[ ٤ / ٢٤٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الميم شفوية، وعددها في القرآن ستة وعشرون ألفًا وسبعمائة واثنان وعشرون ميمًا، والحساب الكبير أربعون، وفي الصغير أربعة.
وهي أخت الباء، وقد تبدل إحداهما من الأخرى في بعض الكلام مثل: لازم ولازب، وسمَّد رأسه وسبَّد، وغير ذلك مما قد مضى في الكتاب. وبنات مخر وبنات بخر وهي سحائب بيض يجئن في الصيف، والمحُّ والبُحُّ: صفرة البيض.
من
حرف من أدوات الكلام، وهو حرف جر، وهو مبتدأ الغاية كما أن إلى لُمنتهى الغاية، تقول: لزيد من الحائط [إلى الحائط]، فقد بيَّنت به طرفي ما له، لأنك ابتدأت بمن وانتهيت بإلى. وكذلك: خرجت من العراق إلى مكة. عن ثعلب: إذا قال الرجل: علي لزيد من درهم إلى عشرة، فجائز أن يكون عليه ثمانية إذا أخرجت الحدَّين، وأن يكون عليه عشرة إذا أدخلت الحدين، وأن يكون عليه تسعة إذا أدخلت حدًا وأخرجت حدًا.
[وقد اختلفت العرب في مِنْ إذا كان بعدها ألف الوصل، فبعضهم يفتح النون، فيقول:] ومن الماء، فتح نونها لكسر الميم كراهية كسرتين في حرف في قول بعضهم. ويدخل عليهم في هذا قول القائل: إن الله (مكَّنَني فعلت) فكسرهما. قال الأخفش: فتحوا النون لاجتماع الساكنين أيضًا. وقول ثالث: إن أصل مِنْ مِنَا، وأنشد:
[ ٤ / ٢٤٩ ]
منا أن ذر قرن الشمس حتى
فحذفوا الألف من منا، وقد ذكرته في باب المنقول.
ومِنْ تكون صلة، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أي اتخذوا مقام إبراهيم مصلى؛ ومثله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ومثله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. وفي هذا الموضع من صلة، ومثله كثير.
والعرب تُلقي الميم من الكلمة لأنها تعيده إلى أصل الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. وقال أبو عبيدة: "مجازها [مجاز] ملاقح لأن الريح ملقحة للسحاب"، قال: أنشد جرير:
لَيِبْكِ يزيدًا بائس ذو ضراعة وأشعث ممن طوَّحته الطوائح
أراد: المطاوح، فحذف الميم.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
مَنْ
مَنْ: حرف من أدوات الكلام يعني الواحد والاثنين والجمع، تقول: مَنْ أباك؟ ومن أبتاك؟ ومن أبوك؟ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ فأخبر عن الواحد بمَنْ، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾ فأخبر عن الجمع بمَنْ. وقال الفرزدق:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فأخبر عن الاثنين.
وقال آخر:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
فأخبر بمن عن الجمع. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فأخبر عن واحد، وقال: ﴿فلما آتاهُمْ﴾ فأخبر عن الجمع، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ فأخبر عن المؤنث بمَنْ.
فإن قال لك قائل: رأيت رجلًا، قلت: منا، وإن قال: رأيت رجلين، قلت: منين، وإذا قال: رأيت رجالًا، قلت: منين. وإذا قال: هذا رجل، قلت: من يا هذا، وإذا قال: هذان رجلان قلت: منان يا هذا، وإذا قال: هؤلاء رجال، قلت: منُون يا
[ ٤ / ٢٥١ ]
هذا. قال الشاعر:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم فقالوا: الجنُّ، قلت: عموا ظلاما
فجعلهم منكورين، فإذا كانوا معروفين قلت: مَنْ، في الواحد والجمع والمذكر ولامؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فدخل تحت من الواحد والجمع والذَّكر والأنثى. وتقول: من يضربك، على لفظ الواحد، ومن تضربنك بمعنى الجماعة، لأن من تكون واحدة وثنتين وجماعة مذكرة ومؤنثة. وإن قلت في المرأة: من كلَّمتك، وإن شئت قلت: مَنْ كلَّموك، على معنى الجماعة، وإن شئت قلت: من كلَّمك، تعني جماعة؛ كله جائز.
ومَنْ من حروف الجزاء، تقول: من يأتني آته، جزمًا لاستوائهم في المعنى، وتعلّق الأول بالثاني. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ فجزمهما. وتقول: من يأتيني آتيه، فمجازه: الذي يأتيني آتيه ولا يجازى بها إذا كانت بمعنى الذي، قال الشاعر:
فمن يميل أمال الله ذروته حيث التقى في حفافي رأسه الشعر
تقول: من يأتني آتيه، المعنى: آتيه من يأتني، قال الشاعر:
[ ٤ / ٢٥٢ ]
فقيل: تحمَّل فوق طوقك إنها مطبعة من يأتها لا يضيرها
مجازه: لا يضيرها من يأتها.
وتقول: من يأتني آته أكرمه، فتجزم كلام الطرفين وذلك على البدل، مجازه: من يأتني: يكرمني، آته: أكرمه. ومنه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ على البدل.
وتقول: من يأتني آته وأكرِمْه وأكرِمُهُ وأكرِمَهُ، فالجزم على العطف على الأول، والرفع على الاستئناف، والنصب على طول الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾؛ قال حسان بن ثابت:
فإن لم أصدق ظنكم بتيقن فلا سقت الأوصال مني الرواعد
ويعلم أكفائي من الناس أنني أنا الفارس الحامي الذمار المذاود
في: يعلم، الإعراب كله. قال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى مصارع مظلوم مجرًا ومسحبًا
وتدفن فيه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كوكبا
[ ٤ / ٢٥٣ ]
في: تدفن، الثلاثة الأوجه: الجزم على العطف، والرفع على الاستئناف، والنصب على الخروج من الوصف.
ومن للناس [وغيرهم]، تقول: من مرَّ بك اليوم من الناس؟ ومن مر بك من الإبل؟ وقد تجيء ما في موضع من أيضًا.
ومن إذا كانت إخبارًا احتاجت إلى صلة لأنك إذا قلت: أتاني من، ليس بكلام تام حتى تقول: من في الدار، أو من هو كذا، فتختصه بصلة فيتم.
وإذا كانت من استفهامًا أو مجازاة لم تحتج إلى صلة؛ لأنك تستفهم، والتفسير على المسؤول لا على السائل. ألا ترى أنه إذا قال: من عندك؟ أنك تقول له: فلان أو زيد. قدّم التفسير المسؤول لا السائل، ولذلك استغنت مَنْ في الاستفهام عن الصلة.
فإن قلت: مَنْ عندك؟ فإن عندك [ليست] صلة مَنْ؛ لأن مَنْ وما اسمان مبتدآن، وما بعدهما خبر لهما. وكذلك قولك: من يأتني آته، لا يحتاج إلى صلة لأنك مشترط، إنما أردت أن تقول: إن كان منك إتيان كان مني مثله. فلما كان من وما في هذا المعنى استغنى عن الصلة.
ومن قد تكون بمعنى الجَحْد وإن كان لفظها استفهامًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا﴾ أي ليس [أحد] أحسن من الله حكمًا؛ ومثله: من أعرف من زيد؟ أي ليس أحد أعرف منه.
ما
ما ومن أصلهما واحد؛ قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وَالأُنْثَى﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ هي في هذه المواضع بمعنى مَنْ. قال أبو عمرو: وهي بمعنى الذي، قال: وأهل مكة يقولون إذا سمعوا الرعد: سبحان ما سبحت له. قال الفراء: أراد وخلقه الذكر والأنثى، وزعم أنه في قراءة بعضهم: وما خلق الذكر والأنثى. قال ابن الأنباري: من لا تكون إلا للناس، وما لغير الناس ولا يكون للناس، تقول: ما أكلت خبزٌ، تجعله لغير الناس؛ ولا يجوز: ما ضربت زيد، لأنها لا تكون للناس.
وما حرف تكون جحدًا وجزاء وصلة واسمًا غير آدمي. وهي ترفع الاسم وتنصب الخبر في قول أهل الحجاز إذا حسن في الخبر الباء، تقول: ما زيد أخانا، لأنك تقول: ما زيد بأخينا. وفي القرآن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ لأن الباء تحسن فيه، تقول: ما هذا ببشر. وتميم ترفع [خبر] ما، تقول: ما زيد أخونا، جعلوها حرفًا مثل إنما وهل. وعلى هذا قراءتهم: ما هذا بشرٌ، إلا من عرف كيف الآية مكتوبة في المصحف.
قال الشاعر:
أتيما تجعلون إلي ندًا وما تيم لذى حسب نديد
فهذا على لغة تميم، ولو كانت حجازية كان: نديدًا.
وتقول: ما عمرو إلا أخونا، فيستوي في اللغتين. وفي القرآن: ﴿ما هُوَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ و﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ﴾، الباء لا تحسن فيها إلا: ما عبد الله إلا
[ ٤ / ٢٥٥ ]
بأخينا.
فإن قدّمت الخبر في باب ما رفعت، فقلت: ما قائم زيد، رفعت الخبر لأن الباء لا تحسن فيه، وتقول: ما مسيء من أعتب، وما حسن أن تشتم الناس؛ لأنك قدّمت الخبر، فرفعت لأن الباء لا تحسن فيه. لا تقول: ما بمسيء من أعتب، وما بحسن أن تشتم الناس؛ قال الشاعر:
وما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقًا تذمُّ وتمدح
وتقول: ما من أعتب مسيئًا، وما أن تشتم الناس حسنًا لأن الباء تحسن فيه وقد قدمت الاسم.
وتقول: ما كل سوداء تمرة، وما كل بيضاء شحمة، تنصب بيضاء وسوداء، لأن فعلاء لا تنصرف في معرفة ولا في نكرة، وكل لا تقع إلا على نكرة. فإن قلت: ما كل سودءا تمرة ولا كل بيضاء شحمة، فالرفع أجود في الثاني، ويجوز النصب على أن تحمله على المعنى الأول، فتقول: ما عبد الله نِعْم الرجل ولا قريبًا من ذلك، نصبت قريبًا على العطف على موضع خبر ما؛ وما نِعْم الرجل عبد الله ولا قريب من ذلك، فترفع لأنك قدّمت الخبر في باب ما، فعطف قولك: ولا قريب، عليه.
وتقع ما خمس مواقع: تقع اسمًا، وتقع بمعنى الجَحْد بمعنى ليس. فالاسم
[ ٤ / ٢٥٦ ]
في قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ و﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ معناه: أحسن الذي، وأين الذي كنتم تشركون وتعبدون.
وبمعنى أي قولك: ما هيَّج شوقك؟ أردت: أي شيء هيَّج شوقك؛ قال العجاج:
ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
من طلل كالأتحمي أنهجا
كأنه أراد: أي شيء هيج أحزانًا.
وبمعنى الصلة قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ﴾، مجازه أين تكونوا، وما: صلة. ومثله: ﴿أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [أي] أين تولوا فثمَّ وجه الله ومثله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي فبنقضهم؛ ومثله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. قال أبو عبيدة: "ما: توكيد للكلام من الحروف الزوائد" وأنشد للنابغة:
[ ٤ / ٢٥٧ ]
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد
ما: حشو. ولغة تميم [ما بعوضة] فيعملون ما. وسأل يونس رؤبة بن العجاج عن قوله: ﴿ما بَعُوضَة﴾ فرفعها، وأنشد بيت النابغة: ألا ليتما هذا الحمام لنا".
وقد قرئ ﴿مَا بَعُوضَةٌ﴾ بالرفع، بمعنى الذي هو بعوضة. وقال ثعلب: نصب بعوضة بمعنى بين، والمعنى: ما بين بعوضة فما فوقها، فلما أسقط الخافض نصبه، كقولهم: مُطِرنا ما زبالة فالثعلبية، والمعنى ما بين زبالة فالثعلبية؛ قال: وقال بعض موضع ما نصب بوقوع الضرب عليها، وبجعل بعوضة بدلًا منها. قال بعض: ما صلة، والمعنى: مثلًا بعوضة فما فوقها، وما: صلة. فالعرب تصل كلامها بما إذا جاءت وسطه، فيكون دخولها وخروجها واحدًا لا يعمل شيئًا؛ قال مهلهل:
لو بأبانين [جاء] يخطبها ضرّج ما أنف خاطب بدم
والمعنى: رمل أنف خاطب.
قال الفراء: "نصب بعوضة من ثلاثة أوجه:
أولها: أن توقع الضرب على البعوضة، وتجعل ما صلة؛ كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ يريد عن قليل.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
والثاني: أن تجعل ما اسمًا كالذي، وتكون البعوضة صلة، وذلك جائز في ما ومَنْ، لأنهما يكونان معرفة في حال ونكرة في حال، فإذا كانا نكرة نصبت صلتهما اتباعًا لهما، وكذلك إن كانا معرفتين لأن اللفظ واحد. والعرب تقول: كل الشراب اشرب، فدع ما لبنًا قارصًا، وما لبن قارص.
[والثالث]: قال الفراء والكسائي: وأحب إلينا أن تجعل لما معنى ما بين بعوضة إلى ما فوقها. والعرب إذا أسقطت (بين) من كلام تصلح [إلى] في آخره نصبوا الحرفين اللذين كانا محفوظين أحدهما بـ (بيْن) والآخر بـ (إلى). قال الكسائي: وهذا كلام أهل الحجاز ومن دونهم حتى ينتهي إلى تميم، يقولون: له عشرة ما ابنًا وابنة، وعشر من الإبل ما ناقة فجملًا، ومُطرنا ما زبالة فالثعلبية. قال: وسمعت أعرابيًا يقول ورأى الهلال: الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك، فنصبوا الحرف الذي كان مخفوضًا بـ (بين) وبـ (إلى)، وأنشد:
يا أحسن الناس ما قرنًا إلى قدم إلا وصال محب عاشق تصل
أراد: ما بين قرن إلى قدم".
وقال الفراء: من قال: سر بنا ما زبالة فالثعلبية، لم يسقط ما لأنها هي الحد بين الموضعين فلا يجوز إسقاطها.
وقال ابن الأنباري: ما في الكلام تكون توكيدًا، وهي التي يسميها العوام صلة. ولا أستحب أن أقول: في القرآن صلة، لأنه ليس في القرآن حرف إلا له معنى، ومنه
[ ٤ / ٢٥٩ ]
قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ لأن ما توكيد، والمعنى: من خطاياهم أغرقوا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ ما: توكيد أي الأجلين، ومثله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ما: توكيد، والمعنى فبرحمة، ومثله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾، ومثله كثير.
قال الزجاج: في نصب بعوضة ثلاثة أقاويل، أجودها أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: أن يضرب بعوضة مثلًا، ومثلًا بعوضة، وما توكيد، ومثلها إلا في قوله: ﴿لئَلاّ يَعْلَمَ﴾ المعنى: لأن يعلم. ويجوز أن تكون ما نكرة فيكون المعنى: أن يضرب مثلًا شيئًا بعوضة. قال بعض النحويين: يجوز أن يكون معناه: ما من بعوضة إلى من فوقها. قال: والقولان الأولان قول النحويين القدماء. والاختيار عند جميع النحويين البصريين أن تكون ما لغوًا، والرفع في بعوضة جائز في الإعراب، قال: ولا أحفظ قرأ به أحد أم لا. قال الجبائي المقرئ: قرأ به الأعرج.
قال الزجاج: فالرفع على إضمار: هو، كأنه قال: مثلًا الذي هو بعوضة، وهذا ضعيف عند سيبويه.
وما قد تجيء صلة في كلام العرب وأشعارها، قال عنترة:
يا شاة ما قنص لمن حلَّت له حرمت علي وليتها لم تحرم
قال ابن الأنباري: ما صلة للكلام، والمعنى: يا شاة قنصٍ.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
ويجوز أن تكون ما في موضع خفض بإضافة الشاة إليها، وقنص: منخفض على الإتباع لما، كما تقول: نظرت إلى ما معجب لك، أي إلى شيء معجب لك.
وأنشده الكسائي:
يا شاة من قنص (البيت)
زعم أنه أراد: يا شاة من يقنص، كأنه قال: يا شاة مقتنص، لأن من عنده لا تكون حشوًا ولا لغًا، وأنشد الكسائي والفراء:
آل الزبير سنام المجد قد علمت ذاك القبائل والأثرون من عددا
وللزجاج في قوله: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قولان: أحدهما: فوقها [والآخر] أكبر منها، وقالوا: أصغر. وبعض النحويين يختار الأول لأن البعوضة نهاية في الصغر ومما يضرب به المثل. والثاني مختار أيضًا لأن المطلوب والغرض ههنا الصغر والتقليل. وقال الفراء. والثاني مختار أيضًا لأن المطلوب والغرض ههنا الصغر والتقليل. وقال الفراء: فما فوقها، يريد أكبر منها وهو الذباب والعنكبوت، وبه جاء التفسير. قال: ولو جُعِلت في الكلام: فما فوقها، أصغر منها لجاز.
قال الجُبَّائي: العرب تقول: الأمر فوق ما يقال، إذا كان أكبر، والأمر فوق ما يقال، أي دون ما يقال. وأما إذا كانت إخبارًا احتاجت إلى صلة، لأنك تقول: أكلت، ما علم المخاطب أنك تريد أن تخبره بما أكلت، فأبهمت حتى تقول ما أكلت أو ما بدا لك أن تقول من ذلك فتفسره.
