ومن ذلك أنّه ذكر في باب (الطاء مع اللام)، قال: وفي حديث عبد الله: إنّما ضنّوا عليك بالمطَلْفَحةِ، فكُلْ رغيفك، يقول: إذا بخلوا عليك - يعني الأمراء - بالرقاقة، يقال: طلْفحتُ وفَلْطَحْتُ بمعنى واحد.
قلت: وهذا أيضًا قد غيَّر فيه لفظ الحديث، وفسَّره على غير معناه، وأخطأ في تأويله لقلّة معرفتهِ بالأحاديث ومعانيها، والأسباب التي رويت فيها. فأمّا تغيير لفظ الحديثِ، فإنَّه روى وذكر في كتابه: إنّما ضَنُّوا عليكَ، هكذا في النُّسخ وذلك خطأ، ولم يجئِ الحديثُ على لفظِ الخبرِ وإنَّما جاءَ على لفظِ الشرطِ: إذا بخلوا عليك ولم يكن ذلك قدْ وقع بعد. وهذا في حديث عبد الله بن مسعودٍ، ﵁، وجرى في مجلسه ما قد ذكره النبيُّ، ﷺ، مما يكون بعده من حال أمراء يكونونَ بعدَ الخلفاءِ، وشرطوا على العمَّال من قسمة الفيء وجباية الخراج، وتفريقه على المسلمين الذينَ هم أحقُّ بذلك ممَّن أستأثر به وصرفه في غير حقِّه، ومنع أربابه حقوقهم، وما يجري من الأمراء
[ ٢٧٩ ]
الخونة الذي يمنعون المسلمين ما
فرضه الله عليهم، وما فرضه الخلفاء ﵃ من العطاءِ والصّدقاتِ والخراج والزكاةِ، وما يجري من الأمراء من منعْهم العطاءَ وما يظلمون. فقال عبد الله بنُ مسعودٍ، ﵁، ولم يكن أيّامه من ذلك شيءٌ، لأنّهُ مات قبل أمير المؤمنين، ذي النورين، عثمان ﵁، وقبل وقوع الفتن التي حدثتْ بعد قتلِ عثمان، ﵀،: إذا ضنّوا يعني: أمراء بعده عليك بالمفلطحة، يعني: الدراهم، لأنها تُضرب وتوسَّع ولم يقل مخبرًا كما ذكر المصنِّف: إنّما ضنّوا عليك بالرقاقة، كما قال: ولم يرد بقوله: المفلطحة الرقاقة ولا الخبز المرقّق، هذا لا معنى له، ولا يجوز أن يحمل كلام السادة الصحابة على شيء لا معنى فيه ولا يليق بهم، وإنّما أراد عبد الله، ﵁، إذا بخل عليك الأمراء الذين يكونون بعدنا بالعطاء الذي تستحقُّه في بيت المال، واستأثروا به عليك وعلى غيركَ من المسلمين فالزم بيتكَ، وكُلْ رغيفك، ولا تقفْ على أبوابهم، ولا تخرج عليهم بالسيفِ، وأقبل على شأنكَ الذي يعنيك، ولا تشتغل بذمِّهم، فسيغنيك الله تعالى عنهم. ولم يكنِ العطاء رقاقًا ولا خبزًا كما ذكر المؤلف، وإنّما كان العطاء دراهم بيضا واسعة يضربها بنو مروان في أوّلِ ولايتهم، وهي المفلطحة التي عنى ابن مسعودٍ، رحمة الله عليهِ.
[ ٢٨٠ ]
وعبد الملك أوّل من ضربَ الدراهم في الإسلام، وكتب عليها بالعربيّة. وكان المسلمون قبل ذلك يتعاملون بالدنانير والدراهم والفلوس التي كانت في الجاهلية من ضرب المشركين وأهل الكتاب.
وقد أخبرنا بحديث عبد الله بن مسعودٍ، ﵁، هذا الذي جاء فيه ذكر المفَلْطَحَة وفسِّرت بالدراهم الصِّحاح التي ذكرت، لا ما قال المؤلف أبو عبيد: إنها الرُّقاق. الشيخ أبو الحسين بن أبي القاسم الناقدُ، بقراءتي عليه في سنة أربعٍ وثمانين وأربعمئةٍ، قال: أنبأ القاسم الّلارجي الحافظ، قراءة عليه قال: أنبأ الحسين
بن محمد بن عُبيد العسكريّ الدقاق، قراءة عليه، قال: ثنا أبو جعفر
[ ٢٨١ ]
محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو داود عمر بن سعد الحفريُّ، قال: ثنا سفيان الثوريّ عن أبي
[ ٢٨٢ ]
سنانٍ عن عبد الله بن أبي الهذيلِ، عن أبي العبيدينِ، قال: كان
[ ٢٨٣ ]
يعني عبد الله بن مسعودٍ، ﵁ يقول: إذا بخلوا عليك بالمفَلْطَحة يعني الدراهم الصحاح: كل رغيفك، وردِ النّهرَ، وأمسك عليك دينَك. فهذا الحديث، وقد جاء فيه التفسير كما قلت وشرحت لا كما قال المؤلف وأخطأ في تفسير المفَلْطَحة: الرّقاق والخبز، لقلّة علمه بالأحاديث، وغيّر لفظه: إذا بخلوا، فجعلها ضنّوا أتى بمعناه. وأبو العبيدين: اسمه معاوية بن سَبْرة بن حصين النميري، ﵀، قاله ابن حنبل، ﵀، في كتاب الأسماء والكنى، وهو سماعُنا.
[ ٢٨٤ ]