وممّا وقعَ تصحيفٌ في لفظِه، وخطأٌ في تفسيِره، في بابِ الباء والقاف، قال في حديثِ عائشة، ﵂، في وصفِها لأبيها في خطبتِها: ما اختلفُوا في
بُقْطة، قالَ شَمِرٌ: هي البُقْعَةُ منْ بقاعِ الأرض.
تقول: ما اختلَفُوا في بقعةٍ من بقاعِ الأرضِ قالَ: ويقعُ قولُ عائشةَ على البُقْطَةِ منَ الناسِ وهي الفِرْقَةُ. هذا ما ذكَرَهُ في كتابِه عن شَمِر فيما حكاهُ عنهُ وحرّف ما ذكره شيخُهُ أبو مَنْصورٍ الأَزْهَريِّ.
فإنَّ أبَا مَنْصورٍ الأَزْهريّ ذكرَ في كتابِه تهذيب اللغة في حرف القاف: بُقْطَة قال شَمِر: قال بعضُ الرُّواةِ في حديثِ عائشة: فوالله ما اختلَفوا في بُقْطَةٍ إلاَّ طارَ أبي بحظّها. قالَ: والبُقْطة: من بقاعِ الأرضِ، تقولُ: ما اختلفوا في بقعةٍ من البقاع. يقال: أمسينا في بقعة معشبة، أي في رقعة من كلأ. قال: ويقعُ قولُ عائشة على البُقْطةِ منَ الناسِ وعلى البقعةِ منَ الأرضِ. والبُقْطَة منَ الناسِ: الفِرقة.
[ ١٦٣ ]
فهذا ما حكاهُ الأزهريّ عن شَمِر وما فسّره في قولِ هذا الراوي المجهول ولم يذكرهُ الأزهريّ على القَطْعِ على أنّه بُقْطَة - بالباءِ - وأنَّه لم يَرْوِ غيرَ ذلك، وإنّما استغرابًا ممَّن ذكرَهُ فوجهُ خطأ أبي عُبَيد الهرويّ أنَّه لم يَحْكِهِ كما حَكَاهُ أستاذُهُ، وجعَلَه أصلًا في هذهِ الكلمةِ.
وقولُ شَمِر: قالَ بعضُ الرُّواةِ في حديثِ عائشةَ: ما اختلَفوا في بُقْطةٍ، ولا ذكرَهُ ولا نَسَبهُ ولا عرَّفه بشيءٍ فيعلم: أهوَ ثقةٌ فيما حَكَى، أمْ جاهلٌ بما روى؟.
فهو مجهولٌ لا تُقْبَل روايتُه، ولا يُحْتجُّ بها على ما رواه العلماءُ الثقاتُ، فإنّ علماءَ الرُّواة وفقهاءَهم إذا بَلَغَهم حديثٌ فيهِ حُكْمٌ عنِ النبيِّ، ﷺ، وكان في إسناده رجلٌ مجهول لا يعرف أسقطوا الحديث ولم يَعْملوا به. هذا إجماعٌ منهُم على ذلك فكيف إذا روى رجلٌ مجهولٌ كلمةً وصحَّفَها مَنْ لا يَعْرِفُ الحديثَ، وخالف فيها ما رواهُ العلماءُ والأئمَّةُ الثِّقات، مثلُ الإمامِ أبي عبدِ الله أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ.
وأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلاَّم، والحارثِ بنِ أبي أسامة، وإبراهيمَ الحربيّ، وأبي بكْرٍ
الأنباريّ. وغيِرهم من الحُفَّاظ. ولا يتْرك قولُ هؤلاءِ السادةِ الأئمَّةِ العلماءِ العدولِ، ويُعْتَمدُ على روايةِ راوٍ مجهولٍ
[ ١٦٤ ]
غيرِ معروفٍ مقبولٍ، لا يُدْري: ثقةٌ هو أم ضعيفٌ جَهُولٌ؟ فلا يعولُ على روايته ولا يسمعُ منهُ ما يقول ُ.
