وإنما تعد أغلاط العلماء وسقطات الفضلاء، فأما الجهَّال فلا يعبأ بهم وبقولهم. وإنما أخذ العلماء بعضهم على بعض فيما يقع سهوًا أو خطأ، نصيحةً منهم للعلم وحِفْظه، ولئلا تكون خيانة منهم لطالب العلم، ولم يقصدوا بذلك عيب بعضهم لبعض إذ كان الله سبحانه قد برَّأهم من ذلك ونزّههم عنه.
وليس ذكرهم ذلك غيبة، وإن كان ذلك في المذكور، لا وإنما قصدهم النفع لحملة العلم، ولولا ذلك لما ذكرت مما عثرت عليه حرفًا. والفضل لمن سبق من أهل العلم وهم القدوة لمن جاء بعدهم، فبقولهم نهتدي، ولهديهم نقتفي، وبعملهم نقتدي، فرحمة الله عليهم ورضوانه، وجزاهم عنا أفضل الجزاءِ، وأعلى درجاتهم في الجنان، وجعلنا من العاملين بالعلم، والمتتبعين لأهله بفضله وكرمه، إنه سميع الدعاء، جزيلُ العطاء.
فممّا وقعَ تصحيفٌ في لفظة وخطأ في تفسيره، قال في باب الباء مع الشين: في الحديث: ما مِنْ رجلٍ له إبلٌ وبقرٌ لا يؤدِّي حقَّها إلا بُطِحَ لها يومَ القيامةِ بقاع قَرْقَرٍ، ثُمَّ جاءَت كأكثرِ ما كانتْ وأبْشَرِه، أي أحْسنه.
قلت: وهذا حديث رواه أبو هريرة عن النبي، ﷺ، وهو حديثٌ مشهور صحيحٌ معروفٌ.
[ ١٥٤ ]
وقد وقع في هذه اللفظة تصحيف، وهو قوله:
(وأبشره)، وإنما هو: (آشره) يعني: أنشطه، مأخوذ من الأَشَر، وهو النشاط والمرح، لا من البِشْر الذي هو الحسن. ولفظ الحديث: (كأغذِّ ما كانت وآشره) من قولهم: أغذ في السير، أي أسرع وجدّ، يعني أن الإبل التي لم تؤدَّ زكاتُها يبطَح لها صاحبها بأرض مستوية يوم القيامة فتطؤه بأخفافها، وتجيء كأغذِّ ما كانت وآشرِه، أي كأسرع ما تمشي وآشره، أي أنشطه ليكون أقوى لوطئها، لا أنَّ الإبل تكثر وتحسن، هذا لا معنى فيه لعذابه، وهو مبين في الحديث. وهذا الحديث فيما رواه أبو بكر بن المفيد، عن أحمد بن عبد الرحمن
[ ١٥٥ ]
السقطي، عن يزيد بن هارون.
وقد أخبرناهُ الشيخُ الصالحُ أبو الحسينِ، المبارك بن أبي القاسم
[ ١٥٦ ]
الحمّامي، قراءةً عليه من كتابه، قال: أنبا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد القرميسني، قراءةً عليه، قال: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد
[ ١٥٧ ]
المفيد في شوال سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، قال: ثنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن السقطي، قال: حدثنا أبو خالدٍ يزيدُ بنُ هارون الواسطي قال: ثنا شعبة عن قتادةَ، عن أبي عُمَر الغدَّاني، عن أبي هريرة قال: مرّ به رجل من بني عامر فقيلَ لهُ: هذا مِنْ أكثرِ الناس مالًا. فدعاه أبو هريرة فسأله فقال: نعم لي مائة أَدماءُ، ومائةٌ حمراءُ، ولي كذا وكذا، فقال له أبو هريرة: إيَّاك وأخفافَ الإِبل وأظلافَ الغنم، فإني سمعت
[ ١٥٨ ]
رسول الله، ﷺ، يقول: ما مِنْ رجلٍ له إبلٌ لا يؤدِّي حقَّها في نَجْدتها ورِسْلِها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَت له يومَ القيامةِ بقاعِ قَرْقَرٍ فجاءَت كأغذّ ما يكونُ وآشره وأسمنهِ أو أعظمه، تطؤه بأخْفافها، كلّما جازَتْ عليه أُخْراها أُعيدَت عليه أوُلاها حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ فيرى سبيله. وما مِنْ رجلٍ له بقرٌ لا يؤدِّي حقَّها في نَجْدتها ورِسْلها، قال رسولُ الله: ونجدتُها ورسلُها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَتْ له بقاعٍ قَرْقَرٍْ، فجاءته يومَ القيامةِ كأغذّ ما كانت، وآشرِه وأسمنه، أو أعظمه، تطؤُه بأظلافها في يومٍ كانَ مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يقضى بين
الناسِ فيرى سبيله. وما مِنْ رجلٍ له غَنَمٌ لا يؤدي حقها في نجدتها ورسلها، قال النبي، ﷺ، ونجدتُها ورِسْلُها: عُسْرها ويُسْرها، إلاَّ برزَتْ له يومَ القيامةِ بقاعٍ قَرْقَرٍ فجاءَتْه كأغذّ ما تكون وآشره وأسمنه، أو أعظمه تطؤه بأظلافها، وتنطحه
[ ١٥٩ ]
بقرونِها، كلَّما جازت عليه أُخْراها أُعيدَت عليه أوُلاها في يومٍ كانَ مقدارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتّى يقضى بين الناس فيَرى سبيلَه. قال الأعرابيّ: وما حقّها؟ قال: تَمْنَح الغزيرةَ وتعطي الكريمةَ، وتحمِل على الظهر، وتَسْقي اللبن.
[ ١٦٠ ]
وكذلكَ رواهُ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلَ، ﵀ في مسند أبي هريرة الذي جمعه عن شيوخه، ورواه أيضًا في مسند جابرٍ نحوَه. ورواه أبو عبيد القاسمُ ابن سلاّم في كتابه، كتاب الأموال في أول كتابِ الزكاةِ في باب: ما جاء في التغليظ على مانعي الزكاة عن أبي هريرةَ نحوَه. وعن عبدِ الله بنِ مَسْعودٍ عن النبيّ، ﷺ، وعن جابرِ بنِ عبدِ الله، ﵄ عن النبيّ، ﷺ نحو حديثِ أبي هريرة. ورواه أحمدُ أيضًا في مسندِ جابرِ نحوه، وكذلك غيرهما من أئمةِ الحديثِ، وكلّهم ذكروه: وآشره، بهمزةٍ ممدودة بعدَها شينٌ معجمةٌ من غيرِ باءٍ بينَهما، هذا هو المعروفُ.
[ ١٦١ ]
فأمَّا ما ذكره مصنفُ الغريبِ أبو عبيد من قولِه: وأَبْشَرِه، بالباءِ والشينِ في هذا الحديثِ، فلم أرَهُ في كتابِ أحدٍ لا سمعناه إلا عنه في كتابه، ولعله اشتبه عليه حين نقله فزاد فيه الباء وفسّره، ولم يبلغْه الحديث ولا سمعَه، ولم يكن له أن يفسّر لفظَ حديثِ النبيِّ، ﷺ على ظنِّه من غيرِ أنْ يأخذَه سَمَاعًا منْ ألفاظِ العلماءِ الذينِ عنوا بالحديث، وأحكموا نقله وصحّحوا لفظهُ ممن حفظوه عنه. وقد أخطأ في ذلك، عفَا الله عنّا وعنه برحمتِه.
[ ١٦٢ ]