ومن ذلكَ قالَ في بابِ الشين مع الراء وفي الحديثِ أنَّ النبي، ﷺ، قال لخوّات بن جبير: ما فَعَل شِرادُكَ؟ يعرِّضُ بقصَّتِه المعروفة مع ذات النِّحْيَيْن.
قلت: هذا إقدامٌ منهُ وقلَّةُ مبالاةٍ بما يُنْسَبُ إلى رسولِ الله ﷺ ما لا يليقُ أنّ يضافَ إلى بعضِ صُلَحاءِ المسلمينَ أن يعرِّضَ بقصةٍ كانَتْ في الجاهليَّةِ قبلَ الإسلامِ، ويعيّر رجلًا منْ أهلِ بدر من الأنصارِ أمرًا قدْ عَفَا الله تعالى عنه، لقوله ﷺ الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه. ولقولِه ﷺ اطّلع ربّكم على أهلِ بدرٍ فقالَ: اعمَلوا ماشئتُم فقد غفرتُ لكم.
[ ٢٤٢ ]
فإنْ كانَ عَلِمَ ما عليه من الإِثْم في ذلك، ثمّ أقدَمَ عليهِ جَهْلًا بذلك منه، لقدْ أَقْدَمَ على أمرٍ عظيمٍ. وإنْ كانَ غفلةً منه وسَهْوًا من غيرِ اعتقادٍ منهُ لذلكَ رجوتُ له إذا تابَ أن يُغفر له ذلك.
وإنَّما قال ﷺ ذلك لخوّاتٍ يومًا - ورآه واقفًا ينظر إلى نسوةٍ منَ الأَعْرابِ في بعض الطُّرُقاتِ، وكانَ العهدُ قريبًا بالإسلامِ، وكانوا على عادَتِهم في حالِ العربِ ما لم يُنْهَوا عن أمرٍ من أمورِهم، وقبلَ نزولِ قولِه تعالى: (قلْ للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارِهم ويحفظوا فروجهم)، فقال له النبي: ما هذا ياخوّات؟ قال: يا رسول الله بعيرٌ شردَ لي فأنا أتبعه وأسأل عنه. فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم رآه بعد ذلك فقال: ما فعَلَ شرادُك يا خوّات؟. فقال: ذهب يا رسول الله.
والحديثُ مشهورٌ، وهو في فوائدِ عبدِ الله بنِ مخلدٍ، وفيه قصةٌ مذكورةٌ فيه،
[ ٢٤٣ ]
قال
خوّات: فكنتُ أَسْتَحي منْ رسولِ الله ﷺ، إذا لقيتُه وأتَوَارَى عنه. فدخَلَ يومًا المسجدَ وأنا أُصَلّي، فلمّا رأيتُه قمتُ في الصّلاة وأطلتُها، فلمّا رأى رسول الله ﷺ، ذلك منّي قعد وقال: لستُ بارحًا فإنْ شئت فَأَطِل وإنْ شئتَ فَأَوْجِز فلمّا رَأَيت ذلك أَوْجَزْتُ وسلّمت، ثم أتيتُ رسولَ الله ﷺ، فقعدتُ بينَ يديهِ مُطْرِقًا وسلَّمتُ عليه، فقالَ: ما أقامَكَ عنِ النِّساء؟ وما فعل شِرادُك؟. فقلتُ: يا رسولَ الله لا أعودُ واعتذرتُ. فقبلَ النبيُّ، ﷺ عُذْري وهذا حديثُ خوّات بإسنادِه، خرّجته أدُلّ به على صحّةِ ما ذكرْتُه.
