْرًا. وقيل لليل كافر لأنه يغطي كل شيء بظلمته؛ قال لبيد:
يعلو طريقة متنها متواترًا في ليلة كَفَرَ النجوم غمامها
وله أيضًا:
حتى إذا ألقت يدًا في كافر وأجنَّ عورات الثغور ظلامها
الكافر ههنا: الليل.
[ ٤ / ١٠٤ ]
وواد كافر إذا غطى كل ما على جوانبه، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الحق.
ويقال للزارع كافر؛ لأنه إذا ألقى البذر في الأرض غطاه بالتراب، وجمعه الكُفّار. ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي الزُّراع.
ورجل مكَفَّر: وهو المحسان الذي تُكْفر نعمه.
وكلمة [مكفور] يلهجون بها يقولونها لرجل يؤمر بأمر، فيعمل خلائفه، فتقول: مكفور بك يا فلان. وإذا ألجأت مطيعك إلى أن يعصيك فقد أكفرته.
والتكفير: إيماء الذمي برأسه. [ولا] يقال: سجد فلان لفلان، وإنما كفَّر له تكفيرًا. والتكفير تتويج الملك بتاج.
والرجل يكفر درعه بثوبه إذا لبسه فوقها، فذلك الثوب كافر الدرع. ومغيب الشمس كافر الشمس.
والكفّارة: ما تكفَّر به الخطيئة والذنب والنهي.
والكافور: كِمُّ العنب قبل أن ينور. والكافور: معروف والكافور عين ماء في الجنة. والكافور: نبْت له نوْر كنوْر الأقحوان. والكافور: الطَّلْع، وإذا أنَّثوا قالوا: الكُفُرَّى، وإذا ذكروا قالوا: الكافور، والجمع الكوافير، وهو طَلْح يخرج من النخلة كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود. ومنهم من يقول: هذه كُفَرّاهُ واحدة مشددة، وهذا كُفُرَّى واحد.
[ ٤ / ١٠٥ ]
وقولهم: كُتِب هذا علينا
هو على أربعة أوجه:
كُتِبَ: فُرِض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ أي فُرِض.
الثاني: قضى، [ومنه] قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ﴾ أي قضى، وقوله تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ﴾ أي قُضي.
الثالث: كَتَب بمعنى جعل، [ومنه] قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي جعلها الله لكم ميراثًا على لسان إبراهيم ﵇؛ ومثله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ﴾ أي جعل، و﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ومثله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ كله بمعنى يجعل.
الرابع: كتب بمعنى أمر، [ومنه] قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي أمرناهم في التوراة.
[ ٤ / ١٠٦ ]
الكريم
الشريف الفاضل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي أفضلكم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أي شرفناهم وفضَّلناهم؛ وقال تعالى في قصة إبليس: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي فضَّلت علي، ومثله: ﴿ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أي الشريف الفاضل وقال: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ أي شريفًا. وقال: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي شريف بشرف صاحبه، وقيل: شرف بالخَتْم.
والكريم: الصَّفوح. وذلك من الشرف والفضل. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي صفوح؛ وقال تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي الصَّفُوح.
والكريم: الكثير؛ قال الله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي كثير.
والكريم: الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾
[ ٤ / ١٠٧ ]
أي حسن يبتهج به. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي حسنًا. قال القُتبي: هذا وإن اختلف فأصله كله الشرف.
وتقول: رجل كريم وكُرام، وقوم كِرام وقوم كَرَم، وامرأة كرم ونسوة كرم. وقد تستعمل فعل في جمع فعيل وفعول كثيرًا، كقول الشاعر:
لقد زاد الحياة إلي حبًا بناتي إنهن من الضعاف
مخافة أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقًا بعد صاف
وأن يعرين إن كُسِي الجواري فتنبو العين عن كرم عِجاف
يعني بالعجاف بناته.
وتكرَّم الرجل أي تنزَّه عن أشياء أكرم نفسه عنها ورفعها. وكَرُم الرجل، وهو يكرُم كرمًا أي صار كريمًا. ويقال: أكرمت الرجل وكرَّمته: [أعظمته ونزَّهته]، قال الله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. قال زُهير:
ومن يغترر يحسب عدوًا صديقه ومن لا يُكَرِّم نفسه لا يُكَرَّم
[ ٤ / ١٠٨ ]
ومعنى يكرم يكرم. وكرَّمته أشد مبالغة في الإكرام من أكرمته.
والكرامة: اسم للإكرام مثل الطاعة للإطاعة. وكَرُم فلان علينا كرامة، وإذا جاء السحاب بغيثه قيل: كَرُم.
والكرامة: طبق على رأس الحب.
وسمي الكرم كرمًا لأن الخمر المشروبة من عنبه تحث على السخاء وتأمر بمكارم الأفعال، فاشتقوا منه ذلك. ولذلك قيل نهى النبي ﷺ أن يسمي كرمًا. أبو هريرة عنه ﷺ: "لا تسمُّوا العنب الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن المسلم".
ابن الأنباري: "إنه ﷺ كره أن يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن أحق بهذا الاسم الحسن"؛ قال الشاعر:
والخمر مشتقة [المعنى] من الكرم
وكذلك سموها راحًا لارتياح شاربها للعطاء إذا كان سخيًا سريعًا إلى العطاء والبذل. ويقال للكرم الجفنة والحبلة والزَّرجون. والجَفْن والجَفْنَة نفس الكرم بلغة اليمن، ويقال: بل قضيب من الكرم، ويقال: بل هو ورقه. والحُبْلَة: ضرب من الحلي يُجعل في القلائد؛ قال الشاعر:
[ ٤ / ١٠٩ ]
ويزينها في النَّحر حلي واضح وقلائد من حُبلة وسلوس
والسلوس: جمع سلس، والسلس خيط ينظم فيه الخرز.
والكرمة: الطاقة الواحدة من الكرم؛ قال أبو محجن الثقفي:
إذا مُتُّ فادفني إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالبقيع فإنني أخاف إذا مُتُّ أن لا أذوقها
ونقول: هذه البلدة إنما هي نخلة وكرمة، نعني بذلك الكثرة. وهكذا تقول العرب: هي أكثر الأرض سمنة وعسلة.
والكرم: القلادة؛ وقال الشاعر يهجو امرأة:
إذا هبطت جو المراغ فعرَّست طروقًا وأطراف التوادي كرومها
يعني أنها إذا حلبت الإبل ألقت التوادي على عنقها فاختلطت بقلائدها وحليها وقامت مقام الحَلْي إذا لم يكن حَلْي. والتوادي: جمع تودية، وهي ما تشد به أخلاف الناقة.
والكرم أيضًا: أرض مثارة منقاة من الحجارة.
[ ٤ / ١١٠ ]
[وقولهم: فلان كمي]
الكمي: الشجاع، وفيه ثلاثة أقوال: قيل هو الذي يكمي عدوه، أي يقمعه، أخذ من قولهم: قد كمى فلان الشهادة إذا قمعها وسترها ولم يُظهرها؛ كماها يكميها كميًا إذا سترها.
وقال أبو عبيدة: الكمي التام السلاح. وقال الخليل: الكمي: الشجاع، وسمي بذلك إذا تكمَّى في سلاحه، أي تغطّى به؛ يقال: تكمَّتهم الفتنة والشر إذا غشيتهم. قال العجاج:
بل لو شهدت الناس قد تُكُمُّوا
وقال ابن الأعرابي: الكمي الذي يتكمَّى الأقران، أي يتعمدهم، وجمعه كُماة؛ قال عنترة:
ومدجج كره الكُماة نزوله لا ممعن هربًا ولا مستسلم
[وقولهم: فلان كاشحٌ]
الكاشح: العدو، وفيه ثلاثة أقوال: قال قوم: قيل للعدو، كاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه. والكشح: الخصر، والكشح والخصر والقرب واحد، وهو ما
[ ٤ / ١١١ ]
يلي الخاصرة؛ قال الأعشى:
ومن كاشح ظاهر غمره إذا ما انتسبت له أنكرن
وقيل: لأنه يضمر العداوة في كشحه؛ قال المجنون:
أأرضي بليلي الكاشحين وأبتغي كرامة أعدائي بها وأهينها
وقال أصحاب هذه اللغة: إنما خص الكشح لأن الكبد فيه، فيراد أن العداوة في الكبد. وكذلك يقال: عدو أسود الكبد، أي شدة العداوة قد أحرقت كبده؛ قال الشاعر:
فما جشمت من إتيان قومي هم الأعداء والأكباد سود
ويقال: طوى فلان كشحه إذا أعرض؛ قال زهير:
وكان طوى كشحًا على مستكنَّة فلا هو أبداها ولم يتقدم
وقال النبي ﷺ: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح". ويقال: قد كاشح فلان فلانًا فهو مُكاشح إذا عاداه؛ قال ابن هرمة:
ومكاشح لولاك أصبح جانحًا للسلم يرقى حيَّتي وضبابي
وقال قوم: إنما سمي العدو كاشحًا لأنه أدبر بوده عنك، وقالوا: هو بمنزلة
[ ٤ / ١١٢ ]
قولهم: قد كشح عن الماء إذا أدبر عنه، وحجتهم قول الشاعر:
كشح حمار كشحت عنه الحمُر
أراد أدبرت عنه. وتقول: فلان بين الكشاحة والمُكاشحة. وعصا مكشح أي مقشر.
الكَشْر
الكشر: بُدُو الأسنان عند التبسم، يقال: كشر عن أسنانه إذا أبداها في غير ضحك، والفاعل لذلك كأنه ينافق صاحبه؛ قال المثقب العبدي:
إن شر الناس من يكشر لي حين يلقاني وإن غبت شتم
آخر:
وإن من الإخوان إخوان كِشرة وإخوان حياك الإله ومرحبا
وإخوان كيف الحال والمال كله وذلك لا يسوى كراعًا موربا
آخر: أخوك أخو مكاشرة وضحك وحياك الإله وكيف أنتا
وقوله: إخوان كشرة، يريد مكاشرة لأن الفِعلة قد تجيء في معنى فعال، تقول: هاجر هجرة، وعاشر عشرة، وإنما يكون هذا التأسيس فيما يكون من الأفعال على تفاعلا جميعًا.
