ومن ذلكَ ما وقعَ تصحيفٌ في لفظهِ وخطأٌ في تفسيره ِ، قال في باب (الراء مع الهاء) في الحديث حسبُكُمْ من الرّهَقِ والجفاءِ ألاّ يُعْرفَ بيتُكَ، أراد النَّوكَ الحُمْقَ،
وألاَّ تدعوَ أحدًا إلى طعامكَ.
قلت: هكذا ذكره وضبطهُ: لا يُعرفَ بيتكَ، أرادَ النَّوكَ، وهذا تصحيفٌ قبيحٌ من الغلمانِ المتعلِّمينَ، فكيفَ من العلماءِ الفاضلينَ؟ وتفسيرهُ خطاٌ فاحشٌ يدلُّ على أنَّ قائله لم يجالس العلماءَ والأدباءَ، ولا أئمةَ الحديثِ الحفَّاظَ الفضلاءَ، بل نقلَهُ منَ الكتبِ وصحَّفه تصحيف المعلِّمين المغفَّلينَ الأغبياء،
[ ١٩٤ ]
وإنَّما الصوابُ ما رواهُ الإمامُ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مسنده، والإمام أبو عيسى الترمذيّ، ﵀ في جامعهِ، بإسنادهما عن أبي هريرة أنَّ النبيّ ﷺ خرج إلى السُّوقِ فاشترى سراويلَ منْ رجلٍ، وجاء إلى وزّانٍ يزن بالأجرِ فقال له النبيُّ ﷺ: زِن وأرجِحْ، فسمعَ الوزّان كلامًا لم يعهدْ مثلَه، فسأل عنه الوزّانُ وقال: منْ ذا؟ فقالَ لهُ أبو هريرة حسبُكَ منَ الرَّهْقِ والجّفاءِ ألا تعرفَ نبيّكَ، لا ما صحّفَهُ هذا المصنّف مِنْ قولِه: لا يُعْرَف بيتك، وفسَّره بأعجبَ من تَصْحيفِه.
[ ١٩٥ ]
والحديثُ مشهورٌ منْ أهلِ الرِّوايةِ والدرايةِ، وقد سمعناه أيضًا من غيِر روايةِ أحمدَ والترمذيِّ، فيما رواهُ الشريفُ أبو عبدِ الله بنِ عبد الرحمن الحسنيّ الكوفيّ، فيما جاء في لبس السراويل، قرأت على الحافظ أبي الغنائم النَّرْسي من كتابهِ قال أنبأ محمّد بن عليِّ بن أبي الجرّاح، قال: ثنا الحسنُ بن الطيب
[ ١٩٦ ]
البلخيِّ، قال ثنا عليُّ بن محمد المَروزيِّ، قال: ثنا يوسف بن زيادٍ البصريّ، عن
[ ١٩٧ ]
عبد الرحمنِ بن أنْعُم، عن الأغرِّ أبيّ مسلمٍ، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ معَ رسولِ الله ﷺ السّوق، قال: فقعدَ إلى البزّازينَ واشترى سراويل بأربعة دراهمَ. وكان لأهلِ السوقِ رجلٌ يزن بينهم الدراهمَ، قال: فدُعي ليزن ثمن السراويلِ، فقال النبيّ ﷺ: اتزن وأرجحْ، فقال الوزان: إنّ ذا القول ما سمعته من أحدٍ من الناسِ، فمن أنتَ؟ قال أبو هريرة: فقلت: حسْبُكَ من الرّهقِ والجفاء في دينك ألا تعرفَ نبيَّكَ.
[ ١٩٨ ]
قال الوزّان: هذا نبيُّ الله؟ فألقى الميزانَ ووثبَ فأخذَ بيدِ النبيِّ. صلى
الله عليه وسلم ليقبِّلها. قال: فجذبَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمو قال: مَهْ. إنما يفعلُ هذا الأعاجمَ بملوكها وإني لستُ بملكٍ، إنَّما أنا رجلٌ منكم. قال: ثمَّ جلسَ فاتَّزن الدَّراهمَ وأرجحَ كما أمرَهُ النبيُ، ﷺ. فلما انصرَفْنا تناولتُ السراويل عن رسول الله ﷺ لأحمله عنه، فمنَعَني وقال: صاحبُ الشيءِ أحقُّ بحملِه، إلاَّ أن يكونَ ضعيفًا يعجزُ عنهُ فيعينُه عليه أخوه المسلمُ. قلتُ يا رسولَ الله: وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار، وفي الحضرِ والسفرِ قال يوسف: وشككت في قوله: مع أهلي، إني أمرت بالستر فلم أجد ثوبًا أستر من السراويل.
[ ١٩٩ ]