[ ٤ / ٦٠٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
لا
حرف نفي، وهو ضد نعم؛ قال الشاعر:
حسن قول نعم من بعد لا وقبيح قول لا بعد نَعم
والعرب تقول: ما لا مربحة، وأما نعم فمربحة. وعن عمرو بن عبيد أنه قال: أملوا عند مسألة الحوائج فإنه ليس في الجنة لا؛ وقال الشاعر:
صرفت ألسنهم عن قول لا فهو لا يعرف لا إلا هو لك
ولا: للنفي، وهو يعطف بها؛ تقول: مررت بزيد لا عمرو، فتنفي عن عمرو المرور الذي أوجبته لزيد.
وقال الخليل: لا: حرف ينفى به ويجحد، وقد تجيء زائدة مع اليمين، كقولك: لا أقسم بالله لأكرمنك؛ إنما تريد: أقسم بالله؛ قال جميل:
بثين الزمي لا إن لا إن لزمته على كثرة الواشين أي معون
وقد تحذف لا في موضع، كقولك: والله أضربك، وإنما تريد: والله لا أضربك؛ قالت الخنساء:
فآليت آسى على هالك وأسأل نائحة ما لها
معناه: إني آليت لا آسى ولا أسأل. فإن قلت: والله أكرمك، كان أبين، وإن
[ ٤ / ٦١١ ]
قلت: والله لا أكرمك، كان المعنى واحدًا. وفي القرآن: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾ والمعنى واحد. قال ذو الرمة:
كأنهن خوافي أجدل قرم ولى ليسبقه بالأمعز الخرب
وقال جرير:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر
فصارت لا صلة زائدة؛ لأن معناه أبو بكر وعمر.
وقد تجيء لا في موضع لست، كما قال الشاعر:
وقد زعمت ليلى بأن لا أحبها فقلت: بلى لولا ينازعني شغلي
مجازه أن لست أحبها.
قال الفراء: قد تكون [لا] بمعنى غير في قول الله ﷿: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾؛ قال: لا، بمعنى غير. قال الضبي: ومما يقوي
[ ٤ / ٦١٢ ]
قول الفراء أن عمر ﵁ قرأ: المغضوب عليهم غير الضالين.
وقال أبو عبيدة: لا: من حروف الزوائد لتتميم الكلام، والمعنى إلغاؤها. قال:
ويلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع دائب غير غافل
والمعنى: ويلحيني في اللهو أن أحبه.
وقال ابن الأنباري في قول الله ﷿: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، معناه: أنهم يرجعون، ولا: توكيد للكلام. وقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، حكي عن الكسائي أنه قال: لا: صلة؛ والمعنى أقسم. وكذا قال الضبي وابن خالويه ومحمد بن سعدان. وأنكر الفراء هذا القول وقال: إنما لا صلة إذا تقدم الجحد، كقوله: ﴿لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾.
واحتج من قال بالمذهب الأول بقول الشاعر:
في بئر لا حور سرى وما شعر
معناه: في بئر حور، أي في بئر هلاك، ولا: صلة. وأنكر الفراء أن تكون لا في هذا البيت صلة، وقال: جحد محض كأنه قال: في بئر ماء لا يحير عليه شيئًا، أي لا يرد عليه شيئًا.
[ ٤ / ٦١٣ ]
والعرب تقدم ألا قبل [لا] في كلامها استفتاحًا، فتقول: ألا لا؛ يقول أحدهم للآخر: هل رأيت فلانًا؟ فيقول: ألا لا، ويقولون: لا ولا؛ وقال الشاعر:
لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا لا [كنت] إن كنت أدري كيف لم أكن
وقال آخر:
فما يستفيد المرء مالًا بقوة ولا باحتيال لا ولا بالتكايس
ولكن لرزاق العباد بحبهم مقدره من كل رطب ويابس
وقال ابن مناذر:
لا بحرص الحريص يكسب الما ل ولا بسعي حازم وجليد
لا ولا بالرشاد أو لا ولكن لحظوظ مقسومة وجدود
ولا قد تكون بمعنى لم؛ قال الله ﷿: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾، بمعنى: لم يَصَّدّق ولم يُصَلِّ؛ وقال الشاعر:
وأي خميس لا أفأنا نهابه وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقال الراجز:
إن تغفر اللهم تغفر جما
وأي عبد لك لا ألما
أي لم يلم.