وإنما ذكرَ الأزهريّ ما حكاه شَمِر غيرَ مُعْتَمدٍ على روايتِه، إذْ كانَ هوَ أَعْرف من شَمر بما نقلهُ الأئمَّةُ العدولُ، واعتمدَ على قولِهم وروايتهمْ دونَ روايةِ رجلٍ لا يُعرفُ جَهُول.
قلتُ: وهذا تصحيفٌ ممَّن نَقَلهُ، وتفسيرٌ خطأٌ ممّن ذَكَرهُ، لا يليقُ بمدحِ عائشةَ، ﵂ لأبيها، ﵁. وأيّ مدحٍ له إذا اختلفَ الصحابةُ في بُقْعَة من بقاعِ الأرضِ؟ وإن كان قد حُكي أنَّ البقطةَ - بالباءِ - في كلام العربِ: البُقعةُ، فأيّ فائدةٍ تَخْتَصّ بمدحِ خيرِ الصَّحابةِ أبي بكرٍ الصديقِ؟. وإنّما هو نقطةٌ - بالنونِ - هكذا ذكرهُ أبو عبيد القاسمُ بنُ سلاَّمٍ في غريب الحديث، وأبو بكر ابن الأنباريّ النحوي.
وهكذا سمعناه في الحديث في مسند الحارث بن أبي أسامة التميمي عن شيوخه - بالنون -
[ ١٦٥ ]
في الجزء الحادي عشر والجزء الخامس عشر من أجزاء الراوي عنه، أبي بكر بن خلاد. وهو فيما أخبرنا الشيخ أبو المطهِّر، سعد بن عبد الله أبي الرجاء الأصبهاني، قدم علينا طالبًا للحج، قراءة فأقرَّ به من كتابه، وأنا أسمع في شوَّال سنة تسعين وأربعمائة، قال: أنبأ الحافظ أبو نعيم، أحمد بن
[ ١٦٦ ]
عبد الله الأصبهاني، قراءة عليه بأصبهان. وقُرِئَ على الشيخ أبي بكرٍ أحمد بن عليّ الصوفيّ منْ أصلِ سماعِهِ
[ ١٦٧ ]
العتيق، وأنا أسمع فأقرَّ به في جُمَادى الأولى منْ سنةِ ستٍّ وتسعينَ، قال: أنبأ الحسينُ بن شجاع بنِ الحسنِ البزَّاز، قراءةً عليه، قالا: أنبأَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ يوسفَ بنِ خلاّد العطارُ النصيبيّ قراءةً عليه، قال: حدّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، حدَّثنا أبو محمَّد التميميُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:
أنبأَ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سَلَمة عن عبدِ الواحدِ بنِ أبي عَوْن، عن القاسمِ بنِ
[ ١٦٨ ]
محمّدٍ، عن عائشةَ ﵂ أنَّها كانتْ تقولُ: قُبِضَ رسولُ اللهِ، ﷺ، فارتدَّتِ العربُ واشرأبّ النفاقُ بالمدينةِ، فلو نزَل بالجبال الراسياتِ ما نَزَل بأبي لهاضَها، فواللهِ ما اختلفوا في نُقْطة إلاّ طارَ أبي بحظّها وغَنَائها في الإسلام. وكانت تقولُ مع هذا: مَنْ رأى ابنَ الخطَّاب عرفَ أنّه خلقَ غَنَاءً للإسلامِ كان - والله - أحوزيّا، نسيج
[ ١٦٩ ]
وحدِه، قد أعدّ للأمورِ أقرانَها. وبالإسنادِ قال: ثنا الحارثُ، قال: ثنا يحيى بن أبي بكيرٍ، قال ثنا عبدُ العزيزِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الواحدِ بن أبي عونٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ قال: قالت عائشة، ﵂: توفي رسول الله ﷺ فوالله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، اشرأبَّ النفاق بالمدينة، وارتدّت العربُ. فو الله ما اختلفوا في نقطةٍ إلاّ طارَ أبي بِحظِّها وغنائها في الإسلام. قال: وكانت تقول مع هذا الحديث: ومن رأى ابن الخطاب عَلِمَ أنَّه خُلِقَ غناءً للإسلامِ، وكان - والله - أحوزيّا، نسيج وحده، قد أعدّ للأمورِ أقرانها.
