من ذلك أيضًا في هذا البابِ ما وقعَ فيهِ تغييرٌ، قال: في الحديث: لمّا غنّت المرأة حمزة:
ألا يا حمزُ ذا الشّرفِ النِّواء
قلت: هكذا أنشده: ذا الشُّرفِ، والصحيحُ والمعروف للشُّرفِ، باللام لأنّ القَيْنَة أَغْرَيْن حمزةَ بنَ عبدِ المطلب، ﵁ بالشُّرفِ ولم تكنْ له، وإنّما كانت لعليّ ابن أبي طالب، ابن أخيه، ﵁،
[ ٢٥٠ ]
وكان حمزة، ﵁ مع جماعةٍ في بيتِ شربٍ قبل تحريمِ الخمرِ، وكانَ عليٌّ، ﵁ قدْ أعدّ ناقَتَيْن عندَ بابِه، ومضى ليأتي بحبالٍ وغرائر ومعهُ صاحبٌ له ليجمعا من الإذْخِرِ وغيِره فيبيعه للصواغينَ منْ بني قَيْنُقَاع اليهود وكان حمزةُ، ﵁ قد عَمِلَ فيه الشرابُ وثمل فغنّته القينة فقالت:
ألا يا حمزُ للشرفِ النّواءِ فهنَّ معقّلاتٌ بالفناءِ
ضع السّكّين في اللّبات منها وضرِّجْهنَّ حمزةُ بالدِّماء
وعجّل من أطايبها لشَرْبٍ طعامًا من قديدٍ أو شواءِ
الشّرف: المِسانّ من الإبلِ، والواحدة: شارفٌ، والنِّواءُ: السِّمانُ، والنِّيّ: الشَّحم، وقد نوتِ الناقةُ تَنوى نوايةً، إذا سمنتْ.
[ ٢٥١ ]
فخرج حمزة إلى الناقتين فعقرهما واجتبَّ أسْنِمتهما، وبَقَر خواصرهما، ولم تكونا له فتضيفهما إليه، فتقول ألا يا حمزَ ذا الشُّرفِ. أي: صاحب، وإنّما كانتا لابن أخيه عليٍّ، ﵁. وإنّما أغرتهُ فعقرهما فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواءِ
أي: عليكَ بهنَّ فانْحَرهنَّ، وأَطْعِم لحمهنَّ للشَّرْبِ، أي: الجماعةِ الذينَ كانوا مَعَه. هكذا سمعناهُ في مسندِ أميرِ المؤمنينَ عليّ بن أبي طالبٍ بجمعِ الإمامِ أبي عبد الله
الشيبانيّ. وفي مسندِه أيضًا الذي جمعَهُ أبو جعفر الحَضْرَميّ، مطيِّن الكوفيُّ،
[ ٢٥٢ ]
والحديث صحيحٌ مشهورٌ معروفُ عندَ أهلِ العلمِ.