وإذا كانت (ما) في الاستفهام أو في المجازاة لم تحتج إلى صلة لأنك تستفهم، فالتفسير والبيان على المسؤول لا على السائل. ألا ترى أنه إذا قال: ما عندك؟ [أنك
[ ٤ / ٢٦١ ]
تقول له: كذا أو كذا. قدم التفسير المسؤول لا السائل، ولذلك استغنت ما في الاستفهام عن الصلة. فإن قلت: ما عندك؟ فإن عندك ليست صلة ما، لأن من وما اسمان مبتدان، وما بعدهما خبر لهما] وكذلك إذا قلت: ما [تصنع] أصنع، فإن ما لا تحتاج إلى صلة لأنك مشترط، إنما أردت أن تقول: إن كان منك صنع كان مني مثله. فلما كان ما في مثل هذا المعنى استغنى عن الصلة.
ومن مثل ما في جميع ما ذكرته فيها.
[ماذا]
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، قال ثعلب: وماذا، تكون كلمة واحدة، المعنى: أي شيء، وهو في موضع رفع لأنها بمعنى الاستفهام.
وبعضهم يجعل ماذا كلمتين، قال ابن الأنباري: حجة من جعلها حرفًا واحدًا قول الشاعر:
ذري ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيَّب نبئيني
ويروى: قبّليني.
أراد: ذري ما علمت، فجعل ماذا حرفًا واحدًا، هذا قول الأخفش. قال: والذي أذهب إليه في هذا البيت أن تكون (ما) صلة، وذا بمعنى الذي، كأنه قال:
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ذري الذي علمت. وأنشد الفراء:
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحنانا
وإنما جعلوا (ماذا) حرفًا واحدًا لأن (ما) عامة تقع على كل الأشياء، و(ذا) عامة تقع على كل الأشياء، فلما اتفقا من جهة العموم ضمّا واحدًا، هكذا حكى أبو العباس.
رجع إلى مواقع وقوعها صلة
كقول الشاعر:
ولدنا بني العنقاء وابني محرِّق فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا ابنما
كأنه قال: فأكرم بنا ابنًا وقد تقدم ذكر هذا الوجه.
وتقع بمعنى قد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي فيما قد.
وبمعنى ليس قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقد تقدم.
مَهْ
مَهْ: كلمة يراد بها كف المتكلم مما يقول، بمنزلة صه، وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه في بعض كلامه، وعن غيره، وعن العرب. وذكرت عائشة يومًا
[ ٤ / ٢٦٣ ]
عليًا فمدحته، فعوتبت على مسيرها، فقالت لمعاتبها: مَهْ، تلك مصيدة من مصايد الشيطان أبرأ إلى الله منها، كأنها أرادت بقولها: مَهْ، أي كُفَّ وأمسك عن هذا.
مَهْيَمْ
مهيم: كلمة يراد بها الاستفهام، تقول لآخر: مهيم، إذا أنكرت منه حالًا، أي: ما وراءك؟
وقيل: "دخل عبد الرحمن بن عوف على النبي ﷺ وضرًا من وضر مرق، فقال: مهيم؟ قال: تزوجت امرأة من الأنصار على نواة من ذهب، فقال: أبكر أم ثيب؟ فقال: بل ثيب يا رسول الله ﷺ، فقال: هلا تزوجتها بكرًا تداعبك وتداعبها. ثم قال له: أوْلِمْ ولو بشاة". وفي خبر أبي: "وعليه ردعًا من خلوق".
الوضر: وسخ الدم واللبن وغسالة السقاء ونحوه، فكأنه بمعنى الأثر أثر صفرة: والرَّدع: أن تردع المرأة ثوبًا بطيب أو زعفران، قال:
ورادعة بالطيب صفراء عندنا لجس الندامى في يد الدرع مفتق
وقوله: مهيم، كأنها يمانية معناها: ما أمرك؟ وما هذا الذي بك؟ ونحو هذا من الكلام. والنواة من الذهب قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثمَّ ذهب، سميت نواة، كما يسمون الأربعين أوقية، والعشرون تسمى: نشًا، قال:
من نسوة مهورهن النش
[ ٤ / ٢٦٤ ]
مَهَهٌ ومَهَاهٌ
المهه ولامهاه: الشيء اليسير؛ لغتان. وفي مثل للعرب: "كل شيء مهه ومهاه، ما النساء وذكرهن" يقول: إن الحر يحتمل كل شيء حتى يأتي ذكر حرمه فيتمعض حينئذ ولا يحتمله؛ قال عِمران بن حطان:
فليس لعيشنا هذا مهاه وليست دارنا الدنيا بدار
وقال أوس بن حارثة لابنه مالك: يا مالك، من كرم الكريم الدفع عن الحريم.
والمهاة: اللؤلؤة؛ والمهاة: بقرة الوحش.
مَهْما
مهما: بمنزلة ما في الجزاء، ومنه: ﴿مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: ما تأتنا. قال الخليل: هي (ما) أدخلت عليه (ما) ثانية لغوًا، كما دخلت في متى لغوًا، تقول: متى ما تأت زيدًا يأتك؛ وكما أدخلت ما مع أي لغوًا [مثل] قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ أي: أيًا تدعوا. قال: ولكنهم استقبحوا أن يقولوا: ما ما، فأبدلوا الهاء من الألف الأولى.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
قال سيبويه: "يجوز أن تكون مَهْ [كإذ] ضم إليها ما".
قال ابن الأنباري: إن أصل [مهما] مَهْ ما، فأبدلوا هاء من الألف، ووصلوا مَهْ بما فدلت على المعنى. وقيل: أصلها ما ما، فثقل ذلك، فأبدلوا من الألف الأولى هاء ليفرقوا بين اللفظتين. وقيل في قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ﴾ يعني بـ (مَهْ): كُفَّ، ثم ابتدأ: ما تأتنا به وعلى هذا يحسن الوقف على مَهْ.
قال ابن الأنباري: الاختيار عندي أن لا يوقف على مَهْ دون ما؛ لأنهما في المصحف حرف واحد.
قال امرؤ القيس:
أغرّك مني أن حُبَّك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
لفظ أغرَّك استفهام ومعناه التقرير؛ كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
مَهْمَن
مهمن: بمنزلة مهما في المعنى، وهي من حروف الجزاء أيضًا؛ قال حاتم:
أماوي مهمن يسمع من صديقه أقاويل هذا الناس ماوي يندم
تقول: مهما تقم أقم إليه، ومهمن تقم أقم إليه، هما سواء؛ قال زهير:
[ ٤ / ٢٦٦ ]
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم
متى
متى: حرف استفهام عن المواقيت؛ إذا قلت لآخر: متى تخرج؟ قال: يوم كذا؛ ومتى خرج القوم؟ أي في أي وقت أو حين. ومنه قوله تعالى: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال:
متى تقول خلت من أهلها الدار كأنهم بجناحي طائر طاروا
ويكون بمعنى وسط هذلية؛ يقال: وضعته في متى كمي [أي] في وسطه. قال أبو ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج
النئيج: المر السريع.
ومتى تكتب بالياء، فإن وصلتها بما الزائدة كتبتها بالألف لا غير، كقولك: متا ما تأت آتك. لما صارت الألف من متا متوسطة لاتصال ما بها كتبت على اللفظ؛ لأن التغيير ألزم لآخر الكلمة. ألا ترى أنك تكتب رمى وما أشبهه بالياء فإذا وصلته بمضمر كتبته بالألف، نحو رماك ورماه ورمانا، وكذلك كل ما تكتب من اسم أو فعل.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وهي أيضًا حرف جزاء مثل مهما ومهمن وأخواتها، وكذلك متاما؛ قال:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
فجزم تلمم على البدل من تأتنا. وأما قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
مجازه: متى تأته عاشيًا، فصرف من منصوب إلى مرفوع.
وفي القرآن: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ أي آكلة.
وجواب الأمر والنهي والتمني والاستفهام جزم مثل جواب الجزاء، تقول: ائتنا نُكْرِمْكَ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ و﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾؛ قال الشاعر:
إذا رأيت بواد حيَّة ذكرًا فاذهب ودعني أمارس حيَّة الوادي
جزم أمارس لأنه جواب الأمر.
وأما قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فإنما كانوا يلعبون، فقال: ذرهم، ولم يجعله جوابًا. كقولك: ذرهما يأكلا؛ أي [إذا] تركتهما أكلا؛ قال:
فقلت: سر نحو أرض تستفيد بها مالًا يفرج عنك الغمَّ إذ حضرا
[ ٤ / ٢٦٨ ]
فقال: تستفيد، كأنه كان قد أغذ في السير.
ومتى: اسم غير متمكن بإجماع النحويين، وهو ظرف زمان. والدليل على أنه اسم أنه يجوز إدخال الجر عليه. ألا ترى أنك تقول: مذ متى، ومنْ متى، وحتى متى، وإلى متى؟ فهذا دليل واضح.
ودليل آخر: لو قال قائل: متى الخروج؟ قلت: يوم الجمعة؛ فيوم الجمعة اسم، فلو كان متى حرفًا لما جاز أن يكون الجواب اسمًا لأن الاسم يكون جوابًا للاسم، والظرف للظرف، والحرف للحرف، ولا يدخل هذا في هذا.
ودليل آخر: أن الحرف مع الاسم لا يكون تحتهما فائدة، نحو قولك: في الدار، وسكت. فلو كان متى حرفًا لما جاز: متى الخروج؟ وسكت. فلما جاز ذلك قلنا: إنه اسم، لأن الاسم مع الاسم تحصل تحتهما فائدة.
مسألة
سئل الشيخ أبو الحسن أحمد بن إبراهيم المتلعثم عن قول الشماخ:
متى ما تقع أرساغه مطمئنة على حجر يرفض أو يتدحرج
قال: جزم تقع بالشرط، وموضع يرفض مجزوم بالجزاء ولكنه لما كان حرفا ثقيلًا، وهو الذي يسميه النحويون المضعَّف المشدد، وهذه الضاد حرفان لأن الحرف الثقيل يُعد حرفين: الأول ساكن، والآخر متحرك، ومتى اعتبرت ذلك وجدته صحيحًا. ألا ترى أنك إذا جعلت الفعل لنفسك، وكان ماضيًا قلت: ارفضضت وانتضضْتُ واسودَدْتُ، فيصير الحرف الواحد حرفين، ويزول الإدغام؟ فلما كان حرفين: أولهما ساكن، وسكن الثاني بالجزم، قد احتاج اللسان إلى الإدراج، وأن يصل هذا الحرف بكلام، فاحتاجوا إلى حركة أوقعوها عليه ليكون
[ ٤ / ٢٦٩ ]
سلَّمًا للسان إلى النطق بالإدراج، فألقوا عليه الفتحة لأنها أخف الحركات، فقالوا: يرفض، والموضع جزم كما وصفنا.
مُذ
مذ: حجازية، ترفع ما مضى، وتجر ما أنت فيه. تقول فيما مضى: ما رأيته مُذ يومان، ومُذ شهران، ومُذ سنتان؛ قال الفرزدق:
إني وجدت بني كليب إنما خلقوا وأمك مذ ثلاث ليال
فرفع بمذ ما مضى.
وفيما أنت فيه يقولون: ما رأيته مذ اليوم، ومذ الليلة، ومذ الساعة؛ ذهبوا بها مذهب مِنْ.
مُنْذُ
منذ: لغة السافلة وعلياء مضر، يجرون بها ما مضى وما لم يمض، فيقولون: ما رأيته منذ يومين، وشهرين، ومنذ الساعة؛ قال الشاعر:
لعمري إنني وأبا رباح على طول التهاجر منذ حين
ليبغضني وأبغضه وأيضًا يراني دونه وأراه دوني
فجرَّ بمنذ ما مضى. فإذا جمعت بين مذ ومنذ قلت: ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتين؛ ومذ شهران ومنذ سنتين؛ قال امرؤ القيس:
قفا نَبْكِ من ذكْرَى حبيب وعرفان ورسم عفت آياته منذ أزمان
[ ٤ / ٢٧٠ ]
خفض بها الماضي، وهو الاختيار.
ومنهم من يكسر ميم منذ ويرفع بها؛ يقول: ما رأيته منذ يومان ومنذ شهران، وهم بنو سليم؛ حكي عنهم: ما رأيته منذ ست.
فإذا لقي مذ اسم فيه ألف ولام كان للعرب فيه لغتان: أفصحهما ضم الذال، والأخرى كسرها؛ فيقولون: ما رأيته مذ اليومان، ومذ اليومان اللذان تعرفهما.
وأصل مذ منذ، حذفت النون استخفافًا. وأصلها (من إذ)، فحذفت الهمزة، وجعلت من والذال شيئًا واحدًا.
وهما للزمان، وذلك أنك إذا قلت: ما رأيته مذ دهر. فإنما أخبرت بالوقت الذي رأيته فيه من الزمان؛ وكذلك منذ. ومنهم من يجعلها اسمًا بالوقت الذي رأيته فيه من الزمان؛ وكذلك منذ. ومنهم من يجعلها اسمًا، وذلك أنه إذا قال: ما رأيته مذ أيام، فإنما معناه الذي بيني وبين الغاية أيام. ومنذ مرفوعة الذال على توهم الغاية. وغاية كل شيء: محبَّته، وحالته التي ينتهي إليها أمره.
مَعَ
مع: حرف يضم به الشيء إلى الشيء؛ تقول: هذا مع هذا. وهو من حروف الجر، وهو للصحبة أيضًا؛ لأنك إذا قلت: كنت معه، فقد صحبته. وقولك: هما وهم معًا، وهي معًا، تريد به جميعًا. قال متمم بن نويرة:
فلما تفرَّقنا كأني ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال عبد الله بن [عُمَر] يرثي أخاه:
[ ٤ / ٢٧١ ]
فليت المنايا كن خلفن عاصمًا فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معًا
أي: جميعًا.
وفي مع لغات: فتح العين وهو أفصح وأكثر، وبه يقرأ؛ وجزمها لغة ربيعة؛ وأنشد:
ومن يتق فإن الله معه ورزق الله غاد ثم رائح
فصل
اعلم أن كل اسم أوله ميم مما يشغل ويعمل به فهو مكسور الأول، نحو: ملحفة ومِلْحف، ومِطرقة ومطرق، ومروحة ومروح، ومرآة والعدد مرائي فإذا كثرت مرايا، ومبرد ومِحلب الذي يحلب فيه، ومخرز ومقطع ومخيط؛ إلا أحرفًا نوادر بالضم، [نحو]: مدهن ومنخل ومسعط ومدق ومكحل.
وتقول للمكنسة: مسفرة ومجولة ومجرفة ومقمَّة ومخمَّة. وتقول: هذه مكسحة ومكنسة، ومرفقة ومخدة وميثرة ومزودة وميرة وهي الطعام والعلف.
وتقول: مطبخ، ومربط، ومنارة وهي شمعة السراج، وهي أيضًا ما توضع عليها المسرجة.
وهي مدة الدواة، ومدة الجرح، ومدة من الغاية.
وملأت الإناء ملئًا بالفتح، والملء بالكسر: ما يأخذه الإناء من الماء وغيره.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
والمِسْك- بالكسر: الطيب، وبالفتح: جلد الشاة، والمُسْك: ما يمسك من رمق.
ويقال: مُصحف ومَصحف ومِصحف، والكسر أفصح.
ومِقبض ومَقبض، ومِضرب ومَضرب، ومَنْسَك ومَنْسِك، ومَسْكَن ومَسْكِن، ومَطلع ومطلع، ومحشر، ومنخَر ومنخِر، ومِدية، ومُدية ومِغسَل ومَغسِل حيث يُغسل الموتى، ومَسْجِد ومِسْجَد، ومِقص وهو المقراض ومقص وهو الموضع الذي يُقص فيه.
ومأرُبة ومأرَبَة، ومَقبِرة ومقبُرَة، ومَقدَرة ومَقْدِرَة ومَقْدُرَة. وبينهما معرفة ومعرَفة، ومعرَكة ومعرُكة، ومعونَة ومعانة، ومعتِبة ومعتبَةَ، ومهلكَة ومهكِلَة ومهْلُكَة، ومذَمَّة ومذِمَّة.
وقولهم: في اسم الله تعالى: المؤمن [المهيمن]
المؤمن: فيه ثلاثة أقوال:
قال الكلبي: هو الذي لا يُخاف ظلمه.
وقال بعض أهل اللغة: هو الذي أمِن أولياؤه عذابه؛ وأنشد:
والمؤمن العائذات الطَّير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
قال ثعلب: المؤمن عند العرب المصدق، يذهب إلى [أن] الله تعالى يصدق
[ ٤ / ٢٧٣ ]
عباده المؤمنين، أي يصدقهم.
المهيمن: القائم على خلقه؛ قال:
ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنُّكر
يعني القائم على الناس بعده. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
وفي المهيمن خمسة أقوال:
قيل: الرقيب؛ [يقال]: هيمن الرجل يهيمن هيمنة، إذا كان رقيبًا على الشيء.
وقيل: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ إذا كان قبانًا على الكتب. قال أهل اللغة: القبّان لا أصل له في العربية، إنما هو القفّان، وهو المتحفظ على الأمور. قال ابن الأعرابي: القفان: الأمين، وهو فارسي معرب. وقال بعض النحويين: مهيمن ومؤيمن، أبدلوا من الهمزة هاء، كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وإياك وهياك؛ قال:
يا خال هلا قلت إذ أعطيتني هياك هياك وحنواء العنق
آخر:
فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر
قال ابن الأنباري: وزن مهيمن مفيعل، وعلى مثاله مسيطر وهو المسلط،
[ ٤ / ٢٧٤ ]
ومبيطر وهو البيطار، والمبيقر من قولهم: بيقر الرجل إذا أفسد، ويبقر أيضًا إذا أسرع في ماله ومشيه، وتبقَّر إذا دخل الحضر.
والمديبر من الإدبار والتخلف، والمجيمر اسم جبل.
