فأمَّا مِرار بغير ألفٍ فغيرُ معروفٍ ولا يليقُ بمعنى الحديث.
ومن ذلك قالَ في باب (الميم مع اللام) في حديث أبي هريرة: فكأنّما تُسِفُّهم المَلَّ، أي: فكأنّما تسفي في وجوهِهم المَلَّةَ، وهي التراب المَحْمي بالنارِ.
[ ٣٩٢ ]
قلت: وهذا تفسير بعيد غير موافق لمعنى الحديث، وإنما تسفّهم من السفوف والملّ: الرماد الحار لا التراب، وقد ذكره بعد هذا الحديث وجعله حديثًا آخر، وفسّره على الصواب، وهو قال: يارسول الله، إنَّ لي قراباتٍ أَصِلهُم ويقطعونني، وأعطيهم فيكفرونني، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ قال ﵇ إنّما تسفُّهم المَلَّ، قال: تُسِفُّهم من السَّفوف.
وقد أخبرنا بحديثِ أبي هريرةَ هذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، الشيخ: أبو الحسن الكَرَجيّ، قال: أنبأ أبو الحسين الحرّاني وأبو علي
[ ٣٩٣ ]
بن المذهب. وأخبرنا علي بن محمد بنِ عليّ بنِ العلاّف، بقراءتي عليهِ قالَ: أنبأ أبو القاسم عبدُ الملك بنُ بُشران قراءة عليه، قال: أنبأ أحمد بن جَعْفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي قال: ثنا جعفرٌ، ثنا شُعْبةٌ قال:
سمعتُ العَلاء ابنَ
[ ٣٩٤ ]
عبد الرحمن يُحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله إنّ لي قرابةً أصِلُهمْ ويقطعوني، وأُحْسِنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُم ويجهلونَ عليَّ. قال: لئن كنتَ كما تقولُ فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك.
-
[ ٣٩٥ ]
قلت: والحديثُ واحدٌ فجعلهُ حديثين، وقال فيه في الأول: كأنّما، وقال في الثاني: إنّما، والمحفوظ: كأنّما. وفسّره في الأوّل خطأ، قال: تُسفّهم أي فكأنّما تسْفي في وجوههم الملّة، وهي التراب الحارُّ فهذا خطأ. وفسَّرهُ في الثاني على الصواب تفسيرًا جيّدًا، فهذا يدلّ على أنّ التفسيرَ الأوّل منه فأَخْطَأ، والثانيَ منْ كلامِ غيرِه فأصابَ في ذكره، قالَ القتيبي: الملّ الجمر، ويُقال: الرماد الحارّ، فجعله في التفسير الأوّل الترابَ المحميّ بالنار، ولا يُسمّى الترابُ المَحميُّ
[ ٣٩٦ ]
بالنارِ المَلَّ.
[ ٣٩٧ ]