وقد تقدم ذكر قول عائشة في باب (الباء مع القاف) في الكرّاسة الأولى، والحديث مشهور محفوظ. وقد فسّره أصحاب الغريب في كتبهم، ولم أخرجه برواياتي التي سمعتها من الشيوخ لئلا يطول هذا المختصر، ولأنّ الحديث معروف عند أهل العلم وأنا أذكره، إن شاء الله، في النسخة الأخرى التي أورد
منها كل حديث ذكر منه لفظة، وأبيّن ما قالته العلماء في تفسيره، لتعرف صحة ما ذكرت لك، وتقف على الصواب، والله المعين والموفّق.
وذكر في هذا الباب أيضًا، قال: وفي الحديث: مُرِي بنيكِ أنْ يَعْبطوا ضروعَ الغنم، أراد: لا يَعْبطوا، أي لا يعقروها فيدموها، كرهَ النَّهكَ، في الحلب والعبيطُ: الدمُ الطريّ، وهم يضمرون أنْ ويعملونها، أراد ألا يستقصوا حلبها حتى يخرج منها الدمُ.
[ ٢٩١ ]
قلت: هذا ما ذكره وتكلَّف في تفسيره، وتعنَّى في تأويلهِ، ولو كان يعرف الحديث كُفِيَ هذا العناء، ولم يحتج إلى التعسّف، لأنه قد غيَّر لفظ الحديث. والذي جاء في الحديث: مُرْي بنيكِ أنْ يقلِّموا أظافرهم أنْ يعْبطوا ضروعَ الغَنَم، أراد: لئلاّ يعْبطوا، ولم يردِ الاستقصاءَ في الحلب.
[ ٢٩٢ ]
ولذلك جاء النَّهيُ عنه في حديث آخر بلفظٍ غير ذا في حديث ضرار بن الأزور، وقد حلب ناقةً واستقصى في حلبها، فقال له النبيّ ﷺ: دعْ داعيَ اللبنِ، أراد ﷺ: لا تنهك الضّرع بالحلب، فلا تدع فيه شيئًا من الدّرّ تستنزل بها الدّرّ لأن الناقة أو الشاة إذا حلبت، واستقصي عليها في الحلب أبطأ نزول اللبن إلى الخلف والضّرع، وإذا تركت فيه بقية من اللبن استنزل بها اللبن سريعًا إلى الضّرع. وقد أخبرنا بحديث ضرار بن الأزور، المبارك بن عبد الجبار إذنًا، وعبد الله
[ ٢٩٤ ]
بن علي الوكيل قراءة، قالا: أنبأ أبو محمد الجوهريّ، قال: ثنا محمّد بن المظفّر الحافظ، قال: أنبأ أحمد بن عليّ
[ ٢٩٥ ]
بن عبد الرحيم البَرْقي، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية عن سليمان
[ ٢٩٦ ]
الأعمش، عن يعقوب بن بحير، عن ضرار بن الأزور، قال: أُهديتُ لرسول الله، ﷺ لِقْحة، فحلبتها له فلمّا أخذت لأجهدها، قال: لا تجهدْ دعْ داعيَ اللبنِ.
[ ٢٩٧ ]