يرثي النبي، ﷺ:
أجدّك ما لعينك لا تنام كأن جفونها فيها كلام
وقال زهير:
يعفّى الكلام بالمئين فأصبحت ينجمها من ليس فيها بمجرم
ويروى: "تُعفّى الكُلوم" وهي جمع كَلْم. وقد كلمت الرجل [أ] كلِمهُ كَلْمًا، وهو رجل كليم في قوم كَلْمَى، أي جريح في قوم جرحى. وقريح في قوم قرحى.
والكَلِم، بفتح الكاف وكسر اللام؛ جمع كلمات، وواحد الكلمات كلمة، وجمع الكَلِم كَلام. قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
والكَلِم منتظم لكل لغة، يكون عربيًا وفارسيًا وأراميًا ونبطيًا وهنديًا وغير ذلك، مما لا يحصى كثرة. والكلام كله: عربيه وعجميه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، جاء لمعنى، ليس أكثر من ذلك. ولا يخلو الكلام من هذه الأشياء الثلاثة، أو من بعضها؛ لأنك إذا قلت: قد تكلم عبد الله، فعبد الله اسم، وتكلم فعل فيما مضى، وقد أمر ينتظر الكلام.
والكلام على وجوه؛ فمنها التساوي: وهو أن تكون الألفاظ متساوية الإيتاء متفقة الانتهاء؛ كقول بعضهم: حتى عاد تعريفك تصريحًا وتمريضك تصحيحًا، فهذا أحسن المنازل.
ومنها: اتفاق البناء: كقول النبي، ﷺ: "خير الماء الشَّبِمُ،
[ ١ / ٤٥ ]
وخير المال الغنم، وخير المرعى الأراك والسَّلم، إذا سقط كان لجينًا، وإن يبس كان درينًا، وإذا أكل كان لبينًا".
واعتدال الوزن: كقوله اصبر على حر اللقاء ومضض النزال، وشدة المصاع، ودوام المراس؛ لأن هذا كله بوزن واحد في الحركة والسكون والزوائد.
واشتقاق اللفظ: كقوله: العُذر مع التعذُّر واجب. وقوله: "لا ترى الجاهل إلا مُفْرِطًا أو مفرِّطًا".
وعكس اللفظ: كقوله: اشكر من أنعم عليك، وانعِم على من شكرك.
والاستعارة؛ كقوله يصف رجلًا بالمنع: هو مُسحت، من حيث جئته وجدت لا.
وتوفير الأقسام: كقوله: فإنك لم تخْلُ فيما بدأتني به من مجد أثلته، وشكر تعجَّلته، وأجر ادخرته.
وتصحيح المقابلة: كقوله: أهل الرأي والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة.
وكلام فيه طول.
[ ١ / ٤٦ ]
وصحة القسم: كقوله: أنا واثق بمسالستك في حال تمثل ما أعلم من مشارستك في الأخرى؛ لأنك إن عطفت وجدت لدنًا، وإن غُمزت ألفيت شثنًا.
وتلخيص الأوصاف: كقوله: مواعيد لم تثبت بمصنطل، ومرافد لم تشب بمن. وبشر لم يمازجه ملق، وود لم يخالطه مذق.
والمبالغة: مثل قول الأعرابي في دعائه: اللهم إن كان رزقي نائيًا فقربه، أو قريبًا فيسره، أو ميسرًا فعجله، أو قليلًا فكثِّره، أو كثيرًا فثمِّره.
والتكافؤ: كقوله: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة.
كقول بعضهم، وقد قيل له: إنك سيد لولا جمود يدك، فقال: ما أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل. وهو كقول الآخر: إن كنا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العفو.
والإرداف: كقول أعرابية: له نعم قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن أصوات المزاهر أيقن أنهن هوالك. تصفه بالجود والكرم، فأتت بمعان وأرداف ولواحق له، من غير تصريح لما أرادت بعينه.
والتمثيل: كما كتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، حين تلكأ عن بيعته: "أما بعد، فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى. فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على
[ ١ / ٤٧ ]
أيهما شئت، والسلام".
والسجع: قال النبي، صلى الله عليه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم".
[وقال]: "أنهاكم عن القيل والقال، وكثرة لاسؤال، وإضاعة المال، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات". في سجع كثير.
ومن أسجاع العرب: وصف أعرابي الحرب فقال: أولها نجوى، وأوسطها شكوى، وآخرها بلوى. ووصف أعرابي أميرًا فقال: يقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ويقبل الرشوة.
ومن أسجاع البُلغاء: وصف أبو عبيد الله خالدًا فقال:
بلاغته أعرابية، وطاعته أعجمية، وآدابه عراقية، وكتابته سوادية.
وسمع أبو العيناء بعض ألفاظ ابن المقفع، فقال:
كلامه صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح، كأن بيانه لؤلؤ منثور، وروض ممطور.
ومن أسجاع الزهاد: وصف عمر بن ذر قومه فقال: ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف. وقال: بخل الواجد سوء ظن بالواحد.
[ ١ / ٤٨ ]
وقال غيره: منع الموجود، سوء ظن بالمعبود. وقال: محلة الأموات، أبلغ العظات.
ومن أسجاع أصناف الناس: وصف كاتب قومه فقال: ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقال آخر: أخي من سد خللي، وغفر زللي، وقَبِلَ عِلَلي. وقال: النعمة مربوطة بأضعف الأسباب، والفرصة تمر مر السحاب، فانتهز الفرصة قبل اعتراض الغصة. وقال:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
والصحيح: وهو ما صح لفظًا ومعنى.