[ ٤ / ٦١٤ ]
والعرب تسقط لا والمعنى إثباتها، كما تثبتها والمعنى إسقاطها؛ قال الله ﷿: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ فمعناه: أن لا تميد بكم؛ وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، أي لا تضلوا؛ ومثله كثير. وقال عمرو بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منا تعجلنا القرى أن تشتمونا
المعنى: أن لا تشتمونا، فأسقط لا.
وقال الراعي:
أيام قومي والجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل مميلا
معناه: أن لا تميل. وقال آخر:
رأينا ما يرى البصراء فيها فآلينا عليها أن تباعا
معناه: أن لا تباع.
وربما حذفوا أن واكتفوا منها بلا؛ كقول الشاعر:
احفظ لسانك أن يقول فتيلا إن البلاء موكَّل بالمنطق
معناه: لأن لا يقول.
وربما حذفوا أن ولا جميعًا؛ قال أبو النجم:
[ ٤ / ٦١٥ ]
أوصيك أن تحمدك الأقارب
ولا يرجع المسكين وهو خائب
أراد: وأن لا يرجع المسكين وهو خائب.
وقد تكون بمعنى غير؛ قال الله ﷿: ﴿زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾، قيل: المعنى: غير شرقية وغير غربية. وكذلك: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾، معناه: غير بارد. وكذلك: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ﴾.
والعرب تجعل لا مع القسم صلة، ويطرحونها من موضعها لكثرة دور القسم في كلامهم؛ وأنشد الفراء:
فلا والله لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدًا دواء
وقال:
وإلا فلا والله لا زال بيننا جميل الهوى ما دام منك جميل
وقال امرؤ القيس في طرحها:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
وقد تقدم أيضًا في موضعها لعلمهم بمعناها؛ وأنشد الفراء:
فلا وأبي، أسماء زالت عزيزة على قومها ما قيل للزند قادح
[ ٤ / ٦١٦ ]
أراد: فو أبي، أسماء [ما] زالت عزيزة.
والعرب لا تقول لا وحدها حتى تتبعها بأخرى؛ قال الله ﷿: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. وقد تقدم هذا في أول الكلام شرحًا في باب أقاويل العرب.
وقولهم: لا إله إلا الله
معناه: لا ثاني له، ولا أحد يستحق العبادة سواه. وهو في الكلام يقال: إثبات بعد نفي؛ والله أعلم.
ويقال: فلان أكثر من الهيللة، أي من قول: لا إله إلا الله.
وقولهم: لا إله غيرك
قال أبو بكر: فيه أربعة أوجه في النحو، أحدهن: لا إله غيرك؛ ينصب الأول على التبرئة وغيرك يرفع على خبر التبرئة.
والثاني: لا إله غيرك؛ فإله يرتفع بغير وغير به.
والثالث: لا إله غيرك؛ ينصب الأول على التبرئة، وغير لوقوعها موقع الأداة كأنك قلت: ولا إله إلا أنت. قال:
لم يبق إلا المجد والقصائدا
غيرك يا ابن الأكرمين والدا
أراد: لم يبق إلا أنت.
والرابع: ولا إله غيرك؛ فإله يرتفع بغير، وغير تنصب لحلولها محل إلا،
[ ٤ / ٦١٧ ]
كأنه قال: لا إله إلا أنت.
وقولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله
[معناه]: لا حيلة ولا قوة إلا بالله؛ ويقال: معناه: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته.
ويقال: ما للرجل حيلة وحول واحتيال ومحتال ومحالة ومحلة. ويقال: قد حولق الرجل؛ وقال:
فيصيخ يرجو أن يكون حيا ويقول من طرب هيا ربا
[لأآل]
واللأآل: صاحب اللؤلؤ، وحرفته اللئالة بوزن اللعالة. ولألأت النار، ولألأ لهبها وتوقدها؛ ولألأت المرأة بعينها ورأرأت، أي أبرقت، وتلألئ؛ قال الشاعر:
وقام علي نوح بالمآلي يلألئن الأكف إلى الجيوب
ولألأ الثور الوحشي بذنبه، إذا حركه فلمع لأنه أبيض الذنب. قال الشاعر:
تلألأت الثريا فاستهلت تلألؤ لؤلؤ فيها اضطمار
وقولهم: لات حين كذا
معناه: وليس حين ذلك؛ أنشد أبو عبيدة الأسدي وهو عمرو بن شأس:
تذكرت ليلى ليت حين تذكر تذكرتها بل دونها سير أشهر
[ ٤ / ٦١٨ ]
وقال الراعي:
أفي أثر الأظعان عينك تلمح نعم لات هنا إن قلبك متيح
ميتح: مدخل فيما لا ينبغي له أن يفعله، وهو معنى قولهم بالفارسية أندرونست، أي ليس حين ذلك.