[ ٤ / ١١٣ ]
والمُكاشرة قد تكون مداجاة، وقد تكون خوفًا وفرقًا، كقول عنترة:
لما رآني قد نزلت أريده أبدى نواجذه لغير تبسُّم
ويروى: قد قصدت أريده كلح الفتى جزعًا ولم يتبسم
كلح: كشر وأبدى أسنانه كراهة منه لي، وخشية من الموت. ويروى: لغير تكلم.
قال آخر:
لعمرك إنني وأبا ذراع على حال التكاشر منذ حين
لأبغضه ويُبغضني وأيضًا يراني دونه وأراه دوني
فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين
آخر:
تكاشرني حتى كأنك ناصح وعينك تبدي أن قلبك لي دوي
[وقولهم: فلان كرَّز]
الكرَّز أي داه خبيث محتال، وهو العييُّ اللئيم. وهو دخيل في العربية تسميه الفرس الكُرَّزي؛ قال رؤبة:
وكرَّز يمشي بطيئ الكُرز
[ ٤ / ١١٤ ]
لا يحذر الكي بذاك الكنز
وقالوا: إن الكرز من الرجال شبه بالبازي في خبثه واحتياله، وذلك أنالعرب تسمي الباز كرَّزًا؛ قال الشاعر:
لما رأتني راضيًا بالإهماد كالكرز المربوط بين الأوتاد
أراد بالكرز الباز يربط ليسقط شعره. وزعموا أنه أصله بالفارسية كره، فعربته العرب وغيرت بعض حروفه. ويقال: هو الباز، وهما البازان، وهي البيزان، على مثال: هو الخال، وهي الخيلان. ويقال: هو البازي على مثال القاضي، وهما البازيان، وهي البُزاة مثل القضاة؛ قال الشاعر:
لو كان عن حيلة أدعى مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير
آخر:
طير رأت بازيًا نضخ الدماء به أوَّامة خرجت رهوًا إلى غيل
الكاذب
الكاذب ضد الصادق، والكذب ضد الصدق. تقول: كاذب وكذاب، ورجل كذوب إذا كان أكثر كلامه كذبًا.
وكذَّب فلان فلانًا إذا لم يصدق حديثه ومقالته، وقال له: كذبت، وهو مكذِّب والآخر مكذَّب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فمن ثقل معناه: لا يستطيعون أن يجعلوك كذابًا، ومن خفف فمعناه: لا يقولون كذبت. ويقولون:
[ ٤ / ١١٥ ]
أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه.
وحديث عمر ﵀: "كذب عليكم الحج" أي وجب. هكذا عن الخليل قال: ولا يصرف في وجوه الفعل، لا يقال: يكذب، ولا يقال: كاذب، بمعنى واجب.
قال أبو عبيدة: حديث عمر ﵁: "كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم". قال الأصمعي: معنى كذبن معنى الإغراء، أي عليكم به؛ وكان الأصل فيه أن ينصب، ولكنه جاء عنهم بالرفع شاذًا على غير قياس، ويحقق رفعه قول الشاعر:
كذبت عليك لا تزال تقوفني كما قاف آثار الوسيقة قائف
وقوله: كذبت عليك، إنما إغراء بنفسه أي عليك بي، فجعل نفسه في موضع الرفع، ألا تراه جاء بالتاء فجعلها اسمه؟ قال معقر البارقي:
وذبيانية وصت بنيها بأن كذب القراطف والقروف
الشعر مرفوع، أي عليكم بالقراطف والقروف.
قال: ولم أسمع في هذا حرفًا منصوبًا إلا في شيء كان يحكيه أبو عبيدة عن أعرابي نظر إلى ناقة نضو لرجل فقال: كذب عليك البزر والنوى.
[ ٤ / ١١٦ ]
قال إسحق بن سويد: تقول العرب للمريض: كذب عليك العسل، أي عليك به؛ قال الشاعر:
كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
معنى كذب: وجب، والغبق والاغتباق: شرب العشي؛ قال الشاعر:
أيها المرء خلفك الموت لا بد منك اصطباحه فاغتباقه
الاصطباح: من الصبوح، شرب الغداة ومن أي شراب كان. وأنشد ابن الأعرابي لخداش بن زهير:
كذبت عليكم [أوعدوني] وعللوا بي الأرض والأقوام قردان موظبا
أي عليكم بهجائي إذا كنتم في سفر، فاقطعوا بذكري الأرض، وأنشدوا القوم هجائي يا قردان موظب.
الكميش
الكميش: العزوم الماضي. تقول: كمش كماشة، وانكمش في أمره وفي الحاجة أي اجتمع منها؛ قال دريد بن الصمة:
كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد
ويروى: على العزَّاء.
[ ٤ / ١١٧ ]
والكميش الإزار: الملتئم الإزار الذي قد جمعه وقبضه. والأنجد: جمع نجد، والنَّجد: ما ارتفع من الأرض. تقول: هو طلاع أنجد أي قوي غير ضعيف؛ يوصف به الرجل التام الأمر، وهذا مثل.
والعزَّاء: الأمر الشديد. والجلاء الخصلة الجليلة العظيمة، إذا فتحت الجيم مددت، وإذا ضممت قصرت.
وشاه كمشى: صغيرة الضرع، وهي كمشة، وربما يكون الضرع مع كموشه درورًا.
الكشم والجدع
الكشم والجدع اسمان في قطع الأنف. كشم فلان أنف فلان أي قطعه، ويقال: ابتلاه الله بالكشم والجدع؛ وكشمه كشمًا وجدعه جدعًا.
الكبش
الكبش معروف؛ وكبش الكتيبة: قائدها، وكبش القوم: سيدهم. وإذا أثنى الحمَل فقد صار كبشًا، وقيل: بل حتى تخرج رباعيته.
[وقولهم: قد كظني الأمر]
الكظ: الذي تبهظه الأشياء وتكظه ويعجز عنها. وقد كظني هذا الأمر أي ملأني همه. واكتظ الموضع بالماء إذا امتلأ به، قال رؤبة:
إنا أناس نلزم الحفاظا
إذا سئمت ربيعة الكظاظا
[ ٤ / ١١٨ ]
أي ملت المكاظة، وهي ههنا القتال، وما علا القلب من غم الحرب. وقالت رقيقة بنت أبي صيفي في خبر استسقاء عبد المطلب: "فوالكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه المثجوج".
فمعنى اكتظ: امتلأ، والثجيج: الماء المثجوج أي المصبوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.
والكظكظة: امتلاء السقاء إذا ملأته؛ والإنسان يتكظكظ عند الحرب [إذا تضايق في المعركة عند الحرب. وتكظكظ عند الأكل] تراه منحنيًا كلما امتلأ بطنه، فينتصب جسده قاعدًا. وقال الحسن: فإذا غلبته البطنة، وأخذته الكظة قال: هاتي ما يهضم طعامي.
[وقولهم]: كظم فلان غيظه
كظم فلان غيظه، أي حبسه ورده، يكظم كظمًا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿والكاظِمينَ الغَيْظَ﴾ أي حابسين الغيظ؛ قال عبد المطلب:
فحضضت قومي واحتسبت قتالهم والقوم خوف قتالهم كظم
وأصل الكظم في اللغة: حبس البعير لما في جوفه، وإمساكه عن الاجترار؛ قال الراعي:
[ ٤ / ١١٩ ]
وأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا
أراد: دفعن بالجرة، واجتررن بعد أن كن كظَّما لا يجتررن. ومعنى الإفاضة: الدفع بالكثرة؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، ومنه الإفاضة من عرفات. وأفاض الناس في الحديث: اندفعوا فيه؛ والإفاضة: الدفعة.
وقوله: من ذي الأباطح، [معناه أن هذه الجرة أصلها ما رعت بهذا الموضع]، والحقيل: نبت.
وتقول للإبل: هي كظوم، والناقة كظوم أيضًا إذا لم تجتر.
والكظَم: مخرج النفس، تقول: قد أخذ بكَظَمي فما أقدر أتنفس، أي كربني.
وإنه لكظوم كظيم، أي مكروب؛ قال الله تعالى: ﴿فَهُو كَظِيم﴾. قال ابن عباس: المغموم. قال قيس بن زهير:
فإن أك كاظمًا لمصاب شأس فإني اليوم منطلق لساني
والكظيمة والكظائم: خرق تحفر فيجري فيها الماء من بئر إلى بئر؛ قال الشاعر:
رد الماء لا تؤخذ عليك الكظائم
الكفيل
الكفيل: الضامن للشيء، تقول: كفل به يكفل كفالة، ورجل كافل. وتقول: كفلت الرجل وكفلته بفتح الفاء وكسرها.
[ ٤ / ١٢٠ ]
قال الخليل: الكافل الذي قد كفل إنسانًا يعوله وينفق عليه.
وفي الحديث: "الربيب كافل" وهو زوج أم اليتيم. وفي القرآن: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي كفله مريم ينفق عليها حيث يساهم هو وقرابتها على نفقتها، وتكفَّلها زكريا حتى مات أبوها، فبقيت بلا كافل، فأصاب السهم زكريا؛ وقرئ: وكفِلَها بالكسر، وقرئ: وكفَّلها مشددة على معنى كفَّلها الله زكريا.
ويقال: كفلت به أكفل كفالة وقبِلْت به أقبل قبالة بمعنى واحد. ويقال: أنا زعيم فلان أي كفيله.