وقولهم في اسم النبي ﷺ: محمد
محمد: مفعَّل من الحمد، يقال: حمَّدت الرجل أحمده إذا حمدته مرة بعد مرة، فأنا محمِّد وهو محمَّد.
ويقال: كانت امرأة أبي لهب تسمي النبي ﷺ: مذمما ضد محمد، وكانت قريش تؤذيه وتلعن هذا الاسم، فيقول ﷺ إذا سمعه أو بلغه: الحمد لله الذي كف عني شرهم، إنما يشتمون مذمما وأنا محمد. قال حسان بن ثابت الأنصاري:
يخبره رب العباد بعلمه على خلقه والله يقضي ويشهد
فشق له من اسمه كي يجلَّه فذو العرش محمود وهذا محمَّد
ويقال: له ﷺ عشرة أسماء: محمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر. وفي السريانية المنجونيا، وبالرومية البرفليطس، وبالعبرانية موذ موذ، وفي التوراة ماذ ماذ أي طيّب طيّب، وفي الإنجيل فالوليطا، وفي الزَّبور طاب طاب؛ وقيل: ماح يمحو الله به الذنوب.
وفي القرآن يس وطه، وفي الأرض محمد، وفي السماء أحمد.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
وعن ابن عباس عنه ﷺ قال: "أنا أبو القاسم، وفي القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد أي أحيدُ أمتي عن نار جهنم يوم القيامة. ادخلوا في هموم المسلمين، واخرجوا منها بصبر، وأحبوا العرب بكل قلوبكم". وعنه ﵇: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم".
وعنه ﵇: "سمُّوا باسمي، ولا تكنُّوا بكنيتي، ولا تجمعوا بين الاسم والكُنية"؛ وقيل: هذا له وحده ﵇. وقال: "من كان له أولاد فلم يسم أحدهم باسمي فقد جفاني".
ولم يكن قبله في الجاهلية اسم محمد إلا محمد بن أحيحة بن الجلاح هو أخو عبد المطلب لأمه.
وقال ﵇: "إن لي عند ربي عشرة أسماء: محمد، وأحمد، والماحي الذي يمحوا الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد، والحاشر الذي يحشر الله العباد على قدميَّ. وأنا رسول الرحمة، ورسول التوبة، ورسول الملاحم، والمقفَّى قفَّيت النبيين جماعة، وأنا قُثم" وهو الكامل الجامع ﷺ.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
وسماه الله نورًا فقال: "لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"؛ فالنور: محمد ﷺ.
[وقولهم: محمد ﷺ نبي الله]
النبي في كلام العرب: الرفيع الشأن والعالي الأمر، أخذ من النباوة، وهي ما ارتفع من الأرض، والأصل نبيو، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن أبدل من الواو ياء، وأدغمت الياء الأولى فيها.
ويجوز أن يكون سمي نبيًا لبيان أمره ووضوح خبره؛ أخذ من النبي وهو عندهم الطريق الواضح يأخذ فيه إلى حيث يريد؛ قال القطامي:
لما وردن نبيًا واستتب بنا مسحنفر كخطوط السيح منسحل
ويجوز أن يكون سمي نبيًا لأنه ينبئ عن الله أي يخبر؛ أخذ من النبأ وهو الخبر. ومنه قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنْ النَّبَإِ﴾، ويكون الأصل نبيئًا، فترك الهمزة وأُبدل منها ياء، وأدغمت الياء الأولى فيها. وكان نافع يهمز النبيء في جميع القرآن يأخذه من النبأ. والاختيار ترك الهمز لأنه مذهب قريش والحجاز وهو لغة النبي ﷺ، وقال له رجل: "يا نبيء الله، فقال: لست نبيء الله، أنا نبيُّ الله".
فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته ﷺ. وسماه نبيئًا لأنه ينبئ عن الله تعالى.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وفي الحديث: "أن رجلًا قال: "يا نبيء الله، فقال: لا تنبر باسمي" أي لا تهمز. والنَّبْر بالكلام الهمز، وكل شيء رفع شيئًا فقد نبره؛ والمِنبر من ذلك.
[وقولهم: هو من الملائكة]
الملائكة ﵈ أخذوا من الألوك، وهي الرسالة؛ ويقال لها: مألَكَة ومألُكَة. قال الشاعر:
أبلغ النعمان عني مألُكًا أنه قد طال حبسي وانتظاري
وقوم يقولون: ملأكًا، ويقولون: ملك من الملائكة، وهو ملأك. فمن قال: ملأك، أخرج الحرف على أصله، ومن قال: مَلَك، حول [فتحة] الهمزة إلى اللام وأسقط الهمزة. قال:
فلست لإنسي ولكن لملأك تنزَّل من جو السماء يصوب
ويقال: ألكني إليه، أي أرسلني؛ وللاثنين: ألكاني، والجميع، ألكوني، وألكنني للنساء. وأصله: ألئكني، فحوّلت كسرة الهمزة إلى اللام وأسقطت الهمزة.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
قال:
ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر
وما بنى على الألوك قال: أصل الكني [أألكني] فحذفت الهمزة الثانية تخفيفًا. وقال: هم الملائكة والملائك بغير هاء؛ قال الشاعر:
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم وأنصاره حقًا وأيدي الملائك
آخر:
فإن يك عبد الله خلَّى مكانه وبان فقد أضحى نواحي الملائك
موسى ﵇
موسى أصل اسمه موشا، ومعناه: الماء والشجر، مو: الماء، وشا: الشجر؛ لأنه التُقِط ﵇ من الماء والشجر، فسمي باسم الموضع الذي التقط فيه، فعرِّب اسمه فقيل: موسى. وكذلك كل كلمة عرِّبت قُلبت بعض حروفها، كما قلبوا الذال من اليهود دالًا، وهاء مهره قافًا [في] مهرق، والهاء من يلمه قافًا، فقالوا: يلمق؛ والكاف قافًا من كرد ماند، فقالوا: قردُماني. ومثله اصتبرك عرّب استبرق وهو الغليظ من الديباج؛ وقد تقدم ذكر شيء من هذا.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
واليهود يجعلون كل سين من الكلام شيئًا، يقولون في سلام شلوم، وفي إسرائيل [إسرائيل، وفي إسماعيل] إشمول، وما يشبه هذا، وجمع موسى موسون وموسين، هكذا عن ثعلب.
المسيح [عيسى ابن مريم ﵇]
المسيح فيه عشرة أقاويل:
قيل: سمي المسيح لأنه كان يمسح المرضى والزَّمنى بيده، فيبرئهم بإذن الله. وقيل: سمي بذلك لسياحة الأرض؛ وقيل: لأنه مسح بالبركة؛ وقيل: لأن جبريل ﵇ كان يمسح رأسه بالزيت؛ وقيل: لأن أمه ولدته كأنه ممسوح بدهن؛ وقيل: مسيح فعيل من مسح الأرض لأنه كان يمسحها أي يقطعها؛ وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له. والأخمص: ما جفا عن الأرض. من باطن الرجل؛ وقيل: المسيح الصديق؛ وقيل: أخذ من المسح، وهو الذي يُطَبِّق الموضع، فيغشي طبق الأرض بالعدل.
قال بعض أهل اللغة: المسيح في كلام العرب من المسحة، والمسحة: الجمال؛ يقال: على وجه فلان مسحة من الجمال. وقال النبي ﷺ في جرير: "عَلَيه مسحة ملك". والمسيح كان ممسوحًا بالجمال؛ قال:
[ ٤ / ٢٨٠ ]
على وجه ليلى مسحة من ملاحة وتحت الثياب العار لو كان باديًا
فأصل مسيح مسيح مثل مفعل، فأسكنت الياء وحولت كسرتها إلى السين.
واسم المسيح ﵇ في التوراة مشيحا، فأعرب اسمه في القرآن على مسيح، وكذا لغة اليهود والنصارى قلب الحروف على ما ذكرت في موسى، وكما كان رحمن بالعبرانية رُحْمن فأعرب؛ قال جرير:
أو تتركون إلى الدَّيرين هجرتكم ومسحكم وجهكم رحمن قربانا
فأتى به على أصله. والدَّيران: تثنية دير خان النصارى، وصاحبه الذي يسكنه ديراني وديَّار.
ويقال: فلان يتمسح به لفضله وعبادته، ويتقرب إلى الله تعالى بالدنو منه.
والمسيخ: الدجال؛ قال:
إذا المسيح يقتل المسيخا
أي المسيح عيسى ابن مريم يقتل الدجال بنيزكه، والنيزك: الرمح، رمح صغير قصير، والجمع النيازك. قال ذو الرمة:
ألا من لقلب لا يزال كأنه من الوجد شكَّته صدور النيازك
وسمي الدجال مسيحًا لأنه مُسح باللعنة، ويقال: إنه ممسوح العين لا يبصر بها؛ وقيل: أخذ من المسح، وهو الذي يطبق الأرض لأنه طبق الأرض بالجور؛ وقيل: يمسح الأرض أي يقطعها. والدجال: كل ملتبس بما ليس له، فهو دجال؛
[ ٤ / ٢٨١ ]
والدجال والمسيح: الكذاب، وإنما دجله كذبه وفجوره لأنه يدخل الحق بالباطل. وقيل: سمي دجالًا لأنه يغضي الحق بسحره وكذبه كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجل؛ والدَّجل: شدة طلي الجرب بالقطران.
وقولهم: فلان مؤمن
مؤمن أي مصدق لله ورسله، وآمنت بالشيء إذا صدقت به، ومنه يؤمن بالله ويؤمن بالمؤمنين؛ قال:
ومن قبل آمنًا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدًا
أي آمنًا: صدقنا محمدًا، منصوب بمعنى التصديق؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدق لنا. ويقال: ما أؤمن بشيء مما يقول، أي ما أصدق به.
[وقولهم: فلان مسلم]
المسلم فيه قولان: قيل: هو المخلص لله تعالى العبادة، أخذ من قول العرب: قد سلم الشيء لفلان، أي خلص له. ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي خالصًا.
وقيل: المسلم معناه المستسلم لأمر الله المتذلل له؛ قال الشاعر:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور
أي استسلموا. قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلام لله والإيمان به محمود،
[ ٤ / ٢٨٢ ]
والمسلم الذي يستسلم خوفًا من القتل مذموم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾.
[وقولهم: رجل موحد]
رجل موحد أي ثبت معبوده واحدًا، فهو موحد والله تعالى موحد لا شريك له.
[وقولهم: رجل مُلحد]
الملحد في كلام العرب: الجائر عن الحق ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، قال المفسرون: هو اشتقاقهم اللات من الله، والعُزّى من العزيز.
وسمي اللحد لحدًا لأنه في جانب القبر، ولو كان مستقيمًا لقيل له: ضريح؛ قال بشر:
ثوى في ملحد لابد منه كفى بالموت نأيًا واغترابا
ولحدته: أدخلته اللحد، وألحدته: إذا صنعت له لحدًا.
ويقال: قد لحد الرجل وألحد، إذا جار. وفرق الكسائي بينهما فقال: ألحد جار ولحد ركن. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وأبو عمرو: يُلحدون، في جميع القرآن، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة: يلحدون في جميع القرآن. وفرّق الكسائي بينهن فقرأ في الأعراف والسجدة: يلحدون، وقرأ في النحل: يلحدون، وقال: معناه: يركنون.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
[وقولهم: رجل مُبْتهِل]
المبتهل فيه قولان:
قيل: المسبح لله الذاكر لله تعالى؛ وقال النابغة الشيباني:
أقطع الليل آهة وانتحابا وابتهالًا لله أي ابتهال
وقيل: المبتهل: الداعي، والابتهال: الدعاء، من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي نلتعن ويدعو بعضنا على بعض. قال لبيد:
في قروم سادة من قومه نظر الدهر إليهم فابتهل
[وقولهم: رجل مزهد]
المُزْهِد معناه قليل المال؛ قال النبي ﷺ: "أفضل الناس مؤمن مزهد" أي قليل المال. يقال: قد أزهد الرجل إزهادًا إذا قل ماله؛ قال الأعشى:
فلم يطلبوا سرها للغنى ولم يسلموها لإزهادها
معناه فلن يطلبوا نكاحها للغنى، ولن يدعوها لقلة مالها. والسر: النكاح، من قوله تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، وقيل: السر: الزِّنا؛ قال الشاعر:
[ ٤ / ٢٨٤ ]
ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع
قال الفراء: بنو أسد يقولون: زهدت في الرجل أزهد فيه، وقيس وتميم يقولون: زهدت أزهده.
وأما الزاهد فقليل الرغبة في الدنيا.
[وقولهم: رجل مسكين]
المسكين في كلام العرب: الذي سكَّنه الفقر أي قلَّل حركته. واشتقاقه من السكون، ويقال: قد تمسكن وتسكَّن إذا صار مسكينًا.
ومختلف في الفقير والمسكين اختلافًا كثيرًا؛ قيل: الفقير الذي له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وهو قول يونس بن حبيب. واحتج بقول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ
واحتج أيضًا أنه قال لأعرابي: أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكين، أنا أسوأ حالًا من الفقير؛ وبه قال يعقوب بن السكيت.
قال الأصمعي: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وبه كان يقول أحمد بن عُبيد وابن الأنباري، قال: وهو الصحيح عندنا، لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ قال: والسفينة تساوي جملة من المال؛ وقال: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية﴾. فهذه الحال أسوأ من حال لمساكين التي أخبر
[ ٤ / ٢٨٥ ]
[بها] الله تعالى. قال: والذي احتج به من البيت ليس له فيه حجة لأن المعنى كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى وليست له الآن حلوبة. والذي احتج به من قول الأعرابي يجوز أن يكون أراد: لا والله بل أحسن حالًا من الفقير.
والفقير معناه في كلام العرب الذي نزعت فِقْرته من ظهره، فانقطع صلبه من شدة الفقر، ولا حال هي أوكد من هذه. والدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي قد لصق بالتراب من شدة الفقر. فلما نعته الله بهذا النعت علمنا أن ليس كل مسكين على هذه الصفة، ألا ترى أنك إذا قلت: اشتريت ثوبًا ذا علم، نعتَّه بهذا النعت لأنه [ليس] كل ثوب له عَلَم. فذلك المسكين الأغلب عليه أن يكون له شيء، فلما كان هذا المسكين مخالفًا لسائر المساكين بيّن الله نعته.
وعنه ﷺ: "ليس المسكين الذي تردُّ اللقمة واللقمتان، لكن المسكين الضعيف. اقرأوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافًا"، وعنه ﷺ: "أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين". ومعنى المسْكنة ههنا التواضع والإخبات، فكأنه سأل الله تعالى أن لا يجعله من الجبارين، ولا يحشره في زمرتهم.
والمسكنة: حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن الرجل، إذا لان وتراجع وخشع؛ ومنه قوله ﷺ للمصلي: "تبأس وتمسكن وتقنع رأسك"؛ يريد: تواضع وتخشَّع الله. وكان داود ﵇ فيما آتاه الله من
[ ٤ / ٢٨٦ ]
المُلك إذا دخل المسجد ورأى مسكينًا جلس إليه وقال: مسكين جالس مسكينًا. وقيل: لم يكن أحب إلى عيسى ﵇ من أن يقال له: أيها المسكين. وقال كعب: ما في القرآن من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة: يا أيها المسكين.
[وقولهم: فلان مُتَيَّم]
المتيم: المستعبد بالهوى؛ وقولهم: تَيْم الله، أي عبد الله؛ قال:
أبى الله أن يلقى الرشاد متيم ألا كل أمر حُمَّ لابد واقع
آخر:
فقلت: لقد هجتنَّ صبًا متيمًا حزينًا وما منكن واحدة تدري
وتيم اللات معناه عبد اللات. ويقال: رجل مغرم بالنساء، أي يحبن ويلازمهن. ورجل مُدَلَّهٌ مُدَّلِهٌ، والتَّدلُّة: ذهاب العقل من الهوى.
[وقولهم: فلان مستهام]
المستهام فيه قولان: قيل: الذاهب العقل، مشتق من هام الرجل يهيم إذا ذهبت لوجهه لذهاب عقله، وقيل: هو العليل القلب الذي يجد في جوفه هُيامًا. والهُيَام: وجع يجده البعير في جوفه فلا يروى من شرب الماء، ويستعمل ذلك في الناس أيضًا؛ قال عروة:
[ ٤ / ٢٨٧ ]
بي اليأس والداء الهيام أصابني فإياك عني لا يكن بك ما بيا
والهيام كالجنون من العشق، فهو مهيوم؛ قال:
ظل كأن الهُيام خالطه
[وقولهم: رجلٌ مصل]
المصلي في كلام العرب: السابق المتقدم، مشبَّه بالمصلي من الخيل وهو السابق الثاني. وقيل له مصل لأنه يتبع الأول فيكون رأسه عند صلاة؛ وصلوا الفرس والبعير: ما اكتنف الذنب عن يمينه وشماله؛ قال:
على صلويه مرهفات كأنها قوادم دلَّتها نسور طوائر
ويقال للسابق الأول من الخيل: المجلي، والثاني: المصلي، والثالث: المسلي، والرابع: التالي، والخامس: المرتاح، والسادس: العاطف، والسابع: الحظي، والثامن: المؤمَّل، والتاسع: اللطيم، والعاشر: السكيت.
وقولهم: رجل مخطط
مخطط معناه جميل تام الجمال، وكذلك الأروع هو التام الجمال الذي يروع الناظر إليه. ورجل منصف؛ وقد تناصف الرجل إذا كان كل شيء في وجهه حسنًا. قال:
إني غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحب إلى الحبيب الغائب
[ ٤ / ٢٨٨ ]
معنى غرضت اشتقت.