وقال حجل بن نضلة:
حنت نوار ولات هنا حنت وبدا الذي كانت نوار أجنت
وقال الطرماح:
لات هنا ذكرى بلهنية الدهـ ـر، وأنى ذكرى السنين المواضي
هذا أكثر القول، وفيها قول غير هذا. وقال ابن قتيبة: ولا زيدت عليها الهاء كما قالوا: ثم وثمة؛ وقد مر ذكرها في أول الكتاب.
وقولهم: لا يدري من طحاها
[أي] لا يدري من بسطها؛ يقال: طحا الله الأرض ودحاها، إذا بسطها. قال الله ﷿: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، أي بسطها؛ وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
[ ٤ / ٦١٩ ]
دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا
وقد مرت في حرف الطاء.
وقولهم: لأرينك النجوم بالنهار
معناه: لأحزننك ولأغمنك حتى يظلم عليك نهارك، فترى فيه الكواكب؛ لأن الكواكب لا تبدو في النهار إلا في شدة الظلمة. قال النابغة:
تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الإظلام إظلام
[أقوال]
ويقولون:
- "لا بكيتك الشهر والدهر".
أي ما دام الشهر والدهر.
- و"لا أكلمك ما سمر ابنا سمير".
[أي: الدهر كله].
- و"لا آتيك السمر والقمر".
أي: ما دام السمر والقمر، وما دام الناس يسمرون.
- و"لا آتيك سجيس عجيس".
[ ٤ / ٦٢٠ ]
- و"لا آتيك معزى الفزر".
- و"لا آتيك هبيرة بن سعد".
أي: لا آتيك أبدًا؛ قال الشاعر:
فأقسمت لا آتي ابن ضمرة طائعًا سجيس عجيس ما أبان لساني
ويقال: سجيس الأوجس.
- و"لا آتيك ما حنت الإبل".
- و"لا آتيك ما اختلف الملوان".
وهما الليل والنهار، واحدهما مقصور.
- و"لا آتيك ما غرد راكب".
- و"لا آتيك ما حي حي".
- و"لا أفعل ذلك عوض العائضين".
- و"لا أفعل ذلك دهر الداهرين".
[ ٤ / ٦٢١ ]
- و"لا أفعل ذلك أبد الآبدين".
وأبد الأبيد.
- و"لا أفعل ذلك ما حملت عيني الماء".
وقولهم: أمر لا ينادى وليده
قال أبو عبيدة: معناه: أمر عظيم لا يدعى فيه الصغار إنما يدعى فيه الكهول الكبار. وقال ابن الأعرابي: معناه: أمر تام كامل ما فيه خلل قد قام به الكبار، فاستغني بهم عن نداء الصغار. وقال الأصمعي: أرى أن أصله كان شدة إصابتهم حتى كانت الأم تنسى وليدها، أي ابنها الصغير، فلا تناديه ولا تذكره، ثم صار لكل شدة. وقال الفراء: هذه لفظة استعملتها العرب إذا أرادت الغاية. وقال الكلابي: هذا مثل يقوله القومإذا أخصبوا وكثرت أموالهم. فإذا أومأ الصبي إلى شيء ليأخذه لم يناده أحد لكثرة أموالهم، ثم جعلوه لكل سعة وكثرة. قال الشاعر:
فأقصرت عن ذكر الغواني بتوبة إلى الله لا ينادى وليدها
ونحو منه:
قولهم: هم في خير لا يطير غرابه
يقول: يقع الغراب فلا ينفر لكثرة ما عندهم؛ وقال أبو عبيد: أصله أن الغراب
[ ٤ / ٦٢٢ ]
إذا وقع في موضع لم يحتج أن يتحول منه إلى غيره. وقال: وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضًا. وقال الأصمعي: أصل هذا في الشدة والجدب يصيب القوم حتى تشتغل الأم عن ولدها فلا تناديه، ثم جعل مثلًا لكل حدث عظيم، ولكل شدة وأمر شديد.
