ومما غَلِطَ في تفسيرِهِ وحرَّفَ معناهُ وغيَّرهُ وأخطأَ في تأويلِهِ ما ذكرهُ في بابِ (الضادِ مع الحاء). قال: وفي الحديثِ ورسولُ اللهِ، ﷺ في الضِّحِّ والريحِ، أرادَ كثْرةَ الخيلِ والجيشِ: يقالْ: جاءَ فلانٌ بالضّحِّ والريحِ، أي ما طلعتْ عليهِ الشمس، وهبَّتْ بهِ الريحُ، أي المالُ الكثيرُ.
قلتْ: وهذا تفسيرُ منْ لا يعرفُ الحديثَ ولا يعلمُ معناهُ، ولا يدري ما وجهُهُ ولا على أيِّ سببٍ ذُكِرَ. وإنّما الحديثُ أنَّ أبا خَيْثمة الأنصاريَّ السالميَّ كانَ قدْ تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ، ﷺ في غزوةِ تبوك من غيرِ عذرٍ مع منْ تخلّفَ منَ المنافقينَ وغيرِهِمْ، وكانتْ في حرٍّ شديدٍ فرجعَ أبو خيثمةَ يومًا إلى بيتِهِ وقدْ رشّتْ لهُ زوجتُهُ البيتَ وظلّلتهُ وهيأتْ لهُ طعامًا ليأكُلَ فقالَ: يكونُ رسولُ اللهِ، ﷺ في الضّحِّ والريحِ، يعني في الشمسِ والحرِّ، وأكونُ أنا في الظلِّ، واللهِ لا دخلتُ البيتَ، ولا طعِمْتُ حتى أتهيَّأَ للخروجِ إلى رسولُ الله، ﷺ، ثم إنه خرج قاصدًا إلى النبيّ، ﷺ حتى لحق به.
هكذا رواه ابن إسحق في المغازي، والواقدي أيضًا وغيرهما. . .
[ ٢٧٤ ]
فأمّا ما قاله مؤلف الغريبين من أنَّ معنى الحديث كثرةُ الجيش والخيل، فذاك معروفٌ أن رسول الله، ﷺ كان في الجيش، لا معنى لما قاله، ولا فائدة فيما ذكره، إذ قد علم أن النبيّ ﵇ كان في الجيش وكثرة العدد في تلك الغَزاة، وهي آخر الغزوات. وإنما تذكّر أبو خيثمة وفكّر كيف تخلّف عن النبيّ، ﵇ في تلك الغزوات من غيرِ عذرٍو كان قد تهيّأ للغزو فندم على تأخره وتخلفه عن رسول الله، ﷺ، وهو في الشمس والحر، وكيف لم يشارك في الشّدة، فأقسم على ألا يدخل بيته، ولا يأكل طعامه، ولا يستظل من الشمس حتى يلحق برسول الله ﵇، ففعل ﵁. والعجب من هذا المؤلِّف أنّه قال في أوّل الكتاب: مالي فيه تفسيرٌ إلاّ أني قد ألّفته من كلام العلماء. وهذا التفسير من كلامه لا من كلام العلماءِ ولا أعلم أحدًا من العلماءِ ذكر هذا التفسير في هذا الحديث سواه، فأخطأ فيما شرحه وغيّر معناه. فقد أخبرنا بحديث أبي خَيْثمة هذا في كتاب طبقات ابن سعد الكبير، الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، قراءة عليه
[ ٢٧٥ ]
وأنا أسمع في الجزء الحادي عشر من كتاب الطبقات لابن سعد صاحب الواقدي، قال: أنبأ الشيخان أبو القاسم، عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ، وأبو إسحق إبراهيم بن عمر ابن أحمد البرمكيّ، قراءة عليه
[ ٢٧٦ ]
قالا: أنبأ أبو عمر محمد بن حيّويه الخزازّ، قراءةً عليهِ، قال: أنبأ أبو الحسن أحمد بن معروف الخشَّاب، قال: ثنا حسين بن فهمٍ، قال: ثنا محمد بن سعد، كاتب الواقدي، قال أبو خيثمة - واسمه مالك بن قيس بن ثعلبة بن العجلان بن زيد ين عنم بن سالم - شهد أُحُدًا والمشاهد كلَّها، وتخلّف عن الخروج مع رسول الله، ﷺ إلى تبوك عشرة أيام، فدخل يومًا على امرأتين له في يومٍ حارٍّ،
[ ٢٧٧ ]
فوجدهما في عريشين لهما قد رشَّت كل واحدةٍ منهما عريشها، وبرّدت له
ماءً، وهيّأت له طعامًا، فقال: سبحان الله، رسول الله، ﷺ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر في الضحِّ والريحِ والحرِّ، يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظلالٍ باردةٍ، وطعامٍ مهيّأ، وامرأتين حسناوين؟ ما هذا بالنَّصف، والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما، ولا أكلِّمكما حتى ألحق برسول اللهِ فخرج متَّى إذا دنا من رسول اللهِ. ﷺ، وهو نازلٌ بتبوك قال الناس: هذا راكبٌ على الطريقِ، فقالَ رسول الله، ﷺ: كنْ أبا خيثمة، فقال الناس: هذا أبو خيثمة، وأناخَ راحلتهُ. ثم أقبل فسلَّم على النبيّ، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ: أولى لك يا أبا خيثمة، فأخبر رسول الله خبره، فقال رسول الله، ﷺ خيرًا ودعا له. فهذا الذي ذكره الرواةُ، ويبيّن معنى الحديث إذا عُرِفَ السبب الذي ورد فيهِ.
[ ٢٧٨ ]