ومن ذلك قال في باب العين مع الصاد في خبر رواه عبد اللهِ بنُ نُفَيْعٍ في شأن صنم، قال: فجاء ثَعلبان فأكلا الجُبن والزُّبدَ، ثم عَصَلا على رأسِ الصنم، أيِ: بالا. هكذا ذكره في كتابه ثَعْلبانِ بلفظ التثنية.
قلت: وهذا قبيح من مثل هذا المصّنف مع علمهِ وفهمهِ ودرايتهِ، كيف ذهبَ عليه مِثلُ هذا حتَّى أخطأ في تفسيره، وصحّف في روايته؟!
وإنَّما الحديث أنَّ رجلًا كانَ يعبد صنمًا في الجاهليةِ، قبل الإسلام، وكانَ يجيء باللبنِ والزُّبَد فيلقيه على رأس صَنَمهِ ويقول له: اطعَم. ففعل ذلكَ به يومًا، وقعد عنده لينظرَ مَنْ يأكلُ اللبنَ والزُّبَدَ، فجاء ثُعْلبان، وهو الذكر مِنَ الثعالبِ، اسم له معروفٌ عنَد العلماءِ، لا مثنّى كما ذكره، فأكلَ اللبنَ والزّبَدَ ثم عَصَلَ على رأس الصنمِ، فقامَ الرجلُ فضربَ الصنم فَكَسرهُ، ثم جاء إلى النبَّي، ﷺ، فأخبر بذلك وأسلم، وقال فيه شعرًا:
أربٌّ يبولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأسِهِ لقدْ ذَلَّ مَنْ بالتْ عَلَيهِ الثَعَالِبُ
هكذا رواه العلماءُ، والحديثُ مذكورٌ في الكتب المؤلَّفة على حروفِ المعجمِ في أسماءِ
[ ٣١٠ ]
الصحابةِ في معجم البَغَوِيِّ، وابن شاهينَ، وابن قانعٍ، وهو سماعنا.
والرجل هو راشدُ بن عبدِ ربهِ، أحد بني ظفرَ من سُلَيم. والصنم هو الذي يقال له: سَوَاع بالمَعْلاةِ من (رهاطَ)، كانت تدينُ له هُذَيل وبنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع. قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر، فرأيت عنده ثعالب تأكل ما حوله وتلحس ما يلقى عليه من اللبن، فجاء ثعلبان منها فأكل ما يهدى له من اللبن ولحس ما عليه من الزبد، ثم عدا عليه ببوله، فلما رأى ذلك راشد قال:
أربٌ يبولُ الّثعلبانُ برأسهِ
وكان ذلكَ عندَ خروجِ النبيِّ، ﷺ، إلى المدينة، وقد تسامعتْ به العربُ، فخرجَ راشدٌ فأتى رسول الله، ﷺ، بالمدينة ومعه كلبٌ له اسمه راشدٌ وكانَ اسم راشد يومئذ ظالمٌ، فقال له النبيَّ، ﷺ، ما اسمكَ؟ فقالَ: ظالمٌ. قال: فما اسم كلبكَ؟ قال: راشد.
[ ٣١١ ]
قال رسول الله، ﷺ: اسمك راشد، واسم كلبك ظالم، وضَحِكَ النبيَّ، ص، وأسلم راشد وبايعه النبيُّ ﷺ وأقام معه ثم طلبَ مِنْ رسول الله قطيعةً بـ رهاطَ فأقطعه رسول الله بالمعلاة من رهاط، شأو القوس ورميته بحجر، وأعطى النبيُّ راشدًا إداوةً من ماء وتَفلَ فيها وقال: فرِّغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناسَ فضولَها. ففعل فجاء الماء عِينًا مُجِمَّةً إلى اليوم، وغرس عليها النخل وغدا راشدٌ على سواع فكسره.
والحديث مشروح طويل في كتاب دلائل النبوة لأبي نُعَيم الأصفهاني أيضًا. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيها بين الذكر والأنثى، قالوا: الثُّعلُبان: ذكر الثعالب، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والعُقْربانُ: ذكر العقارب. وأنشدوا في الثّعلُبانِ (البيت)، وفي العُقْرُبانُ:
عَقْرَبَةٌ يَكْومها عُقْربان
[ ٣١٢ ]