والكفيل مأخوذ من الكِفْل، وهو ما يحفظ الراكب من خلفه من السقوط. وسمي الحظ كفلًا لمنفعته، ومنه قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي حظَّين ونصيبين.
والكِفْلُ من الأجر والإثم: الضعف، كقوله: له كفلان من أجر، وعليه كِفْلان من إثم. ولا يقولون: هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت مثله لغيره كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل كِفْل ولا نصيب.
والكِفْل: الذي يكون في مؤخر الحرب إنما همَّته في التأخر والفرار، رجل كفل من الكفولة. والكِفْلُ: الذي لا يثبت أيضًا على الخيل، ورجال أكفال كذلك؛ قال جرير:
[ ٤ / ١٢١ ]
ما كنت تلقى في الحروب فوارسي عزلًا إذا ركبوا ولا أكفالا
العزل: الذين لا سلاح معهم.
والكفل: ردن العجز. وإنها لعجزاء الكفل، والجميع الأكفال، ولا يقولون: امرأة كفلاء مثل عجزاء.
[وقولهم: رجل كهل]
الكهل عند العرب: الذي قد جاوز الثلاثين، سمي كهلًا لكماله واجتماع قوته. واكتهل النبات إذا تم وحسن واستوى؛ قال الأعشى:
يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل
يضاحكها: يدور معها، ومضاحكته إياها حسن له ونضرة.
والمكتهل: التام الحسن؛ قال آخر:
هل كهل خمسين إن شاقته منزلة مسفه رأيه فيها ومسبوب
وقال النبي ﷺ لرجل أراد الجهاد معه: "هل في أهلك من كاهل؟ "، ويروى: من كاهل، فقال: نعم، وهو مأخوذ من الكهل. يقول: هل فيهم من أسن وصار كهلًا.
وقد اكتهل الكَهْل، والمجيع كُهَّل وكُهُول. قال الخليل: الكهل الذي وخطه الشيب.
ورجل كهل، وامرأة كهلة؛ وقل ما يقولون للمرأة كهلة مفردة إلا أن يقولوا
[ ٤ / ١٢٢ ]
شهلة كهلة؛ قال الشاعر:
ولا أعود بعدها كريا
أمارس الكهلة والصبيا
ويقال: نعجة مكتهلة: وهي المختمرة الرأس بالبياض، وأكد بعضهم ذلك.
والكاهل: مقدم [أعلى الظهر] مما يلي العنق، وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقارات.
وقولهم: ندمت ندامة الكُسعي
قيل: هو رجل من اليمن، وقيل: هو من بني سعد بن ذبيان، وقيل: هو رجل من بني كُسع، واسمه عامر بن الحرث؛ والكُسَع: حي من اليمن وهم رماة.
وكان من حديثه أنه كان يرعى إبلًا له بواد كثير العشب والخمط. فبينما هو يرعاها إذ بصر بنبعة في صخرة، فجعل يتعهدها ويقومها حتى استوت، واتخذ منها قوسًا، وخطمها بوتر، وقال فيها أشعارًا اختصرتها وتركتها اختصارًا.
ثم أتى قُترة على موارد حمير، فمر به قطيع، فرمى عيرًا منها بسهم فأصابه، وأمخطه أي أنفذه، فصار السهم إلى الجبل فأورى النار، فظن أنه أخطأ، فقال شعرًا تركته اختصارًا.
ثم مر به قطيع آخر، ففعل مثل فعله الأول، ثم لم يزل يفعل ذلك خمس مرات
[ ٤ / ١٢٣ ]
وهو يظن أنه يخطئ في ذلك؛ فأنشأ يقول:
أبعد خمس قد حفظت عدَّها
أحمل قوسي وأريد ردها
أخزى الإله لينها وشدها
والله لا تسلم مني بعدها
ولا أرجي ما حييت رفدها
ثم أخذ القوس فضرب بها حجرًا وكسرها، وبات. فلما أصبح نظر فإذا الحمر مضرجة حوله مصرَّعة، واسهمه بالدماء مضرجة، فأسف وندم على كسرها، وقطع إبهامه، وقال:
ندمت ندامة لو أن نفسي تطاوعني إذًا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وضربت العرب بندامته المثل؛ قال الشاعر:
ندمت ندامة الكُسعي لما رأت عيناه ما فعلت يداه
وقال الفرزدق:
ندمت ندامة الكُسعي لما غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها كآدم حين لجَّ به الضرار
وفيها:
ولو أني ملكت يدي وقلبي لكان علي للقدر الخيار
[ ٤ / ١٢٤ ]
والكسع: ضربك بيدك على دبر شيء أو برجلك. وإذا اتبع أدبارهم فضربهم بالسيف، يقال: كسعهم وكسع أدبارهم. وكسعت الرجل بما ساءه إذا تكلم فرميته على إثر قوله بكلمة سوء. وكسعت الناقة إذا تركت بقية اللبن في خلفها تريد بذلك تغزيرها؛ قال الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج
الشول: التي شالت بأذنابها، والغُبْر: البقية من كل شيء.
والكسعة: هي الحمير، والنخة: الرقيق، والجبهة: الخيل. والكسعة: النكتة البيضاء التي تكون في جبهة كل شيء.
[وقولهم: فلان كلف بفلان]
الكلف: شدة الحب والمبالغة فيه، يقال: فلان كلف بفلان وبفلانة إذا كان مبالغًا في محبته؛ قال الشاعر:
فتيقني أني كلفت بكم ثم اصنعي ما شئت عن علم
وقال آخر:
يا قلب ويحك حدًا منك ذا الكلف ومن كلفت به جاف كما تصف
والكلف: الإيلاع بالشيء، تقول: كلف فلان بهذا الأمر وبهذه الجارية، فهو بها كَلِف ومكلَّف. وتقول: كلفت بهذا الأمر، فأنا أكلف به وتكلَّفته.
[ ٤ / ١٢٥ ]
والكُلفة: ما يكلف من أمر في نائبة أو حق، والجميع الكُلف. تقول: يتكلف لإخوانه الكُلف؛ قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبالك يسأم
والمكلف: الوقاع فيما لا يعنيه.
والكلف: لون يعلو الوجه فيغير بشرته، تقول: كلِف وجهه كلفًا، وهو في الوجه خاصة.
وبعير أكلف، وبه كُلفة: وهو سواد في خده خفي.
وقولهم: رجل كاعٌّ وكَعٌّ
كاعٌّ بالتشديد: الفرق العاجز الناكص على عقبيه، لا يمضي في حزم ولا عزم. كعَّ يكعُّ ويكُعُّ كعوعًا وأكعَّه الفرق عن ذلك، وأنا أكُعُّه إكعاعًا إذا حبسته عن وجهه.
وتقول أيضًا كعكعه الخوف يجري مجرى الإكعاع، وهو يكعكعه كعكعة ويكعكع هو نفسه إذا تلكأ وجبن. والكعكعة أحسن استعمالًا في المنطق من الإكعاع.
والكع أيضًا: الضعيف العاجز؛ قال الشاعر:
إذا كان كع القوم للرحل لازمًا
وتقول: كاع الرجل يكيع كيعًا وكيعة ومكاعًا وهو كائع. والكعك: الخبز اليابس.
الكُتَع
الكُتَع: اللئيم، جمعه كتعون. والكُتَع حرف يوصل به أجمع لا يُفْرد؛ تقول:
[ ٤ / ١٢٦ ]
جمعًا كتعًا، وجُمع كُتع، وأجمعون أكتعون؛ فإذا أفرد أجمع لم تعرفه العرب.
قال الخليل: ليس أصل أكتع عربية إنما هي ردف لأجمع على لفظه يقوله له، ومثله كثير. يقولون: الريح والضيح وليس للضيح وتفسير، وحسن بسن، وما يشبهه كثير؛ وأكتع توكيد لأجمع.
وقولهم: كرع فلان في الماء
إذا تناوله بفيه من موضعه يكرع كُروعًا وكَرْعًا. وكرع في الإناء، إذا مال نحوه عنقه فشرب منه.
ورجل كَرِع: أي غَلِم، والكرعة: المغتلمة.
والكُرَاع من الإنسان: ما دون الرُّكبة، ومن الدواب: ما دون الكعب. وتقول: هذه كُرَاع. وهو الوظيف نفسه؛ قال الشاعر:
يا نفس لا تُراعي
إذ قطعت كُراعي
إن معي ذراعي
وكُراع كل شيء: طرفه، مثل كُرَاع الأرض: ناحيتها.
والكُراع: اسم يجمع الخيل [والكُراع: السلاح، وقيل: هو اسم يجمع الخيل والسلاح]، وإذا قال: السلاح والكُراع فإنه الخيل نفسها.
وتكرَّع الرجل إذا توضأ للصلاة وأخذ في غسله أكارعه. وماء السماء يسمى الكرع. وأكرع القوم إذا أصابوا الكرع فأوردوه إبلهم.
[ ٤ / ١٢٧ ]
وقولهم: كنعت أصابع فلان
إذا تشنجت وتقبضت؛ قال الشاعر:
أنحى أبو لقط حزًا بشفرته فأصبحت كفه اليمنى بها كنع
والفعل كنع يكنع كنعًا فهو كنع شيخ. وقيل: الكنع: قصر [اليدين والرجلين] من داء على هيئة القطع والتعقُّف.
وتكنَّع فلان بفلان إذا تشبث وتضبث وتعلق به.
وكنع الموت إذا دنا واقترب يكنع كنوعًا. وأكنع الشيء إذا لان وخضع.
وكنعان بن سام بن نوح: وإليه ينسب الكنعانيون، وكانوا أمة يتكلمون بلغة تضارع العربية.
والاكتناع: الاجتماع، والاكتناع: التعطف، اكتنع عليه أي عطف عليه.
