ومن ذلك ما وقعَ في لفظِه تغييرٌ في هذا البابِ أيضًا، قال: وفي الحديث رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَرًا فقال: مَهْيَم؟ قال: تزوّجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقال: ما سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدلَ بُضعِها، والعربُ تضع من موضع البدل، هكذا ذكره.
قلت: وهذا تعسّفٌ وتكلُّفٌ في التَّفسيرِ، وتغيير للفظِ الرسولِ الذي خلقه الله أَفْصَح الخلقِ وأكرمَهمْ ﷺ، وهذا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، ولفظُه: رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَرًا، يعني أثرَ الصُّفرة التي كانتِ العربُ يستعملونَها عند التزويجِ: إمَّا بخلوقٍ أو زَعْفرانٍ أو غير ذلك.
فقال: مَهْيم، قال: تزوجت امرأةً من الأنصارِ. قال ما سُقْتَ إليها؟ أي ما أعطيتَها من المهْر؟ قال: وزنَ نواةٍ
[ ٢١٠ ]
هذا لفظ الحديثِ، هكذا سمعناه في الصحيح وغيرهِ، وهكذا ذكره أبو عبيدٍ القاسم بن سلاّم البغداديّ في كتابه غريب الحديث وفسّره وهو معروفٌ لا أحتاجُ إلى ذكرِ ذلكَ لشهرَتِه عندَ أهلِ العلمِ فأمّا ما قالَه من تغييرِ اللفظِ وروايته لفظةً غير معروفةٍ في الحديثِ فتكلُّف ومخالفةٌ لحديثِ الرسول من غيرِ روايةٍ منه مسندةٍ بل من قبلِ رأيهِ ليخالف فيعرفَ، كما قيل في أمثال العوامِّ: خالفْ تعرفْ عفا الله عنّا وعنهُ.
وأمّا تفسيره ما ذكره من قوله: سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدل بضعها، والعرب تضع من موضع البدل، فهو تفسير مختل اللفظ، أراد أن يقول: أمهرتَها فقال: أمهرتَ منها، فأتى باللفظ بعينه.
[ ٢١١ ]
وقوله: والعرب تضع مِنْ موضعَ البدلِ، ولم يبيّن أيّ بدل هو، أراد أنْ يقولَ: تضع مِنْ موضعَ إلى، لأن حروفَ الصفاتِ يدخلُ بعضُها على بعضٍ، فيريدُ بقولهِ: سقتَ مِنْها أي إليها فقصر في العبارة، وغلبت عليه لغة العجم.
وفي رواية أخرى سقت فيها، أي إليها، وتقع في موضع إلى، فأمّا قوله منها فغيرُ معروفٍ.
[ ٢١٢ ]