وهكذا روى في الحديث غريرًا، والصواب من جهة العربية غريًّا، ولكن هكذا نقلناه غريرًا، واشتقاقه يدلّ على أنّه غريُّ. ومن ذلك قال في باب (العين مع الراء) في الحديث: اهتزَّ العرشُ لموتِ سعد قيل: أرادَ بالعرش الجنازة، وهي سريرُ المَيت، واهتزازه فَرَحُه بأنّه حُمِلَ عليه إلى مَدْفَنِهِ، وقيل؛ غير ذلك، والله أعلمَ بالتأويل، هذا ماذكره.
قلت: وهذا تأويل بعيدُ ولا يُحملُ كلام الرسول، ﷺ، على مثل هذا التأويل البعيد. وقد جاء الحديثُ الصحيحُ: اهتز َّ عرش الرحمنُ لموت سعد بن معاذ، فلا يحتاج إلى هذا التأويل الضعيف.
[ ٣٠٧ ]
وكان المنافقونَ قالوا في حقّ سعد بن معاذٍ ﵁، أنه خفَّ على السرير، فاهتزَّ السرير لخفته، لأنّه حكم في بني قريظةَ بما لا يستحقّونَه، وكذب المنافقون، فردَّ عليهم ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري فقالَ: سمعت رسول الله، ﷺ يقولَ: اهتَّز عرش الرحمن لموت سعدِ بن معاذٍ، ﵁. فهذا الحديث يُبْطِلُ كلَّ تأويل تأولَه متأوِّلُ مِنَ الجهميةِ في نفيهم العرشَ، وأنَّ المراد به السريرُ الذي يُحْمل عليهِ الَميْتُ. وقد ذكره مؤلف هذا الكتاب، أبو عبيد أيضًا في باب (الهاء مع الزاي) على الصواب، فقال:
[ ٣٠٨ ]
في الحديث اهتَّز العرش لموتِ سعدِ، فقال أهل العلم، معناه: ارتاح بروحهِ حينَ صعدوا به واستبشروا لكرامته على ربِّه، وكلّ من خفَّ لأمر وارتاحَ له فقد اهتزَّ لهُ، وأكثر أهل العلم على أنه عرشُ الرحمنِ ﵎. وقال الأزهري: أرادَ فَرَح أهل العرش بموتِهِ. وقال ابن قتيبةَ: أرادَ حَملةَ العرشِ استبشروا بروحِهِ.
قلت: ومن يذكر أنّ أكثر أهل العلم على أنّه عرش الرحمن، ما كان ينبغي له أن
يذكر هذا التأويل البعيد المعنى من الحديث هنا، فيشكك فيه من لا يعرف الحديث.
[ ٣٠٩ ]