وكذلك رجل بشير، وامرأة بشير، وجمل بشير، وناقة بشير إذا كان حسنين. ورجل مقذذ، أي حسن الزي كامل الهيئة؛ أخذ من السهم المقذذ، وهو الذي قد صنعت له القذذ وهي الريش، واحدتها قُذة. وإنما يصنع له الريش بعد أن يسوى بريه وتثقيفه. فشبه الرجل التام الزي، الكامل الهيئة، بالسهم الذي قد تم إصلاحه وحسن استواؤه.
وقولهم: ما مَقَلَتْ عيني مثل فلان
أي ما رأت ولا نظرت، وهو فعلت من المُقلة، وهي الشحمة التي تجمع سواد العين وبياضها، والحَدَقَة: السواد دون البياض؛ قال:
لها مُقلتا حوراء طُلَّ خميلة من الوحش ما تنفك ترعى عرارها
أي لها مقلتا ظبية حوراء ما تنفك ترعى خميلة طُلَّ عرارها.
ومقلت الشيء في الماء، أي غمسته فيه. ويقال: الرجلان يتماقلان في الماء، أي يتغاطان فيه. وفي الحديث: "إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه"، أي اغمسوه ليخرج الشفاء كما خرج الداء.
والمقلة: الحصاة التي يقدر بها القوم الماء في الفلاة إذا قل بهم ليقتسموه بالحصص على مقدار ما يغمرها من الماء.
[وقولهم: رجل مَغِثٌ]
المَغْثُ: الشر، والمغِث: الشرير. والمَغْثُ أيضًا: العَرْك في المصارعة
[ ٤ / ٢٨٩ ]
والخصومات؛ قال حسان:
نوليها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء
معناه إذا كان شر أو ملاحاة.
والمغْثُ: التباس الشجعان في المعركة.
[وقولهم: رجلٌ منافقٌ]
المنافق فيه ثلاثة أقوال: قال (أبو عبيد): إنما سمي منافقًا لأنه كاليربوع يكون له جُحران: نافقاء وقاصعاء إذا طلب من أحدهما خرج من الآخر؛ فقيل له منافق لأنه يخرج من الإسلام من غير الوجه الذي دخل فيه.
وقيل: أخذ من النفق، وهو السرب، أي مستتر في السرب؛ وجمع النفق أنفاق.
وقيل: مأخوذ من النافقاء، وهو حجر يحفره اليربوع. فإذا بلغ جلدة الأرض أرقَّ التراب، حتى إذا رابه ريب رفع التراب برأسه وخرج. فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر غير ما يُظهر، بمنزلة النافقاء ظاهره غير بيّن، وباطنه حُفِر في الأرض.
قال الأصمعي: لليربوع أربعة أحجرة: الراهطاء والنافقاء والقاصعاء والداماء.
[وقولهم: فلانٌ مئقٌ]
المئق فيه ثلاثة أقوال:
[ ٤ / ٢٩٠ ]
قيل: هو سيئ الخلق، للمثل: "أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق" أي أنت ممتلئ غيظًا، وإني سيئ الخلق، فلا نتفق أبدًا.
وقيل: هو الأحمق، ليس له معنى غيره، وهو بمنزلة جائع نائع. وقيل: هو السريع البكاء، القليل الحزم والثبات.
والمُوق: حُمق في غباوة، والنعت مائق ومائقة، والفعل ماق يموق موقًا واستماق.
والمأق- مهموز: ما يعتري الصبي بعد البكاء حتى النشيج الكثير؛ مئق فلان مأقًا فهو مئق، ومأق مأقًا فهو مائق؛ وتقول: قدم على مأقة أي على تباك. قال أبو الدقيش: والمؤق مؤخر العين. أي من قبل مؤخَّر عينه ومقدمها.
وكان النبي ﷺ يكتحل من قِبَل مؤقه مرة، ومن قِبَل مأقه مرة، وقال أبو خيرة: كل مدمع مؤق مقدم العين ومؤخرها، ومأقها مقدمها.
وقولهم: فلان مبرم
هو الغث الثقيل حتى كأنه الذي يقتطع من الذين يجالسهم شيئًا لاستثقالهم له، بمنزلة المبرم الذي يقتطع حجارة البرام من جبلها. قال أبو عبيدة: هو الغث الحديث الذي يحدث الناس بالأحاديث التي لا فائدة لهم فيها ولا معنى لها؛ أخذ من المبرم الذي يجني البرم، وهو ثمر الأراك لا طعم له ولا حلاوة ولا حموضة ولا معنى له.
[ ٤ / ٢٩١ ]
قال الأصمعي: المبرم الكل على أصحابه لا نفع عنده ولا خير، [بمنزلة البرم] وهو الذي لا يدخل مع القوم في قمارهم، فإذا قُمروا ونحرت الجزور أكل معهم من لحمها؛ قال الشاعر:
ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من ريح الشتاء تقعقعا
قال: ثم كثر الكلام بهذا حتى صار كل مضجر يسمى مبرمًا، وسموا الضجر البرم. قال:
وما زال بي مما يحدث الدهر بيننا من الهجر حتى كدت بالعيش أبرم
أي أضجر، ومنه التبرم. والإبرام: الإحكام للشيء.
[وقولهم: في منزل فلان مأتَمٌ]
المأتم مع العرب: النساء المجتمعات في فرح أو حُزن، والعامة تظنُّه النَّوح وليس كذلك. وقال أبو عطاء السندي وكان فصيحًا يرثي ابن هبيرة:
عشيَّة قام النائحات وشققت جيوب بأيدي مأتم وخدود
قال ابن مُقبل:
[ ٤ / ٢٩٢ ]
ومأتم كالدمي حور مدامعها لم تبأس [العيش] أبكارًا ولا عونا
آخر:
رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتِم أي مأتَم
لعله: فتاة، أي في نساء أي نساء.
وقولهم: على فلان مناحة
أي نوائح، لأن بعضهن يقابل بعضًا؛ أخذ من قولهم: الجبلان يتناوحان، أي يتقابلان. وتناوحت الريح إذا قابل بعضها بعضًا ويقال: نائح ونائحون وناحة ونَوْح، وقوم نَوْح، أي نائحون. قال صخر الغي:
وذكّرني بُكاي على تليد حمام جاوبت نوحًا حماما
تُرجع منطقًا عجبًا وأوفت كنائحة أتت نوحًا قيامًا
التليد: ما وُرث عن الآباء.
آخر:
وقام علي نوح بالمآلي يلألئن الأكف إلى الجيوب
[المرض]
المرض أربعة:
المريض بعينه؛ [ومرض فلان مرضًا ومرْضًا، فهو مارِضٌ ومرِضٌ ومريضٌ
[ ٤ / ٢٩٣ ]
نحو] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ جمعه مرضى. والتمريض: حسن القيام على المريض، والممرض: الذي يمرض العليل، أي يقوم به؛ قال:
كأن ممرضي قد قام يسعى بنعشي بين أربعة عجال
وحولي نسوة يبكين شجوًا كأن قلوبهنَّ على المقالي
والمرض: الجرح، [ومنه] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي جرحى.
والمرض: الشك: [ومنه] قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي شك؛ جُعل مرضًا لأنه يوردهم إلى هلاكهم كالمرض الذي يؤدي إلى الموت؛ ﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أي شكًا وكفرًا. وفيه قولان: قال بعضهم: زادهم الله بكفرهم، كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله مرضًا لما أنزله عليهم من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله. [و] الدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. والمرض في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين.
وأصل المرض الفتور، فمرض القلب الفتور عن الحق؛ والمرض في البدن فتور الأعضاء، وفي العين فتور النظر؛ قال جرير:
[ ٤ / ٢٩٤ ]
إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
والعرب تقول: يوم مريض، إذا لم تبد شمسه؛ وليلة مريضة، إذا لم تبد نجومها؛ وأنشد ثعلب:
وليلة مرضت من كل ناحية فما يضيء لها نجم ولا قمر
ومنه فلان مريض الود.
ونسب مرض المنافقين إلى قلوبهم لاعتقادهم بقلوبهم؛ قالت ليلى الأخيلية:
إذا هبط الحجاج أرضًا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
[تريد] التي فيها شك ونفاق. قال محمد بن صالح:
إن المريض هو المريض فؤاده ليس الذي يشكو جوى وشلالا
فالقلب يصدأ إن تركت جلاءه فاجعل دموعك للفؤاد صقالا
والمرض: الرياء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي رياء. وتمريض الأمر: توهينه وترك النصح فيه.
المَوْت
الموت ثلاثة عشر وجهًا: موت نفس، وموت نوم، وموت عضو، وموت فقر، وموت شدة وغم، وموت غَيْرَة، وموت جَهْل، وموت جماد، وموت سُكْر،
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وموت غشي، وموت فرق، وموت نطفة، وموت صنم.
فموت النفس قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ وموت النوم قوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾؛ وموت الفقر قول النبي ﷺ: "الفقر الموت الأحمر"، والعرب تقول: الفقر الموت الأغبر؛ وموت العضو نحو ما روي عن زهير الأقطع: كان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه، وهو من الفرق أيضًا، ونحو قول الشاعر:
يموت مني كل يوم شي وأنا مع ذاك صحيح حي
وكقول أبي علي الروذ باري:
أراني مع الأحياء حيًا وأكثري على الدهر ميت قد تخوَّنه الدهر
فما لم يمت مني لما مات تابع فبعضي لبعض دون قبر البلى قبر
وقال بعض العلماء: ما انقضت ساعة من أمسك إلا بضعة من نفسك. قال أبو العتاهية في معناه:
إن مع اليوم فاعلمن غدًا فانظر بما ينقضني مجيء غده
ما ارتد طرف امرئ بلذته إلا وشيء يموت من جسده
ومنه أن موسى سأل ربه إماتة رجل كان يؤذيه، فأوحى الله تعالى إليه أن قد
[ ٤ / ٢٩٦ ]
أمتُّه. فلما كان اليوم الثاني وجده موسى جالسًا يسف خوصًا، فقال: يا رب ألم تعدني أنك تميته؟ قال: وقد فعلت، قال: يا رب وكيف هذا؟ فأوحى الله إليه: يا موسى إني قد أفقرته، ومن افتقر فقد مات. معنى الخبر لا اللفظ يغنيه. وأنا أستغفر الله من الخطأ فيه.
وموت الشدة قوله تعالى: ﴿وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾. والناس يسمون الشدائد موتًا، فمعناه يأتيه من الشدائد ما يقوم مقام الموت؛ قال:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبًا كاسفًا لونه قليل الرجاء
وموت العبرة قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾. وموت الجهل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ قيل: العلماء والجهال؛ قال:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور
فإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور
[ ٤ / ٢٩٧ ]
وموت الجماد قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾، وقوله: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
وموت السُّكْر: سقوط السكران وعدم حركته؛ قال حسان بن ثابت الأنصاري:
ونمشي بين قتلى قد أميتت نفوسهم ولم تهرق دماء
وموت الغشي كالغمية الذي يذهب فيها العقل؛ قال قيس [بن ذريح]:
إذا نادى المنادي باسم لبنى غشيت فما أطيق له جوابًا
قال الله تعالى: ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾.
وموت الغرق: الخوف؛ وهو كالغشو مع تعذير لون وانقطاع كلام، كقول القائل: لقيته فمات مني فرقًا وخوفًا.
وموت النطفة قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي كنتم نطفًا فخلقكم. وموت الصنم الذي لا يعقل قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾.
والموت خلق من خلق الله تعالى الذي خلق الموت والحياة. والميتة: الموت بعينه،
[ ٤ / ٢٩٨ ]
يقال: مات فلان ميتة سوء؛ والموتة: الجنون، والموتان: الموت، يقال: وقع في المال موتان، إذا وقع في النعم والمواشي الموت. قال ابن عباس: يقال: الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء، ولا يجد ريحه شيء، ولا يطأ على شيء، ولا يضع من أثره على شيء إلا مات. وجثم، وفاد يفود فودًا، ووجب، وبرد، وسالت نفسه، وترجرجت، ونفس، وباد، ولفظ، وثوى، وفوَّز أي صار في مفازة بين الدنيا والآخرة من البرزخ الممدود. قال الشاعر:
فمن للقوافي بعده من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوَّز جرول
يريد كعب بن زهير، وجرول: الحطيئة.
وخرَّ الرجل إذا مات، ووتغ فهو يوتغ وتغًا، ووبق يوبق وبقًا، واستوبق استيباقًا، وأراح، ودرج، ومنه قولهم: "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات، دبَّ للأحياء، ودرج للأموات.
كل هذا وما تقدمه معناه أنه مات وذهب.
وتقول: هذا مأموت، أي معروف؛ قال رؤبة:
هيهات منها ماؤها المأموت
وموموت أيضًا. وموتان الأرض: الذي لم يُعمر بعد، وكذلك موات الأرض.
فصل
يقال: فاظت نفس فلان، وأفاظ الله نفسه، وفاظ هو نفسه؛ وقيل: بالضاد أيضًا
[ ٤ / ٢٩٩ ]
فاضت.
ويقال: مات وقضى وفارق وهلك وأودى، وتردَّى وفات وتنبَّل، وكذلك الطير والبعير وكل شيء تنبَّل أي مات. وردي فلان فهو رد أي هالك، وأرداه الله: أهلكه، وأرداه الموت وغيره: أهلكه؛ قال دريد بن الصمة:
تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارسًا فقلت: أعبد الله ذلكم الرَّدِي
والتردي في مهواة: التهور فيها، والمودي: الهالك؛ تقول: أودى به الموت، أي أهلكه، واسم الهلاك من ذلك: الودى فخفف قلّما يستعمل، والمصدر: الإيداء، وكل شيء ذهب فقد أودى؛ قال الشماخ:
طال الثواء على ربع بيمؤود أودى وكل خليل مرة مود
ويروى: وربع جديد غير مردود.
والتبار: الهلاك، منه ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ أي أهلكناهم. ويقال للرجل عند موته: ما بقي منه إلا شفى، وكذلك القمر عند عرى محاقة، وللشمس عند غروبها؛ قال العجاج:
ومرْبأ عال لمن تشوَّفا
أدركته بلا شفًا أو بشفًا
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وهو الموت والحتْف والحَيْن والرَّدى والحِمام والوفاة والثُّكْل والبَهْل والشجب والهلاك؛ قال عنترة:
من كان في قلبه يمتري فإن أبا نوفل قد شجب
وقد أطلى الرجل إذا مالت عنقه لموت أو غيره؛ قال:
تركت أباك قد أطلى ومالت عليه القشعمان من النسور
وقد أشعب الرجل إذا مات أو فارق فراقًا لا يرجع. وسميت المنية شعوب لأنها تُفرِّق.
[المنيَّة]
والمنية المقدورة: المحكوم بها، وهي مفعولة من المنى، والمنى: المِقدار، يقال: مناك الله ما يسرك، أي قدَّر لك. قال الشاعر:
ولا تقولن لشيء سوف أفعله حتى تبيَّن ما يمني لك الماني
أي يقدر لك المقدِّر.
وأصل المنية ممنوية مفعولة من القدر، فصرفت عن مفعولة إلى فعيلة مثل مقتول وقتيل، وكان أصلها بعد النقل منيية، فلما اجتمعت ياءان، الأولى منهما ساكنة اندغمت في الياء التي بعدها فصارتا ياء مشددة.
والمنون: المنية، مؤنثة وقد تذكر بمعنى الزمان والدهر، وقد تُحمل على معنى
[ ٤ / ٣٠١ ]
المنايا فتعبر عن الجميع؛ قال:
كأن رقيبًا لريب المنون والسقم في أهله والحزن
وبيت أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
ويروى: وريبها. من ذكر أراد الدهر، ومن أنت أراد معنى المنية؛ قال الشرقي ابن القطامي: المنايا: الأحداث، والحِمام: الأجل، والحتْف: القدر، والمنون: الزمان.
أمات الرجل إذا مات له ابن أو بنون، ومات إذا مات هو. ويقال: خلَّى مكانه إذا مات؛ قال دريد:
فإن يك عبد الله خلَّى مكانه فما كان وقافًا ولا طائش اليد
وتداعى القوم إذا ماتوا متتابعين وتعادوا وتقاذعوا وتتابعوا، والمعادة- كولك المناحة- هي المأتم.
ومن أسماء المنية أم البليل؛ قال الشاعر في النعمان، وكان كسرى ألقاه تحت أرجل الفيلة:
إن ذا التاج لا أبا لك أضحى وذرى بيته نحور الفيول
[ ٤ / ٣٠٢ ]
إن كسرى عدا على النعـ ـمان حتى سقاه أم البليل
والنَّيْط: الموت؛ يقال: رماه الله بالنَّيْط.
والمنا: الموت؛ قال:
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنا إلى جدث يوزى له بالأهاضب
وقولهم: فلان عظيم المؤونة
فيه ثلاثة أقوال: يجوز أن تكون [مؤونة] مأخوذة من مُنْت الرجل إذا غلبته، فإن كانت من هذا فأصلها موونة بغير همز، فلما انضمت الواو هُمِزت، كقولهم: هو قؤول للخير، وصؤول، ونؤوم من النوم.
والقول الثاني: أن تكون مأخوذة من الأون، وهو السكون والدَّعة، فعلى هذا فمعناه عظيم التسكن والدعة: التوديع لأهله وعياله.
والثالث: من الأين وهو التعب والمشقة فوزنها إذًا من الفعل مَفْعُلة، وأصلها مأينُةَ. فاستثقلوا الضمة في الياء لا إعراب والياء إعراب، فاستثقلوا إعرابًا على إعراب، فألقوا ضمة الياء على الهمزة، فصارت الياء واوًا لانضمام ما قبلها.
