لقد تبوأ الشيخ الجليل يوسف بن عبد الهادي المكانة المرموقة ضمن سجل من سطر التاريخ ذكراهم العطرة وعدد مناقبهم، ونوّه بمستواهم العلمي العالي، ولا عجب في ذلك فإن منشأه في الوسط العلمي الذي تحدثنا عنه آنفًا، والعمر المديد الذي عاشه ويقرب من السبعين سنة قضاه أبو المحاسن في العلم والتعليم والتأليف والكتابة من شأنه أن يبلغ صاحبه بتوفيق الله هذه المكانة، فإف في رأيي مفكرٌ عظيم وعالم موهوب يملك ذكاء نادرًا، وعقلًا خصبًا كبيرًا وسع جميع علوم ومعارف عصره وقد صاغ هذه الثروة العظيمة في كتب مهمة ورسائل نادرة خطتها أنامله، ورددها لسانه دروسًا ألقاها على طلابه الكثيرين في المساجد، وفي المدرسة العمرية التي وقف عليها خزانته العظيمة. (٢)
بالإضافة إلى أن الشيخ جمال الدين كان من الصنف الذين ترجموا علمهم إلى أساليب عمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان صلبًا في الحق قويًا في الدين لا يهاب ملكًا ولا ذا سلطان، ولما ألف كتابًا في سيرة السلطان السعيد محمد بن عثمان ضمنه طائفة من سيرته وشيئًا من غزواته وطرفًا من المواعظ ساقها للسلطان بلهجة قوية صادقة تدل على حزم وعزم وصدق في الأمر. (٣)
_________________
(١) انظر: (السحب الوابلة: ص ٣٢٠).
(٢) انظر: (ما كتبه الخيمي عن المؤلف يا مجلة معهد المخطوطات العدد السادس والعشرون ٢/ ٧٧٧ من المجلة وكذلك مقدمة أسعد طلس في "ثمار المقاصد" ص: ١٤).
(٣) عن مقدمة "ثمار المقاصد": ص ١٥.
[ ١ / ٢٦ ]
كل هذا يكشف لنا عن المكانة التي امتاز بها يوسف بن عبد الهادي علميًا واجتماعيًا وسط الناس وخصوصًا عندما نستعرض شهادات العلماء فيه ﵀.
قال صاحب "مختصر طبقات الحنابلة": "الشيخ الإمام العالم العلامة نخبة المحدثين، عمدة الحفاظ المسندين، بقية السلف، قدوة الخلف، كان جبلًا من جبال العلم عديم النظير في التحرير والتقرير أعجوبة عصره في الفنون ونادرة دهره الذي لم تسمح بمثله السنون " (١)
ونؤه بعلمه وفضله ابن العماد في "الشذرات" فقال: "كان إمامًا علاّمة يغلب عليه علم الحديث واللغة ويشارك في النحو والتصريف والتصوّف والتفسير ودرس وأفتى وألف تلميذه شمس الدين بن طولون في ترجمته مؤلفًا ضخمًا". (٢)
أما ابن الغزي فقد أشاد بالشيخ وعلمه. بقوله: "أخذ في قراءة العلوم وإقرائها حتى حظي بالشيء الكثير ودرس وأفتى، وأجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته". (٣)
وساق الكتاني في مناقبه كلامًا فقال: "من أعيان محدثي القرن العاشر، والمشهورين بكثرة التصنيف وسعة الرواية". (٤)
كما وصفه تلميذه شمس الدين بن طولون -وهو صاحب سيرته- بـ "الشيخ الإمام علم الأعلام المحدث الرحلة العلّامة الفهامة العالم العامل المنتقي الفاضل " (٥).
_________________
(١) انظر: (مختصر طبقات الحنابلة: ص ٧٤).
(٢) انظر: (الشذرات لابن العماد: ٤٣/ ٨).
(٣) انظر: (النعت الأكمل: ص ٦٩).
(٤) انظر: (فهرس الفهارس: ٢/ ١١٤١).
(٥) السحب الوابلة: ص ٣٠٩ نقلًا عن "سكردان الأخبار" لابن طولون.
[ ١ / ٢٧ ]
وجاء في "عنوان الزمان" لمحيي الدين النعيمي وصفه بـ "الشيخ العالم المحدث " (١). كما نعته نجم الدين الغيطي في مشيخته بـ "الحافظ". (٢)
هذا بعض الثناء الذي قيل في حق إمامنا الفاضل يوسف بن عبد الهادي ﵀ وإنه لشاهد على فضله وعلمه وتقدمه الذي اكتسبه من احتكاكه ومجالسته لمجموعة من الشيوخ والأساتذة في مختلف الفنون الذين أجازوه بالرواية عنهم علومًا متعددة فأفاد بها وفاد ﵀.
ويحسن بنا ونحن في هذا الموقف أن نعدد شيوخ وشيخات ابن عبد الهادي الذين كان لهم الأثر الكبير في تكوين هذه الشخيصة المتميزة.
_________________
(١) عن (السحب الوابلة ص ٣٠٩) نقلًا عن جار الله بن فهد الهاشمي عن عنوان الزمان للنعيمي.
(٢) عن (فهرس الفهارس للكتاني: ٢/ ١١٤١).
[ ١ / ٢٨ ]