ذكره الشَّيخ تقي الدين (١) في " [دَرء تعارض] (٢) العقل والنقل". (٣)
والكَتْبُ: الجَمْعُ، يقال: كَتَبْتُ القَوْمَ إذا جَمَعْتُهم، وكَتَبْتُ البَغْلَةَ: إذا جمعتُ بَيْن شَفْرَيْ (٤) حيَائِها بِحَلَقَةٍ، أوْ سَيْرٍ.
قال سَالم بن دَارة (٥)
لا تَأمَنَنَّ فَزارِيًّا خَلَوْتَ به على قُلُوصِكَ واكْتُبها بِأَسْيَارِ (٦)
١ - فقوله: (كِتَابُ الطَّهَارة) أي: الجامع لأَحْكَام الطَّهارةِ، ولهذا لم يَذْكُر "كتابًا" إِلى الصلاة، ومِنْ ذلك الكَتِيبَة. (٧)
وهو خَبَر مُبْتَدإٍ محذُوف: أي هَذا كِتَابُ الطَّهَارة الجَامِع لأَحْكَامِها.
_________________
(١) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس العلَّامة المجتهد، صاحب التصانيف البديعة الرفيعة؛ لم يذر عِلْمًا من العلوم إلَّا خاض فيه وأفاد والفتاوى دليل على ذلك، توفي ٧٢٨ هـ، له ترجمة في: (البداية والنهاية: ١٤/ ١٣٢، النجوم الزاهرة: ٩/ ٢٧١، مرآة الجنان: ٤/ ٢٧٧، الدرر الكامنة: ١/ ١٥٤، ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٣٨٧ وغيرها).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) انظر: (درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٢٥٦ وما بعدها).
(٤) في اللسان: ١/ ٧٠١، والصحاح: ١/ ٢٠٨ مادة كتب: "إذا جَمَعْتَ بَيْن شَفْرَيْها".
(٥) هو سالم بن مُسَافِع بن عُقْبَة بن يَربُوع، ودارة: لَقَبُ أُمه، شاعرٌ مخَضْرَم، أدرك الجاهلية والإِسلام كان هَجَّاءً وبِسَبَبِه قُتِل، انظر أخباره في: (خزانة الأدب للبغدادي: ٢/ ١٤٤).
(٦) البيت في الشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٤٠١، واللسان: ١/ ٧٠١ مادة كتب، القُلُوص: الناقة الشابة، أسْيَار: جَمْع سَيْرٍ، وهو الشِّرْكَة.
(٧) وهي واحدة الكَتائِب، وهو العسكر المجتمع (المطلع: ص ٥). قال في اللسان: ١/ ٧٠١: "سُمِّيَت الكَتِيبَة، لأَنَّها تكَتَبَتْ فاجْتَمَعَتْ، ومنه قيل: كتبتُ الكِتاب، لأَنَّه يجْمَع حرفًا إلى حرفٍ". هذا في اللُّغة. أمَّا "الكتاب" في الاصطلاح: "فهو اسْمٌ لجِنْسٍ من الأحْكام ونحوها، يشتمل على أنواع مختلفة كالطَّهارة مُشتملةً على المياه، والوضوء، والغُسل، والتيمم وغيرها" (المطلع: ص ٥).
[ ٢ / ٢٦ ]
٢ - قوله: (الطَّهَارة)، الطَّهَارة لها مَعْنَيَان، معنًى في اللُّغَة، وَمعْنًى في الشرع.
أ - فمعناها في اللّغة: النَّزاهةُ عن الأَقْذَار، يقال: طُهِرت المرأة من الحَيْضِ، والرجل من الذُنُوبِ، بفتح "الهاء" وكسرها. (١)
ب - ومعناها في الشرع: اخْتَلَفَتْ أَلفَاظُفُم فيه.
فقال الشيخ موفق الدين، (٢) ومَنْ تَابعه "كـ"شمس الدين (٣) في "الشرح"، وابن أبي الفتح (٤) في "المطلع" وغيرهما:
"هي رَفْعُ ما يَمْنَعُ الصَّلَاةَ - وما في معناه - (٥) من حَدَثٍ ونَجَاسةٍ بالماء،
_________________
(١) انظر معنى الطهارة ومُشْتَقَّاتها في: (الصحاح: ٢/ ٧٢٧، مادة طهر، اللسان: ٤/ ٥٠٤، مقاييس اللغة: ٣/ ٤٢٨.)
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، الشيخ موفق الدين الحنبلي الدمشقي، عالم الفقه والأصول، صاحب التصانيف، رئيس مشيخة الحنابلة في عصره من أبرز تصانيفه "المغني" شرح به مختصر الخرقي و"الروضة" في الأصول وغيرها، توفي ٦٢٠ هـ. له ترجمة في: (ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ١٣٣، الوافي بالوفيات: ٣٧/ ١٧، الذيل على الروضتين: ص ١٣٩، فوات الوفيات: ٢/ ١٥٨، مرآة الجنان: ٤/ ٤٧، البداية والنهاية: ١٣/ ٩٩).
