في ذكر مؤلفات أبي القاسم الخرقي - ﵀ -
كل من ترجم للخرقي ﵀ ذكر أنه كانت لأبي القاسم مصنفات كثيرة وتخريجات بديعة على المذهب - منهم القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة: ٢/ ٧٥"، وابن الجوزي في "المنتظم: ٦/ ٣٤٦"، والبغدادي في "تاريخه: ١١/ ٢٣٤ "، وابن خلكان في "وفياته: ٣/ ٤٤١"، وابن كثير في "البداية والنهاية: ١١/ ٢١٤" وغيرهم إلا أننا عندما نبحث في موجودات تراثنا الضخم المخطوط منه والمطبوع لا نكاد نعثر على غير كتابه المشهور والمسمى "بمختصر الخرقي" في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ مما يجعلنا نعتقد أن مؤلفاته صارت إلى ما صار إليه الكثير من مدونات التراث الإسلامي الكبير من الضياع والبلى خلال المحن والفتن التي جرت على هذه الأمة الويل عبر القرون السالفة.
وفي سبب ضياع الثروة العلمية للخرقي، قال غير واحد: (١) "إنه لما ظهر في مدينة السلام - بغداد - فتنة سب صحابة رسول الله - ﷺ -، والكلام في حقهم بما لا يرضي الله ورسوله، واتهامهم بما هم بريئون منه - وما هي إلا السفالة والدناءة الطائفية التي اختلقها شيعة بغداد آنذاك - خرج الشيخ أبو
_________________
(١) انظر: (طبقات الحنابلة: ٢/ ٧٥، تاريخ بغداد: ١١/ ٢٣٤، المنتظم: ٦/ ٣٤٦، الشذرات: ٢/ ٣٣٦).
[ ١ / ٩١ ]
القاسم ﵀ مهاجرًا إلى دمشق خوفًا من أن تصيبه معرة، أو يلحقه ذنب بسبب ما هو حادث. وألجأه هذا إلى ترك ما يملكه من ثروة علمية وثقافية هائلة مودعًا إياها في دار (١) سليمان، فكان مصيرها أن احترقت وعدمت لاحتراق الدار وانهدامها، ولم تكن انتشرت لبعده عنها. وكتب الله على أثر ذلك لهذا "المختصر" أن ينتشر ويحظى باهتمام فقهاء الحنابلة وبالتعليق، والتهميش وغير ذلك، حتى قال بعضهم: "لم يخدم كتاب في المذهب مثل ما خدم هذا المختصر، ولا اعتني بكتاب مثل ما اعتني به". (٢)
فكان أن ساق الله الأجر لأبي القاسم، وأسبغ عليه نعمته من حيث لا ينتظر حتى قال البعلي: "كل من انتفع بشيء من شروح الخرقي فللخرقي في ذلك نصيب من الأجر .. " (٣)
عمل الفقهاء على مختصر الخرقي ﵀:
لما كان لمختصر الخرقي الأهمية القصوى لدى فقهاء الحنابلة المتقدمين منهم والمتوسطين - ذلك لما اتسم به من إيجاز في اللفظ وشمول في المعنى، حيث جاءت مسائله مستوعبة لجميع أبواب الفقه (٤) من غير خلل ولا ملل، وقد علل ذلك بقوله: "ليقرب علي متعلمه": (٥) أي يسهل عليه، ويقل تعبه في تعلمه - (٦) لما كان الأمر كذلك تنافس نخبة من أعلام الفقه الحنبلي في خدمة هذا المختصر البديع من جميع جوانبه، فمنهم من شرحه وهم كثير حتى
_________________
(١) كذا في (المنهج الأحمد: ٢/ ٦١)، وفي (طبقات الحنابلة: ٢/ ٧٥، تاريخ بغداد: ١١/ ٢٣٤، "درب سليمان"، وهو درب كان ببغداد مقابل الجسر في أيام المهدي والهادي والرشيد رأيام كون بغداد عامرة، وكان فيه دار سليمان بن جعفر بن أب جعفر المنصور، فسمي الدرب باسمه ومات سليمان هذا سنة ١٩٩ هـ. انظر: (معجم البلدان: ٢/ ٤٤٨).