وإذا كانت مأخوذة من مُنْتُ فوزنها فعولة، وإذا كانت من الأوْنُ فوزنها مفعلة وأصلها مأونة- بضم الواو- فاستثقلوا الضمة لأنها إعرابان، فألقوهما على الهمزة، فبقيت الواو ساكنة.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
والمائنة: اسم لما يمكن أن يُموَّن. والموْن من المؤونة، مانهم يمونُهم أي يتكلف مؤونتهم.
والميون: الكّذُوب، ومائن: كاذب، والميْن: الكذب؛ تقول: مِنْتُ أمين مينًا؛ قال عدي بن زيد:
وقدَّمت الأديم لراهشيه وألقى قولها كذبًا ومينها
يسبق بالمين على الكذب وهما بمعنى لاختلاف اللفظ، كقول عنترة:
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
قال الحطيئة:
ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
آخر:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا ورع عند اللقاء هيوب
أقوى وأقفر بمعنى، والنأي والبعد بمعنى، وورع وهيوب بمعنى؛ وإنما نسقوا بأحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ.
وقولهم: فلان ضعيف المُنَّة
المنة: قوة القلب؛ والمَنّ: قطع الخير، وقوله تعالى: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي
[ ٤ / ٣٠٤ ]
غير مقطوع. والمَنّ: الإحسان الذي يمن به الإنسان على من لا يستثيبه. والمِنَّة: الاسم، والله المنان علينا في الأمور كلها وله الحمد عليها.
والمأنة: شحم قص الصدر، والمأنة والمهنة: العمل، وكل شيء دلك على شيء فهو مئنَّة؛ وفي الحديث: "طول الصلاة وقصر الخطبة من فقه الرجل" أي مخلقة لذلك ومجدرة ونحو ذلك، ويقال: علامة لذلك.
والمُنى: جماعة الأمنية، وهي ما يتمناها الرجل؛ وهي أفعولة وربما طرحت الألف فقيل: منية.
والمنا: الذي يوزن به، والجميع أمناء.
والمنى: الحذاء، تقول: داري منى دارك، أي حذاءها.
ومنيت بكذا، أي ابتُليت به. والمتأني في اللغة: المتثبت الذي لا يعجل، ومنه الحديث: آنيت وآذيت"، فمعنى آنيت أخَّرت المجيء؛ قال الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الأناء
أي أخَّرت.
[وقول الرجل للرجل: يا مولاي]
المولى ثمانية أوجه: يكون الولي من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي لا ولي لهم، وقال النبي ﷺ: "أيُّما امرأة تزوَّجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل" يعني وليها؛ قال:
[ ٤ / ٣٠٥ ]
كانوا موالي حق يطلبون به فأدركوه وما ملُّوا وما نصبوا
أي أولياء حق.
والمولى: المعتق؛ والمولى المعتق؛ والمولى: ابن العم [نحو] قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ يعني ابن عم عن ابن عمه والموالي: بنو العم؛ قال:
مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونًا
والمولى: الأوْلَى، [نحو] قوله تعالى: ﴿النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾، أي أولى بكم.
والمولى: الحليف؛ قال:
موالي حلف لا موالي قرابة ولكن قطينًا يأخذون الأتاويا
والمولى: الجار. وقال الكلابي وكان جاور بني كليب، فحمد جوارهم فقال:
جزى الله خيرًا والجزاء بكفِّهِ كُليب بن يربوع وزادهم حمدًا
هم خلطونا بالنفوس وألجموا إلى نصر مولاهم مسوَّمة جردا
[ ٤ / ٣٠٦ ]
يعني جارهم.
والمولى: الصهر.
وقولهم: بيننا ممالحة
أي رضاعٌ؛ ملحت فلانة لفلان، إذا أرضعت له. ومنه حديث وفد هوازن إلى النبي ﷺ، وقول أحدهم: "يا محمد لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر لحفظ ذلك لنا". وذلك أن داية النبي ﷺ كانت من بني سعد بن بكر. ويقال: فلان لم يحفظ المِلْح، أي لم يحفظ الرَّضاع. وقال أبو الطمحان القيني وكانت له إبل، فسقى قومًا من ألبانها، فأغاروا عليها فأخذوها، فقال:
وإني لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
أي أرجو أن تحفظوا لبنها وما بسطت من جلودكم بعد أن كنتم مهازيل. آخر:
لا يبعد الله ربُّ العبا د والمِلح ما ولدت خالده
قال الأصمعي: المِلْح الرَّضاع، وقيل: البركة، وقيل: [اللهم] لا تبارك فيه ولا
[ ٤ / ٣٠٧ ]
تُمَلَّحْ.
والعرب تعظم الملح والنار والرماد. ومن الملح قولهم: ملح فلان على ركبته، فيه قولان: قيل: مضيع لحق الرضاع غير حافظه فأدنى شيء ينسيه حق الرضاع؛ كما أن الذي يضع الملح على ركبته أدنى شيء يبدده.
والقول الثاني: أن يكون ملحه على ركبته يتبدد من أدنى شيء؛ قال مسكين الدارمي:
لا تلمها إنها من أمة ملحها موضوعة فوق الركب
والملح: من الملاحة، تقول: مَلُحَ يمْلُح ملاحة، فهو مليح. ولاممالحة: المؤاكلة. والمُلْحَة: الكلمة المليحة. والملاَّحة: منبِت الملح.
وتقول للرجل: أملحت وملَّحت يا فلان، في معنيين: أي جئت بكلمة مليحة، وأكثرت ملح القدر.
[وقولهم: أنا في مندوحة عن كذا]
المندوحة: السعة؛ ندحت الشيء إذا وسَّعته، وإنك لفي مندوحة من الأمر وندحة، ومنه قول أم سلمة لعائشة: قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، أي لا توسعيه ولا تكشفيه بالخروج.
أنشد أبو العباس:
فأنت إن لم تريدي ذاك لي سعة مالًا ومندوحة عما تريدينا
آخر في الجمع:
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ذو مناديح وذو منبطة وركابي حيث يممت ذلل
لا تذمَّن بلدًا تكرهه وإذا زالت بك الدار فزل
[وقولهم: بقي فلان متلددًا]
المتلدِّد: المتحير ينظر يمينًا وشمالًا، أخذ من اللديدين وهما صفحتا العنق. بقيت متلددًا أي متحيرًا أنظر مرة إلى هذا اللديد ومرة إلى هذا اللديد.
واللَّدود: ما سقيه الإنسان في إحدى شقي الفم؛ قال ﷺ: "خير دوائكم اللدود والسعوط والحجامة والمشي".
واللدود: جمعه ألدة؛ قال ابن أحمر:
شربت الشكاعى والتددت ألدة وأقبلت أفواه العروق المكاويا
والوجور: ما سقيه الإنسان في وسط فمه، وهذيل تقول: لدَّه عن كذا، أي حبسه.
[وقولهم: فلان يمنع الماعون]
الماعون: قال يونس: الماعون في الجاهلية: كل عطية ومنفعة، واحتج بقول الشاعر:
[ ٤ / ٣٠٩ ]
بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم
والماعون في الإسلام: الزكاة والطاعة؛ قال الراعي لعبد الملك بن مروان:
قوم على الإسلام لما يتركوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا
قال ابن عباس: الماعون: المعروف كله حتى ذكر القدر والقصعة والفأس، قال على الماعون الزكاة.
وبعض العرب يقول: الماعون: الماء؛ قال:
يصب صبيره الماعون صبًا
صبيره: سحابه.
وتقول: ما له سعنة ولا معنة، المعن: المعروف، والسعن: الودك، ويقال: ما له قليل ولا كثير.
والماعون فاعول من المعن.
وقولهم: أمر مبهم
معناه أمر لا يفهم ولا يعرف له وجه يؤتى منه؛ مأخوذ من قولهم: حائط مبهم، إذا لم يكن له باب. ويقال للرجل الشجاع: بُهمة، إذا كان لا يدري من أين يؤتى.
قال ابن السكيت: كل لون خلص ولم يخالطه غيره يقال فيه بهيم، كقولهم: أشقر بهيم، وأدهم بهيم، وكُميت بهيم.
[ ٤ / ٣١٠ ]
والمُبهم: غير المظهر، وباب مبهم إذا غلق فلم يهتد لفتحه؛ قال:
وكم [من] جبان أغلق الباب دونه فعاص عليه الموت والباب مبهم
وفي الحديث: "يحشر الناس بهمًا" أي ليس بهم شيء مما كان بهم في الدنيا نحو البرص والعرج؛ وقيل: بل عراة ليس بهم من متاع الدنيا شيء.
والبُهمة: الأبطال؛ قال متمم:
وللشرب فابكي مالكًا ولبهمة شديد نواحيها على ما تشجعا
ويقال: البُهمة: الكتيبة.
وقولهم: قد مارى فلان فلانًا
أي قد استخرج ما عنده من الكلام والحجة، وهو مأخوذ من قولهم: مريت الناقة والشاة أمريها إذا مسحت ضروعها لتدر، أو مرت الريح السحاب إذا أنزلت منه المطر واستخرجته.
ويقال: قد أمررت الرجل إذا خالفته وتلويت عليه. ويروى أن أبا الأسود سأل رجلًا عن رجل، فقال: ما فعل الذي كانت امرأته تشاره وتُهارُّه وتزارُّه وتمارُّه؟ فتزاره: من الزرر وهو العض، وتماره: تخالفه وتلوى عليه.
ويقال: إنه مأخوذ من مرار الفتل، وعن ابن عباس أنه قال: الوحي إذا نزل من السماء سمعت الملائكة مثل مرار السلسلة على الصفا. فمعناه أن السلسلة إذا جُرَّت
[ ٤ / ٣١١ ]
على الصفا تلوى حلقها واختلف. ويقال: امترى الرجل يمتري امتراء إذا شك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ قال:
أما البعيث فقد تبيَّن أنه عبد فعلَّك في البعيث تماري
والمروءة: كمال الرجل لأفعاله، يقال: مرؤ الرجل، وقد تمرأ: إذا تكلف المروءة. وهو مريء: بين المرأة، وقد مرؤ:
والمرأة: تأنيث المرء، ويقال: مرة، بلا ألف.
والمرآة: تقدير المفعلة لأنها أداة، والجميع المرائي.
والمرآة: مصدر الشيء المرئي، يقال: ما كان مرئيًا. ولقد مرؤ مراءة، وهذا الشيء يمرئ الطعام واستمرأته.
والمرو من الحجارة: الصلبة.
والمئرة: العداوة؛ مأرت بين القوم مماءرة، أي عاديت؛ وامتأر عليه، أي احتقد. والميرة- بلا همز: جلب القوم الطعام للبيع. والعيال يمتارون لأنفسهم ويميرون غيرهم ميرأ.
[الموْر]
والمور: الموج؛ والموْر: مصدر مار يمور وهو الشيء يتردد في عرض. والموْر: تراب وجولان تمور به الريح؛ وفي القرآن: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾.
[ ٤ / ٣١٢ ]
وفرس مأمورة، أي كثيرة النتاج.
[وقولهم: ما له عنه محيض]
المحيض: الملجأ والمحيد؛ يقال: حاص يحيص حيصًا إذا عدل. والمحْص: خلوص الشيء؛ تقول: محصته أي خلصته من كل عيب. والتمحيص: التطهير من الذنوب؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
وقولهم: منزل محفوف بالناس
أي الناس مجتمعون بحوافيه، وحافتاه: جانباه؛ وقوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ قيل: يطيفون بحفافيه أي بجانبيه؛ قال عمر بن أبي ربيعة:
سائلا الربع بالبُلى ثم قولا هجت شوقًا لنا الغداة طويلا
أين حي الحلول إذ أنت محفو ف أأهلًا أراك جميلا
والمِحَفَّة: رحل يحف بثوب يركب فيه.
وقولهم: أمر مريج
أي مختلط. وسئل ابن عباس عن تفسير أمر مريج، فقال: مختلط، أما سمعت
[ ٤ / ٣١٣ ]
قول الشاعر:
فجالت والتمست به حشاها فخرَّ كأنه خوط مريج
أي كأنه سهم قد اختلط الدم به؛ والخوط: الغصن، وجمعه خيطان. مرجت الدابة إذا خلَّيتها، وأمرجتها إذا رعيتها.
ومعنى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أرسلهما وخلاهما؛ قال النعمان بن بشير الأنصاري:
مرجت لنا البحرين بحرًا شرابه فرات وبحرًا يحمل السفن أسودا
أجاجا إذا طابت له ريحه جرت به وتراها حين تسكن ركَّدا
قال الخليل: قد مُرجا فالتقيا لا يختلط أحدهما بالآخر.
والمرج: أرض واسعة فيها نبت كثير تمرح فيها الدواب. والمارج من النار: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾.
وقد مرجت عهود القوم وأمرجوها إذا لم يفوا بها وخلطوها. ويقال: مرجت الشيء: أفسدته، ومرج عليه نبله أي أفسده.
وقولهم: ميَّزت الدراهم
أي قد فصلتها، وقطعت بعضها من بعض؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ
[ ٤ / ٣١٤ ]
أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال أبو عبيدة: معناه انقطعوا عن المؤمنين، وكونوا فرقة واحدة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ﴾ أي ينقطع بعضها من بعض. قال النبي ﷺ: "لا تهلك أمتي حتى يكون التمايل والتمايز والمعامع". فالتمايل: أن لا يكون للناس سلطان يكفهم عن المظالم، فيميل بعضهم على بعض بالغارة. والتمايز: أن ينقطع بعضهم عن بعض، ويصيروا أحزابًا بالعصبية. والمعامع: شدة الحرب والجد في القتال؛ وأصله من معمعة النار، وهو سرعة التهابها؛ قال:
جموحًا مروحًا وإحضارها كمعمعة السعف الموقد
شبه حفيفها من المرح في عدوها بمعمعة النار إذا التهبت في السعف.
والميز: التمييز بين الناس والأشياء، تقول: مِزت بعضه من بعض، وأنا أميزه ميزًا، وقد انماز بعضه من بعض؛ قال حسان:
من جوهر ميز في معادنه مفصَّل باللجين والذهب
وامتاز القوم واستمازوا إذا صارت كل عصابة منهم ناحية؛ قال الأخطل:
فإلا تغيرها قريش بملكها يكن عن قريش مستماز ومزحل
وإذا أراد الرجل أن يضرب عنق آخر قال له: مايز رأسك، أو يقول: ماز، ويسكت أي مُدّ عنقك.
[ ٤ / ٣١٥ ]
[وقولهم: فلان قائم في المحراب]
المحرام مع العامة اليوم: مقام الإمام في المسجد، وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدهم التي يجتمعون فيها للصلاة؛ قال الأعشى:
وترى مجلسًا يغصَّ به المحـ ـراب للقوم والوجوه رقاق
قال أبو عبيدة: المحراب عند العرب سيد المجالس ومقدَّمها وأشرفها، وإنما قيل للقِبْلة محراب لأنه أشرف مواضع المسجد، ويقال للقصر محراب لأنه سيد المنازل؛ قال امرؤ القيس:
وماذا عليه أن يروض نجائبًا كغزلان رمل في محاريب أقوال
ويروى: أقيال، يعني قصورًا.
قال الأصمعي: المحراب عند العرب الغرفة؛ قال:
ربَّة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلَّمًا
أراد: الغرفة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ والتسوُّر يدل على ما ذكرنا.
قال أبو عمرو: دخلت محرابًا من محاريب حمير، فنفح في وجهي ريح المسك.
[ ٤ / ٣١٦ ]
قال أحمد بن عبيد: المحراب مجلس الملك، سمي محرابًا لانفراد الملك فيه، لا يقربه أحد، ويتباعد الناس منه؛ وكذلك محراب المسجد لانفراد الإمام فيه.
وفلان حرب لفلان إذا كان بينهما عداوة؛ قال:
وحارب مرفقها دفَّها وسامى بها عنق مسعر
أي بعد مرفقها من دفها.
[وقولهم: هذه مفازة]
المفازة: المهلكة، سميت مفازة من الفوز تفاؤلًا بالسلامة؛ قال قيس بن ذريح:
كأني في لبنى سليم مسهد يقلب في أيدي الرجال يميد
قال ابن الأعابي: المفازة: المهلكة من قول العرب قد فوَّز فلان إذا هلك، وفوز إذا ركب المفازة ومضى منها، قال حسان:
لله در رافع أنى اهتدى
فوَّز من قراقر إلى سوى
والمفازة سميت بها لأن الناس يعودون ولا يهتدون. قال غيره: قيل للديغ سليم لأنه أسلم إلى ذلك الأمر، فأصله مسلم، فصرف من مفعل إلى فَعيل مثل مُحْكم
[ ٤ / ٣١٧ ]
وحكيم.
وقولهم: مثقال ذرة
أي وزن ذرة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي وزن ذرة؛ قال الشاعر:
وعند الإله ما يكيد عباده وكلًا يوفيه الجزاء بمثقال
أي عنده علم ما يعمل عباده، ومعناه يوزن. ومثقال الشيء: ميزانه من مثله.
والثقلة: نعسة غالبة. والمثقل: المرأة إذا أثقلت من حملها؛ والمثقل: الذي قد حُمل عليه فوق طاقته من الحمل، وهو أيضًا الذي قد أثقله المرض.
[وقولهم: بيننا مسافة]
المسافة البُعد، وأصله أن القوم كانوا إذا أشكل عليهم الطريق فلم يعرفوا مقداره، شموا تربته فعرفوا بذلك مقدار قربه وبعده.
ويقال: قد ساف التراب يسوفه سوفًا، وقد استافه يستافه استيافًا؛ قال رؤبة:
إذا الدليل استاف أخلاق الطرق
[ ٤ / ٣١٨ ]
أي عرف مقداره. قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرًا
إذا شمه البعير المسن ضغا من بعده. والضغاء: صوت الذليل إذا شق عليه، وإنما خص المسن لأنه أعلم بالطريق.