[ ١٧٠ ]
وبالإسناد قال: ثنا الحارث قال: ثنا أحمد بنُ يونس قالَ: ثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الله بن أبي سَلمة، عن القاسمِ بن محمّدٍ، عن عائشةَ، قالت: توفي رسول الله ﷺ، فو الله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، وذكر الحديث نحو حديث يزيد بن هارون، أنا اختصرته.
فهكذا سمعناه وحفظناه نُقْطة - بالنون - في مسند الحارث بن أبي أسامة وفي غيره، والحارث ثقة إمام ضابطٌ.
ومثله في كتاب الفضائل الذي جمعه أحمد بن حنبل، ﵀ عن شيوخه، وهو عشرة أجزاءٍ سمعنا من الشيخ أبي الحسين الطيوري، عن أبي منصور السّواقِ، وأبي طاهر محمد بن عليٍّ
[ ١٧١ ]
العلاّفِ، وغيرهما، عن أبي بكر بن مالكٍ القطيعيِّ،
عن عبد الله بنِ أحمد عن أبيهِ. ولم يحضرني الكتابُ فأخرِّجَ الحديث بالإسناد متَّصلًا، ثم إنّي خرّجت الحديث بإسناد بعد ذلكَ.
-
فأخبرنا المبارك بن أبي القاسم الصّيرفيِّ بقراءتي عليه
[ ١٧٢ ]
من أصلِ سماعهِ بخطِّ محمدِ بنِ الفراتِ وكان من الضابطينَ العلماءِ الأثباتِ، قال: أنبأ أبو طاهرٍ، محمد بنُ عليِّ بنِ العلاّفِ، قراءةً عليهِ قال: أنبأ أبو بكر بن مالك القطيعيِّ، قراءةً عليهِ قال: ثنا عبد الله ابن أحمدَ ابن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأ عبدُ العزيزِ ابن عبد الله بن أبي سلمةَ، عن عبد الواحد بن أبي عونٍ، عن القاسم بن محمدٍ عن عائشة أنَّها كانت تقول: قُبِضَ النبيُّ ﷺ فارتدَّتِ العربُ، واشرأبَّ النفاقُ بالمدينةِ فلو نزل بالجبالِ الرواسي ما نزلَ بأبي لهاضها، فوالله ما اختلفوا في نقطةٍ إلاّ طارَ أبي بحظِّها وغَنَائها في الإسلام. وكانتْ تقول مع هذا: ومَنْ رأى عمرَبن الخطابِ عَرفَ أنه خُلِقَ غَنَاءً للإسلام، كان - والله - أحوزيًّا، نسيج وحدِهِ، أعدَّ للأمور أقرانها.
[ ١٧٣ ]
كتبتُه من الأصل بخطِّ ابن الفرات، وقد ضبطه نُقْطة - بالنون - وهو ثقة ثبتٌ. وقد نقل نسخته من كتابِ ابن مالكٍ، وابن مالك كتبه من كتاب عبد الله بن أحمدَ، وعبد الله نقله من خطِّ أبيه، ﵀، وكلُّهم ضبطهُ بالنونِ.
