وهذا من تفسيره لا من كلام غيره كما ذكر في أوّل الكتاب: إنّي جمعته من أقاويل العلماءِ.
ومن ذلك ما وقع في لفظهِ تصحيفٌ وتغييرٌ وفسَّره على ذلك فأزاله عن معناهُ، ذكر في باب (العين مع الباءِ)، قال: في الحديث: طرتَ بعبابها، وفزتُ بحبابها، عُباب الماء: أوله، وحبابه: معظمه، يقول: سبقت إلى جُمّة الإسلام فشربت صَفْوَه، يقول: أدركتَ أوائلَه وفضائلَه، هذا ما فسّره وذكره.
[ ٢٨٥ ]
قلت: أمّا تفسيره للعُباب والحُباب، فهو صحيحٌ معروفٌ، إلا أنّ لفظ الحديث غير ذا، ولم يبين كلام مَنْ هو، ولا لمن قيل ذلك؟.
وهذا حديث أُسَيْد بن صفوان وهو من الصحابة، روى أنّ عليّ بن أبي طالب، ﵇، لمّا مات أبو بكر الصديقُ - ﵄، دخل عليه وهو مسجَّى بثوبه، فقال كلامًا كثيرًا من الثناء عليه
[ ٢٨٦ ]
وتأبينه ومدحه مما هو فيه حتّى بكى وأبكى الحاضرين كلّهم، من جملة الكلام هذا الذي أورده المصنّف وصحّفه، وهو: طرتَ بَغَنائها - بالغين المعجمة وبالنون وبالياء المعجمة باثنتين، فزتَ
بحِيائِها - بكسر الحاء وبالياء المعجمة باثنتين بعد الألف. هكذا سمعناه في الكتاب الذي جمعه الحافظ أبو الحسن الدارقطني الإمام فيما قالت القرابةُ في الصَّحابةِ وما قالته الصحابة في القرابة. ورواه من طرقٍ عن المحامليّ وابن مَخْلد وغيرهما، وفي كلِّه بالغين المعجمة كما ذكرته. وكذلك ذكره في أوّل كتابه المؤتلف والمختلف، في باب أسَيْد
[ ٢٨٧ ]
وأسِيد، وذكر أسيد بن صفوان له صحبة. روى حديث عليّ بن أبي طالبٍ في مدحِ أبي بكر الصدّيق ﵄ وساق الحديثَ.
وكذلك رواه أبو عبد الله بن بَطَّة، الفقيه الحنبليّ في كتابه، كتاب الإبانة وساقه من طرقٍ أيضًا. وذكره بالغين المعجمة كما ذكره الدارقطني أيضًا، والكتابان سماعنا.
وكذلك هو سماعنا في حديث أبي محمد ماسي البزّاز، من شيخنا أبي
[ ٢٨٨ ]
الحسين الصيرفيّ، عن أبي الحسين الحرانيّ عنه، وكلّهم رووه بالغين المعجمة بغَنَائها، وفزتَ بحِيائها
[ ٢٨٩ ]
ولم أسمع من أهل العلم ولا بلغتني هذه الرواية التي ذكرها المؤلف عن أحدٍ من الأئمةِ وأهل الحفظِ، فلا أدري كيف ذكر ذلك. بل لما صحّف بغَنَائها وجعله عُبَابها جعل مع الكلمة حَبابها ليزدوج الكلام له ويأتلف، وفسَّره على ذلك.
وقد جاء في حديث عائشة في مدحها لأبيها لمّا بلغها أنّ قومًا يذكرونه بما ليس فيه، ﵁، فخطبت خطبة وقالت فيها: ما اختلفوا في نقطة إلاَّ طار أبي بحظِّها وغَنَائها، وهو معنى قول علي ﵁: طرت بغَنَائها، وفزتَ بحِيائها.
[ ٢٩٠ ]