(٢) انظر: (المدخل لابن بدران: ص ٢١٤).
(٣) انظر: (المطلع: ص ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٤) أوصل مسائله أبو إسحاق البرمكي إلى ألفين وثلاثمائة مسألة، حكاه عنه ابن بدران في (المدخل: ص ٢١٤).
(٥) انظر: (المختصر: ص ٣).
(٦) انظر: (المغني: ١/ ٤).
[ ١ / ٩٢ ]
قال العلامة الجمال بن عبد الهادي: "قال شيخنا عز الدين المصري ضبطت للخرقي ثلاثمائة شرح، وقد اطلعنا له على ما يقرب من عشرين شرحًا .. " (١).
ومن أبرز وأشهر من شرحه، الإمام موفق الدين بن قدامه المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) في كتابه الموسوم بـ"المغني"، وقد أجاد مؤلفه فيه وجمل به المذهب، وقرأ عليه جماعة وأثنى ابن غنيمة على مؤلفه فقال: "ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق .. " (٢)
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام السلمي (ت ٦٦٠ هـ): "ما رأيت في كتب الإسلام مثل المحلى والمجلى (٣) لابن حزم، وكتاب "المغني" للشيخ موفق الدين في جودتهما وتحقيق ما فيهما، ونقل عنه أنه قال: "لم تطب نفسي بالإفتاء حتى صارت عندي نسخة المغني" قاله ابن مفلح، حكاه عنه ابن بدران، (٤) قال الذهبي: "صدق الشيخ عز الدين". (٥)
وطريقة الشيخ الموفق في هذا الشرح، قال عنها صاحب "المدخل": "أنه يكتب المسألة من الخرقي ويجعلها كالترجمة ثم يأتي على شرحها وتبيينها وبيان ما دلت عليه بمنطوقها ومفهومها ومضمونها، ثم يتبع ذلك ما يشبهها مما ليس بمذكور في الكتاب فتحصل المسائل كتراجم الأبواب، ويبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه ويذكر لكل إمام ما ذهب إليه ويشير إلى دليل بعض أقوالهم، ويعزو الأخبار إلى كتب الأئمة من أهل الحديث " (٦).
فهو بحق معلمة فقهية هائلة يجد فيها الباحث نفعًا عظيمًا وهو يجول في
_________________
(١) انظر: (الدر النقي للمصنف: ص ٧٤٣).
(٢) انظر: (المدخل لابن بدران: ص ٢١٥).
(٣) وهو كتاب في الفقه وهو المتن الذي عمل عليه شرحًا سماه المحلى، وطبع هذا الأخير بتحقيق العلامة أحمد شاكر.
(٤) انظر: (المدخل لابن بدران: ص ٢١٥).
(٥) انظر: (سير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٩٣).
(٦) انظر: (المدخل لابن بدران: ص ٢١٥).
[ ١ / ٩٣ ]
ثنايا بحوثها فالكتاب بهذا القدر أضحى مفيدًا للعلماء كافة على اختلاف مذاهبهم وآرائهم، فالمطلع عليه يصبح ذا معرفة بالإجماع والوفاق والخلاف، والمذاهب المتروكة. كما يسمو به من حضيض التقليد إلى ذروة الحق الذي يجعل من الفقيه مجتهدًا يمرح في روض التحقيق والترجيح.
لهذه الامتيازات كسب "المغني" (١) ثقة الفقهاء من أهل التحقيق، وعني به طائفة من الشيوخ منهم أبو البركات عبد الله بن محمد الزريراني البغدادي فقيه العراق (ت ٧٢٩ هـ)
حكى عنه ابن مفلح في "المقصد الأرشد" أنه طالع المغني للموفق ثلاثًا وعشرين مرة وعلق عليه حواشي. (٢)
كما اختصر المغني الشيخ ابن رزين عبد الرحمن الغساني الحوراني، الفقيه الدمشقي (ت ٦٥٦ هـ) في كتاب سماه "التهذيب" حكاه صاحب "المقصد الأرشد". (٣)
كما اختصره كذلك عبد العزيز بن علي بن العز بن عبد العزيز البغدادي (ت ٨٤٠ هـ) ذكر ذلك ابن مفلح في "المقصد الأرشد" حكاه عنه
_________________
(١) طبع المغني عدة طبعات منها مع الشرح الكبير للإمام شمس الدين بن قدامة (ت ٦٨٢ هـ) وذلك في مطبعة المنار بالقاهرة، في اثني عشر مجلدًا مع فهارسه، وطبع مفردًا كذلك بنفس المطبعة السابقة في تسع مجلدات من القطع الصغير، وطبع في مصر طبعة أخرى وقد صدر منه ثلاث مجلدات بتحقيق الدكتور: عبد الله التركي، والدكتور عبد الفتاح الحلو من دار الهجرة بالقاهرة سنة ١٤٠٨ هـ.