الكَعْب
الكَعْبِ من الإنسان: ما أشرف فوق رُسغه عند قدميه. وكَعْب الفرس: عظم الوكيف لعله الوظيف. والكعب لكل ذي أربع: عظم الساق الناتئ من خلف.
والكعبة: البيت الحرام، يقال: كعبته أعلاه، وأهل العراق يسمون البيت المربع كعبة. وكان لربيعة بيت يسمونه ذا الكعبات. وإنما قيل: كعبة البيت فأضيف لأن كعبه يربع أعلاه.
[ ٤ / ١٢٨ ]
وقال بعض: الكعبة هي الغرفة أيضًا، يقال: فلان جالس في كعبته أي غرفته.
وكعبت الجارية تكعب كعوبة وكعابة، وهي كَعاب وكاعب. وقد كَعَب ثديها، والكُعوبة: النتوء.
وكعَّبْت الشيء تكعيبًا إذا ملأته.
والكعب من القُضُب والقنا: أنبوب ما بين العقدتين، والجمع الكُعُوب.
وقولهم: قد كَعَم فلانًا الخوف
أي منعه من الكلام، أخذ من الكعام: وهو شيء يجعل على فم البعير. تقول: كعمته فأنا أكعمه كعمًا، فهو مكعوم.
قال ذو الرمة:
بين الرَّجال والرَّجا من جنب واصية يهماء خابطها بالخوف مكعوم
أي: خابط هذه المفازة قد كُعِم فوه لا يتكلم فيها من الخوف، فهو لا ينبس بكلمة. واليهماء: المفازة من سلكها تحير. والأيهم: الرجل الذي لا عقل له.
وقال آخر:
مررنا عليه وهو يكعم كلبه دع الكلب ينبح إنما هو نابح
يكعم كلبه أي: يشد فمه خوفًا أن ينبح فيدل عليه ضيفًا.
وأنشد ابن هرمة:
ويدل ضيفي في الظلام على القرى إشعال ناري أو نُباح كلابي
[ ٤ / ١٢٩ ]
حتى إذا أبصرنه وعرفنه قرَّبنه ولوين بالأذناب
الكَحْل
الكحل: شدة المحل، والسنة الشديدة يقال لها أيضًا: كحل؛ قال ابن جندل:
قوم إذا صرَّحت كحل بيوتهم مأوى الضعيف ومأوى كل قرضوب
والكحل: مصدر الأكحل، وهو الذي يعلو منابت أشفاره سواد من غير كُحل خلقة. قال الشاعر:
كأن بها كحلًا وإن لم تكحَّل
آخر:
عليل الجفون بلا علة ومكتحل الطرف لم يكتحل
وقولهم: فلان كل على أهله
كل على أهله أي عيال وثقل عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾، وقال:
نزعت به إليك وكنت عوني بإذن الله وهو أخي وكلِّي
والفعل منه: كلَّ يكلُّ كُلُولًا. يقال: هو كل على أهله، وهم كل على أهليهم،
[ ٤ / ١٣٠ ]
وهي كلُّ، وهن كلٌّ، وبعضهم يقول: كلول في الرجال والنساء.
والكل: اليتيم؛ قال الشاعر:
أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديد
والكل: الذي لا ولد له ولا والد، والفعل كلَّ كلالة وقل ما يتكلم به.
والكلالة: أن يموت الرجل ولا ولد له ولا والد. وقيل: هو مصدر من تكلله النسب أي أحاط به، ومنه الإكليل لإحاطته الرأس. فالأب والابن طرفا الرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة، وكأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب، وجرى مجرى الشجاعة والسماحة. فالكلالة من تكلله النسب أي أطاف؛ فالولد والوالد خارجان من ذلك لأنهما طرفان للرجل. والكلالة مأخوذ من الإكليل، والإكليل يكون حوالي الشيء، وليس هو من الشيء.
والدليل على أن الكلالة حيث لا ولد ولا والد قول الشاعر:
فها أنذا المأسور في أرض غربة فلا الجار يرعى لي الذمام ولا الخِل
وقد كبرت سني فصرت كلالة فلم يبق لي فرع ولم يبق لي أصل
ويقال: كلَّل الرجل إذا ذهب وترك عياله بمضيعة. والكليل: السيف لا حد له، كلَّ كلالة وكلَّة. وقالت امرأة ترثي زوجها:
وخبرني أصحابه أن مالكًا ضروب بنصل السيف وهو كليل
والكال: المعيي، يكل كلالة.
[ ٤ / ١٣١ ]
والكلة: غشاء من ثوب رقيق يتوقى به من البعوض.
والإكليل: شبه عصابة مزينة بالجوهر. والإكليل: من منازل القمر. وروضة مكللة إذا حُفّت بالنور.
والكلكل: أو كل شيء وصدره ومعظمه. والكلكل: الضرب ليس بحد طويل. والكلاكل في الناس: الجماعات كالكراكر في الخيل.
والكلكال لغة في الكلكل.
[وقولهم: رجل كزٌّ]
الكزُّ: القليل الخير والمؤاتاة؛ قال الشاعر:
أنت للأبعد هين لين وعلى الأقرب كزجاف
وخشبة كزة: إذا كان فيها يُبْس واعوجاج. وذهب كزٌّ: صلب جدًا. وإذا ضيقت شيئًا فقد كززته، وهو مكزوز.
والكُزاز: داء يأخذ من شدة البرد تعتري منها الرعدة، تقول: رجل مكزوز.
وقولهم: رجل كريه
رجل كريه أي متكرَّه، وأمر كريه: مستكره ومكروه. وامرأة مستكرهة: مكروهة، غصبت نفسها؛ وأكرهته على الأمر، فهو كاره.
والكريهة: [النازلة] الشديدة في الحرب. و[كرائه] الدهر: نوازله.
والكَرْه والكُرْه لغتان، وقيل: الكُرْه: المشقة من غير أن يحملها، والكَرْه: إكراه
[ ٤ / ١٣٢ ]
ومشقة أتحملها على كره مني. تقول إذا فعلت ذلك من تلقائك: فعلته على كُره مني بالضم؛ وإذا فعلت ذلك تحملًا حملت عليه قلت: كرهًا بالفتح.
وتقول: كرهت هذا الأمر كراهة وكراهية ومكرهة وكراهين يا فتى، وكرهًا وكُرهًا؛ والكُره لغة النبي ﷺ.
وتقول: كرَّه إلي هذا الأمر تكريهًا أي صيره عندي بحال كريهة.
الكاهن
الكاهن: الذي يخط على الأرض يتكهن في ذلك، وهو العائف أيضًا الذي يزجر الطير. تقول: كهن الرجل يكهَن ويكهُن كهانة، وقلّما يقال: إلا تكهَّن الرجل، وتقول: لم يكن كاهنًا ولقد تكهَّن.
وتقول: تكهَّن لهم إذا قال قول الكهنة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾. وفي الحديث: ليس منا من تكهن أو تُكهِّن له"، وفي حديث: "من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدَّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" ﷺ.
والكهانة المصدر، والكِهَانة الحِرفة. والحازي: الكاهن، والمُتحزّي: المُتَكهِّن. قال العجاج:
قال الحوازي واستحت أن تنشعا
[ ٤ / ١٣٣ ]
الحوازي: الكهنة، والنشع: جُعْل الكهانة، يقال: أنشعته إنشاعًا.
والحازي أيضًا: الذي يزجر الطير؛ يقال: فلان يحزو الطير [غير] مهموز. والعراف عند العرب: كل حاز منجم وصاحب خط وعيافة.
وقولهم: فعلت الشيء في غير كُنْهِه
أي في غير وقته ووجهه؛ قال:
وإن كلام المرء في غير كُنهه .. لكالنَّبل تهوي ليس فيها نصالها
وكُنْه كل شيء: غايته؛ تقول: بلغت كُنْه هذا الشيء أي غايته.
وقولهم: كفَّ عن كذا
أي أمسك عنه يكُفّ كفًا وكففته أنا كفًا، وهو فعل سواء اللفظة في اللازم والمجاوز.
والكفكفة: كفُّك الشيء أي ردك.
والكف مؤنثة، وكفة اللثة: ما انحدر منها على أصول الثغر. وكفَّة الميزان بالكسر- وقد فُتح أيضًا- وكُفَّة السحاب وكُفَافه: نواحيه، وكِفَّة الصائد: وهي الحبالة التي يصطاد بها، وكل شيء مستطيل هو كُفَّة بالضم، وكل مستدير فهو كِفَّة؛ قال:
كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كِفَّةُ حابل
[ ٤ / ١٣٤ ]
عريضة: واسعة، لم يُرد العرض الذي هو خلاف الطول.
والكُفَّة- بالضم: غاشية كل شيء وطرَّته، وثوب جيد الكُفَّة: [طُرَّته التي لا هُدْب فيها]، وكذلك كل شيء ممتد على نسق.
وكُف بصر الرجل، وكُف الثوب. ويقال: لقيته كَفَّة لكفة، وكفة بكفة أي مفاجأة.
والكفاف من الرزق: ما كف عن الناس أي أغنى.
[والكافة] من الناس الجميع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي جميعكم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي تكفهم وتردعهم.
واستكف السائل: إذا بسط يده يطلب.
والعرب تقول: هذه كف.
[وكوَّف القوم: أتوا الكوفة]؛ قال الشاعر:
إذا ما رأت يومًا مطية راكب تبصَّر من جيرانها وتكوَّف
تبصر: تأتي البصرة، وكُوفان: اسم أرض، وبها سميت الكوفة.
[ ٤ / ١٣٥ ]
وقولهم: كبكب فلان فلانًا
أي: دهوره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُبكبُوا فيها﴾ أي دهوروا، ثم رمي بهم في هوة من النار، نعوذ بالله من النار. والأصل: كُبِّببوا، أي ألقوا على رؤوسهم في النار؛ من كب الإناء إذا ألقيته على وجهه.