أخبَرنا أبو الحسين، أحمدُ بنُ محمَّد بنُ أحمد بن النّقور البزّاز، إجازةً تلفّظ ِبها، وكتبَ لنا خطّه بها. وأخبَرنا عنهُ أبو القاسم بنِ أبي بكرٍ المُقرئ، قراءةً عليه قالَ: أنبأ القاضي أبو محمّد عبدُ الله الأسدي الأَكْفانيّ قراءةً عليه في يومِ
[ ٢٤٤ ]
الأَحد الثامنَ عشرَ من شهرِ ربيعٍ الأوّل من سنةِ خمسٍ وتسعينَ وثلاثمئةٍ، فأقرَّبه، قال: حدّثنا أبو عبدِ الله محمَّد ابنِ مخلدٍ العطار، قال ثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيىبنِ الحارثِ بنِ مَيْمون البصريّ، شريك السرّي سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ عن أبيهِ قال: سمعتَ زيدَ بن أسلم
[ ٢٤٥ ]
يُحدِّث أنّ خوّات بن جُبَيْر، قال: نزلتُ مع رسولِ الله ﷺ مرَّ الظّهران. فخرجتُ من خِبَائي فإذا نسْوةٌ يتحدّثن، قال: فأعجبْنَني. قالَ: فَرَجَعْتُ فَأَخْرَجْتُ حلّةً من عَيبتي، فلبستُها ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله ﷺ من قبّته، فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك إليهن، فقال: فبهت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله: جمل لي شرد، فأنا أبتغي له قيدًا. قال: فمضى رسول الله فتبعته، قال: فألقى إليّ رداءه ودَخَلَ الأراك، فلَكَأَنِّي أَنْظُر إلى بياضِ قَدَمَيْه في خُضْرةِ الأَراكِ فقضى حاجَتَه وتَوَضّأ ثمّ جاءَ وقال: يا أبا عبدِ الله ما فعلَ شرادُ جملكَ؟ ثمَّ
ارتَحَلْنا فَجَعَلَ لا يلحقني في السَّيرِ إلاَّ قالَ: السَّلامُ عليكُم أبا عبدِ الله ما فعَل شِرادُ جملكَ؟. قال: فتعجّلْتُ إلى المدينةِ، فاجتنبت ساعةً المسجدَ ومجالسة رسول الله، فلمّا طال ذلك عليّ تحيَّنت ساعةَ خلوةِ المسجدِ فجَعَلْتُ أصلّي. فخرجَ رسولُ الله ﷺ من بعضِ حجره، قال: فجاءَ فصلّى ركْعَتَين خفيفَتَين، ثم جَلَس وطوّلتُ الصلاةَ رجاءَ أنْ يَذْهبَ ويدَعَني، فقال: طوِّل أبا عبدِ الله ما شئتَ فلستُ بقائمٍ حتّى تنصرفَ. فقلتُ: والله لأعتذرنّ إلى رسولِ الله، ولأبرّئن صدرَه. قالَ: فانصرفْتُ فقالَ: السلامُ عليكُم أبا عبدِ الله، ما فعلَ شرادُ الجملِ؟ فقلْتُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما شردَ ذلكَ الجملُ منذُ أسلَمْتُ.
[ ٢٤٦ ]
فقالَ رَحِمَكَ الله مرَّتين أو ثلاثًا، ثمّ أَمْسَك عنِّي فلم يَعُد.
[ ٢٤٧ ]
فهذا الحديث يدلّ على ما ذكرتُ في قوله: ما فعلَ شرادُكَ؟، لا ما قالَه المؤلفُ في معنى ذاتِ النّحْيَيْن فأَخْطَأَ الصواب. ولم يكن النبيّ، ﷺ يلومُ رجلًا من أصحابِه في أمرٍ قدْ عفا الله عنه، وأذهبَهُ بالإسلامِ، كانَ في الجاهليّة. وإنّما عَتَبَ عليه في أمرٍ كانَ منهُ في الإسلام أقلع عنه، وتاب منه، ولأنّ قصَّةَ ذات النّحيين مشهورة عند أهل العربية، ولم يكن ثمّ شرادٌ. وإنّما تقعُ منْ هذا المصنِّف هذه السَّقطات لقلّة معرفته بالأخبارِ والآثارِ، وأنّه لمْ يعرِف إلاّ قصةَ ذاتِ النّحيين لأنّه قد عَرَفها من كتبِ اللغةِ، وضربتِ العربُ به المثل، فقالوا: أشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ فَحَمَلَ فعلَ الجاهلية وما جرى فيها ممّا عفا الله عنه بالإسلامِ على الصّحابة، وأضافَ إلى رسولِ الله، ﷺ، ما لا يليقُ بأخلاقهِ الشريفةِ، التي قال الله تعالى: (وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ).
[ ٢٤٨ ]
وكان ﷺ يكرَهُ أن يَلْقَى أحدًا في وجْهِه بما يَكْرَه، هكذا روى أنسُ بنُ مالكٍ وغيره من الصحابة عنه، فكيف يجوز أو يحلّ لأحدٍ أن يقولَ: إنّ رسول الله ﷺ عرّضَ لرجلٍ من أصحابِه من أهلِ بدرٍ بفعلٍ كانَ منهُ قبلَ الإسلامِ في الجاهليّة؟ فلقد باءَ قائلُه بإثمٍ عظيمٍ، وخُسرانٍ مُبينٍ، إنْ لمْ يُعْفَ
عنه بتوبةٍ منه، وندمٍ على ما قالَه، واستغفارٍ في الحالِ، خوفًا من سوءِ المآلِ.
[ ٢٤٩ ]