(٢) انظر: (المدخل لابن بدران ص ٢٠٧، ٢١٥).
(٣) انظر: (المصدر السابق: ص ٢٠٧ - ٢١٥).
[ ١ / ٩٤ ]
ابن بدران، (١) كما ذكر ذلك الجمال ابن عبد الهادي. (٢)
ومن أبرز شروح الخرقي كذلك، شرح القاضي أبي يعلى (٣) محمد بن الحسين بن الفراء البغدادي (ت ٤٥٨ هـ). وهو كتاب ضخم ومفيد سلك فيه مؤلفه طريقة خاصة تختلف عما ذكرناه عن المغني. وفي بيان ذلك يقول ابن بدران: "وطريقته أنه يذكر المسألة من الخرقي ثم يذكر من خالف فيها ثم يقول ودليلنا فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس على طريقة الجدل والفرق بين هذا الشرح وبين المغني أن المغني يسلك قريبًا من هذا المسلك ويكثر من ذكر الفروع زيادة على ما في المتن وأما أبو يعلى فإنه لا يذكر شيئًا زائدًا على ما في المتن، ولكنه يحقق مسائله ويذكر أدلتها ومذاهب المخالفين". (٤)
على هذا النمط يكمل بعضهم بعضًا أدلة وفروعًا. وهذا ما قرره ابن بدران عندما قال: "فإذا طبع المغني مع شرح القاضي قرب الناظر فيهما من أن يحيط بالمذهب دلائل وفروعًا، وحصلت له معرفة ببقية المذاهب وتلك غاية قصوى يحتاجها كل محقق". (٥)
كما شرح مختصر الخرقي كل من:
- الفقيه القادر محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي القاضي (ت ٤٢٨ هـ) قال ابن أبي يعلى: "وشاهدت أجزاء بخطه من شرحه لكتاب الخرقي " (٦).
- والإمام أبو علي، الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا البغدادي المقري، الواعظ الفقيه صاحب التصانيف (ت ٤٧١ هـ) قال أبو اليمن
_________________
(١) انظر: (المصدر السابق: ص ٢١٥).
(٢) انظر: (الجوهر المنضد: ص ٦٨).
(٣) طبع منه قطعة لأول مرة كرسالة علمية على الاستنسل قدمت لنيل درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي من جامعة أم القرى بمكة المكرمة بتحقيق الطالب: سعود الروقي.
(٤) انظر: (المدخل: ص ٢١٦).
(٥) (المصدر السابق: ص ٢١٦).
(٦) انظر: (طبقات الحنابلة: ٢/ ١٨٢، المنهج الأحمد: ٢/ ١١٥).
[ ١ / ٩٥ ]
العليمي: "ومن مصنفاته شرح الخرقي في الفقه مجلد" (١) وتبعه في ذلك ابن بدران في "المدخل: ص ٢٠٦).
- والعلامة الزاهد عبد الله بن أبي بكر بن أبي البدر الحربي البغدادي (ت ٦٨١ هـ) ذكر ابن بدران الدمشقي أن له "المهم شرح الخرقي". (٢)
وشرحه محمد بن عبد الله الزركشي المصري العلامة الحنبلي (ت ٧٧٢ هـ) وذلك بشرحين مطول تام، ومختصر لم يكمل بل أكمله غيره من الحنابلة. (٣) قال ابن العماد: "له تصانيف مفيدة أشهرها شرح الخرقي لم يسبق إلى مثله " (٤).