وقولهم: هذا غير مجد عليك
أي غير نافع لك، ولا عائد بخير يصل إليك؛ أخذ من الجدا وهو العطاء والفضل؛ يقال: قد تعرضت لجدا زيد وجدواه، إذا تعرضت لمعروفه وعطائه؛ قال الشاعر:
ما شمت برقك إلا نلت ريقه كأنما كنت بالجدوى تبادرني
والجدا في غير هذا المعنى مقصور يكتب بالألف، والجداء: الغناء ممدود يكتب بالألف؛ يقال: إنه لقليل الجداء عنك. قال [نابغة بني شيبان]:
فعجت على الرسوم فشوقتني ولم يك في الرسوم لنا جداء
[وقولهم: فلان ماجد]
الماجد: نبيل الشرف، والمجد: نُبل الشرف؛ وقد مجد الرجل ومجد لغتان، وهو يمجد. ويمجد أخذ من مجد البعير، وهو امتلاؤه شبعًا ويقال: مجدت الإبل
[ ٤ / ٣١٩ ]
مجودًا إذا نالت من الكلأ قريبًا من الشبع، وعرف ذلك في أجسامها؛ وقد أمجد القوم إبلهم، وذلك في أول الربيع.
وقد أمجد الرجل إذا أطعم وسقي حتى يكتفي صفاقه، وأمجد الرجل: كرم فعاله.
والله المجيد: تمجَّد بفعاله، ومجَّده خلقه لعظمته.
وقولهم: بيت مزوَّق
أي معمول بالزاووق في لغة بعض أهل المدينة: الزئبق. والزئبق في التزاويق مُزَوَّق مفعَّل من الزاووق.
وقولهم: فلان مجذوم
أي مقطوع بعض اللحم والأعضاء؛ يقال: جذمت الشيء أجذمه جذفًا إذا قطعته، وجذم فلان وصل فلان إذا قطعه. ورجل أجذم أي مقطوع اليد. وعن النبي ﷺ: "ما من [أحد] حفظ القرآن ثم نسيه إلا لقي الله أجذم". قال أبو عبيد: الأجذم: مقطوع اليد، واحتج بقول المتلمس:
فهل كنت إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذما
وقولهم: قد منحني فلان خيرًا
أي وهب لي ذلك. وأصل المنحة أن يدفع الرجل إلى الرجل شاة أو ناقة يجعل
[ ٤ / ٣٢٠ ]
له لبنها وهي للدافع، ثم كثر استعمالهم حتى جعلوا المنحة هبة وعطاء.
وفي الحديث: "المنحة مردودة، والدَّين مقضي، والعارية مؤداة، والزعيم غارم". والعرب تقول: منا من يجزُّ ويجم ويفقر ويعمر ويرقب ويمنح ويتم ويعري ويحيل ويفحل. فيجز: يعطي الجزة من الصوف بعد الجزة؛ ويجم: يعطي الجمم وهي الديات، واحدتها جمة، ويفقر: يعطي الرجل البعير يركبه من فقار ظهره؛ ويُعمر: يعطي الرجل البعير ينتفع به ما دام المُعطي حيًا؛ ويرقب كذلك؛ ويمنح: يعطي البعير والشاة من ينتفع بألبانهما؛ ويتم: يعطي الناس تمام أكسيتهم وحبالهم؛ ويعري: يجعل [للرجل تمر نخلة من نخله]، أو أكثر سنة أو سنتين؛ ويحيل: يعطي الناس الميرة قبل أن ترد أبلهم؛ ويفحل: يعطي الرجل البعير يضرب به إبله، يقال: قد أفحلتك فحلًا إذا فعلت ذلك.
وقولهم: قد منَّ فلانٌ على فلانٍ
له وجهان: أحدهما: أحسن إليه غير معتد بالإحسان؛ يقال: لحقت فلانًا من فلان منة، أي نعمة.
والثاني: يان يُمنَّ عليه، فيعظم الإحسان إليه ويفخر به، ويذكره حتى يفسده وينغصه.
والأول مستحسن، والثاني مستقبح. فمن المعنى الأول قولهم: الله المنَّان الذي ينعم غير فاخر بالإنعام. ومن الثاني المذموم [قول الشاعر:
[ ٤ / ٣٢١ ]
أفسدت بالمن ما أسديت] من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنان
ومنه قوله تعالى: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي لا يمن الله عليهم به فاخرًا أو معظمًا كما يفعل بخلاء المنعمين. ويقول بعض المفسرين: غير ممنون: غير محسوب، وقيل: غير مقطوع، من قولهم: منين، إذا أبلاه السفر وذهب بقوته. قال النبي ﷺ: "إذا كُفِرت النعم حسن الامتنان".
والمن: شيء كان يسقط على بني إسرائيل كالعسل الجامس حلاوة، ويقال: هو الترنجبين، وقيل: الطرنجبين. وقال الحسن: هو شراب حلو نزله الله تعالى من السماء. وسئل النبي ﷺ عن الكمأة، فقال: "هي نفيَّة من المن، وماؤها شفاء للعين".
[وقولهم: فلان من أهل المِربد]
المربد: محبس الإبل والغنم وغيرها، ومنه مربد المدينة لأنه كان محبسًا للغنم.
والمربد بالبصرة سمي مربدًا لأنه كان سوقًا للإبل؛ ومنه حديث النبي ﷺ: "تيمم بمربد النعم وهو يرى بيوت المدينة"، ومن حديث الآخر: "أن مسجده كان مربدًا ليتمين كانا في حجر معاذ بن عفراء. فاشتراه [معوذ بن عفراء] فجعله للمسلمين، فبناه رسول الله ﷺ مسجدًا"؛ ومنه حديثه
[ ٤ / ٣٢٢ ]
الآخر: "أنه كان له ﷺ مربد يحبس فيه".
وربما جعلت العرب العصا التي تجعل في باب محبس الإبل معترضة مربدًا لأنها من سببه كما سموا موضع الدابة آريًا لأنه من سبب الآري. والآري في الحقيقة: هو الحبل الذي تحبس فيه الدابة.
والمربد في غير هذا: الذي يجعل فيه التمر بعد الجُذاذ بمنزلة الجرين، ومثله للطعام البيدر والأندر.
[وقولهم: قد نالتهم ملمَّة من دهرهم]
الملمة: الخصلة المكروهة؛ وأصلها من ألم فلان بفلان يلم إلمامًا، إذا أتاه وزاره زيارة غير كثيرة ولا متصلة؛ قال:
ألمم بليلي ولا تكثر زيارتها يا طالب الخير إن الخير مطلوب
والإلمام: اسم من ألممت معناه كمعنى الإلمام؛ قال جرير:
بنفسي من تجنبه عزيز علي ومن زيارته لمام
ويجوز أن يكون اللمام جمع اللمم، واللمم اسم من ألممت، معناه كمعنى الإلمام، فجمع على فعال مثل: جمل وجمال، وجبل وجبال؛ قال:
ألا لا تخافا نبوتي في ملمة وخافا المنايا أن تفوتكما بيا
وقال آخر في جمعها:
[ ٤ / ٣٢٣ ]
فلو فقدت تيم مقامي ومشهدي وخط لأوصالي من الأرض أذرع
ونالتهم إحدى ملمات دهرهم تمني حياتي من يعق ويقطع
وقولهم: فلان مكفهر
أي منقبض كالح لا يرى فيه أثر بشر ولا فرح؛ من قولهم: جبل مكفهر، إذا كان منزلًا صلبًا شديدًا لا تصل إليه آفة ولا تناله حادثة؛ قال الحارث بن حلزة:
مكفهر على الحوادث لا تر توه للدهر موئد صماء
المكفهر: الصلب الذي لا تعتريه الحوادث، وترتوه: تنقصه وتنقص منه؛ والموئد: الداهية العظيمة التي تغلب كل شيء تصل إليه وتهلكه؛ والصماء: التي لا يسمع لها صوت لاشتباك الأصوات فيها.
وفي الحديث: "القوا الكافر والمنافق بوجه مكفهر" أي منقبض لا بشر فيه ولا طلاقة.
[وقولهم: فلان ملط]
الملط: الذي لا يعرف له نسب ولا أب؛ من قولهم: قد انملط ريش الطائر إذا سقط عنه.
وقولهم: فلانٌ مأبونٌ
[ ٤ / ٣٢٤ ]
أي معيب؛ والأبنة: العيب. تقول: أبنت الرجل آبنه إذا عبته، ويقال: في حسب فلان أبنة، أي عيب؛ من قولهم: عود مأبون، إذا كانت فيه أبنة، وهي العقدة يعاب بها. قال الأعشى:
سلاجم كالنحل ألبستها قضيب سراء قليل الأبن
سلاجم: نصال طوال. شبه النصال في خفتها بالنحل. قضيب: القوس.
سراء: شجر، الأبن: العقد.
وقولهم: كلام مستأنف
أي مبتدأ لم يتقدم قبل هذا الوقت؛ من قولهم: كأس أنف، إذا لم يشرب بها قبل ذلك؛ وروضة أنف، إذا لم تُرع قبل ذلك الوقت. قال عنترة:
أو روضة أنفًا تضمن نبتها غيث قليل الدمن ليس بمعلم
وأرض أنيفة، إذا كان نباتها يسبق نبات غيرها؛ وهذه أرض آنف من هذه، أي نبتها يسبق.
وقولهم: مغص فلانٌ من كلام فُلانٍ
أي شق عليه وأوجعه؛ وامتغص منه، أي توجع منه؛ وأمغصته أنا إمغاصًا، ومغصته تمغيصًا، إذا أنزلت به ذلك.
وقولهم: رجلٌ مصوعٌ
المصوع: الفروق الفؤاد؛ يقال: مصع فلان بسلحه على عقبيه، إذا سبقه من
[ ٤ / ٣٢٥ ]
فرق أو عجلة لأمر؛ ومصع الطائر بذرقه، إذا رمى به؛ والأم تمصع بولدها، إذا ولدته.
والمماصعة في الحرب: المجالدة بالسيوف؛ قال:
سلي عني إذا اختلف العوالي وجردت اللوامع للمصاع
وقال القطامي:
تراهم يغمزون من استركوا ويجتنبون من صدق المصاعا
وقولهم: أمتعك الله بكذا وكذا
أي نفعك به، وأبقاه لك لتستمع فيما تحب من المسار والمنافع. وكل من أعطي شيئًا ينتفع به فهو له متاع.
ومتاع البيت: ما يستمتع به الإنسان في حوائجه، وكذلك كل شيء تمتعت به فهو متاع؛ ونقول: إنما العيش إلمام ثم نزول. قال المشعث:
تمتع يا مشعث إن شيئًا سبقت به الممات هو المتاع
والدنيا متاع الغرور كما قال الله تعالى؛ قال قيس بن ذريح:
لقد كنت حي النفس لو دام وصلنا ولكنها الدنيا متاع غرور
ومنه متعة المطلقة، يمتعها زوجها بشيء يصلها به، من غير وجوب لذلك. ومنه اشتقت متعة التزويج في بدء الإسلام، ثم حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
ومنهم من يكسر الميم.
والمُتعة في الحج أن يضم الرجل عمرة إلى حجة الوداع، فذلك المتمتع، ويلزم له دم.
وقولهم: رجل منيع
أي لا يخلص إليه وهو في غرة؛ ومنعة تخفف وتثقل. وامرأة منيعة: متمنعة لا تواتي على فاحشة؛ تقول: منعت مناعة، وكذلك الحصن ونحوه تقول: منع مناعة، إذا لم يرم. ومنعت فلانًا عن كذا فامتنع.
المائع
المائع: السائل: ماع الماء يميع ميعًا، إذا جرى على وجه الأرض منبسطًا، وكذلك الدم يميع. وأمعته أنا إماعة، والشراب يميع.
والمائع: ضد الجامد. وميعة الحضر، وميعة الشباب: أوله وأنشطه، والميعة: من العِطر.
وقولهم: رجل محَّاحٌ
أي الذي يرضي الناس بالكلام ولا فعل له. قال: والمحُّ: صفرة البيض. قال:
كانت قريش بيضة فتفلَّقت فالمُحُّ خالصها لعبد مناف
والمحُّ: الثوب الخلق البالي؛ تقول: محَّ الثوب يمحُ ويمحُّ، ويجوز استعماله في أثر الدار إذا عفا؛ تقول: محَّ وأمحَّ.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
[المحو]
[المحو]
والمحو: لكل شيء يذهب أثره، وأنا أمحوه وأمحاه. وطيئ تقول: محيته محيًا ومحوًا. وامَّحى وكذلك امتحى إذا ذهب أثره.
[الميح]
والميح: أن ينزل الرجل إلى البئر، فيملأ الدلو ويمتح أصحابه؛ قال:
لها مائح يرضى بقلة مائه ولم يك يرضى قلة الماء مائح
آخر:
يا أيها المائح دلوي دونكا
إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرًا ويمجدونكا
وجمع المائح ماحة.
والماتح بالتاء: المتناول من المائح الماء على رأس البئر، وهو المستقي، والجميع المواتح؛ قال:
على حميريات كأن عيونها ذمام الركايا أنكزتها المواتح
الذمام: جمع ذمة، وهي القليلة الماء، ومنه أن النبي ﷺ أتى على بئر ذمة.
وكل من أعطى معروفًا فقد ماح، والميح يجري مجرى المنفعة. ويميح: يميح فاه بالسواك.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وقولهم: محقه الله
أي نقصه وأذهب خيره وبركته. والمحق: النقصان؛ محقه الله فامَّحَق وامتحق.
والمُحاق: آخر الشهر إذا امَّحق الهلال فلم ير؛ قال الشاعر:
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه كر الجديدين نقصًا ثم يمَّحق
المزاح:
المُزاح: اسم، وفيه ثلاث لغات: المزاحة والمُزَاح والمزْح، والمُزاحة مصدر كالممازحة؛ قال الشاعر:
ولا تمزح فإن الجهل مزح وبعض الشر مبدؤه المزاح
وقولهم: أصابني مرح
أي: فرح شديد حتى تجاوز القدر، ومن مرح مَرِح وممراح ومروح.
وتقول: مرح جلدك، أي ادهنه.
وقولهم: اطلب محنة الكلمة
أي اطلب معناها الذي تمتحن به فتعرف بها ضمير المتكلم؛ تقول: امتحنت الكلمة، أي نظرت إلى ما يظهر ضميرها.
ومِحَن الدهر: شدائده ونوازله.
[وقولهم: قد بذلت مهجتي]
المهجة: دم القلب؛ قال ابن الأنباري: المهجة: هي النفس، وقال أحمد بن عبيد: المهجة خالص الشيء؛ من قول العرب: لبن ماهج وأمهجان إذا كان خالصًا
[ ٤ / ٣٢٩ ]
لا يشوبه غش. وعن أبي عبيد، يقال: لبن أمهجان إذا كان رقيقًا غير متغير الطعم.
أنشد الفراء:
عجبت لقومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرًا لهم بعدها بهرا
قوله: بهرًا لهم، أي تبًا لهم.
[وقولهم: فلان مهين]
المهين: الحقير الضعيف؛ قد مهن مهانة.
والمِ÷ْنَة: الحذاقة بالعمل ونحوه؛ والماهن: العبد؛ والمهنة: الخدمة، يمهنهم إذا خدمهم.
والمهوأن: الأرض الواسعة.
وقولهم: ما أحسن بريق وجهه
أي ما أحسن ماء وجهه؛ وجمع الماء مياه، وتصغيره مويه. وتقول: أماهت السفينة، وهي تموه، إذا دخل فيها الماء، وتقول: أماهت في معنى ماهت. وأماهت الأرض: إذا ظهر فيها النزُّ. وتقول: أمهت السكين وأمهيته إذا سقيته.
والنسبة إلى الماء ماهي. والماء مدَّته في الأصل زيادة، وإنما هي خلف من هاء محذوفة. وبيان ذلك في التصغير مويه، وفي الجميع مياه وأمياه. ومن العرب من
[ ٤ / ٣٣٠ ]
يقول: هذه ماءة فلان، يعنون البئر بمائها، ومنهم من يؤنثها فيقول: ماة واحدة، مقصورة؛ ومنهم من يمدها فيقول: ماءة؛ وماء كثير.
والماء على ثلاثة أوجه:
الأول: الماء، يعنيه قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ و﴿ماءً مُبَارَكًا﴾، وأشباهه.
والثاني: النطفة؛ قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ و﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.
والثالث: القرآن؛ قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ يعني القرآن، فاحتمله الناس على قدر عقولهم.
وسمي عامر ماء السماء؛ لأنه كان إذا قحط القحط احتبى فأقام ماله مقام القطر، فسمي ماء السماء إذ قام مقامه؛ قال الحارث بن حلزة:
فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
قال ابن الأنباري: سمي ماء السماء لأنه شبه عموم نفعه بعموم نفع المطر.
وقولهم: رجل مسيخ
أي لا ملاحة له ولا نفع فيه ولا ضر؛ قال:
[ ٤ / ٣٣١ ]
وأنت مسيخ كلخم الحوار فلا أنت حلو ولا أنت مر
وهو من الطعام: الذي لا ملح فيه، ومن الفواكه: ما لا طعم له.
وقد مسخ مساخة. والمسخ: تحويل خلق إلى صورة [أخرى]، وكذلك المشوَّه الخلق.
والماسخي: القوَّاس، وقيل: الماسخي: واحدا لقسي، نسب إلى ماسخة، وهي في العرب من بني أسد.
وقولهم: رجل مخطٌ
أي سيد كريم؛ قال رؤبة:
وإن أدواء الرجال المخط
مكانها من شامت وغبَّط
أي حسد؛ مكانها: أي موضعها من قلوبهم.
[مَطَخَ]
وأما قولهم: للرجل: مطخٌ مطخٌ، أي باطل باطل.
