ومن ذلك ما وقع في تفسيره خطأٌ وتحريفٌ لمعناهُ، قالَ في أوّل (باب النون مع الهمزة) قوله تعالى (وهم يَنْهَون عنهُ وينأَوْنَ عنه)، أي: يَنْهَوْنَ الناسَ ويتباعدون عنهُ.
قلت: وهذا تفسيرٌ لم يَنقل عن أحدٍ ممّن ذُكِرَ عنهُ التفسيرُ منْ أهل العلمِ، ولا سمعناه إلاّ في كتابهِ، وهو غيرُ صحيحٍ، ولا يليقُ بمعنى الآية. فإنّ المفسّرين للقرآن مُجْمِعون على أنّ الآية نزلت في حقّ أبي طالبٍ، عم النبيّ ﷺ، لأنّه كان يَنْهى الكفارَ عن أذى النبيّ، ﷺ، ويصدّهم عن قتله ولا يؤمن هو بهِ ولا بما جاءَ به، فكانَ النبيّ ﷺ، يُحبُّ أنْ يُسلم، ويعرضُ عليهِ من ذلك فيأبى لِما سبق لهُ من التقدير، ونزلت الآية فيه قوله تعالى: (إنك لا تَهدي مَنْ أحببت ولكنّ الله يَهْدي مَنْ يشاء) أخبرنا أبو الحسن بنُ أيوبَ، قال: أنبأ أبو عبد الله بنُ الخلاّل، قال: أخبرنا أبو علي الكُشاني، ثنا أبو
عبد الله الفِرْبريّ، ثنا أبو عبد الله البخاري، ثنا محمود، ثنا
[ ٣٩٨ ]
عبدُ الرزاق، أنبأ مَعْمَرُ عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبيه أن أبا طالبٍ لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي، ﷺ، وعنده أبو جهل، فقال: أي عم قلْ: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاجُّ لكَ بها عندَ الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أميّة: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبدِ المطّلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتّى قال آخرَ كلِّ شيءٍ، كلّمهم هو على ملّة عبد المطلب؟ فقال النبيّ، ﷺ: لأستغفرنّ لهُ ما لم أُنْهَ عنه ونزلت: (ما كان للنبي والذينَ آمنوا معهُ أن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين)، الآية، ونزلت: (إنك لا تَهْدي مَنْ أَحببتَ).
وروى مسلم بن الحجاج في كتاب الصحيح بإسناده عن يحيى بن سعيد
[ ٣٩٩ ]
عن أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، لِعمِّه عند الموت: قل لا إله إلاّ الله أشهدُ لك بها يومَ القيامة، فأبى، قال: لولا أن تعيّرني قريشٌ، يقولون: حمَله على ذلك الجَزَع، لأقررتُ بها عينك، فأنزل الله تعالى: (إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ الله يهدي من يشاء) القصص. وكان أبو طالب في أوّل ما دعا النبيُّ إلى الله تعالى يَمْنَع قومَه من أن يصلَ
[ ٤٠٠ ]
أحدٌ منهم إلى أذيّة النبيّ ﵇، وله شعرٌ كثيرٌ قاله يردُّ على قومه ما أرادوا بالنبيّ، ﵇، منه قوله:
كذبتم، وبيت الله يُخْزى محمّدٌ ولمَّا نُطاعنْ دونَهُ ونناضل
فأنزل الله فيه: (وهم يَنْهَونَ عنهُ ويَنْأَوْنَ عنه) هذا هو المعروف في تفسير الآية، ذكره أهلُ التفسيرِ في كتبهم، وعلماءُ العربية في معاني القرآن المؤلّفة لهم.
أنبأنا أحمدُ بنُ محمّد بنِ النقور، وأخبرناهُ عنه جماعة، قالَ: أنبأ محمد بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدّثنا رضوان بنُ أحمد، ثنا أحمد بنُ عبدِ الجبّار العُطارديّ قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْر، عن قَيْس بنِ
[ ٤٠١ ]
الربيعِ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: حدّثني مَنْ
سمع ابنَ عبّاس يقولُ في قوله تعالى: (وهُم ينهَوْنَ عنه ويَنْأَوْنَ عنه): نزلتْ في أبي
[ ٤٠٢ ]
طالب كان ينهى عن أذى محمدٍ وينأى عمّا يجيء به أو يتبعه.
أخبرنا علي بن الحسين بن البزّاز، أنبأ الحسين بن محمّد الخلاّل، أنبأ إسماعيل
[ ٤٠٣ ]
بن محمد الكشَانيّ، ثنا محمّد بن يوسفَ، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا مسدِّد، ثنا يحيى، عن سفيان، ثنا عبد الملك، ثنا عبدُ الله بن الحارث، ثنا العباس بن عبد المطلب، قال: قلتُ للنبيّ، ﷺ: ما أغنيتَ عنْ عمّك، فإنّه كان يَحوطُك ويغضب لك؟ قالَ: هو في ضَحْضاح مِنْ نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْك الأَسفل منَ النارِ.
[ ٤٠٤ ]
وما ذكره المؤلّف من قوله: ينْهونَ الناسَ عن متابعةِ الرسولِ، ويَتَباعدون عنه، فلا يليق بمعنى الآية، لأنّ كفّار قريشٍ كلَّهم كانوا يَنْهَونَ عنْ متابعةِ النبيّ، ﵇، ويتباعدون عن أذيّته، فهذا معلومٌ لا يحتاجُ إلى نص.
وإنّما الذي كانَ يمنعُ من أذاهُ ويحميهِ من كفّارِ قريشٍ، عَمَّه أبو طالبٍ، ومَنْ معهُ مِنْ بني هاشمٍ، غير أخيه أبي لهب، فإنّه كان يؤذي النبيّ، ﷺ، ويبلغُ منهُ كلّ مبلغٍ لهُ، ونعيًا عليه، فأنزل الله فيه: (تبّت يدا أبي لهبٍ وتَبّ) لأنّه كانَ قالَ للنبيّ، ﷺ، لمّا دعاهُ وجماعةَ بني هاشمٍ أطعمهم طعامًا، ثمّ دعاهم إلى الإسلام، فقال له: تبًّا لكَ ألهذا دَعَوْتَنا؟. فأنزل الله فيه (تبّت يدا أبي لهبٍ)، وأنزل في حقِّ أبي طالب ومن معه من بني أبيه الذين لم يسلموا وهم ينهون عنه وينأون عنه، فظنَّ المصنّف أنَّ المرادَ بذلكَ كفّار قريشٍ، فأخطأ ظنّه، وفسّر القرآن برأيهِ، والقرآن لا يُفسّر بالظنّ والرأي، وإنّما يفسّر بالنقل والسماعِ عنِ الصحابةِ الذينَ عرفوا في أي سبب نزلَ. فقد روى ابن عباس عن النبيّ، ﵇، أنّه
[ ٤٠٥ ]
قال: مَنْ قال في القرآنِ فقدْ تبوّأ مقعده من النار.
[ ٤٠٦ ]