ومن ذلكَ ما ذكرَهُ في باب (الصاد مع الراء)، قال: في الحديثِ: إنَّه قال لخَصْمَيْن تقّدما إليه: أخرجا ما تصرِّران.
قلت: قوله: في الحديث أنَّه قالَ لخَصْمَيْن تقدّما إليه خطأٌ وتغييرٌ منه للفظِ الحديثِ ومعناهُ وقولُه: في الحديثِ، ولا يعيّن هل هوَ منْ حديثِ النبيّ ﵇، أو منْ حديثِ الصَّحابةِ أو التَّابعين فلا يَعرف ذلكَ منْ ليسَ هوَ من أهلِ العلمِ بالحديثِ، فهوَ سهوٌ منْهُ أو قلةُ معرفةٍ منه بالسُّنّة. وإنّما هذا حديثُ عبدِ المطّلب بن ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، والفضل بن العبّاس بن عبد المطلب، بعثهما أبوهما إلى رسول الله
[ ٢٦٤ ]
ﷺ ليسأَلاه أنْ يوليهما شيئًا منَ الأعمالِ، كما يولّي
غيرَهما فَلَم يَفْعَل. وحديثُهما مسندُ أهلِ المدينةِ منْ مسندِ أحمدِ بنِ حنبلٍ، وفي سننِ أبي داودَ السّجِستانيّ رحِمَهما الله - مبيّنٌ مشروحٌ في بابِ قِسْمَة الخِمْس وسهمِ ذوي القربى من كتابِ قِسْمَةِ الفيء، ولم يكنْ بينَهما خصومة ولا كانا خَصْمَيْن كما قالَ المؤَلِّفُ.
أخبرناه في كتابِ السننِ الشيخُ الحافظُ أبو محمدٍ، عبدُ الله بنُ أحمدُ بنِ عُمَرَ المقرئ بقراءتي عليه من أصْل سماعِه، قلتُ لهُ: حدّثكم الشيخُ الإمامُ الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بن علي الخطيب البغداديّ، قراءةً عليكًم من لفظِه بدمشق في سنةِ سبع وخمسين وأربعمئة،
[ ٢٦٥ ]
وأخبركم الشيخ أبو عليٍّ بن أحمد التّستريّ قراءة عليه بالبصرةِ، قالَ: أنبأَ القاضي أبو عمرٍ الهاشميِّ، قالَ: ثنا أبو علي اللؤلؤيّ،
[ ٢٦٦ ]
قالَ: ثنا أبو داود السّجِسْتانيّ قال: حدّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، قال: ثنا يونُس عن ابن شهابِ، قال أخبرَني عبدُ الله بنُ الحارثِ
[ ٢٦٧ ]
بنِ نوفَلٍ الهاشميّ أنَّ عبدَ المطلبِ بن ربيعةَ بنَ الحارثِ أخبَرُه أنّ أباه ربيعةَ ابنَ الحارِثِ وعبّاسَ بنَ عبدِ المطّلبِ قالا لعبدِ المطّلبِ بنِ ربيعةَ والفضلِ بنِ عباسِ: ائتيا رسولَ الله، ﷺ فقولا له: يارسولَ الله، قد بَلَغْنا منَ السنِّ ما تَرَى، وأحببْنَا أنْ نتزوّجَ، وأنتَ رسولُ الله أبرُّ الناسِ وأْوصلُهم، وليسَ عندَ أَبَوَيْنا ما يَصْدُقانِ عنَّا فاستعملْنا يا رسولَ الله على الصَّدقاتِ، فلنؤدِّ إليكَ ما يؤدّي العمّال، ولنصبْ ما كانَ فيها منْ مرفَقْ. قال: فأتَى عليّ بنُ أبي طالبٍ ونحن على تلكَ الحالِ
[ ٢٦٨ ]
فقالَ لَنَا: إنّ رسولَ الله ﷺ، قالَ: لا والله لا نستَعْمِلُ أحدًا منْكُم. على الصدقة فقالَ لهُ ربيعةُ: هذا منْ أَمْرِك، قدْ نلت صهرَ رسولِ الله، ﷺ، فلمْ نَحْسُدكَ عليه، فأَلْقَى عليٌّ رداءَه ثم اضْطَجَعَ عليه فقالَ: ثنا أبو حسن القَرْمُ، والله لا أَريمُ حتى يرجعَ إليكُمَا ابناكُما بجوابِ ما بعثتما بهِ إلى النبيّ، ﷺ. قال عبدُ المطّلب: فانطلقْتُ أنا والفضلُ حتىّ نوافقَ صلاةَ الظُّهرِ قدْ
قامتْ، فصلّينا معَ الناسِ، ثمّ أسرعتُ أنا والفضلُ إلى باب حجرةِ النبيّ، ﷺ، وهو يومئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقمْنا بالباب حتى أتى رسولُ الله ﷺ، فأخذ بأذني وأذنِ الفَضلِ، ثم قال: أخْرِجا ما تصرِّران. ثم دخل فأذنَ لي وللفضل، فدخلنا فتواكلنا الكلامَ قليلًا، ثم كلّمته أو كلّمه الفضلُ.
[ ٢٦٩ ]
وقد شكّ في ذلكَ عبدُ الله، قالَ: كلَّمه الذي أمرنا به أبونا فسكت رسولُ اللهِ، ﷺ، ثم رفعَ بصَرَهُ قِبَلَ سقفِ البيتِ حتّى طالَ علينا أنّه لا يرجعُ إلينا شيئًا، حتى رأيْنَا زينبَ تلمعُ من وراءِ الحجابِ بيدِها، تريدُ ألاّ تعجل، أو أنَّ رسول الله، ﷺ في أمرِنا، ثم خفضَ رسولُ الله ﷺ رأسَهُ فقالَ لنا: إنَّ هذهِ الصدقةُ إنّما هي أوْساخُ الناسِ، وإنّها لا تَحِلّ لمحمّدٍ، ادعو لي نوفلَ بنَ الحارثِ،
[ ٢٧٠ ]