ومنْ ذلكَ ما وقعَ في لفظِه اختلافٌ بينَ أهلِ العربيّة ورواةِ الحديثِ: ذكرَ في كتابِ (الشين مع الياء) في آخرِه، قال: في الحديثِ: هلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ الشاعةُ: الزّوجةُ.
قلتُ: هكذا ذَكَرَه بالشِّينِ مُعْجمةً - وبالعين المهملةِ - وقال: في الحديثِ، ولا يَذْكُرُ أيّ حديثٍ هو فلا يعرِفه كلُّ أحدٍ فيظنُّ أنّه من كلامِ النبيّ ﵇ ومن كلامِ الصحابة.
وهذه اللفظةُ في حديثِ عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، جدِّ رسول الله ﷺ، قالها سيفُ ابنُ ذي يَزَن الحميريّ ملكُ اليمنِ لمّا وفَدَ عليه معَ جماعةٍ من قريْشٍ قبلَ أنْ يولدَ لعبد المطَّلب ولدٌ وكانَ سيف قد قرأ الكتب وجالس الأحبار
فجرى بينَه وبينَ عبدِ المطَّلبِ حديثٌ طويلٌ وقالَ له: تأذَنْ لي أن أنظرَ إلى بعضِ جسدكَ؟ فقال: نعم، ما لم يَكُنْ عورةً، فنظرَ في مَنْخَرَيه فقال: أَرى في أحَدِ مَنْخَرَيْك نبوّةً، وفي الآخرِ مُلْكًا، فهلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ أي زوجةٍ، قال: لا قال:
[ ٢٥٨ ]
فإذا قَدِمْت بلدكَ فتزوجْ.
[ ٢٥٩ ]
هكذا قَرَأْنَاه على شيوخِنا الثقات في فوائدِ أبي بكرٍ الشافعيّ التي رواها عنه أبو طالبِ بنُ غَيْلان البزَّازُ شاغة. بشينٍ وغيٍن معجمتين. وهكذا وجدتُه بخطِّ الشيخِ الحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ البغداديِّ.
وكانَ قَدْ جَمع لأبي طالبِ بنِ غَيْلان الأمالي والمجالس التي سمِعَها من أبي بكرٍ الشافعيّ في سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمئةٍ. ورتّبها وجَعَلها في أَحَدَ عَشَرَ جزءًا، وكان مُتْقِنًا ضابِطًَا، وكذا أبو بكرٍ الشافعيِّ كان فَهْمًَا ضابِطًَا، وضبط هذه الكلمة بغين معجمة وكذلك شيوخِنا الذين قَرَأْنا عليهِم هذِه الفوائد. فلمّا رأيتُ في كتابِ الغريبين قد ذَكَرَ ذلك بالشين المُعْجَمَةِ شَكَكْتُ فيما ذَكَره ولم أتُرُك ما سمعتُه من شيوخنا ورأيته بخطّ الحفّاظ من علمائِنا. ثم إني راجعتُ الكتب المصنّفة في اللغة، فلم أجدْ هذه اللفظةَ إلاَّ في كتابِ تهذيبِ اللغة لأبي منصورٍ الأزهريّ، وهو الذي ينتمي إليه مؤلِّف الغريبين، أبو عبيدٍ فوجدتُه قد ذكر ذلك في كتاب (العين والشين)، قال: الشَّاعة: الزوجة. وكذلك وجدتُه في غريب الحديث عن إبراهيم الحربيّ. بالشين المُعْجَمة والعينِ المُهْمَلَة، فثبت ذلك عِندي. فرجعُتُ إلى قولِه، إذْ كان أَعْرَف باللُّغةِ
[ ٢٦١ ]
ممَّن قَرَأْنا عليه، ولم أغيِّره في سماعِنا عن الغَين المعجمة بل حكمتُ على أنّه خلافٌ بينَ رواةِ الحديثِ وأهلِ اللغة. والكلمةُ هي لغةٌ يمانيةٌ. وكنتُ قد أمليتُ على الشيخِ العالِم الإمام أبي بكر الجلميّ البلخيّ، لمّا ورد علينا مدينةَ السلامِ بعدَ عَوْدِهِ منَ الحجّ، وهو منْ أئمَّةِ خراسان - أمتعَ الله بهِ أهلَ العلمِ - أنّه قد صحّف فيها أبو عبيدٍ لما تكرّر من تصحيفِه لما اشتُهِرَ منْ ألفاظِ الحديثِ، فكيف منْ غرائبِ ألفاظِه؟ فلمّا وجدتُ الأزهريّ والحربيّ قد ذكراهُ كذلك
جَنَحْتُ ورجعتُ عنْ قولي في هذه الكلمةِ إذا رويت بالعين مهملة، أنّه تصحيفٌ، بل هو خلافٌ بين العلماءِ، فليُعْرَف ذلكَ، ولا يكتَبْ ذلكَ الذي قلت: إنّه تصحيفٌ.
وحديثُ سيفِ بنِ ذي يَزَن معَ عبدِ المطلب مشهورٌ، قد ذكرَهُ العلماءُ الذين جمعوا دلائلَ النبوّةِ، مثلُ أبي حفصِ بنِ شاهين، والبغداديّ وأبي نُعَيم
[ ٢٦٢ ]
الحافظُ الأصبهاني، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم، وقد سمعتُه من طُرقٍ ولم أقدر على إخراجِه، لأنَّ كتبي لم تَكُنْ عِنْدي حين علّقت هذا بخطّي.
ومع هذا فلستُ أحتاج إلى ذِكْرِه. إذ قد ثَبَتَ عِنْدي قولُ مَنْ رَوَى هذه اللفظة بعينٍ مهملةٍ وكذلكَ مَنْ رَوَاها بإسنادهِ بغينٍ معجمةٍ فصارَتْ خِلافًا. كما رَوَى أبو بكرِ ابنُ الأنباريُّ في أسماءِ الشمسِ بوح، بالباءِ المُعْجَمَة من تحتِها بواحدةٍ، وبالحاءِ المهملةِ وأنكَرِ عليهِ ذلك جماعة من علماء وقته، مثل أبي عمر الزاهد اللغوي، وأبي بكرِ بنِ دريدٍ، وغيرِها. قالوا: هي: يَوحُ بالياءِ المُعْجَمَةِ باثنتين من تحتِها، والحاءِ المهملةِ، فلم يرجعِ ابنُ الأنباريِّ إلى قولهم، قال: هكذا سُمِعَتْ فصارَتْ خِلافًا بينَهم. والمحفوظُ يوح بالياء، لأنَّ الأكثرَ على ذلكَ، وكذا هي في الكتبِ بالياء.
[ ٢٦٣ ]