وأكبَّ الرجل على شيء يعمله [إذا لزمه]؛ والكَبْكَبة: جماعة من الخيل.
وكَبْكَبُ: جبل، لا ينصرف.
وقولهم: كبا الرجل
أي: أكبَّ على وجهه، يكبْوا كَبْوًا، فهو كاب، قال:
إذا استجمعت للمرء فيها أموره كبا كبوةً للوجه لا يستقيلها
والكُبَا: الكُناسة؛ والكِباء: ضرب من العود والبُخور- ممدود مكسور الكاف؛ تقول: قد كبيت ثوبي، أي بخرته، وقد تكبَّت المرأة أي: تبخرت.
والكبى: القماش مقصور، وجمعه أكباء؛ تكتب بالياء.
والتراب الكابي: الذي لا يستقر على الأرض. والزَّند الكابي: الذي لا يوري النار، فعله كبا يكبو، ولغة أكبى يُكبى إكباء.
[الكئيب]
والكئيب: الحزين، والكآبة: سوء الهيئة والانكسار من الحزن في الوجه خاصة. تقول: كئبت واكتأبت كأبة- جزم- وكآبة- ممدود- وكأبًا، فهو كئيب ومكتئب.
[ ٤ / ١٣٦ ]
الكشط
الكشط: رفعك شيئًا عن شيء قد غطاه كما يُكشط الجلد عن السنام. كشط فلان عن كذا، فإذا كُشط الجلد عن الجزور سمي كشاطًا بعد ما يُكشط؛ يقال هذا في الجزور خاصة.
والكشطة: هم أرباب الجزور المكشوطة.
وقولهم: رأيت كرشًا من الناس
أي جماعة، ويقال لكل شيء مجتمع: كرش. وفي الحديث: "الأنصار كرشي وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، أي جماعتي وصحابتي الذين أثق بهم وأعتمد عليهم.
وكَرِشُ الرجل: عياله من صغار ولده، يقال: كرش منثورة، أي صبيان صغار.
والكرش لكل مجتر: تؤنثه العرب بمنزلة المعدة للإنسان. واستكرش الجدي والصبي: إذا عظم بطنه وأخذ في الأكل. وقال بعض: يقال: استجفر ولا يقال استكرش، والاستجفار في الأشياء كلها جائز، وهو اتساع البطن وخروج الجنين.
وإذا تقبض جلد وجه الإنسان قيل: تكرش وجهه، ويقال في كل جلد كذلك.
الكسلان
الكسلان: المتثاقل عما لا ينبغي [أن يتثاقل عنه]، والفعل كسل يكسل كسلًا. والكسل: التثاقل عن الأشياء. والمرأة كَسْلى، وكسلانة لغة رديئة.
[ ٤ / ١٣٧ ]
وأكسل الرجل: إذا فتر، وفي معنى آخر كسل إذا عزل فلم يرد ولدًا. والإكسال: انكسار الذكر قبل الإنزال؛ قال الشاعر:
ألا إن في الإكسال جذًا درأته فتركيه إجلالًا لمن قد يرانيا
ويقال للفحل الفاتر: كسِل؛ قال الشاعر:
لئن كسلت والحصان يكسل
وامرأة مكسال: وهي التي لا تبرح مجلسها.
وفلان لا تكسله المكاسل، أي لا تثقله وجوه الكسل؛ قال العجاج:
فذاك لا يستكسل المكاسلا
وقولهم: فلان كاسف الوجه
كاسف الوجه أي عابس من سوء الحال والبال. وتقول: عبس في وجهي وكسف عبوسًا وكسوفًا أي عابس؛ قال امرؤ القيس:
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها عليه القتام سيء الظن والبال
وكسف القمر وخسف بمعنى، وهو يكسف كسوفًا وكذلك الشمس، وبعض يقول: انكسف، وهو خطأ. قال:
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
[ ٤ / ١٣٨ ]
أي ما طلع نجم وطلع قمر، فنصبه، كقولك: لا آتيك مطر السماء؛ ثم صرفته فنصبته. وقال آخر:
ألم تكسف الشمس شمس النهار مع البدر للجبل الواجب
الواجب: الغائب؛ وجب القمر ووجبت الشمس إذا غابا.
والكسف: قطع العرقوب، كسفه بالسيف يكسفه كسفًا، وكذلك في الدابة.
[وقولهم: رجل كسوب]
الكسوف: الطلوب للرزق. والكسب: الرزق، وفلان يكسب لأهله خيرًا، وهو كاسب، وكاسبه أهله.
والكَزْب لغة في الكسب، كالكُسبرة [لغة] في الكُزبرة.
وقولهم: قد كدنت شفتي
أي اسودت من شيء أكلته، تكدن كدنًا، وهي كدنة. وهي لغة في كتن، وكتنت أصوب.
وامرأة كدنة أي كثيرة اللحم. وقيل: الكِدْنة: السنام، وبعير ذو كدنة، وجمل كدن: ضخم السنَّام. ويقال: كُدنة بضم الكاف.
والكوْدَن: البغل، وهو الكَوْدَني أيضًا. ويقال: الكودني من الفُحول.
والكدْيَوْن: دُقاق التراب على وجه الأرض، ودُقاق السرقين. وقيل: الكديون دُرْدِي الزيت؛ وقيل: هو كل ما طليت به من دسم أو دهن؛ قال النابغة:
[ ٤ / ١٣٩ ]
عُلين بكديون وأبطن حمرة فهن إضاء صافيات الغلائل
وقولهم: القوم في كبد من أمرهم
أي في شدة، وبعضهم يكابد بعضًا أي يشاقهم في الخصومة. والرجل يكابد الليل: إذا ركب هوله وصعوبته. وكابدت الليل مكابدة شديدة؛ قال العجاج:
وليلة من الليالي مرَّت
بكابد كابدتها وجرَّت
كلكلها لولا الإله خرَّت
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. قال ابن عباس: في اعتدال واستقامة. قال لبيد:
يا عين هلا بكيت أربد إذ قُمنا وقام الخصوم في كبد
وقال أبو عبيدة: في شدة، وقال القُتبي: في شدة عليه، ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة. وقيل في قول لبيد: في كبد، أي في القيام على الأمر الشديد.
ولاكَبِد: معروفة والعرب تؤنثها وتذكرها. تقول: حلَّق الطائر في كبد السماء [وكبيداء] السماء، وإذا صغّروا [جعلوها] كالنعت، وكذلك في سوداء وسويداء قلبه، [وهما] نادرتان رويتا هكذا. والعرب تقول: هذه كبد؛ قال الشاعر:
[ ٤ / ١٤٠ ]
لها كبد ملساء ذات أسرة وكشحان لم ينقض طواءهما الحمل
وقال رجل حجازي:
ألا ليت شعري هل تغيَّر بعدنا ظباء بذي الحصحاص نجل عيونها
ولي كبد مجروحة قد بدا بها صدوع الهوى لو كان قين يقينها
وكيف يقين القين صدعًا فتشتفى به كبد أبت الجروح أنينها
إذا ملَّت الأكباد لانت فقد أبى عليها ولا كُفران لله لينها
وكبد الأرض: ما فيها من معاون المال، وفي الحديث: "ترمي الأرض أفلاذ كبدها" أي ما فيها من الكنوز والأموال. والفَلْذ: كسرك قطعة من كبد أو ذهب أو فضة. والفلذة: القطعة من ذلك. ويقال: كَبِدٌ وكِبْدٌ وكَبْدٌ، وقد تقدم ذكره.
وإذا أصاب الكبدَ رمية أو داء قلت: مكبود، وإذا أضر الماء بالكبد تقول: [كَبَدَه، فهو مكبود].
وفي الحديث: "الكُبَادُ من العب"، والكُبَاد: داء يأخذ في الكبد، والعب: شرب الماء من غير مص. وفي الحديث: "مُصوا الماء مصًا، ولا تعبوه عبًا فإن منه الكُباد" يعني يورث وجع الكبد.
[ ٤ / ١٤١ ]
وكَبِد كل شيء: وسطه. والأكبد: الناهد موضع الكبد.
وقولهم: كمدت الجُرْح
أي وضعت عليه الكمادة، وهي خرقة دسمة تسخن بالنار، وتوضع مسخنة على موضع الوجع من الإنسان، تقول: كمدته.
والكَمْد والكُمْدة: تغير لون بعض التغير، ويذهب ماؤه وصفاؤه. وكَمَد القصَّار الثوب، أي لم يُنق غسله. والكَمَد: همّ وحزن لا يستطاع إمضاؤه؛ وأكمده الحزن إكمادًا.
الكتال
الكَتَال: شدة العيش وشقه وضيقه؛ قال الشاعر:
إن بها أكتل أو رزاما
خويربان ينقفان الهاما
أكتل: من شدائد الدهر اشتق من الكتل، ورزام أيضًا: اسم شديدة؛ قال الشاعر:
ولست براحل أبدًا إليهم ولو عالجت من وتد كتالا
والوتد: ضيق العيش.
ورأس مُكَتَّل: مجمع مدور. والمِكْتَل: الزبيل.
وقولهم: ما كرثني هذا الأمر
أي: ما بلغ مني مشقة. والفعل اللازم اكترث فلان يكترث اكتراثًا.
[ ٤ / ١٤٢ ]
والكِرْثئ لغة في الكفرئ: وهو السحاب المتراكم.
وقولهم: رجل كوثر
كوثر: أي سمح سخي كثير العطاء والخير؛ قال الشاعر:
وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن الخلائف كوثرا
والكوثر: العجاج الملتف بعضه ببعض؛ قال الشاعر:
وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا
أي التف.