وقولهم: لا أرقأ الله دمعة فلان
فيه أقوال: قال بعضهم: معناه لا قطعها الله؛ قال الشاعر:
حتى إذا الإعلان نبه واشيًا رقأت دموي خشية الإعلان
وقال الأصمعي: معناه: لا رفعها الله؛ وقال: والأصل فيه من قولهم: رقأ دم المقتول، إذا رضي أهله بالدية فأخذوها، فارتفع دم المقتول لأن لا يطلب به بعد أخذ الدية.
وقال المفضل بن محمد الضبي: لا أرقأ الله دمعته، من قولهم: قد رقأ دم القاتل، إذا ارتفع بعد إعطائه الدية، ولو لم تؤخذ الدية منه لهريق دمه. وأنشد لمسلم الوالبي يصف إبلًا:
من اللائي يزدن العيش طيبًا وترقأ في معاقلها الدماء
معاقل: من العقل.
وقولهم: لا أنام ولا ينيم
قال الأصمعي معنى لا ينيم: لا يكون منه ما يرفع السهر فينام معه. وقال غيره:
[ ٤ / ٦٢٣ ]
لا ينيم: لا يأتي بسرور ينام له. وقال غيرهما: معناه: ولا يمنع غيره من النوم؛ قال الشاعر:
وموكل بك لا أمل ولا أنام ولا أنيم
وقال آخر:
ينام المسعدون ومن يلوم ويوقظني التفكر والهموم
صحيح بالنهار لمن يراني وليلي لا أنام ولا أنيم
وقولهم: ما هو بضربة لازب
معناه: ما هذا بلازم واجب أي ما هو بضربة سيف لازب، وهو مثل، وفيه لغتان: لازب ولازم؛ قال النابغة:
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب
قال الله تعالى: ﴿من طِينٍ لازِبٍ﴾، معناه: لازم. وقال الفراء: يقال لازم ولازب ولاتب، وأنشد:
صداع وتوصيم العظام وفترة وغثي مع الإشراق في الجوف لاتب
وقولهم: لابد من هذا الأمر
أي لا محالة منه؛ وقد مر في حرف الباء.
[ ٤ / ٦٢٤ ]
وقولهم: لا جرم
هي بمنزلة لابد ولا محالة؛ وقد جاء في باب الجيم.
وقولهم: لا أطلب أثرًا بعد عين
قال ابن الأنباري: العين: نفس الشيء؛ تقول: هذا ثوبي بعينه، أي بنفسه. فمعنى المثل: لا أترك نفس الشيء وأطلب أثره. وقال قوم: العين المعاينة؛ ومعنى المثل عندهم: لا أترك شيئًا وأنا أعاينه وأطلب أثره بعد أن يغيب عني. والعين عند العرب: حقيقة الشيء؛ يقال: قد جئتك [به] من عين صافية، أي من فصه وحقيقته.
وقد مر شيء من ذكر العين في حرف العين،
وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه
هذا مثل يضرب لمن يبلغك عنه أمر جميل، فإذا رأيته اقتحمته عينك. وهذا قاله المنذر لشقة حين وقف بين يديه وكان يتصل به منه ما يعجبه ولا يراه. فلما رآه اقتحمته عينه، فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فقال له شقة: أبيت اللعن وأسعدك إلهك، إن القوم ليسوا بجزر، إنما يعيش المرء بأصغريه: لسانه وقلبه! فأعجب المنذر كلامه، فسماه باسم أبيه ضمرة، فهو ضمرة بن ضمرة، وذهب قوله: إنما يعيش المرء بأصغريه مثلًا؛ وفي خبر آخر: أصلح الله الملك، المرء بأصغريه، إن نطق نَطَق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان! فقال: لله درك!
وله حديث يطول، وشعر تركته.