والسَّنَد والمسند إليه: فالسند: المبتدأ به، والمسند إليه: المبني عليه كقولك: عبد الله صالح؛ فعبد سند، وصالح مسند إليه، ولا يجد المتكلم بدًا منهما، ولا يتم الكلام إلا بهما.
والتصحيف: وهو تبديل حرف بحرف، كقوله: بسر قريبًا لا يوجد، يريد بسر قريبًا لا يؤخذ. ومثله: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ على التصحيف: ﴿أَوْ يَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.
ومنه: أن رجلًا كتب قصة يذكر فيها ضعف جسده، وقلة صبره على المشي، ورفعها إلى بعض الوزراء. فكتب له على ظهر كتابه: يريد بن جلد إلى عامله بهذا التوقيع. فبقي لا يعرفه. ثم دُعي بجميع كُتَّاب العراق، فكل منهم يقرؤه يزيد بن خالد، حتى رد إليه القصة، فإذا التوقيع يزيد بن جلد، وكان الباقون يصحِّفونه.
ومنه: ما حكى الجاحظ أنه سمع رجلًا ينشد:
[ ١ / ٤٩ ]
يزيد بن قيلي لا يزيد بن عنزة وما ذي الذي يرضيك نا بين من قبلي
ففكر فيه، فإذا هو:
تريدين قتلي، لا تريدين غيره وماذا الذي يرضيك يا بَثْنَ من قتلي
﴿ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ صحفها بعضهم: "درهم يأكلوا ويتمتعوا". فقال بعض: رخيص والله.
وهو ضد الملحون، وكذلك الملحون، ضد المعرب.
والمستقيم: وهو على ضربين: حسن وقبيح؛ فالمستقيم الحسن: رأيت زيدًا أمس، وسألقى عمرًا غدًا. والمستقيم القبيح: قد زيدًا رأيت، وقد عمرًا أتيت؛ لأنك نقضت المعنى بالتقديم والتأخير. والمستقيم الكذب: حملت الجملَ، وشربت ماء البحر.
والمستحيل: وهو الخارج عن الصواب إلى المحال.
والمُحال: الذي لا يصح له معنى نحو قولك: آتيك أمس، وأتيتك غدًا. والمُحال الكذب نحو قولك: أحمِل الجبل أمس، وشربت ماء البحر غدًا.
والمحال من الكلام: ما حُوِّل عن وجهه؛ فهو كلام مستحيل، ويجمع محال. وكل شيء استحال من الاستواء إلى العوج يقال له مستحيل. ورجل محوال: كثير محال الكلام.
والغَلَط: وهو قولك: ضربني زيد، وأنت تريد: ضربت زيدًا، فغلطت. فإن تعمدت ذلك كان كذبًا منك.
[ ١ / ٥٠ ]
والرمز: [وهو] الذي حُكي عن فيثاغورس في وصاياه المرموزة أنه قال: احفظ ميزانك من النّدا، وأوزانك من الصدا. يريد بحفظ الميزان: حفظ اللسان من الخنا. وبحفظ الأوزان من الصدا: حفظ العمل من الهوى. ولا يوجد الرمز في علم معنوي، ولا في كلام لغوي. والرمز في غير هذا المعنى تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم.
ومثله: الهمس واللغز، وهو غير مجد فهمًا، ولا مفيد علمًا، بل هو مفسدة للأدب.
وعِلم النوكي: وهو كقول الشاعر:
رجل مات وخلّف رجلًا ابن أم ابن أخي أخت أبيه
معه أم بني أولاده وأبو أخت بني عم أبيه
وإنما يريد: ميتًا خلّف أبًا وزوجة وعمًا.
ويكون في الشعر من جهة الإعراب، أن يكون كاللحن في الوصل، وهو صحيح في الفصل كقوله:
يا خالًا، الدُّرة الحمراء وابنتها على طعامك ملحًا غير مدقوق
وإنما يريد: يا خال، ينادي خاله، قد ذرت الحمراء وابنتها على طعامك [ملحًا غير مدقوق] وهما امرأتان.
أو كقول الشاعر:
لقد طاف عبد الله بالبيت سبعة فسل عن عبيد الله ثم أبا بكر
وإنما يريد: لقد طاف عبدان لله، رجلان، فسلعن عبيد الله، أي أسرع. يقال:
[ ١ / ٥١ ]
سلعن الرجل: إذا أسرع. ثم أبا بكر، وهو رجل، أن يفعل كما فعل عبيد الله في السرعة. ويكون أيضًا من وجه الإعراب كقوله:
إن فرعون ومن شايعه والنبيين، جميعًا في سقر
فهذا على تقديم الكلام وتأخيره؛ والنبيين قسم أقسم بهم، كأنه أراد: إن فرعون ومن شايعه في سقر وحق النبيين.
ويكون أيضًا من طريق اللغة، كقوله:
وكافر مات على كفره وجنة الفردوس للكافر
وصائم صام وصلى الضحى وكان ذاك الصوم للفاطر
يريد بالكافر: اللابس للسلاح في سبيل الله. يقال: كفر درعه: إذا لبسها. ويقال: واد كافر: إذا غطى ما على جوانبه. ومنه سُمِّي الكافر؛ لأنه يستر الحق، ويقال: كأنه الغطاء على قلبه. والليل كافر أيضًا؛ لأنه يغطي النهار. ومغيب الشمس كافر الشمس. قال لبيد:
حتى إذا ألقت يدًا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها
يعني الشمس.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. فسر الكفار جمع كافر، وهم الزراع، لأن الزارع إذا ألقى البذر في الأرض فقد كفره، أي غطاه.
وكل كلام ليس بواضح مستقيم فهو لُغَيْزَى، ولا فائدة فيه، وكأنما يراد به
[ ١ / ٥٢ ]