ومن ذلك قال في باب (العين مع اللام): وفي حديثِ عائشةَ، ﵂: ما آسى على شيء من أمره، تعني أخاها عبد الرحمنِ أنه لم يعالج ولم يدفن حين مات. قال شمر: معنى قولها: لم يعالج، أي لم يعالِجُ سكرةَ الموتِ فيكون كفارةَ لذنوبهِ، وذلك أنَّهُ فاجأه الموت.
قلت: هكذا رواه عن شمر يعالج، بكسر اللام، وذلك خطأ، وإنَّما هو: لم يعالَج، بفتح اللام، يعني أنَّه لم يمرَّض فيكونَ قد ناله من المرض ما يكون كفارة لذنوبه، ويذكِّره الموت فيوصي ويتسلى أهله عنه بمعالَجته في مرض. أخبرنا أبو الفضل الأمين، قراءةً عليه، قال: أنبأ عبيد الله بنُ أحمدَ بن عثمانَ الصيرفي، والحسن بن عليٍّ الجوهريّ، قال: أنبأ أبو عمر بن حيويه، قال: أنبأ أحمد بن معروف الخشَّاب، ثنا الحسين بن فهيم، ثنا محمد بن سعد
[ ٣١٥ ]
في كتاب (الطبقات)، قال: ثنا عبدُ الملكِ بن عمرو أبوعامر العَقديّ، ثنا نافع بُن عمرو عن أبي مُلَيكة أنّ
[ ٣١٦ ]
عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر توفي بالحُبشيِّ على رأسِ أميال من مكة، فنقله ابنُ صفوانَ إلى مكَّةَ، فبلغ ذلك عائشةَ فقالت: ما آسى من أمرهِ إلاّ على خَصْلَتين، أنَّه لم يعالَجْ، وأنَّه لم يُدْفَن حيثُ ماتَ. قال نافعُ: وكانَ ماتَ فجأةً. هكذا رواه ابنُ سعدٍ يعالَج بفتح اللام، فأما قوله: يُعَالجُ سكرةَ الموتِ فخطأٌ منهُ أيضًا، فإنّ الذي يموتُ فجأةً يعالجُ سَكْرةَ الموتِ، إلاّ أنه أخفّ عليه من النّزع، ولأجلِ ذلك قال النبُّي، ﷺ، في
[ ٣١٧ ]
موتِ الفجأةِ: هي راحةٌ للمؤمن، وأسفٌ على الكافر، ثمّ استعاذَ،
[ ٣١٨ ]
﵇ من موتِ الفجأةِ، لأنّ الإنسان يذهب بذنوبه ثمّ يمحّص عنه بمرضه
وما يقاسي من شدّة النّزع. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر، ﵁ قد نامَ نَومًا فقبضَ في نومه في موضعٍ بطريق مكّة وهو صادرٌ من الحجّ إلى المدينة، فتأسفت عليه عائشة، ﵄، كيف لم يَمرض فيعالج، فيكون أهون لحزنه عندها. وندمت حيث لم يدفن في الموضع الذي قبضت نفسه فيه ولم يُنقل إلى موضعٍ آخر فدُفنَ فيه، وهكذا الناس كلّهم إذا مرضوا عند أهاليهم ثمّ ماتوا في مرضهم كان أهون عليهم لحزنهم، وأقلّ جَزَعًا لمصابهم، وأسلى لهم،
[ ٣٢١ ]
ومن ابتُلِيَ بهذا عرف ذلك.
وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، ﷺ في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، ﷺ في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري ابنُ يحيى السّرى، ثنا
[ ٣٢٢ ]
شعيبُ بنُ إبراهيم التميمي ثنا سيفُ بنُ عمر التميمي، عن الوليد بن كعب عن أبيه، عن عليٍّ، ﵇، قال: هو أسلى لأهلي يمرضّوني وقد وقع أجرك على الله. فولّيت تمريضه ما دام الرجال يدخلون عليه، فإذا ارتفعوا خلّيته والنسوة.
[ ٣٢٣ ]
وبه حدّثنا سيف بن مبشّر بن الفضيل، عن سالمٍ عن أبيه، قال: جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسولّ الله ايذن لي لأمرضكَ وأكونَ الذي أقوم عليك. فقال: يا أبا بكر، إنْ أحمل أزواجي وبناتي وأهل بيتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عِظمًا، وقد وقع أجرك على الله.
[ ٣٢٤ ]