وقولهم: رجل مديخ
أي عظيم عزيز؛ والمدخُ: من العظمة. قال:
[ ٤ / ٣٣٢ ]
مدخاء كلهم إذا ما نوكروا يتقوا كما يُتقى الطلي الأجرب
وقولهم: رجل مخن وامرأة مخنة
[أي] إلى القصر ما هو، وفيه زهو وخفة.
وماخ الرجل يميخ ميخًا وتميَّخ تميُّخًا، وهو التبختر في المشي؛ والعامة تظنه بيخًا وهو غلط.
وقولهم: رجل مضاغة
أي أحمق؛ والمُضغ من الأمور: صغارها؛ والمضاغ: كل طعام يمضغ.
المضاغة: ما يبقى في الفم في آخر مضاغك؛ والمضغة: قطعة لحم؛ وقلب الإنسان مضغة من جسده. والمُضغة: كل لحمة يخلقها الله تعالى من العلقة، وكل لحمة يفصل بينها وبين غيرها عرق فهي مضيغة.
والماضغان: أصول اللحيين عند منبت الأضراس بحياله.
[وقولهم: في بطنه مغص]
المغص: تقطيع يأخذ في البطن [والمعى؛ وقيل: المغص]: غلظ في المعى؛ والمغس لغة فيه.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وقولهم: ثوب ممغَّر
[مصبوغ بالمغرة] وهو الطين الأحمر، [والأمغر: الأحمر] الشعر والجلدة؛ والأمغر أيضًا: الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف. وقول عبد الملك: مغَّر يا جرير، أي أنشدنا قول ابن مغراء. وشاة ممغار: شائبة لبنها بدم؛ ممغر أيضًا، وإنما يكون ذلك من كثرة اللبن، وربما يؤخر حلبها ليكثر لبنها، فمغر من ذلك. يقال: مغرت تمغَرُ مغارًا.
المِقَة:
المقة: المحبة؛ تقول: ومقت فلانًا أمقه مقة، وأنا وامق: شديد الحب، وهو موموق. وتقول: أنا لك ذو مقة وبك ذو ثقة.
وقولهم: رجل مذَّاق ومذق ومماذق
كله بمعنى ملول مختلط الرأي؛ وهو مأخوذ من مذق اللبن وهو خلطه بالماء؛ قال الراجز:
ولا مؤاخاتك بالمذاق
والمارق: الخارج من الدين، والمارقة: الذين مرقوا من الدين.
والمروق: الخروج من شيء من غير مدخله؛ ومرق السَّم من الرَّمِيَّة، وهو يمرق مروقًا.
ويقال لذي يبدي عورته: امَّرَقَ يمرِقُ.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
ومرقت البيضة [مرقًا] ومذرت مذرًا، إذا فسدت فصارت ماء.
والمريق: شحم العصفر: يقول بعضهم: هي عربية محضة، وقال بعضهم: هي ليست بعربية.
ومراق البطن مثقل [القاف] لأنه جماعة مرق، يعني ما رَقَّ منه.
وقولهم: مكا الرجل يمكو
أي صفر يصفر بفيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، والمُكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليدين، وكان ذلك في الجاهلية.
والمكاء: طائر؛ قال:
إذا قوَّق المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات
وقال:
ألا أيها المكاء مالك ههنا ألا ولا أرطى فأين تبيض
[وقولهم: رجل مكورَّى]
المكورَّى: القصير العريض الخلقة اللئيم. ويقال في الشتم: يا مكورَّى، وفيه قذف؛ كما يوصف بزنية.
والمكر: احتيال بغير ما يضمر، فأما الاحتيال بغير ما يبدي فهو الكيد. والكيدُ
[ ٤ / ٣٣٥ ]
في الحرب، والمكر في كل شيء حرام.
وامرأة ممكورة: مرتوية الساق. والمكر: حسن خدالة الساق؛ قال:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح وتم الجسم والقصب
وقولهم: رجل ماج
أي أحمق؛ سمي ماجًا لأنه مج عقله. وقال كسرى: امتحنوا الإنسان بعد أن يمجَّ من عقله مجتين أو ثلاثًا؛ يعني بعد أن يشرب رطلين أو ثلاثة من الشراب.
ومجَّ الرجل الشراب من فيه، أي رمى به.
والمجمجة: تخليط الكُتُب وإفسادها بالقلم والضرب عليها حتى يقال: كفُّك ممجمج، وقيل: متمجمج ومترجرج سواء.
والأذن تمج الكلام: لا تقبله.
المَزْج:
المزج: خلط المزاج بالشيء؛ قال حسان:
كأن سبيئة من بيت راس يكون مزاجها عسل وماء
ومزاج الجسم: ما أسس عليه البدن من المرة ونحوها. ومزج السنبل والعنب: إذا لوَّن من خضرة إلى صفرة.
والمِزج: الشهد.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
وقولهم: مشى على فلان مال
أي تناج ماله وكثر؛ والمشي: تناسل المال؛ وناقة ماشية: كثيرة الأولاد. ومال ذو مشاء: ذو نماء؛ قال الشاعر:
وكل فتى وإن أمشى وأثرى ستخلجه عن الدنيا منون
أمشى: كثرت ماشيته.
وتقول: إن فلانًا لذو مشاء وماشية؛ والماشية: كل سائمة ترعى من الغنم.
والمشاء- ممدود: الدواء، هكذا تسميه العرب وهو مشي ومشو؛ تقول: شربت مشوًا ومشيًا، وهو دواء استطلاق البطن.
والمشية من المشي؛ والمشي على أربعة أوجه: المشي: المضي، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. والثاني: الهَدْي، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ﴾ أي إيمانًا يهتدي به. والثالث: الممر، كقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني أهل مكة يمرون في قراهم. الرابع: المشي بعينه، كقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾، يعني المشي. ومثله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ يعني المشي بعينه.
والمشية- بالكسر: يريد بها الحال التي يكون عليها، تقول: حسن المشية والجلسة والقعدة والركبة والحربة، وما أشبهه مثله.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وأما الفتح فيراد به المرة الواحدة من الفعل؛ تقول: جلس جلسة وكذلك المشية والقعدة والرَّكبة، وما هو مثله.
وتقول: ماش المطر الأرض، إذا سحاها. والميش: أن تميش امرأة القطن بيدها إذا أريد به الحلج؛ قال رؤبة:
إلي سرًا فاطرقي وميشي
والمساء: المختلف الخُلُق.
وقولهم: أمضَّني القول
أي أحرقني وشق علي؛ تقول: أمضَّني القول والسَّوط، ومضضت به، أي بلغ مني المشقة. ومضَّني الجرح، وقال ثعلب: أمضَّني القول والجُرح بالألف، والهم يمض القلب، وكُحل يمض العين إذا كحلت بدمع.
ومضضته: حرقته.
والمض: مضيض الماء تمضه العنز إذا شربت. والمضمضة: تحريك الماء في الفم؛ والمصمصة: غسل الفم بطرف اللسان دون المضمضة. وفي الحديث: "مصوا الماء مصًا ولا تعبوه عبًا، فإن الكُباد من العب".
والمضض: الحُرقة من الهم والألم، والألم يكون ممضًا: محرقًا مؤلمًا. وتقول:
[ ٤ / ٣٣٨ ]
مضَّني الشيء يمضُّني مضيضًا ومضًا.
وعجبت من مضوائه في كذا- ممدود على مثل فُعلاء، والمضو: التقدم؛ قال القُطامي:
فإذا خنسن مضى على مضوائه وإذا لحقن به أصبن طعانا
والفرس يكنى أبا المضاء.
وقولهم: لبن مضيرٌ
أي شديد الحموضة؛ وقيل: إن مُضر كان مولعًا بشربه فسمي لذلك مضر. قال ابن الأنباري: "يجوز أن [يكون مأخوذًا من مضر اللبن يمضر مضرًا]، ومضر النبيذ إذا حذى اللسان قبل أن يدرك، ويجوز أن يكون مأخوذًا من قولهم: ذهب دمه خضرًا مضرًا، أي باطلًا، وتماضر: اسم امرأة، من هذا أخذ".
والتمضر: التعصب لمضر؛ قال:
ولولا رجال من ربيعة لم تكن نزار نزارًا لا ولا من تمضَّرا
والمضيرة: [مريقة] تطبخ بلبن وأشياء معه.
وقولهم: مزَّق فلانٌ عِرْض فلان
أي شتمه؛ ومزق العرض: الشتم. وتقول: صار الثوب مزقًا، أي قطعًا؛ وثوب
[ ٤ / ٣٣٩ ]
مزيق: متمزق وممزوق وممزق، وسحاب مزق.
ومزيقاء: عمرو بن عامر، وسمي مزيقاء لأنه كان يمزق كل يوم حلَّتين يلبسهما، ويكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما غيره، وهو ملك من ملوك اليمن؛ قال:
وهم على ابن مزيقياء تنازلوا والخيل بين عجاجتيها القسطل
[وقولهم: رجل ماهر]
الماهر: الحاذق بكل عمل؛ تقول: مهرت بهذا الأمر، أي صرت به حاذقًا ماهرًا، وأنا أمهر به مهارة ومهارة.
وامرأة مهيرة: غالية المهر. والمهر: الصَّداق؛ تقول: مهرتها مهرًا، فإذا زوجتها من رجل على مهر قلت: أمهرتها، ولغة بني عامر أمهرتها: أصدقتها صداقًا.
والمُهْر والمُهرة: ولد الرَّمكة-، والجميع المِهار.
وقولهم: رجل ممسوس
أي مجنون، والمس: الجنون. والماس: الذي لا يلتفت إلى قول أحد، ولا يقبل موعظة؛ تقول: رجل ماس: خفيف، وما أمساه. وماءست بين القوم، أي أصلحت، وهي لغة في سممت بين القوم أسُمُّ سمًا، أي أصلحت. وفي موضع
[ ٤ / ٣٤٠ ]
آخر: مأست بين القوم أمأس مأسًا، إذا نزعت وأفسدت.
والمسوس من المياه: ما نالته اليد. والرحم الماسة: القريبة. وتقول: لا مساس، أي لا مماسة.
ومس المرأة وماسها إذا أتاها، ومنه قوله تعالى: ﴿قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وتماسوهن.
والمسمسة: الاختلاط في الأمر واشتباهه؛ وتقول: قد مسسته مواس الخبل. وتقول: مسيته بالسوط مسيًا، أي ضربته ضربًا.
المِسَنّ
والمسن: الحجر الذي يسن به؛ والسن: تحديد كل شيء، تقول: سكين مسنون، وسنان مسنون وسنين.
ورجل مسنون الوجه: كأنه قد سن عن وجهه اللحم. والحمأ المسنون: فسر المنتن. والمسنون في كلام العرب: المصبوب.
والمسنسن: طريق تسلك.
ماسَ
وماس الرجل يميس ميسًا، إذا تبختر يتبختر تبخترًا، والميس: التبختر؛ قال:
يا ليت شعري عنك دختنوس
[ ٤ / ٣٤١ ]
إذا أتاك الخبر المرموس
أتخمش الخدين أم تميس
لا بل تميس إنها عروس
وميسان: اسم كورة من كور البصرة طعامها أجود الطعام. وفي الحديث: "أن الله تعالى لما أهبط آدم ﵇ بالهند أهبط إبليس اللعين بميسان"، والنسبة إليها ميساني وميسناني. وتقول: نارها موسية: موقدة؛ أمستيها إمساء.
وقولهم: رجل ماجن
معناه لا يبالي ما صنع، وما قيل له؛ وامرأة ماجنة كذلك. قال:
وتقول ماجنة النساء لبعلها ما لي عدمتك لا أرى لك مالا
ومجن الرجل يمجن مجونًا، والمُجان جماعة. والمجَّان: عطية بلا منَّة ولا ثمن؛ قال:
للهدايا من القلوب مكان وهو مما يحبه الإنسان
سيما إن أمنت فيها المكافأة، وأيقنت أنها مجان.
والمِجَنُّ: الترس؛ قال:
فثابر بالرمح حتى نحا ة في كفل كسراة المجن
والمسء: المجانة؛ مسأ يمسأ مسئًا، فهو [ماسئ]: ماجن.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
وقولهم: رجل مزير
أي قوي على الأمور نافذ فيها، قال:
ترى الرجل القصير فتزدريه وتحت ثيابه أسد مزير
ويروى: مرير.
والمرز: دون القرص؛ مرزته مرزًا.
وقولهم: رجل مُطِرٌّ
أي غضبان شديد الغضب؛ قال:
وأنت مطر لا تجود بنائل فحتى متى لا ترتجى وتجود
ويقال للغضب الشديد: مطرٌّ؛ قال الحطيئة:
غضبتم علينا أن قتلنا بخالد بني مالك ها إن ذا غضب مُطِر
ويقال: جاء فلان مطرًا، أي مستطيلًا مدلًا.
وتقول: مطرتنا السماء، وأمطرتنا أقبحهما، وأمطرهم الله مطرًا أو عذابًا.
ورجل مستمطر: طالب خير من إنسان؛ ومكان مستمطر: قد احتاج إلى المطر ولم يمطر.
وجاءت الخيل متمطرة: يسبق بعضها بعضًا؛ قال حسان بن ثابت:
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
[ ٤ / ٣٤٣ ]
أي يمسحن عنهن العرق بالحمر. والتطليم: ضربك الطلمة، وهي الخبزة تخبز على الحصى. ويروى: يطلمهن.
وقولهم: رجل ملط
أي لا يبقى شيئًا سرقة واستحلالًا، والجميع الملوط والأملاط، والفعل ملط ملوطًا.
والملاط: الذي يملط [بالطين]. والملاطان: جانبا السنام مما يلي مقدمه.
والملطاء- على وزن فعلاء ممدود مذكر: هو شجة السمحاق، والفعل مَلِطَ ملطًا ومُلْطَة؛ وكان الأحنف أملط.
وقولهم: رجل مطول ومطالٌ
أي مدافع بالدَّين والعدة ليان؛ تقول: مطلني حقي وما طلني بحقي؛ قال رؤبة:
داينت أروى والديون تقضى
فماطلت بعضًا وأدت بعضًا
ويروى: فامتطلت. والحديث: "مطل الغني ظلم".
والمطل أيضًا: قدُّ المطال حديدة البيضة التي تذاب للسيوف؛ يقال: مطلها المطَّال: يوم يطبعها بعد المطل فيجعلها صفيحة.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وقولهم: مدَّ الله في عمرك
أي جعل لعمرك مدة طويلة؛ والمدَّة: الغاية، ولهذه الأمة غاية في بقاء عيشها.
ومدى كل شيء: غايته، ومنه الأمد.
والمدية: الشفرة. والمد: الجذب؛ والمدُّ: كثرة الماء أيام المدود. وتقول: امتد الحبل هكذا تقوله العرب.
والمدد: ما أمددت به قومًا في الحرب وغيره من الأعوان والطعام. والمادة: كل شيء يكون مددًا لغيره؛ ويقال: دعوا [في الضرع] مادة اللبن؛ فالمتروك في الضرع هو الداعية، والمجتمع إليه هو المادة؛ والأعراب أصل العرب ومادة الإسلام، وهم الذين نزلوا البوادي.
والمِدَاد: معروف؛ تقول: مُدَّني يا فلان، أي أعطني مدة من الدواة؛ فإن قلت: أمدني، جاز؛ وإن قلت: أمددني، خرج علي وجه المدد والزيادة.
وأمد الجرح: صارت فيه مدة.
والمُدّ: مكيال. والمديد من العروض: في دائرة الطويلة بناؤه على فاعلاتن ست مرات.
المريد
المريد من الجن والإنس والمريد: هو العاتي العاصي؛ وقد تمرَّد علينا، أي عتا واستعصى.
ومرد على الشر مرودًا وتمرَّد تمرُّدًا، أي عتا وطغى، وكذلك قوله تعالى:
[ ٤ / ٣٤٥ ]
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾.
والأمرد: الشاب الذي قد طرَّ شاربه ولما تبد لحيته؛ والفعل تمرد مرودة ومرد مردًا؛ وفي الحديث: "إن أهل الجنة جُرْدٌ مُرْدٌ".
والمرد: حمل الأراك، الواحدة مردة.
ومُراد: هم اليوم في اليمن، ويقال: الأصل من نزار.
وقولهم: رجل مدني وحمام مديني
كلاهما منسوب إلى المدينة، وفرَّقوا بينهما فأسقطوا الياء من الناس، وأثبتوها في غيرهم.
[وقولهم: قد قدمت المائدة]
مائدة الرجل: طعامه؛ سميت مائدة لأنه ميد صاحبها بها وبما عليها بما يؤكل؛ تقول: مادني يميدني، إذا أعانني وأعطاني. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي تحرك.
المنام
المنام: هو النوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ﴾ أي نومك؛ دليله في أن أخرى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. ويقال: منامك: عينك، لأن العين موضع النوم؛ قال أبو عبيدة: "العين هي المنام التي تنام بها، والدليل قوله
[ ٤ / ٣٤٦ ]
تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ".
وقولهم: متن فلانٌ فلانًا
أي ضرب متنه بالسوط؛ والمتن والمتنة لغتان. والمتن يذكَّر ويؤنَّث، والجميع المتون. والمتن من كل شيء: القوي، وقد متُن متانة. والمتن من الأرض: ما ارتفع وصلب، والجمع المتان.
ومتن كل شيء: ما ظهر منه؛ والمماتنة: المباعدة في الغاية، تقول: سار سيرًا مماتنًا، أي بعيدًا.