ومن سمعَ الحديثَ عرفَ أنَّهُ لم يُنقلْ فيه قطُّ بُقْطة - بالباء - وإنما هو نُقطةٌ - بالنون - والباء تصحيفٌ ممّن ذكرهُ. وتعني عائشة، ﵂ بقولها: لم يختلفوا في نقطة إلاَّ طار أبي بحظِّها، أن أباها، ﵁، لم يختلف الصحابة والتابعون في أمرٍ من أمورِ الدينِ إلا كانَ الحقُّ فيما يقوله أبو بكر ويأمرُ بهِ، نحو ما اختلفوا في موت النبيِّ ﷺ، حتى قال عمرُ بن الخطّاب، ﵁، من قال: إن رسول الله ﷺ، قد مات
علوته بسيفي هذا، ووسوِسَ بعضُهم فسكتَ وعَقِرَ عليُّ بن أبي طالبٍ، ﵁، فلم ينطق بكلمةٍ.
وكذلك عثمان بن عفَّان وغيره من الصحابةِ، ﵃، حتى جاءَ أبو بكرٍ ﵁ وكان غائبًا عند زوجته بالسُّنح - فدخلَ على النبيِّ، ﷺ، وهو مسجّى بثوبٍ فكشفَ عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، وقال: أمّا الموتة التي كتبها الله على خلقهِ فقد مُتَّها، وما كان الله يجمع عليكَ موتتين، يعني الصَّعْق والغشيَ، لأن جماعةً منهمْ عمر بن الخطاب قال: إنَّ
[ ١٧٧ ]
رسول الله، ﷺ، قد غُشيَ عليه وصَعِق وسيرجعُ كما رجع موسى ﵇. ثمَّ خرجَ أبو بكرٍ، ﵁ والناسُ عزونَ، وبعضهم مجتمع على عُمر، ﵁، وهو مصلِتٌ سيفَه، فقال له: يا عمر إنَّ رسول الله قد ماتَ.
وتلا عليه وعليهم: (ومَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) الآية. فألقى عمرُ من يدهِ السيفَ، ثم صارَ إلى قول أبي بكرٍ، واجتمعَ إليه الصحابة وقالوا: كأنَّأ لم نسمع هذهِ الآية قطُّ.
ثم اختلفوا في دفنه فقال كلُّ واحدٍ منهم قولًا، فقال أبو بكر: يدفنُ مكانَه الذي قُبضَ فيهِ، فإنّ رسولَ الله ﷺ، قال: إنَّ الله يقبضُ أرواحَ الأنبياءِ في خيرِ البقاعِ، فرجعو إلى قوله.
[ ١٧٨ ]
وكذلك لما اختلفوا في قتال مانعي الزكاة رجعوا إلى قوله وغير ذلك من الأمور. فأمّا ما ذكره من تفسير البُقطة - بالباء - أنها البقعةُ من الأرضِ، فقد ذكر ذلك عن بعض أهلِ اللغة، ولا معنى لقولِ عائشةَ، ﵂ في مدحِ أبيها بذلك وإنما هو تصحيف من ناقله.
والمعروف والصحيحُ ما ذكرته أنّه نُقْطةٌ - بالنون - تعني الأمر والقضيّة، وما يتنازعونَ فيه من الاختلاف، هكذا ذكرهُ العلماءُ المحقِّقونَ. فأمَّا ما حكاه عن شَمِر
فغيرُ معروفٍ في تفسير هذه اللفظة، ولا أعلم أحدًا ذَكَرَ هذا التفسيرَ الذي ذكرهُ. وكان يجبُ عليه أن ينظرَ في ذلك ويطالعَ كتبَ العلماءِ في غريبِ الحديثِ، لأنّه قالَ: مالي في الكتابِ شيء إلاّ جمعي لهُ من كتبِ العلماءِ، فيا عجبًا أما نظرَ في غريب الحديث لأبي عبيد الذي هو الأصل في هذه الكتبِ؟ أو كتابِ إبراهيم الحربيِّ، أو أبي بكرٍ الأنباريِّ فكان ينقل هذه اللفظة على الصوابِ؟ لكنّه عجز عن ذلك فأخطأَ الصوابَ.
[ ١٨٣ ]