وقد أخبرنا بهِ في صحيحِ البخاريّ في كتابِ البُيوعِ، في بابِ بيع الحطب والكلأ، الشيخُ أبو الحسنِ عليّ بن الحسين بن أيوب، قال: أنبأ أبو عبدِ الله الخلال، قال: ثنا أبو عليّ الكشانيّ، قال: ثنا أبو عبد الله
[ ٢٥٣ ]
الفِرَبْريّ، قال: ثنا أبو عبد الله البخاريّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى أنبأَ هشامُ أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرَهُم، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ عن
[ ٢٥٤ ]
عليٍّ ابنِ حُسَين بنِ عليٍّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ﵁، قالَ: أَصَبْتُ شارِفًا معَ رسولِ الله، ﷺ، في مَغْنَمِ يومِ بَدْرٍ قالَ: وأَعْطَاني رسولُ الله شارِفًا أخرى، فأنَخْتُهما يومًا عندَ باب رجلٍ من الأَنْصارِ، وأنا أريدُ أنْ أحملَ عليهِما إِذْخِرًا لأبيعهُ ومعي صائغٌ منْ بَني قَينُقاع فأَسْتَعين به على وليمةِ فاطمةَ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطلب يشربُ في ذلكَ البيتِ مَعَه قينةُ تغنيه فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواء
فثار إليهما حمزةُ فجَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، ثم أَخَذَ من أَكَبادِهما. قلتُ لابنِ شهابٍ: ومنَ السَّنامِ؟ قال: قد جبَّ أسنمتَهما فذهبَ بِها. قال ابنُ شهابٍ قالَ عليٌّ: فنظرتُ إلى منظرٍ أَفْظَعَني، فأتيتُ نبيّ الله، وعندَه زيد بن حارثةَ فأخبرته الخروجَ فخرج ومعه زيد، فانطلقت معه فدخلَ على حمزَةَ، فتغيّظ عليهِ فَرَفَعَ بَصَرَهُ وقال: هل أنتُم إلا عبيدٌ لأبي؟ فرجعَ رسولُ الله يُقَهْقِرُ حتَّى خرجَ عنهم، وذلك قبلَ تحريمِ الخَمْرِ.
[ ٢٥٥ ]
وأخْبَرنَاه عاليًا أيضًا أبو الخيرِ بنُ أبي عِمْرانَ المَرْوزيّ في كتابه، قالَ: ثنا أبو الهيثم الكُشْمَيْهينيّ، قالَ ثنا الفِرَبْريّ، قالَ: ثنا البخاريّ فذَكَرَ مثلهُ.
[ ٢٥٦ ]
وقد ذكرَهُ أيضًا أبو داود السجستانيّ في سُنَنِه، في كتاب قِسْم الفيء، وفيه قصّةٌ
قالَ عليٌّ ﵁: فلمّا رأيتُ ما فعلَ حمزةُ عَمِّي، ﵁، بالناقتين وذلك بعدَ مَوْقِعَةِ بدر العُظْمَى دَخَلَني من ذلك أمرٌ عظيمٌ ولم أَمْلِك عينيّ، ولم يكنْ لي سواهما وكنتُ أريدُ أن أستعينَ بما أبيعُه منَ الإذْخِر على وليمةِ فاطمةَ ﵍. فدخلت على رسول الله، ﷺ، فشكوت إليه ما فعل حمزة بناقتيّ، فقامَ رسولُ الله، ﷺ، فانْتَعل، ثم أخَذ رداءَه وانطلقَ معي ليدخُلَ على عمّه حمزة، ﵇ فيعاتبه على ذلك فظنّ رسول الله ﷺ أنَّ حمزة صاحٍ. وكلّ ذلك قبلَ تحريمِ الخمرِ، قالَ عليٌّ: فدخلَ عليه رسولُ الله، ﵇ وزيد بنُ حارثةَ مولاهُ وأنا معهُ، فعَذَلَهُ ولامَهُ وهو ثَمِلٌ منَ الشَّرابِ، فصعَّد النظرَ إليهِ ثم خَفَضَهُ، وقالَ: هل أنتم إلا عبيدُ أبي؟ فلمّا سَمِعَ منه ما قالَهُ رَجَعَ رسولُ الله ﷺ القَهْقَرى وعَلِمَ أنَّه قد عَمِلَ فيه الشرابُ وهو ثَمِلٌ. فخَرَجَ وخَرَجْنا مَعَه ثم أَعْطَى عَليًَّا ﵁ عوضَ النَّاقتين الشّارفَيْن. وإنّما بدَّل هذا المصنّفُ في تصنيفِه لأنّه أَخَذَ العلمَ من الصُّحفِ، لا منْ ألفاظِ الرجالِ العلماءِ، فإذا قالَ شيئًا منْ عندِه أَخْطَأ فيه.
[ ٢٥٧ ]