وإنّما أراد في هذا الحديث النّهي عن ترك تقليم الأظفار لئلا تطول فتصير بحيث تعبط ضروع الماشية كما يفعل أهل البادية
والأكراد وغيرهم ممن يعمل الأعمال. وقد كره ﷺ طول الأظفار، ونهى أن تترك أكثر من أربعين يومًا لئلا تطول جدًا ويجتمع تحتها الوسخ، فيمنع وصول الماء إلى البشرة في الوضوء، فلا تكمل الطهارة، وإذا لم تتم الطهارة، لم تصح الصلاة.
ومن ذلك ما ذكر في باب (العين مع الراء)، قال: في حديث حَاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، قال: كنتُ عَريرًا فيهم، أي دخيلًا غريبًا ولم أكنْ من صميمهم. قلت: هكذا رواه: عَريرًا - بالعين - المهملة مع الراء، وهذا غير معروف عند أهل الرواية، وهو تصحيفٌ ممّن نقله. وإنّما الذي
[ ٣٠٠ ]
حفظناه في الحديث: كنت غريرًا - بغينٍ معجمة - وفي الحديث تفسيره أي ملصقًا، لأنّ حاطبَ بن أبي بلتعة كان حليفًا لقريشٍ ولم يكن من أنفسهم.
وحديث حاطب هذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري الذي جمعه عن شيوخه، وهو مخرّج في الصحاح في التفسير لقوله تعالى: (يا أيّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخذوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أَوْلياء)، وكان رسول الله، ﷺ، أراد غزو قريش لمّا نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم، وأعانوا حلفاءهم بني كنانة على حلفائه خزاعة، وبيّتوهم بالليل، وقتلوا منهم جماعةً، فعزم رسول الله، ﷺ على غزوهم، والخروج إليهم، فأسرَّ ذلك ولم يظهره إلا للخواصِّ من الصحابة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يعلمهم أن رسول الله، ﷺ، سائرٌ إليهم ليغزوهم، وأنفذ الكتاب مع امرأة وأعطاها جُعْلًا على ذلك، فأخذته وخبّأته في عِقاص شعرها وسارت، فأعلم الله النبيّ، ﷺ، بذلك، فأمر النبيّ، ﷺ، عليًّا والزبير، ﵄، أن يركبا ويخرجا في طلبها، فأدركاها بروضة خاخٍ، ففتشا رحلها فلم يجدا معها شيئًا، وهمّا بالانصرافِ، فقال عليّ،
﵂، للمرأة:
[ ٣٠١ ]
والله لتخرجنّ الكتاب أو لأجرّدنّك من ثيابكِ. فلمّا رأت الجِدَّ منهما حلّت شعرها، وأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذاه وانصرفا وجاءا به إلى رسول الله ﷺ، فقرأ عليّ عليهِ، فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له: يا حاطب أنافقتَ أم رجعت عن الإسلام؟. فقال حاطب: والله يا رسول الله، ما نافقت ولا أردت بديني بدلًا منذ أسلمتُ، ولكن ما من أصحابك المهاجرين أحدٌ إلا وله عشيرة بمكة تحميهِ من الكفّار، ولم يكن لي أنا عشيرة تحميني، كنت غريرًا فيهم، فأردت أن أتخذ عندهم بها يدًا يحمون بها أهلي. فقال رسول الله، ﷺ، صدقَ حاطب. فكفّوا عنه. فقال عمر، ﵁،: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبيُّ، ﷺ: مهلًا يا عمر، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وأنزل الله في شأنه سورة الممتحنة: (يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتّخذوا عَدُوِّي وعَدُوّكم أوْلياء تُلْقون إليهم بالمودّةِ وقَدْ كَفَروا بما جاءكم منَ الحقِّ) فهذا معنى الحديث ذكرته لتعرف القضيّة التي لأجلها قال: كنت غريرًا فيهم.
والحديث في مسند أحمد بنِ حنبل في تفسيره مكتوب، أي ملصقًا وهو من قولهم: غري فلانٌ بالشيء إذا لزمه ولهجَ به ولم
[ ٣٠٢ ]
يفارقْه، فهو غَرِيّ، وهو أصحّ من الرواية عَريرًا. ومنه الغراء، وهو الذي يلصق به.
فأما قوله: عَريرًا، بالعين المهملة في هذا الحديث فهو تصحيف لا أدري ممّن وقع من المؤلف أو من الناقل إليه ذلك؟ ولم نسمعه إلاّ بالغين المعجمة، والحديث صحيح مشهور عند أهل العلم.
وقد أخبرنا بحديث حاطب في كتاب الصحيح للبخاري: الشيخ أبو الحسن عليّ بن الحسين بن أيوب البزّاز، قراءة عليه من أصله، قال: أنبأ أبو عبد الله بن الحسين بن محمد بن الحسن الخلاّ ل، قراءة عليه فأقرّ به في سنة
[ ٣٠٣ ]
خمس وعشرين
وأربعمئة، قال: أنبأ أبو علي إسماعيل بن محمد الحاجبي الكُشَانيّ قراءة عليه في سنة تسع وثمانين وثلاثمئة قال: أنبأ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفِرَبْريّ، قال: ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا عليّ بن عبد الله، قال: ثنا سفيانُ، قال ثنا عمرو بن دينار سمعته منه مرتين قال: أخبرني حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليًا، ﵁، يقول: بعثني رسول الله، ﷺ، أنا والزبير والمقداد، قال انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ فإنّ بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها.
[ ٣٠٤ ]
فانطلقنا تَعَادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجتهُ من عِقَاصها. وأتينا به رسول اللهِ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم أمر رسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ،: يا حاطبُ ما هذا قال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إني كنت امْرَأً ملصقًا في قريش ولم أكنْ من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات لهم بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله، ﷺ: قدْ صدقكم. قال عمر: يا رسول الله دعْني أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. قال: إنَّه شهدَ بدرًا، وما يدريك لعلّ الله أنْ يكونَ قد اطَّلع على أهلِ بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.
[ ٣٠٥ ]
قال سفيان: وأيّ إسناد هذا؟ فهذا الحديث يبيّنَ لك أنّه كان حليفًا لقريش ولم يكن غريرًا فيهم، لقوله: كنت امرَأً ملصَقًا، ولم يكن لي بمكة عشيرةٌ تحميني فأردتُ أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي. ولم أفعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن الإسلام، فبان بقوله: مُلصقًا أنه كان غريرًا بغين معجمة،
وهو معنى ملصقًا لا عَريرًا، كما ذكره المصنف، فثبت أنه صحّف الكلمة، ولم يعلم الحديث، ولا خفاء بذلك عند أهل العلم بالرواية والدراية،
[ ٣٠٦ ]