وقالت عجوز: قدم فلان بكوثر كثير؛ قال القتبي: أحسبه فوعل من الكثرة، وفي القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قيل: هو الخير الذي أعطاه الله النبي ﷺ وأمته يوم القيامة. ابن عباس: هو نهر في بُطنان الجِنان، حافتاه فُتات الدر والياقوت فيها أزواجه وخدمه. قال حسان بن ثابت:
وحباه الإله بالكوثر الأكبر فيه النعيم والخيرات
وعن عائشة: من أراد أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعه في أذنيه. وعن ابن عباس أيضًا: الكوثر الخير الكثير منه القرآن وهو أفضله، ومنه النبوة، ومنه النهر الذي أعطاه الله في الجنة. وقال الحسن: النعمة الكثيرة هذا القرآن. وقيل: الكوثر: الهُدى، وأكثر الأخبار أنه النهر في الجنة.
عن محمد بن كعب القرظي في الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أن ناسًا يصلون
[ ٤ / ١٤٣ ]
وينحرون لغير الله، فإنا أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لي. قيل: صل الأضحى، وانحر البُدْن، وقبل إلى القِبْلة بنحرك، أي استقبلها؛ من قول العرب: بيوتنا تتناحر، أي تتقابل.
والكثرة: نماء العدد. ويقال: كاثرناهم وكثّرناهم؛ وبعضهم يقول: كثرناهم وهو قبيح، لأنه فعل لازم لصاحبه، ولكنه جرى على ألسنتهم.
وكُثر الشيء أكثره، وقُلّة أقَلّه. والمكثار من النساء والرجال: كثير الكلام ورجل مكثور عليه: إذا كثُر من يطلب منه المعروف.
وأكثَرْتُ الشيء إكثارًا، وكثَّرتُه تكثيرًا. والكَثْر والكَثَر: جُمَّار النخل، ويقال له الجذب، وهو الجُمّار أيضًا.
وقولهم: رمى من كثب
أي من غاية قريبة؛ وأتيته من كثب أي من قُرب.
والكثيب: سمي كثيبًا لأنه تُراب دقاق كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته. وتقول للتمر أو البُر أو نحوه إذا كان مصبوبًا في مواضع لكل صوبة منه كثبة والجمع الكثب. وفي الحديث: "يعمد أحدكم إلى المرأة المغيبة، فيخدعها بالكُثبة من اللبن وغيره"، وهو القليل.
وتقول: كَثَبْت الشيء أكثُبُ كَثْبًا إذا جمعته، فأنا كاثب.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وقولهم: كَبِر فلانٌ
من الكِبَر في السن يكبر، وكبُر يكبُرُ من العِظم، والكُبرى فعلى من الكبير، والجميع الكُبَر.
ويقال: الولاء للكُبْر من الولد، والكِبْر: العظمة، والكبر: الإثم الكبير، جعل اسمًا من الكبيرة كالخِطْء من الخطيئة؛ وكِبْرُ كل شيء: معظمه وفي القرآن: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قال: إثمه وخطأه.
وكُبْر كل شيء: أكبرُه، والكُبْر: الرفعة في الشرف؛ كقول المرار:
ولي الأعظم من سلافها ولي الهامة فيها والكُبُرْ
والكبرياء: اسم للتكبر والعظمة؛ قال ابن [قيس] الرقيات لمصعب بن الزبير:
ملكه ملك قوة ليس فيه جبروت منه ولا كبرياء
وتقول: كبُر هذا الأمر كبارة، والكُبَار في معنى الكبير؛ قال الأعشى:
فإن الإله حباكم به إذا ركب الناس أمرًا كُبارا
وأمر كبير وكُبار مثل طويل وطوال، وجسيم وجُسام، وعظيم وعُظام. وتقول: ورثوا المجد كابرًا عن كابر، أي كبيرًا عن كبير في الشرف والعزة.
والملوك الأكابر جمع الأكبر، ولا يجوز أكبر ولا ملوك أكابر؛ لأنه ليس بنعت إنما هو تعجب. ويقال: علته كبرة ومكبَرة.
[الكَنُود]
الكَنُود: الكَفُور كند يكند كنودًا. وتفسير الكَنُود في القرآن: الذي يأكل
[ ٤ / ١٤٥ ]
وحده، ويمنع رِفْده، ويضرب عبده. قال:
شكرت له يوم العكاظ نواله ولم أك للمعروف ثم كنودًا
والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئًا؛ قال الأعشى:
أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لِوَصْل الزائر المعتاد
وله:
ولكن لا يصيد إذا رماها وكيف تصاد غانية كنود
وله:
فميطي تمطي بصلب الفؤاد وصول حبال وكنادها
قال عبد الملك للحجاج: صف لي نفسك واصدق. فقال: يا أمير المؤمنين إني كنود وعنود وحسود وحقود، فقال: ما في الشيطان شر مما فيك، وشتمه.
وقولهم: كفَت فلانٌ فلانًا
أي صرفه عن وجهه حتى رجع. والكَفْت: تقلب الشيء ظهرًا لبطن وبطنًا لظهر. وقد انكفتوا إلى منازلهم: أي انقلبوا. وفي الحديث: "وأكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشارًا وخطفة" يعني بالليل. أي ضموهم إليكم، وكل شيء سضممته إليك فقد كفَّته؛ قال زهير:
[ ٤ / ١٤٦ ]
ومفاضة كالنهي تنسجه الصبا بيضاء كفَّت فضلها بمهند
أي علق درعه بسيفه فضمها إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ أي تضمهم على ظهرها أحياء، فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها. نبأنا : كنت أمشي مع الشعبي بظهر الكوفة، فالتفت إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الأحياء؛ ثم التفت إلى المقبرة فقال: هذه كفات الأموات، يريد تأويل الآية. وفسرها أبو عبيدة: "واعية، يقال: هذا النحي كِفْت وهذا كفيت. قال: ثم قال: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ منه ما يُنبت ومنه لا ينبت". قال القتبي: "كفاتًا: تضمهم فيها، والكفت: الضم، يقال: أكفت غليك هذا، أي أضمه. وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى".
[وقولهم: رجل كلاب]
الكلاب: المكلب الذي يعلم الكلاب الصيد. والكلْبُ الكَلِب: الذي يأكل لحوم الناس، فيأخذه من ذلك شبه الجنون، ولا يعض إنسانًا إلا كلب المعقور، أي أصابه داء يسمى الكلب: وهو أن يعوي عواء الكلاب، ويمزّق [ثيابه عن] نفسه، ويعقر من أصاب، ثم يصير أمره إلى أن يأخذه العُطاش، فيموت من شدة العطش، ولا يشرب. وقيل: إن دواءه من ذرائر تجفف في الظل، ثم تدق وتنخَّل، ويجعل فيه جزء من العدس المنقى، ثم يسقى منه وزن قيراطين أو قيراط بشراب صرف، ثم يقام في الشمس، ويوكَّل به من لا يدعه ينام حتى يعرق. ويفعل به ذلك مرارًا، فإنه
[ ٤ / ١٤٧ ]
يبرأ بإذن الله.
قال الفرزدق:
ولو شرب الكلبى المراض دماءنا شفاها من الداء الذي هو أدنف
ورجل كليب، ورجال كلبى إذا أصابهم الكلب، ورجل كلب، وفعله كَلِب يكلب كلبًا إذا حرص على الشيء قد كَلِبَ أشد الكلب.
ودهر كلب: قد ألح على أهله بما يسوءهم، والكلب: الحِرْص، وهو مصدر كلب فلان على الشيء كلبًا، أي حرصًا.
والكلب والكَلْبة معروفان. وقال بعض العرب: الكَلْب من لا يعرف للكلب عشرة أسماء: الكلب المعروف؛ والذئب كلب البر؛ والأسد كلب الله؛ والكلب مسمار قائم السيف الذي فيه الذؤابة، والكُلْبة ذلك السير؛ والكلب: كلب الماء؛ والكَلب: نجم منالنجوم بحذاء الدلو من أسفله؛ والكلب: سير أحمر يجعل بين طرفي الأديم إذا خرز؛ والكلب: ما تعلق به هيئة الرجل على الحمل؛ والكلب: اسم سمكة في البحر؛ والكلب: جبل معروف. فهذه عشرة أسماء.
يقال: كلب وثلاثة أكلُب وثلاث كَلْبات. وقيل: إن الكلاب آنست آدم ﵇، وكان يستعين بها على السباع؛ قال جرير:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي حوزة المستثفر الحامي
والكليب: جماعة [الكلاب] كالبعير والحمير؛ قال علقمة:
[ ٤ / ١٤٨ ]
تعوَّذ بالأرطى لها وأرادها رجال فبذَّت نبلهم وكليب
وله حديث تركته اختصارًا.
والكُلاب والكَلُّوب: خشبة في رأسها عقَّافة منها، أو من حديد يخرج بها الدلاء من الآبار.
[وقولهم]: كنفه الله
أي حفظه وحرزه يكنفه بالكلاءة. ويقال للإنسان المخذول: لا تكنفه من الله كانفة، أي لا تحفظه.
والكَنَفان: الجناحان، وكَنَفا الرجل: جناحاه. واكتنف القوم فلانًا، أي احتبسوه من كل جانب.
والكِنْف بالكسر: وعاء طويل يُجعل فيه أسقاط التجار ونحوه. قال عمر لابن مسعود: كُنيف ملئ علمًا، إنما هو تصغير الكِنْف، على وجه التعظيم والمدح. والكنيف: الحظيرة تحظر على القوم أو الشيء. وكان عروة بن الورد اتخذ لضعفاء قومه كنيفًا يعود عليهم بما يصيب من النواحي، وبه سمي عروة الصعاليك، وهم الفقراء من الناس. وقال في شعره:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم كما الناس إما أرملوا أو تموَّلوا
أرملوا: ذهب ما عندهم من الزاد والماء.
وقال [متمم بن نويرة]:
فعيني هلا تبكيان لمالك إذا أذرت الريح الكنيف المنزَّعا
[ ٤ / ١٤٩ ]
وإنما تذري الريح الكنيف في شدة الزمن والقحط.
