ومنْ ذلكَ في بابِ: الراءِ مع الباءِ، قال: ومنهُ الحديثُ ألكَ عليَّ نِعمَةٌ تَرَبُّها؟. قلتُ: وهذا تغييرٌ للفظِ حديثِ رسولِ الله ﷺ. وإنَّما لفظُ الحديثِ: أَلَهُ عندكَ نعمةٌ تربّها؟. وهو حديثُ أبي هريرةَ المرفوع في الذي زارَ أخًا له في الله فأرْصَدَ الله ملكًا على مَدْرَجَتِه، الحديث، وهو مشهور مخرَّج في الصحيحين.
ومن ذلك في باب: الراءِ مع الكاف، قال: في حديثِ أبي بكر: ثمّ ركبتُ أنفي، أي ضَرَبْتُ.
قلتُ: وهذا تغييرٌ منهُ للفظِ الحديثِ، يدلّ على أنّه لم يسمعِ الحديثَ ولم يكتُبْه،
[ ٢٢٣ ]
وإنّما هذا حديثُ المغيرةِ بنِ شُعبة الثقفي، ﵀، قال: كنتُ عندَ أبي بكرٍ خليفة رسولِ الله ﷺ، وكانَ عندَه فرسٌ منْ خيلِ الصدقةِ أراد أنْ يحملَ عليهِ رجلًا منَ المسلمينَ ليقاتل عليه في سبيل الله، فقالَ لهُ رجلٌ عندَه من الأَنصارِ: احمِلْني على هذا الفرسِ - ولم يكن أهلًا لذلكَ. فأبى أبو بكرٍ ذلك وقال:
بل أَحْمِل عليه رجلًا يقاتلُ في سبيل الله. فقالَ له الرجل، لأنا أَفْرَس بالخيلِ منكَ ومنْ أبيكَ قال المُغيرةُ: فركَنْت أنفه بركبتي، أي ضربتُ أنفه، فسال مَنْخَراهُ دَمًَا، فقالَ أبو بكرٍ ما يزعُ السلطانُ أكثرُ ممَّا يزعُ القرآنُ، ولم يقُلْ للمغيرةِ شيئًا، إذ قدْ ذَبَّ عن سلطانِ الله، وعاقَبِ من أرادِ هوانَه.
والحديثُ مشهورٌ محفوظٌ لا يَخْفَى على من قَرَأ الحديثَ والسيرةَ. وقد أَخَبَرْناه الشيوخُ محمَّدُ بنُ الحسين، أبو بكر الفرضيِّ، ويحيى بنُ عبدِ الرحمنِ العَدْلُ،
[ ٢٢٤ ]
وإسماعيلُ بنُ أحمدَ المقرئُ، بقراءَتي على كلِّ واحدٍ منْهم، قالوا: أَنْبَأ أبو الحسين بن أحمد بن محمد بن النّقور، قراءةً عليه، ولي منهُ إجازةٌ بجميعِ حديثِه، قالَ: أَنْبَأ أبو طاهرٍ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمنِ المخلص قراءةً عليه، قال: أنبأ رضوانُ بنُ أحمدَ الصَّيدلانيُّ، قال: أنبأ أحمد بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديّ قال أنبأ يونس بن
[ ٢٢٥ ]
بُكَيْر، عن محمَّد بنِ إسحق، قال حدّثني يعقوبُ بنُ عُتْبة بن المغيرة بن الأَخْنَس، قال: قُدِّمْتْ على أبي بكرٍ أفراسٌ فحمل عليها رجالًا منَ المهاجرينَ وعندَهُ رجلٌ منَ الأَنْصارِ، فغَضِبَ الأَنْصاريّ فقامَ إلى أبي بكرٍ فأخذ بمنكبيه فهزّه هزًا شديدًا وقال: حَمَلَتْهم وتركتني؟ فغضِبَ أبو بكرٍ فقالَ: ويلكَ أَرْسِلْني، فلما شقَّ على أبي بَكْرٍ قالَ: نَعَمْ حَمَلْتُ عَلَيْها من ركبِ الخيلِ قبلَ أن تنبتَ شِعْرَتُه.
[ ٢٢٦ ]
فقامَ المغيرةُ بنُ شعبةَ إلى الأنْصاريّ فركَنَهُ برُكْبَتِه، فدقَّ أَنفَه فسالَ دَمًَا، فقيلَ لأبي بَكَرٍ: أقِدْ مِْنهُ. فقالَ: لا أُقيدُهُ - والله - منهُ، ولا أُنْعِمه عينًا. والله لئنْ كادَ أنْ يَقْتُلَني.
فهذا الحديثُ على وَجْههِ، فأمّا ماقالَه: ركبتُ أَنْفي بإضافتِه إلى نِفْسِه فخطاٌ وتغييرٌ لمعنى الحديثِ وفائدتِه. وأيضًا لا يجوزُ لأنّ أحدًا لا يمكنُه أن يَضْرِبَ أنفَ نفسه بركبتِه وهو قائمٌ، هذا ما لا يقدِرُ أحدٌ أن يفعلَه بنفسه، فيصيرَ كَمَا قَرَأَ بعضُ المغفّلين: وابيضَّتْ عيناهُ منَ الكُحْل فقيلَ لَهُ: هذا لا عقلٌ، ولا قرآنٌ، وكذا هذا يصيرُ لا حديث ولا معنى ولا عقلٌ من قائِلِه. وما أظنُّه إلاَّ سَهَا فيه، وكذلكَ مَنْ
رَوَاه عَنْهُ والله أَعْلُم.
[ ٢٢٧ ]
ومنْ ذلكَ أنَّه قالَ في بابِ: الراء مع الميم، قال: وفي حديث العبَّاس أنَّه مدحَ رسولَ الله ﷺ فقال في مدحَتِه: (. . . . . . ثمالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ للأَرامِل).
قلت: وهذا خطأٌ منه، وإنَّما هذا في شعرِ أبي طالبٍ، عمِّ النبيِّ ﷺ، مدَحَ به النبيَّ ﷺ في قصيدتِه اللاميّة ويردُّ فيها على قُرَيش. وهي مشهورةٌ معروفةٌ ذَكَرَها الزبيرُ بنُ بَكَّار في أول كتابِ النَّسَبِ وذكرها ابنُ إسحق في أوَّلِ كتابِ المغازي، رواية يونس بنِ بُكَيرٍ، والكتابان سماعُنا.
وأوَّلُ البيتِ الذي ذَكَر آخره: