ومنْ ذلك ما ذكر في باب الخاء مع النون، قال: في الحديث: واللهِ ما كان سعدٌ ليُخَنِّي بابنه في شقَّة من تمر، أي ليسلمه ويخفرَ ذمّتهُ. وأصله من الخنا، وهو الفُحْشُ، من قولك: أخنى عليه الدهر، أي أهلكهُ.
قلت: في قوله: في شقَّةٍ من تمرٍ، بالشين المعجمة، هكذا وجدته في النُسَخِ مُعجمًا بالشين المعجمةِ، وذلكَ تصحيفٌ من ناقلهِ. والصواب: في سِقَةٍ من تمرٍ، بالسِّين المعجمة وتخفيف القاف، وهو جمع القلة على وزن فِعْلة وهو في الحديث مصدرٌ سمِّيَ الأَوْساق به وأراد به القلة.
[ ١٨٤ ]
وهذا حديثٌ رواهُ جابرُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ السُّلمي، في ذكر سَريّة أبي عبيدةَ ابنِ الجرّاح، لمّا بعثَهُ رسولُ الله، ﷺ إلى سِيْفِ البحرِ ليلتقي عيرَ أبي سفيانَ بن حربٍ لمَّا توجَّه إلى الشامِ، وذلك قبل وقعة بدر، ليقطعوا عليه، وزوَّدهم النبيّ، ﵇ جِرابًا من تمرٍ، فكان أبو عبيدة، ﵁ يقسِّم على أصحابهِ في كلِّ يوم تمرةً فنفدَ التَّمرُ. وقد أقاموا أيّامًا كثيرةً، فصاروا يَخْبِطون الشَّجرَ بقسِّيهم وعصِيِّهم، ويأكلونَ الورقَ، فسمّوا جَيش الخَبَط.
حتّى ألقى لهم البحرُ دابةً عظيمةً يقالُ لها: العنبرُ، ميتةً فقالوا: كيف نأكُلُها: غُزاةٌ وجِياعٌ وفي سبيلِ الله؟! كلوا فأكَلُوا بضعةَ عَشر يومًا، وكانوا ثلاثمائة رجلٍ، وكانَ مَعَهمْ قيسُ بن سعدٍ بن عُبَادة بن دُلَيْم الأَنْصاريّ الخزرجي، وكان جوادًا،
ولم يكنْ مَعَه مالٌ، فلمّا رأى ما لحقَ بالمسلمينَ من الجوعِ والجهدِ نادى: ألا مَنْ يبيعني جزائر بأوساقٍ من التمرِ أعطيه إيّاها بالمدينة؟.
فجاءه أعرابيٌّ فباعَهُ خمسَ جزائر بأوساقٍ من تمر يعطيه إيَّاها بالمدينة،
[ ١٨٥ ]
فقال له الأعرابيّ: أَشْهدْ لي على نَفْسكَ بذلك فأشهدَ له على نفسهِ جماعة من الصحابةِ الذينَ كانوا معهُ في الغَزَاةِ، منهم عمرُ بنُ الخطاب، فقال: ما كنتُ لأشهدَ على رجلٍ لا مالَ لهُ، يدّان في مالِ أبيه. فقالَ الأعرابيُّ: ما كانَ سعدٌ ليخنّي بابنهِ في سقةٍ من تمرٍ، وهو يطعمُ الناسَ الطعامَ، ويقري الضيفَ ويحمل النوائب. فذبحَ قيسٌ منها للمسلمين ثلاثَ جزائرَ، ثم منعه أميره أبو عبيدةَ عن نحرِ الباقيتين بإشارة عمر بن الخطاب على أبي عبيدة، وقال: هذا لا مالَ له، ولعلَّ أباه لا يقضي عنهُ، فيضيعُ مالُ الأعرابيِّ، فلأجل ذا منَعَهُ من نحرِ ما بقي.
وبلغ سَعْدًا بالمدينةِ ما لحقَ المسلميَن في تلك الغزاةِ من الجوعِ والجهدِ، فقال: إن يكن ظنّي صادقًا فيسخَّر لهم قيسٌ. فلمّا قدم قيسٌ مع أبي عبيدةَ قال له أبوه سعد: يا قيس! ما فعلتَ فيما لحق المسلمين من الجهد؟. . . قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلتَ؟ قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلت؟ قال: نحرتُ قال: أحسنتَ، ثم قال: ماذا فعلتَ؟ قال: منعني أميري وقال: لا مال لكَ فأشهدَ له أبوه يومئذٍ حديقةً كثيرةَ النخلِ، ثم أعطى الأعرابيَّ ما كان له من
[ ١٨٦ ]
التمر وزادَهُ. فقال الأعرابيُّ: يا سعدُ مثلُ قيسٍ لا يضيَّعُ. قالَ: نَعَم، ولو بعته جزائرَ ليطعمها للمسليمنَ بجميعِ تمري لأعطيتك ذلكَ.
ولامَ سعدٌ أبا عبيدة وعمَر على ذلكَ، فقالا: خشينا ألا تقضي عنه، فقال: معاذَ الله أنا أعطي مالي الغرباء فأمنعه ولدي وما نفعني في الآخرة أجره؟، فاعتذرا إليه.
هكذا سمعناه في كتب المغازي عن ابن إسحاق، والواقدي، وعبد الرزاقِ، وغيرهم. وسمعناه في مسند أحمد بن حنبل. ﵀ في مسند جابر بن عبد الله
الأنصاري. والحديث معروف مخرَّج في الصحيح، ولم أر في كتابٍ من هذه الكتب إلاَّ سِقةً، بالسين غير معجمةٍ، وهو مصدر وسقَ يسق سِقَةً، أي جمع وأصله وِسْقة على وزن فِعلة جمع القلّة، فسمّي بالمصدر الجمعُ.
وقد سمعناه أيضًا كذلك في فوائد أبي طالبٍ، محمد بن غيلانَ
[ ١٨٧ ]
البزَّاز عن أبي بكر الشّافعيّ بسينٍ غيرِ معجمةٍ. فإن كان هذا الذي وقع في الكتاب بالشين المعجمةِ من المصنف، فقد صحّف كما صحّف غيره، ولم يعرف الحديث بل نقله مصحّفًا. والعجب أيضًا ممن قُرِئ عليه هذا الكتاب من الأئمة الذين قد سمعوا الحديث كيف لم ينبِّهوا على هذهِ اللفظةِ المغيَّرةِ والمصحَّفة غفر الله لنَا ولهُم.
[ ١٨٨ ]