والكنيف معروف، وهو عراقي. وأكناف الجبل والوادي: نواحيهما حيث تنضم إليه، والواحد كنيف أيضًا.
الكَفْن
غزل الصوف، يكفن؛ قال:
يظل في الشاء يرعاها ويعمتها ويكفن الدهر إلا ريث يهتبد
أي يأخذ الهبيد: وهو الحنظل. يهبد الرجل والظليم إذا أخذه من شجره.
والكفَن: معروف، تقول: كفنته وكفَّنْتُه، ورجل مكفون ومُكفَّن.
وقولهم: أمرٌ فيه كمين
أي فيه دغل لا يفطن له. والكمين في الحرب معروف. وتقول: كمن الشيء يكمُن كُموتًا إذا اختفى في مكمن لا يُفْطَن له.
وناقة كمون: كتوم اللقاح. ولكل حرف مكمن إذا مر به الصوت أثارة. والكمون: معروف؛ قال:
فأصبحت كالكمُّون ماتت عروقه وأغصانه مما يمنُّونه خضر
قال الليث: سمعت بشارًا يقول:
إذا جئته يومًا أحال على غد كما يعد الكمُّون من ليس يصدق
[ ٤ / ١٥٠ ]
والمُكتمن: نعت للحزين.
وقولهم: رجل كرِيُّ
أي يكري الإبل؛ قال:
قد رابني أن الكري أسكتا
لو كان معنيًا بها ليهَّتا
هيت: دعا، يقال: هيَّت فلان بفلان إذا صاح به ودعا. قال آخر:
إن الكري والأجير في الحمل
مشتركان في عناء وعمل
والمكاري: الذي يكري الدواب، وجمعه مكارون.
والكرى: النُّعاس، والفعل كَرِي يكرَى كرى، وهو كري. والكِراء ممدود: أجر المستأجر دابة أو غيرها، وتقول: اكتريت، أي أخذته بأجر، وأكراني دابته. وتقول: كريت نهرًا كريًا: إذا استحدثت حفره.
وقولهم: كوَّر فلان عمامته
إذا أدارها على رأسه. والكور واللَّوْث: إدارة العمامة على الرأس. تقول: كوَّرتها تكويرًا.
والكِوَارة: لوث تلتاثه المرأة [على رأسها] بخمارها، وهو ضرب من الخمرة، ويقال: كوارة وكِوراة، والفتح أكثر.
والكُوْر على أفواه العامة: كِير الحدّاد. والكُوْر: الرجل والجميع الأكوار. وقال يمدح النبي ﷺ:
[ ٤ / ١٥١ ]
وما حملت من ناقة فوق كورها أعفَّ وأوفى ذمة من محمد
وجمع الكُور كيران. والله ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي يغشي الليل النهار ويُغشي النهار الليل. وقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي ذهب ضوءها.
والكِيْر: كِيْر الحدّاد الذي ينفخ فيه يعني الزق، والجميع الكيرة.
الكوألَلُ والكُؤلَةُ:
الكوألل والكؤلة بفتح اللام: الرجل القصير والمرأة القصيرة، وقوم كوأللون.
والكولان: نبت ينبت في الماء. يقال في المثل لما قدم عهده وعدم: "نبت عليه الكولان".
والكلوة: لغة يمانية في الكُلْية. والكيُّول: آخر القوم في الحرب. وتقول: كليْته إذا رميته فأصبحت كُلْيته، وأنا كالي وهو مكلي.
وكلأك الله كلاءة، أي حفظك الله وحرسك، والمفعول مكلوء مهموز؛ قال:
إن سليمى والله يكلؤها
ضنَّت بزاد ما كان يرزؤها
[ ٤ / ١٥٢ ]
وبلغ الله بك أكلأ العمر، أي أقصاه وآخره. والكالئ بالكالئ: النسيئة بالنسيئة. وتكلأت كلأة، أي استنسأت [نسيئة]، والنسيئة: التأخير.
والمكلأ: موضع مرفأ السفن. والكلأ: العشب رطبه ويابسه، والعشب لا يكون إلا رطبًا. وأرض مكلئة كلئة مكلأة، أي كثيرة الكلأ، اسم للجماعة لا يُفرد.
والكيل: معروف، وتقول: كال كيلًا: وبُرّ مكيل، ويجوز في القياس مكيول. ولغة أسد مكُول، ولغة رديئة مُكال.
والكيل أيضًا: القتل. والفرس يكايل الفرس في الجري كيلًا بكيل، يعني المسابقة والمباراة.
الكانون
الكانون: الثقيل في الرجال والنساء، قال الحطيئة في أمه:
أغربالًا إذا استودعت سرًا وكانونًا على المتحدثينا
والكانون: موقد النار. والكانونان: شهرا الشتاء، واحدهماكانون بالرومية.
وتقول: كنى فلان عن كذا: إذا تكلم بغيره؛ قال:
يا قرَّة العين إني لا أسميك أكني بسلمى وإني سوف أعنيك
ويروى: أكني بإحدى اسمها [سلمى] وأعنيك
قال قيس بن ذريح:
[ ٤ / ١٥٣ ]
فإن خفت ظن الناس أن يفطنوا لنا صرفت نشيدي عنكم وكنيت
[وقولهم]: كفْء الرجل
مثله في حسب أو مال؛ قال حسان:
أتهجوه ولست له بكفء فشر كما لخيركُما الفداء
يعني النبي ﷺ.
والرجل كُفْ لقرنه في الحرب، وكذلك في التزويج، والجميع الأكفاء. وفلان كُفْ لك، أي هو مطيق لك في المضادة والمناوأة.
وقال أيضًا:
وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء
أي لا [قيُّوم] له أحد من الخلق.
وتقول: هو كفؤك أي كفء لك، والمصدر الكفاءة والكفاء؛ قال الشاعر:
فأنكحها لا في كفاء ولا غنى زياد، أضل الله سعي زياد
وفي الحديث: "المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم" أي كلهم أكفاء.
والمكافأة مهموز: مجازاة النعم، والفعل كافأته، وأنا أكافئه مكافأة.
وتقول: كفاك الله ما تحذره، [وكفى] هذا الشيء يكفي وكفاك هذا الأمر
[ ٤ / ١٥٤ ]
يكفي كفاية: إذا قام به.
وتقول: استكفيته أمرًا فكفاني؛ قال الحميري بن الحمام:
كفاني نزال العاديين كليهما وأعظم شيء كان من أمره يسري
يعني عمرو بن معد يكرب، وله حديث تركته.
قال امرؤ القيس:
ولو أنني أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
وما كان من الكفاية فهو بلا ألف.
وكُفَى: جمع كُفْيَة وهو القوت؛ قال:
ومختبط لم يلق من دوننا كُفى وذات رضيع لم ينمها رضيعها
وكفاك هذا الأمر آي حسبك. تقول: رأيت رجلًا كافيك من رجل، ورجلين كافيك من رجلين، ورجالًا كافيك من رجال معناه كفاك به رجلًا.
والإكفاء قلبك الشيء لوجهه. أكفأت القصعة والإناء: إذا قلبتهما. وإذا أردت أن يكفئ ما في إنائه قلت: استكفئ.
والإكفاء في الشعر وجهان، قيل: هو قلب القوافي على الجر والرفع والنصب، كقوله: يعني آدم ﵇:
تغيَّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبرُّ قبيح
[ ٤ / ١٥٥ ]
تغيَّر كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه الصبيح
وجاورنا عدو ليس يغني لعين ما يموت فنستريح
وقيل: هو أن يجعل قافية بالراء وأخرى بالزاي، كقوله:
أعددته ميمونة الرمح الذَّكر
تجريه في كف لشيخ قد برز
وتقول: إن بني فلان لفي كوَّفان: وهو الأمر الشديد المكروه ممدود؛ قال:
فما أضحى ولا أمسيت إلا وإني منكم في كوَّفان
وقولهم: كراديس الخيل
أي العظيمة الكثيرة. والكراديس أيضًا: جمع كردوس وهي فقرة من فقار الكاهل إذا عظم. ويقال: كل عظم عظُمت نحضته فهو كردوس. ورجل مكردس: قد جمعت يداه ورجلاه فشدّا أي مصرَّع ملقى.
[الكرسفة]
والكرسفة: مشية المقيَّد.
الكِرْناس
الكرناس والجميع الكرانيس: أرديات تنصب على رأس كنيف، وهي فارسية، وبياع ذلك يسمى كرانسي.
الكُرسف
والكُرْسُف: القُطن.
[ ٤ / ١٥٦ ]
كَلْمَس
كلمس وكلسم الرجل إذا ذهب، والكلمسة: الذهاب.
الكُسيج
والكسيج: [الكُسب] بلغة أهل السواد.
الكُندر
والكُنْدُر: العِلْك. وحمار كندر وكنادِر: غليظ.
الكرازيم
والكرازيم: شدائد الدهر في بعض اللغات؛ قال:
ماذا يريبك من خِلْم علقت به إن الدُّهور علينا ذات كرزيم
والكرزمة: يقال: أكلة نصف النهار.
الكِبريت
والكِبريت: عين تجري. فإذا جمد ماؤها صار كبريتًا أبيض وأصفر وأكدر.
والكبريت الأحمر: يقال هو من الجوهر. ويقال: في كل شيء كبريت، وهو [يبسه] ما خلا الذهب والفضة، فإنه لا ينكسر.
والكِبريت في قول دونه الذهب الأحمر حيث يقول:
[ ٤ / ١٥٧ ]
هل يعصمني حلف سختيت
أو فضة أو ذهب كبريت
الكُلْثُوم
والكلثوم: الفيل.
الكُماثر
والكُماثر: الرجل المجتمع الغليظ.
الكَرْبَلَة
والكربلة في القدمين: رخاوة، يقال: جاء يمشي مُكربلًا.