[ ٤ / ٦٢٥ ]
وقولهم: رجل لاع
أي حريص سيئ الخلق؛ يقال: لاع وهاع، وامرأة لاعة هاعة، ورجل لائع هائع، وقم لائعون هائعون. والفعل لاع يلوع لوعًا ولووعًا، والجمع الألواع واللاعون، والمرأة اللاعة. قال أبو الدقيش: في اللغة بلا ألف، وهي التي تغازلك فلا تمكنك. قال أبو خيرة: هي اللاعة؛ وهذا المعنى.
وقولهم: لا حني العطش
أي غيرن ولوحني؛ والتاح الرجل، إذا عطش؛ واللوح: العطش، وكذلك لاحني البرد والسقم والحزن.
ويقال للشيء إذا تلألأ: لاح يلوح لوحًا ولؤوحًا، والشيب يلوح؛ قال الأعشى:
فلئن لاح في العوارض شيب يا لبكر وأنكرتني الغواني
وألاح البرق، فهو مليح؛ قال أبو ذؤيب:
رأيت وأهلي بوادي الرجيـ ـع من نحو قيلة برقًا مليحًا
[وألاح بثوبه: أخذ طرفه بيده من مكان بعيد، ثم أداره، ولمع به ليريه من يحب أن يراه]. وكل من لمع ببرد أو بشيء فقد لاح يلوح ولوح.
[ ٤ / ٦٢٦ ]
وقول العرب في الجاهلية: لاه أنت
يريدون: لله أنت؛ قال الشاعر:
لاه در الشباب والشعر الأسـ ـود والراقصات تحت الرحال
وقال آخر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني، ولا أنت دياني فتخزوني
يريد: لله ابن عمك؛ تخزوني: تقهرني، ويقال: خزاه، بمعنى ساسه.
وكانوا يقولون: لا هم اغفر لي، أي اللهم؛ قال:
لا هم أنت الرب يستغاث
لك الحياة ولك الميراث
وقال:
لا هم إن الحارث بن الصمه
كان وفيًا،ابيًا ذا ذمه
وكان الخليل ينشد لله در الشباب وقال: وكره ذلك في الإسلام؛ قال: ولا يطرح الألف من الاسم، إنما هو لله على التمام.
وقولهم: لاقيت بين فلان وفلان
أي جمعت بينهما؛ ولاقيت بين طرفي القضيب ونحو ذلك. كذلك: وقد تلاقيا واجتمعا بغير طرفيه؛ وتلاقى فلان وفلان، وكل شيء استقبل شيئًا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها.
[ ٤ / ٦٢٧ ]
وقولهم: لاذ فلان بفلان
أي استتر به وكان حوله؛ يلوذ لوذًا ولياذًا، والملاذ: الموضع الذي يلاذ به ويجتمع إليه. وتقول: في الأمر لوذه. أي أجمعه.
واللغة الغالبة لاذ به بغير ألف، وبعض العرب يقول: ألاذ بالألف؛ قال ابن أحمر العقيلي:
لدن غدوة حتى ألاذ بحقها بقية منقوص من الظل صائف
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ أي يستتر هذا بهذا، وهو مصدر لاوذت لواذًا، ومصدر لذت: لياذًا.
واللاذ: ثياب من خز تنسج بالصين، تسميها العرب والعجم: اللاذة.
وقولهم: هذا الأمر لا يعنيني
أي لا يشغلني؛ يقال: عناني الأمر، إذا أشغلني. قال:
لا تلمني على البكاء خليلي إنه ما عناك ما قد عناني
ويقال: الشيء لا يعنيني- بفتح الياء- ولا يجوز بضم الياء. وقال:
[ ٤ / ٦٢٨ ]
إن الفتى يقميه ويقمعه إلا تكلفه ما ليس يعنيه
وقولهم: لا يزايل سوادي بياضك
أي شخص شخصك؛ قال حسان بن ثابت:
يغشون حتى تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
أي عن الشخص.
والسواد- بضم السين وكسرها: الشراب عند العرب.
وقولهم: لا تبسق علينا
أي لا تتطاول علينا، وهو من البسوق وهو الطول. قال الله ﷿: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾؛ قال:
وإن لنا حظائر باسقات عطاء اله رب العالمينا
[وقولهم]: لا تجلح علينا
فيه قولان: لا تكاشف؛ وهو من الجلح وهو انكشاف الشعر عن مقدم الرأس. [وقال ابن الأعرابي: معناه: لا تشدد وتبقى على الشدة والمخالفة؛ من قولهم: ناقة مجالح، وهي التي تصبر على البرد وتقضم عيدان الشجر اليابس فيبقى لبنها].