(٣) هو الإمام الزاهد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي شمس الدين أبو الفرج، الفقيه الأصولي المحدث الخطيب، روى عنه النووي، وتقي الدين بن تيمية وغيرهما، من أهم تصانيفه "شرح الُمقنع" لِعَمِّه موفق الدين، توفي ٦٨٢ هـ، له ترجمة في: (ذيل طبقات الحنابلة: ١/ ٣١٩، فوات الوفيات: ١/ ٢٦٢، الشذرات: ٥/ ٣٧٦، النجوم الزاهرة: ٧/ ٣٥٨).
(٤) هو الإمام محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل بن أبي علي. العلَاّمة شمس الدين أبو عبد الله الحنبلي البعلي، الفقيه النحوي، إمام حنابلة دمشق في زمانه من أشهر مؤلفاته "شرح الألفية لشيخه ابن مالك" و"المطلع" في لغة فقه الحنابلة توفي ٧٠٩ هـ، له ترجمة في (طبقات النحاة واللغويين: ص ٢٢٧، ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٣٥٦، الدرر الكامنة: ٤/ ٢٥٧، الشذرات: ٦/ ٢٠، بغية الوعاة: ١/ ٢٠٧).
(٥) زيادة ليست في المُغني والشرح الكبير.
[ ٢ / ٢٧ ]
أوْ رَفْعُ حُكْمِه بالتراب" (١).
وأوْرَدُوا عليه "الأَحْجَار" في الاسْتِجْمَار، و"الماء والتراب" في غَسْل النجَاسَةِ، وَأَوْرَدَ بغضُهم عَلَيْهِم الغَسْلَة الثَانِية والثالثة في الوضوء، لأَنّها طَهَارةٌ، ولا تَمْنَع الصلاة وغَسْل اليَدَيْن في ابتداءِ الوُضوء وغَسْل الجُمُعَة.
ولا يَرِدُ عليه، لأَنَّه قوله: "وما في مِعْنَاه" حَلَّ ذلك، (٢) لأنه في معناه ما يَمْنَع الصَّلاة.
وقال صاحب "الوَجِيز": (٣) "الطَّهَارة: اسْتِعْمال الطَّهُور في مَحَلِّ التَّطْهِير على الوجه المشْرُوع".
_________________
(١) انظر: (المغني: ١/ ٦، المطلع: ص ٥، المبدع: ١/ ٣٠، الإنصاف: ١/ ١٩، الشرح الكبير. ١/ ٥). كما أَوْرَدُوا عليه في قوله: "بالماء، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتراب" فإن فيه تعميمًا. فيحتاج إلى تقييدهما بكونهما طهورين. قال ذلك الزركشي. وَرُدَّ عليه بأَنَّ الماءَ والتراب عند الإطلاق إنما يتناول الطهور منهما عند الفقهاء، فلا حاجة إلى تقييدهما به، انظر: (الإنصاف: ١/ ١٩، ٢٠، المبدع: ١/ ٣٠).
(٢) انظر في ذلك تعريف البعلي في المطلع: ص ٥ تَجِد قَوْلَهُ: "وما في مغنَاها" وزاد ابن مفلح جوابًا فقال: "إنَّ ذلك مجازً لُمِشابَهَتِه الرافع في الصورة" (المبدع: ١/ ٣٠، الإنصاف: ١٩/ ١). أما بالنسبة للجواب عن"الأحجار في الاسْتِجْمَار" فقد قُيًدَ التعريفُ في "التنقيح: ص ٢١" بقوله: "أو مع تُرَابٍ ونَحْوِه". أو نقول جوابًا آخر: "إنَّ الشيخ اكتفى بقوله: "بالتراب"، لأَنَّ الغَالِب استعماله عند فَقْدِ الَماءِ في الوصوء والغسل" والله أعلم.
(٣) هو الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السَّرِي الدَجِيلِي البغدادي، سراج الدين أبو عبد الله،، سمع من ابن أبي الفتح البعلي، والمزي وغيرهما، تفقه على الزريراتي البغدادي وصنف "الوجيز" توفي ٧٣٢ هـ، ترجمته في: (ذيل طبقات الحنابلة: ٧/ ٤١٤، الدرر الكامنة: ٢/ ٤٨، الشذرات: ٦/ ٩٩، المدخل لبدران: ص ٢٠٦).
[ ٢ / ٢٨ ]
قال: "وقد يُعَبَّر عنها بِخُلوِ الَمحلِّ عن النَجاسة".
ولا يَرِد عليه "التيمُّم" لأن التُّراب طَهُورٌ.
وأَوْرَدُوا عليه "الأَحجار"، واسْتِعْمَال الطهُورَيْن وهو "الماء والتراب"، وكونه قال: "في مَحَلِّ التَّطْهِيرِ"، والتَّطْهِيرُ: مصدر طَهُرَ يَطْهُرُ، تَطْهِيرًا، والمصدر: هو الحَدَث.
فكانَ يَنْبَغِي أنْ يقول: "في مَحَلِّ الطَّهَارة".