- والفقيه الحنبلي عبد العزيز بن علي بن العز البغدادي المذكور سابقًا صاحب "مختصر المغني" ذكر أبو المحاسن بن المبرد أن له شرحًا على الخرقي في مجلدين، وقد ابتاعه مع "مختصر المغني" من تركة الشيخ تقي الدين بن قندس (٥) ﵀.
كما أن لمختصر الخرقي مختصر بديع صنفه العلامة الورع أحمد بن نصر الله الحنبلي شيخ عز الدين المصري (ت ٨٤٦ هـ) ذكر ذلك تلميذه يوسف ابن عبد الهادي ﵀ (٦).
ومن الفقهاء من شرح المختصر بالنظم، وهي طريقة لطيفة وذكية في حفظ المتون جرى عليها معظم النحاة في حفظ القواعد العربية كما فعل بألفية ابن مالك وغيرها فنظمهُ العلامة المحدث جعفر بن أحمد السراج أبو محمد
_________________
(١) انظر: (المنهج الأحمد: ٢/ ١٦٦).
(٢) انظر: (المدخل: ص ٢٠٧).
(٣) انظر: (مقدمة مختصر الخرقي للشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع).
(٤) انظر: (الشذرات: ٦/ ٢١٤). والكتاب ما زال في حيز المخطوطات يخرج إلى الوجود بعد، ومنه نسختان بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى ضمن فهرس الفقه الحنبلي. وقد اعتمد عليه الجمال بن عبد الهادي ﵀ في كتابه "الدر النقي" في مواضع مختلفة. انظر في ذلك على سبيل المثال: ج ٢ ص ٢٩.
(٥) انظر: (الجوهر المنضد: ص ٦٨).
(٦) انظر: (المصدر السابق: ص ٧).
[ ١ / ٩٦ ]
القاري البغدادي الأديب الشاعر (ت ٥٠٠ هـ)، وذلك كما فعل بكتاب "التنبيه" للشيرازي في فقه الشافعي ﵀.
كما نظم "مختصر الخرقي" الإمام العلامة الحنبلي، الشهيد يحيى بن يوسف الصرصري (ت ٦٥٦ هـ) ذكر ذلك ابن رجب وغيره (١) وسمى هذا النظم "الدرة اليتيمة" كما قال:
فلا ترغبن عن حفظها فهي درة يتيمة استحسنتها في التنقد (٢)
وأخيرًا جاء مؤلفنا العلامة يوسف بن عبد الهادي ﵀، فعني واهتم بمختصر الخرقي، فألف كتابه الذي نقدم له وهو "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي" وذلك في لغات الخرقي ومفرداته، وهو مهم في بابه كما سيأتي. وكتابًا آخر في تخريج أحاديث المختصر وهو "الثغر الباسم في تخريج أحاديث مختصر أبي القاسم".
هذه نماذج ذكرناها للتمثيل لا للحصر والاستقصاء في المؤلفات التي أفردت في شرح هذا المختصر الفقهي والعناية التي أولاها له نخبة من الفقهاء البارزين.
ولعل المتخصص في العناية بقراءة تراجم العلماء، وخصوصًا الحنابلة منهم، يعثر على الكثير ممن توجهت هممهم العلمية لدراسة مختصر أبي القاسم ﵀ وذلك بالحفظ والكتابة عليه والتعليق على فوائده، فهو بالجملة مختصر مفيد فيه غزارة علمية وعناية فائقة بالمسائل الفقهية مع الإيجاز والاستيعاب نفع الله المسلمين به.
وفاة الخرقي:
توفي الخرقي ﵀ بعد حياة حافلة بالعلم والعمل سنة ٣٣٤ هـ وذلك على أثر منكر أنكره بدمشق، فضرب حتى مات من أثر ذلك ودفن لا مقابر الشهداء بدمشق آنذاك.
_________________
(١) انظر: (ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٢٦٣، المدخل لابن بدران: ص ٢١٧).
(٢) انظر: (مقدمة مختصر الخرقي للشيخ ابن مانع).
[ ١ / ٩٧ ]