[ ٤ / ٦٢٩ ]
[وقولهم]: قد أكثر من الحوقلة
إذا أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ويقال: حولق وحوقل، إذا قال ذلك. قال الشاعر:
فداك من الأقوام كل مبخل يحولق إما ساله العرف سائل
أي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وفيه خمسة أوجه من الإعراب:
الأول: لا حول ولا قوة إلا بالله بنصب الحول بلا على التبرئة، وجعل القوة نسقًا على الحول، والباء خبر للتبرئة.
والثاني: لا حول ولا قوة إلا بالله: بمعنى: لا حول إلا بالله، بنصب الحول. ولا قوة إلا بالله: برفع القوة بالباء.
والثالث: لا حول ولا قوة إلا بالله: بمعنى: لا حول إلا بالله، ولا قوة إلا بالله.
والرابع: لا حول ولا قوة إلا بالله: رفع الحول بلا، ونصب القوة. والمعنى: لا حول إلا بالله، ولا قوة إلا بالله.
والخامس: لا حول ولا قوة إلا بالله: بنصب الحول والقوة جميعًا؛ والحول غير منون، والقوة منونة. قال الفراء: لا: معناها السقوط [من الكلام]، كأنه قال: لا
[ ٤ / ٦٣٠ ]
حول وقوة؛ وأنشد حجة لهذا:
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزرا
قال أبو بكر: وإنما لم ينون الحول ونونت القوة؛ لأن الحول قرب من لا، والقوة بعدت من لا.
وقولهم: لا يفضض الله فاك
قال ابن الأنباري: معناه: لا يكسر الله أسنانك ويفرقها؛ وفيه وجهان: قال: لا يفضض- بفتح الياء وضم الضاد الأولى- أخذه من: فضضت الشيء، إذا كسرته وفرقته. قال الله ﷿: ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ معناه: لتفرقوا؛ والعامة تلحن في هذا فتقول: لا يفضض الله فاي. ولغة النبي ﷺ "لا يفضض الله فاك- بفتح الياء وضم الضاد الأولى وكسر الثانية. ويروى أن النابغة الجعدي لما أنشد النبي ﷺ قصيدته التي يقول فيها:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ويروى: بلغنا السما مجدًا وعزًا وسوددًا؛ فقال النبي ﷺ: "إلى أين يا ابن أبي ليلى؟ فقال: إلى الجنة بك يا رسول الله، فقال ﷺ: لا يفضض الله فاك". فقيل: إنه عمر فوق المائة فما غاب منه ضرس.
وعن العباس عم النبي ﷺ أنه قال له: يا رسول الله إني أريد
[ ٤ / ٦٣١ ]
أن أمدحك؛ فقال ﷺ: قل، فقال العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق
وفيها:
وأنت لما ولدت أشرقت الـ أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك لاضياء وفي النور وسبل الأنام نخترق
فقال ﷺ: "لا يفضض الله فاك".
ومن قال: لا يفضض الله فاك؛ قال: لا يجعل الله فاك فضاء لا أسنان فيه. قال الشاعر:
أخطط في ظهر الحصير كأنني أسير يخاف القتل والهم يفرج
ألا ربما ضاق الفضاء بأهله وأمكن من بين الأسنة مخرج
قال الخليل: لا يفضض الله فاك؛ وقال آخر:
يا بنت لا يفضض الله فاك فقد أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
ومن قال: فاك لا يفضض الله، فقد أخطأ؛ لأنه ليس من فض يفض منصوب الياء، ويقال: أفض يفض.
والفض: التفرق؛ ويقال: فض الله جمعهم، أي فرقه الله؛ وفضضت الخاتم عن الكتاب، أي كسرته.
والفضفضة: سعة الثوب وغيره؛ تقول: درع فضفاض، وعيش فضفاض،
[ ٤ / ٦٣٢ ]
وسحابة فضفاضة.
والفضيض: ماء عذب تصيبه ساعة إذ، تقول: افتضضته.