وكربلاء: موضع.
كنفليل
ورجل كنفليل اللحية، ولحية كنفليلة: ضخمة جافية.
الكوكب
والكوكب: معروف من كواكب السماء، ويشبه النوْر به فيسمى كوكبًا. والبياض في سواد العين يسمى كوكبًا.
والكوكب: القطرات التي تقع على الحشيش بالليل. وقال ابن الأنباري: هو معظم النبات.
قال الأعشى:
يضاحك الشمس منها كوكب شرقٌ مؤزر بعميم النبت مكتهل
[ ٤ / ١٥٨ ]
كان
بعض العرب يرفع بها الاسم والخبر، يقولون: كان الرجل منطلق وكان الرجل قائم، على إضمار الحديث والقصة والشأن، كأنه قال: كان من القصة أو من الحديث أو من الشأن الرجل منطلق؛ قال:
إذا مت كان الناس نصفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أفعل
فرفع الاسم والخبر على ما فسرنا. قال حسان:
كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
وقال الفرزدق:
أسكران كان ابن المراغة إذا هجا تميمًا بجوف الشام أم متساكر
آخر:
فإنك لا تبالي بعد حول أظبي كان أمك أم حِمار
آخر:
فإنك لا تُبالي بعد حول أسحر كان طبك أم جنون
وهذا كله على أن كان داخلة على الابتداء والخبر لتجعل جملة الكلام فيما مضى، ويكون بمعنى حدث؛ فيكون فيها فائدتان: مضي الزمان، والإبانة عن
[ ٤ / ١٥٩ ]
الحدث، وهي الإيمان بمنزلة قام وضرب وجلس. فهذه يقتصر فيها على الاسم دون الخبر، تقول: كان زيد، تريد: خُلق زيد، مثل قولك: كان أمر، أي حدث أمر. ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ كأنه قال: إلا أن تقع تجارة حاضرة، ويجوز النصب على أن تجعل كان الأولى الداخلة على الابتداء والخبر. وذلك أنك تضمر كان في كان البيع، فيصير التقدير: إلا أن يكون البيع تجارة حاضرة. قال:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
يريد: إذا وقع يوم هكذا.
وأما قوله:
بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يومًا ذا كواكب أشنعا
قال ابن السكيت: ابن شأس قال: إذا كان اليوم يومًا، فأضمر لعلم المخاطب بالمعنى. وقد قرئ (تجارة) المعنى: إلا تكون التجارة تجارة؛ قال الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أي كبرت الكلمة كلمة فأضمر لعلم المخاطب بالمعنى. قال: وإذا جعلوا كان بمعنى جاء رفعوا ولم يحتاجوا إلى الخبر. قال لبيد:
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهرمه الشتاء
[ ٤ / ١٦٠ ]
يقول: إذا جاء. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي جاء.
وبعض العرب تضمر في كان وليس؛ تقول: كان عبد الله أخوك، وليس عبد الله أخوك، ومن العرب من يرفع بعد كان الكلام أجمع؛ قال:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدَّما
وتقول: كان عمرو وأخوه منطلق، ترفع عمرًا بكان؛ وأخوه منطلق في موضع نصب إلا أنه جملة، والجملة لا يعمل فيها عامل. وتقول: كان زيد ذاهبًا، وكان الزيدان ذاهبان، وكان الزيدون ذاهبين؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.
وتقول: كان زيد أخوك، وكان زيدًا أخوك، إذا جئت باسمين معرفتين جعلت أيهما الخبر. وتقديم الخبر على الاسم في كان عربي فيصبح كثير؛ قال عمرو بن كلثوم:
وكنا الأيمنين إذا التقينا وكان الأيسرين بنو أبينا
فقدم الخبر. ويجوز: كان الأيسرون بني أبينا، على أن تجعل الأيسرين الاسم، وبني أبينا الخبر؛ وقد روي هكذا.
ولكان مواضع، فمنها: لما مضى، ومنها: لما حدث يجيء بعد في موضع يكون. والعرب تفعل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ
[ ٤ / ١٦١ ]
صَبِيًّا﴾، وهو موضع حدوث ساعته. قال الشاعر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
أي يطيروا ويدفنوا. ومنها: لما مضى والساعة وفيما يكون؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وتجيء زيادة لا تعمل في الاسم، فهي ملغاة. قال الفرزدق:
فكيف إذا مررت بدار قوم وإخوان لنا كانوا كرام
المعنى دار جيران، وكانوا أفضل ملغاة، ولو استعملها لقال: كانوا كرامًا.
والعرب تقول: كُنتُك وكُنتَني، يشبهونه بضربتك وضربتني؛ قال:
كأن لم يكُنها الحي إذ أنت مرة بها ميت إلا هوى مجمع الشَّمل
جعل يكنها بمنزلة يضربها؛ قال:
تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالك حتى تكونه
وقال أبو الأسود:
فإن لا يكنها أو تكنْهُ [فإنه] أخوها غذته أمُّه بلبانها
[ ٤ / ١٦٢ ]
وحكي عن العرب: برك على كان جنبه، أي على جنبه كان هو.
كأن
كأن: حرف تشبيه، تنصب الاسم والنعت وترفع الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قال عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا منا ومنهم مخاريق بأيدي لاعبينا
زيادة في كلا وكلتا
قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، فقال: كلتا مثنى، ثم قال: آتت، فوحّد، لأن كلتا اثنتان لا تفرد واحدة منهما، فرُدَّت إلى معنى كل. كما يقال للثلاثة: كل، ثم يوحَّد الفعل فيقال: كل القوم قام. وكذلك: كلا الرجلين قام، وتأنيثه في المؤنث، وتثنيته في الاثنين جائز. قال الفراء: وكذلك فافعل بكلتا وكلا وكل إذا أضفتهن إلى معرفة وجاء الفعل بعد هن فأنث وذكر واجمع وثن ووحد، فإنه كثير في القرآن وسائر الكلام. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، وفي الجمع قوله تعالى: ﴿أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
وتقول: كلاهما قامت، وكلتاهما قام؛ لأن المعنى يذهب إلى كلّ. وأنشد لتميم بن مُقبل يذكر الحياة والوفاة:
وكلتاهما قد خُطَّ لي في صحيفتي وللعيش أهدى لي وللموت أروح
[ ٤ / ١٦٣ ]
ويروى: فلا العيش أهواه ولا الموت أروح.
قال الفراء: وقد يفرد العرب إحدى كلتا يريدون تثنيتها، وذلك قليل. قال الشاعر:
في كلت رجليها سلامي واحده
كلتاهما مقرونة بزائده
كيف
كيف: اسم غير متمكن وقيل حرف، والأول أجود، والدليل على أن يكون مع الاسم وتحتها فائدة، نحو قولك: كيف زيد؟ وتسكت، فلو كان حرفًا لما جاز ذلك، كما لا يجوز: هل زيد؟ وتسكت.
والدليل على أنه ليس بفعل أنه ليس في أبنية الأفعال فعل على هذه البنية معروفة. ودليل آخر وهو أن القائل يقول: كيف زيد؟ والجواب: صالح، فيكون الجواب اسمًا مثله. ولو كان حرفًا لما كان الاسم جوابًا له.
وفُتحت لسكون الياء، ولم يصلوا إلى إسكان الفاء فيجتمع لهم ساكنان، ففتحوا الكاف لئلا يلتقي ساكنان، ولم يكسروا الفاء لأن الفتحة أخف عليهم من الكسرة.
ومعنى كيف على أنه حال، لأنك إذا قلت: كيف زيد؟ فالمعنى على أية حال هو. وتكون بمنزلة أي شيء، تقول: كيف صُغت المعنى؟ أي أيّ شيء صُغت؟ وتقول: كيف رأيت هذا؟ على جهة التعظيم.
وفي القرآن: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. قال الشاعر:
[ ٤ / ١٦٤ ]
أتيت بني النمر في حيهم فكيف رأيت سيوف النمر؟
الكارخ
الكارخ: الذي يسوق الماء بلغة أهل السواد. والكراخة بلغة أهل بغداد: الشقة من البواري.
والكرخ: اسم سوق بغداد، قال:
كم ليلة بالكرخ قد بتها سكران في بستان صداح
الأمثال على الكاف
- "كل فتاة بأبيها معجبة".
- "كل نجار إبل نجارها".
- "كل مجر في الخلاء يسر".
- "كل امرئ في بيته صبي".
- "كل شيء مهه ومهاه ما النساء وذكرهن".
- "كل ذات ذيل تختال".
[ ٤ / ١٦٥ ]
- "كل أزب نفور".
- "كل مرء سيعود مريئا".
- "كل ضب عنده مرداته".
- "كالممهورة من مال أبيها".
- "كالممهورة إحدى خدمتيها".
- "كالحادي وليس له بعير".
- "كالقابض على الماء".
- "كالطالب القرن فجدعت أذنه".
- "كمبتغي الصيد في عريسة الأسد".
- "كالباحث عن الشفرة".
- "كمستنبضع التمر إلى هجر".
[ ٤ / ١٦٦ ]
- "كمعلمة أمها البضاع".
- "كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحًا
- "كالنازي بين القرينين".
- "كان حمارًا فاستأتن".
- "كان كراعًا فصار ذراعًا".
- "كانت وقرة في حجر".
- "كان جرحًا فبرأ".
- "كان لقوة صادفت قبيسًا".
- "كانت بيضة الديك".
- "كانت بيضة العقر".
- "كانت عليه كراغية البَكْرِ".
[ ٤ / ١٦٧ ]
- "كأنما أفرغ عليه ذنوبًا".
- "كيف بغلام قد أعياني أبوه".
- "كفى حربًا جانيها".
- "كلب عس خير من كلب ربض".
- "كلا جانبيك لأبيك".
[ ٤ / ١٦٨ ]