وقولهم: مثثت يدي
أي مسحتها بمنديل أو حشيش أو نحوه من دسم فيها، قال امرؤ القيس:
نمثُّ بأعراف الجياد أكفنا إذا نحن قمنا ع نشواء مضهب
ويروى: نمش. قال أبو عبيد: والعرب تسمي المنديل المشوش؛ يقال: أعطني مشوشًا، أي شيئًا أمسح به يدي. ومضهَّب: لم يبلغ النضج لإعجالهم إياه.
وقولهم: رجل ممثونٌ ومثينٌ
أي الذي يشتكي مثانته، وكذلك إذا ضرب على مثانته قيل: ممثون، ومثن. وقد مثنه يمثنه مثنًا وأمثنته.
والأمثن: الذي لا يستمسك بوله في مثانته، والمرأة مثناء.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
ومثنى من العدد: اثنان [اثنان]، وثلاث: ثلاثة [ثلاثة]، ورباع: أربعة [أربعة].
المِرَّة
المرة: مزاج من أمزجة الجسد، وهو داء بما يهذي به الإنسان.
والمرة: شدة الفتل؛ والمِرَّة: شدة أسر الخلق؛ من قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾، أي سوي، يعني جبريل ﵇ خلقه الله سويًا صحيحًا؛ وذو مرة، أي صحيح قوي البدن.
والمرير: الحبل المفتول؛ تقول: أمررته إمرارًا. والمريرة: عزَّة النفس؛ والإمرار: نقيض النقض في كل شيء؛ قال:
لا تأمننَّ قويًا نقض مرته إني أرى الدهر ذا نقض وإمرار
والمر: المرور: والمَرّ: المرّة؛ تقول: في المر الأول وفي المرة الثانية.
والمُرّ: دواء، والمُرّ: نقيض الحلو؛ يقال: مُرُّ عيشة وأمرّ. والمُريراء: حبة سوداء يكون منها الطعام أيضًا.
وقولهم: مرنت يد فُلان
أي صلبت واستمرت، ومرن وجهه على هذا الأمر، وهو ممرن الوجه، وقد مرن مرونًا ومرونة.
والمارن: ما لان من الأنف وفضل عن القصبة.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
والمنارة: مفعلة من الإنارة، وبدء ذلك أنهم ينورون في الجاهلية ليهتدي ويُهتدى بها؛ والمنارة للمؤذن وللسراج.
وقولهم: ملة النبي ﵇
معناه: الأمر الذي أوضحه للناس؛ وامتلَّ الرجل، إذا أخذ في ملة الإسلام، أي قصد ما أمل منه. وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ فسر دينه ﵇؛ وقوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، شرعة: شريعة، أي سُنَّة وطريقة، ومنهاج: طريق واضح. ويقال: الشرعة معناها ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستقيم، ومنهج الطريق: واضحه، والمنهج: الطريق الواضح؛ قال الشاعر:
إذا أفوز بنور استضيء به أمضي على سنة منه ومنهاج
والملَّة: الرماد والجمر؛ تقول: مللت الخبزة في الملة أملُّها ملًا مملولة، وكل شيء تملُّه في الجمر فهو مملول؛ قال:
يومًا يظل به الحرباء مصطخمًا كأن ضاحيه بالنار مملول
مصطخمًا أي منتصبًا، وضاحيه: ما ظهر منه للشمس، والمملول: الممتل، من الملة.
وطريق ممل وميس، أي قد سلك فيه حتى صار معلمًا.
والملال: أن تمل شيئًا وتعرض عنه؛ ورجل ملول وملولة، وامرأة كذلك؛ آخر:
فأجبت ما بك كيف أنت بصالح حتى مللت وملَّني عوَّادي
[ ٤ / ٣٤٩ ]
قال الشاعر:
[و] أقسم ما بي من جفاء ولا ملل
والملل: اسم موضع من طريق البادية على طريق مكة؛ قال الشاعر:
على ملل يا لهف نفسي على ملل
والإملال: إملال الكتاب ليكتب. والململة: أن يتململ الإنسان من جزع أو حرقة كأنه على جمر؛ قال:
إذا ليلة نالتك بالشكو لم أبت لما بك إلا ساهرًا أتململ
والملمول: المِكْحال، وهو المرود والمحراف؛ قال القُطامي يصف شجة:
إذا الطبيب بمحرافيه عالجها زادت على النقر أو تحريكها ضجما
ويروى: على النفر، والنَّفْر: الورم؛ والنَّقْر: تحريكه الميل؛ وضجم: عوج.
المِثْل
المثل: الشبه، وبتحريك الثاء أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾، أي كشبه العنكبوت؛ وكذلك: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ
[ ٤ / ٣٥٠ ]
الْحِمَارِ﴾ أي شبه الحمار.
والمثل: العبرة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ أي عبرة لمن بعدهم؛ ومثله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
والمثل: الصورة والصفة؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾. قال الخليل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الآية﴾ مثلها وهو يخبر عنها، وكذلك: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ثم أخبر تعالى أن الذين يدعون من دون الله، فصار خبره عن ذلك مثلًا، ولم يكن لهؤلاء الكلمات ونحوها مثلًا ضرب به لشيء آخر كقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ و﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
والفعل من المِثْل مَثَل. والمثال: ما فُعل مثالًا أي مقدارًا لغيره يحذى عليه، والجمع المثل وثلاثة أمثلة.
والمثول: الانتصاب قائمًا، والفعل مثُلَ يمثُلُ.
والتمثيل: تصوير الشيء كأنك تنظر إليه. والتمثال: اسم لذلك الشيء الممثل المصور على هيئة غيره وخلقته- وإنما كُسرت التاء حيث جعلت اسمًا كالتخقاق وأشباهه، ولو أردت المصدر لفتح التاء فقلت: مثَّلته مثالًا، وخفَّقت الفرس تخقاقًا.
ويقال: هذا أمثل من ذلك، إذا كان أفضل منه قليلًا.
[ ٤ / ٣٥١ ]
المُذَبْذَب
المذبذب: المتردد بين أمرين أو بين رجلين لا تثبت صحابته لأحدهما؛ ومنه قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾.
والتذبذب: التردد؛ قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي يتردد.
وقولهم: فلان مُراء
أي صاحب رياء؛ يرائي بعمله غير مخلص فيه لله، وهو في معنى المنافق والمخادع. وعن النبي ﷺ: "يسير الرياء نفاق".
الملأ:
الملأ: الجماعة، والجميع الأملاء. والملأ من بني إسرائيل: أشرافهم ووجوههم. قالت الأنصار: يوم بدر ما قتلنا إلا عجائزًا صلعًا؛ فقال النبي ﷺ: "أولئك الملأ من قريش".
والمَلاءة: مصدر [ملؤ] والملئ: الذي عنده ما يؤدى؛ قوم ملاء وأملئاء.
والمُلاءة: الريطة، وتُجمع المُلاء، وهي الملاحف؛ قال امرؤ القيس:
[ ٤ / ٣٥٢ ]
فعن لنا سرب نعاجه عذارى دوار في المُلاء المذيل
والملا: ملاوة العيش؛ تقول: إنه لقي ملاوة من عيش، أي إملاءة؛ ومنه تملى فلان، والله تعالى يملي لمن يشاء فيؤجله في الخفض والسعة والأمن.
والملاة: فلاة ذات حر وسراب، والجمع ملا مقصور؛ قال الشاعر:
ألا غنياني وارفعا الصوت بالملا فإن الملا عندي يزيد الملا بُعدا
والملأ- مهموز: الخلق، غير ممدود؛ يقال: احسنوا الملأ، أي أحسنوا أخلاقكم، قال الشاعر:
تنادوا يا لبهثة إذ رأونا فقلنا: أحسني ملأجهينا
أي خُلُقًا، ويقال: أحسني تمالؤًا.
والملأة: الزكام؛ وقد ملئ الرجل فهو مملوء، وأملأه الله أي أزكمه، وكان في القياس أن يكون مملأ كما يقال: أكرمته فهو مكرم.
والملأة: ثقل يأخذ في الرأس كالزكام من امتلاء المعدة، والرجل مملوء.
والمِلْء: كظة من كثرة الأكل.
والملي من الدهر: حين طويل؛ تقول: أقام مليًا. والملاوة: الحين من الدهر، ومنه قولم: تملَّيت حبيبك، أي عشت معه مليًا. وفي الملاوة لغات؛ حكى الفراء: ملوة من الدهر وملوة وملاوة. كله من الطول.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
والملء: من الامتلاء؛ تقول: ملأته فامتلأ، وهو ملآن مملوء ممتلئ، وشيء مالئ الغير حسنًا.
وقولهم: رجل مال
أي: ذو مال، والفعل تموَّل. وسمي مالًا لأنه ميال وميَّل، لأنه يميل إلى الدنيا، وقيل: لأنه يميل عن واحد إلى واحد.
ومثله: رجل نال: كثير النوال، ورجلان نالان، وقوم نالون؛ ورجل صات: شديد الصوت في معنى الصَّيت؛ ورجل خال: ذو خيلاء؛ ورجل فال: يخطئ الفراسة؛ ورجل داء: به الداء.
ومثله: ماء غور، ومياه غوْرٌ؛ ورجل صومٌ، ورجال صومٌ؛ ورجل نوم، ونساء نوم.
والممالأة: المعاونة، ومالأت على فلان، أي عاونت عليه. قال علي: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.
والمولة: اسم العنكبوت، قيل: وهي دابة من دواب البحر تبرق عيناها.
المُوم
الموْمُ: البرسام؛ ورجل مموم، وقد ميم ميمًا ومومًا، وهو يُمَامُ ولا يكون يموم؛ لأنه مفعول به مثل برسم. قال ذو الرمة:
إذا توجَّس قرعًا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به موم
[ ٤ / ٣٥٤ ]
ويقال: رجل مأروض، أي مزكوم.
والموم بالفارسية: اسم الجدري كأنه قرحة واحدة.
والموماة: المفازة الملساء الواسعة.
والمادية: حجر البلور، وثلاث ماديات ومأو.
وقولهم: رجل مأو
معناه: نمامة صاحب إيقاع الشر بين الناس، والمأي: النميمة؛ تقول: مأيْتُ بين القوم، ولا تكون إلا بالشر؛ قال:
ومأى بينهم أخو نُكرات لم يزل ذا نميمة مأآء
أي نمامة.
والمائة: حذف من آخرها فيما يقال واو، وقال بعضهم حرف لين لا يُدرى واو أو ياء؛ والجميع المئون والمئين، هذا تقدير (الممئيين والممئين).
ويقال: أمأت الغنم: بلغت مائة، وأمأيتها أي أوفيتها مائة.
وقولهم: رجل مدغدغ
أي مغموز في حسبه؛ قال رؤبة:
واحذر أقاويل العداة النزَّغ
واعلم بأني لست بالمدغدغ
وقيل: مرغرغ.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
المناظرة
المناظرة: المكالمة والمجادلة؛ وهي أيضًا أن يتناظروا في أمر، كل منهم ينظر فيه كيف يأتيه.
والمنظرة: موضع في رأس جبل، يكون فيه رقيب ينظر إلى العدو، ويحرس أصحابه. ومنظرة مصدر كالنظر.
والمنظر: النظر الذي يعجب بالنظر إليه ويسرك. وفلان في منظر ومسمع، أي مما يحب النظر إليه والاستماع؛ قال [زنباع بن مخراق]:
أقول وسيفي يفلق الهام حده لقد كنت عن هذا المقام بمنظر
وقال أبو زبيد لغلامه، وكان في خفض ودعة، فقاتل أحياء من الأراقم فقتل:
قد كنت في منظر ومستمع عن نصر بهراء غير ذي فرس
وقولهم: فلان له ملك الطريق
وملكه أيضًا بالكسر، أي على وجهه واستقامته؛ قال:
أقامت على ملك الطريق فملكها لها ولمنكوب المطايا جوانبه
ويقال للقدرة والطاقة: ملك [وفيها] لغات، وفُسّر قوله تعالى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي بقدرتنا؛ وقيل: بسلطاننا وعزتنا، وقيل: بطاقتنا؛ وقيل:
[ ٤ / ٣٥٦ ]
بملك أيدينا؛ وقيل: بإصابتنا ورشدنا، ولكن بالخطأ. قال الكلبي: ما نملك ذلك إنما أخطأنا لم نصب ذلك. وقال: الضبي هو أحسن الوجوه عندي. وقرئت بملكنا بالفتح والضم والكسر جميعًا.
الأمثال على الميم
- "من عزَّ بَزَّ".
- "مقتل الرجل بين فكيه".
- "محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا".
- "من أكثر أهجر".
- "محترس من مثله وهو حارس".
- "ما يشق غباره".
- "ما يوم حليمة بسر".
[ ٤ / ٣٥٧ ]
- "مجاهرة إذا لم أجد ختلًا".
- "مخرنبق لينباع".
- "مثقل استعان بذقنه".
- "معاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق".
- "ماله بذم".
- "ماله صيور".
- "ما له أكل".
- "مثل جليس السوء كالقين إن لا يحرق ثوبك بشرره يؤذيك بدخانه".
- "مرعى ولا كالسعدان".
- "ماء ولا كصداء".
- "منك عيصك وإن كان آشبًا".
[ ٤ / ٣٥٨ ]
- "من يمدح العروس إلا أهلها".
- "من سره بنوه ساءته نفسه".
- "من حب طب".
- "من يبغ في الدين يصلف".
- "من حدث نفسه بطول البقاء فليوطن نفسه على المصائب".
- "ما أشبه الليلة بالبارحة".
- "ملكت فأسجح".
- "من لم يأس على ما فاته أراح نفسه".
- "من حقر حرم".
- "من عيَّر عُيِّرَ".
- "من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمَّد به على الناس".
[ ٤ / ٣٥٩ ]
- "من ساء يكبر أو يقل".
- "من فسدت بطانته كان كمن غُصَّ بالماء".
- "من ذهب ماله هان على أهله".
- "من سلك الجدد أمن العثار".
- "من نهشته الحية حذر الرسن".
- "ما حللت ببطن تبالة لتحرم الأضياف".
- "ما عقالك بأنشوطة".
- "من حظك موضع حقك".
- "من حظك نفاق أيمك".
- "ما وراءك يا عصام".
- "محسنة فهيلي".
[ ٤ / ٣٦٠ ]
- "ما هلك رجل عن مشورة".
- "من ينكح الحسناء يعط مهرًا".
- "من لي بالسانح بعد البارح".
- "من عال منا بعدها فلا اجتبر".
- "من خاصم بالباطل أنجح به".
- "من حفر مغواة وقع فيها".
- "مكره أخوك لا بطل".
- "من نمَّ إليك نمَّ عليك".
- "من غاب غاب حظه".
- "من تجمَّع تقعقع عمده".
[ ٤ / ٣٦١ ]
- "ما لي ذنب إلا ذنب صحر".
- "ما يلقى الشجي من الخلي".
- "ما أباليه عبكة".
- "ما أبالي ما نهئ من ضبك".
- "ما أباليه بالة".
- "مذكية تقاس بالجذاع".
- "متى كان حكم الله في كرب النخل".
- "ما عنده خل ولا خمر".
- "ما عنده خيرُ ولا ميرٌ".
- " [ما عنده] ما يندي لك الرضفة".
[ ٤ / ٣٦٢ ]
- "ما تبلُّ إحدى يديه الأخرى".
- "مرة عيش ومرة جيش".
- "مأربة لا حفاوة".
- "من ير يومًا يُر به".
- "موت الحرة خير من العُرّة".
- "مع الخواطئ سهم صائب".
نفي الناس
- "ما بالدار شفر".
- " دعوي".
- " دبيٌّ".
- " دبيح".
[ ٤ / ٣٦٣ ]
- " دوري".
- " طوري".
- " وابر".
- " صامز".
- " ديار".
- " نافخ ضرمة".
- " أرم".
- " عائن ولا عين".
- " تأمور".
كلمة بمعنى ما بها أحد.
نفي الحال
- "ما أدري أي الطمش هو".
- " أي الدهراء هو".
[ ٤ / ٣٦٤ ]
- " تُرْخم هو".
- " البرنساء هو".
- " الطبن هو".
- " الأورم هو".
- " النخط هو".
- " الورى هو".
كله بمعنى ما أدري أي الناس هو.
نفي المال
- "ما له هلَّع ولا هلَّعة".
- " سعنة ولا معنة".
- " هارب ولا قارب".
- " عافطة ولا نافطة".
[ ٤ / ٣٦٥ ]
- " حبض ولا نبض".
- " أقذُّ ولا مريش".
- " سبد ولا لبد".
- " حَمّ ولا سَمّ"؛ بالفتح والضم.
معناه كله لا شيء له.
نفي الطعام
- "ما ذقت عضاضًا ولا علوسًا".
- " عذوفًا ولا عذافًا".
بالذال والدال جميعًا.
- "ما ذقت أكالًا".
- " لماجًا ولا شماجًا ولا ذواقًا".
- " مضاغًا ولا لماظًا".
[ ٤ / ٣٦٦ ]
كله بمعنى ما ذقت ما يذاق أو يؤكل أو يعذف أو يلمج.
نفي [اللباس]
- " ما عليه طحربة".
بضم الطاء والراء في قول الكسائي. قال الكسائي: طِحربة بكسرهما. قال أبو الجراح العقيلي: بفتح الطاء وكسر الراء.
- "ما عليه فراض".
نفي النوم
- "ما اكتحلت غماضًا ولا حثاثًا".
بضم الحاء عن أبي زيد. الأصمعي: بكسر الحاء.
نفي العلم
- "ما يعرف الحوَّ من اللَّو".
- " الحيَّ من اللَّي".
- " هرًا من بر".
[ ٤ / ٣٦٧ ]
- "ما يدري من أبى".
- "ما أدري أي طرفيه أطول".
نفي الوجع
- "ما به وذية".
- "ما به ظبظاب".
أي ليس به وجع ولا شيء منه.
[ ٤ / ٣٦٨ ]