وقولهم: لا دريت ولا تليت
قال ابن الأنباري: فيه خمسة أقوال:
قال يونس بن حبيب البصري: هو لا دريت ولا أتليت- بفتح الألف وتسكين التاء؛ والمعنى: لا أتلت غبلك، أي لا كان لإبلك أولاد تتلوها، يدعو عليه بالفقر وذهاب المال.
وقال الفراء: هو لا دريت ولا ائتليت، [وقال: ائتليت] افتعلت من ألوت في الشيء فيه. والمعنى: لا دريت ولا قصرت في طلب الدراية، ثم لا تدري فيكون أشفى لك.
وقال الأصمعي: هو لا دريت ولا ائتليت؛ وقال: ائتليت: افتعلت، من: ألوت الشيء، إذا استطعته؛ يقال: ما ألوت الصيام، أي ما استطعته. قال الأخطل:
فمن يبتغي مسعاة قومي فليدم صعودًا إلى الجوزاء هل هو مؤتلي؟
معناه: هل هو مستطيع.
والوجه الرابع: لا دريت ولا تلوت؛ على معنى: لا أحسنت أن تتبع، فيكون من قولهم: تلوت الرجل، إذا تبعته.
وحكى أبو العباس: لا دريت ولا تليت؛ قال: واصله: لا دريت ولا تلوت، فردوا الياء فقالوا: تليت، ليزدوج الكلام، كما قالوا: الغدايا والعشايا، فجمعوا
[ ٤ / ٦٣٣ ]
الغداة غدايا ليزدوج مع العشايا.
وحكى أبو عبيدة وجهًا سادسًا: لا دريت ولا أليت، ولم يفسره. والأصل عندي: ولا ألوت، أي ولا قصرت- على مذهب الأصمعي- ولا استطعت؛ فرده إلى الياء ليزدوج مع دريت، على ما مضى من التفسير.
وقولهم: لأيا عرفت ذلك، وبعد لأي فعلت
أي بعد مشقة وبطء وجهد؛ قال زهير:
فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله
[أي] ما كنت أحمله إلا (لأيًا؛ وقال أيضًا:
وقفت بها من بعد عشرين حجة فلأيا عرفت الدار بعد توهم
أي بعد إبطاء وجهد عرفتها؛ يقال: التأت، إذا عسرت، والتوت: طالت؛ ومنه لي الغريم، أي مطله).
وقولهم: لا تبلم علينا
أي لا تجمع [علينا] أنواع المكروه؛ وهو تفعل من الأبلمة، وهي خوصة البقل؛
[ ٤ / ٦٣٤ ]
ويقال: الأبلمة: خوصة المقل، وفيها ثلاث لغات: أبْلُمَة، وإبْلِمَة، وأبْلَمَة.
وقال الأصمعي: معناه: لا تقبح عليه فعله؛ من قولهم: قد أبلمت الناقة، إذا ورم حياؤها.
الأمثال على لا
- "لا تغز إلا بغلام قد غزا".
- "لا يعدم شقي مهرًا".
- "لا تعدم من ابن عمك نصرًا".
- "لا ينتصف حليم من جاهل".
- "لا يذهب العرف بين الله والناس".
- "لا تؤبس الثرى بيني وبينك".
- "لا جديد لمن لا خلق له".
- "لا جد إلا ما أقعص عنك ما تكره".
[ ٤ / ٦٣٥ ]
- "لا يضرك النوك ما لاقيت جدًا".
- "لا تعدم صناع ثلة".
- "لا تعظيني وتعظعظي".
- "لا تراهن على الصعبة".
- "لا تجن يمينك على شمالك".
- "لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا".
- "لا ينفعك من جار سوء توق".
- "لا يجتمع السيفان في غمد".
- "لا ماءك أبقيت ولا هنك أنقيت".
- "لا يطاع لقصير أمره".
- "لا مخبأ لعطر بعد عروس".
[ ٤ / ٦٣٦ ]
- "لا مخبأ لعطر بعد بؤس".
- "لا بقيا للحمية بعد الحريم".
- "لا تكن كالباحث عن المدية".
- "لا أدري أي الجراد عاره".
- "لا تسل الصارخ وانظر ما له".
- "لا يصلح فحلان في إبل".
- "لا يجتمع فحلان في شول".
- "لا يجتمع قمران في سماء".
- "لا رأي لمن لا يطاع".
[ ٤ / ٦٣٧ ]