والجواب عن الأَوَّل: أنَّ الأَحْجَار لما قامَتْ مقام الطَّهُور، سُمِّيت باسْمِه.
وعن الثاني: بأَنَّه لما اجْتَمَع طَهُورٌ وطَهُورٌ، فهما كالشَّيْءِ الواحِد، ومُسَمَّاهُما طَهُورٌ أيضًا.
ولا جوابَ عن الثالث.
قال الزركشي: (١) "ولا يَخْفَى ما فيه من الزيادة، وأنَّه حَدٌّ للتَّطْهير لا لِلطَّهَارة". (٢)
_________________
(١) هو الإمام الفقيه محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله، قال ابن بدران: "شرح الخرقي شرحًا لَمْ يُسْبَق إلى مثله" توفي ٧٧٤ هـ على الراجح، له ترجمة في (المدخل لبدران: ص ٢١١، الشذرات: ٦/ ٢٢٤ معجم المؤلفين: ٢٣٩/ ١٠).
(٢) قال صاحب الإنصاف: "وقوله: "ولا يخفى أَنَّ فيه زيادة" صحيحٌ، إذ لَوْ قال: اسْتِعْمَال الطهور على الوجه المشروع، لَصَحَّ، وخلَا عن الزيادة". قال: "وقال آخرون وفي حَدَّ المصنف خَلَل" وذلك أَنَّ الطَّهُور والتَّطْهِير اللَّذَيْن هما من أجزاء الرسم مُشْتَقان مِن الطهارة المرْسُومة، ولا يُعَرَّفُ الحَدُّ إلَّا بَعد مَعْرِفَة مُفْرَدَاتِه الواقعة فيه فيلزم الدَّوْر"، انظر: (الإنصاف: ١/ ٢١).
[ ٢ / ٢٩ ]
وقال ابن حمدان (١) في شرح "الهِدَاية": (٢) الطهارةُ: عبارةٌ عن اسْتِعْمَال الماء أو التُرابِ أو هما، أو الأَحْجَار، إِيجابًا أو ندبًا". (٣)
وقال في "المُبْهِج": (٤) "غَسْلُ أَعْضَاءٍ مخْصُوصَةٍ بِمَاءٍ مخْصُوصٍ"، ولا يَخْفَى ما عليه من الإِيراد من "الأَحْجَار والتراب"، و"الماء والتراب".
وقال ابن عُبَيْدَان (٥) في شرح "المُقْنِع": "هي استِعْمالٌ مَخْصوصٌ بماءٍ أو تُرابٍ يخْتَصُّ البَدَن مُشْتَرَطٌ لِصِحَّة الصَّلَاة في الجُمْلَة". (٦)
ولَا يَخْفى الإِيراد عليه، مِنْ غَسْلِ النجاسة على غير البَدَن والأحجار في الاسْتِجْمار وغير ذلك.
_________________
(١) هو الفقيه الأصولي أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان النُمَيْرِي الحُرَاني، نجم الدين أبو عبد الله نزيل مصر، تولى القضاء في زمانه، من مؤلفاته "الرعاية الكبرى والصغرى" توفي ٦٩٥ هـ أخباره في: (الشذرات: ٥/ ٤٢٨، المدخل لبدران: ص ٢٢٩، المنهل الصافي: ١/ ٢٧٢، الوافي للصفدي: ٥/ ١٦١).
(٢) بعد البحث والتقيب لم أعثر لابن حمدان على شرح للهداية ولَعَلَّها "الرعاية" وهو تصحيفٌ، وقد أَشار إِلى ذلك صاحب الإنصاف: ١/ ٢١ عندما لمَّحَ بتعريف "الرعاية" للطهارة، فهو شبيهٌ بالذي عندنا. والله أعلم.
(٣) اختار هذا التعريف المصنف ﵀ في كتابه "مغني ذوي الأفهام: ص ٤٢"، قال المرداوي "لكنه مُطَوَّلٌ جدًّا" (الإِنصاف: ١/ ٢١).
(٤) واسْمُه الكامل "غالب المبهج" كما في الإنصاف: ١/ ١٤، وهو للعلَّامة الزاهد عبد الواحد بن محمد الشيرازي المعروف بالمقدسي، أبو الفرج، الفقيه الأصولي له كتابًا "الإيضاح" و"الإشارة" وغيرها، توفي ٤٠٦ هـ، ترجمته في: (طبقات الحنابلة: ٢/ ٢٤٨).
(٥) هو الفقيه عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلي، زين الدين أبو الفرج، أخذ الفقه على الشيخ تقي الدين بن تيمية وغيره، توفي ٧٣٤ هـ، له ترجمة في (ذيل طبقات الحنابلة: ٢/ ٤٢٣، الشذرات: ٦/ ١٠٧).
(٦) وهو تعريف المجد بن تيمية في "شرحه الهداية"، وجزم به صاحب "مجمع البحرين" "والحاوي الكبير". انظر: (الإِنصاف: ١/ ٢٠).
[ ٢ / ٣٠ ]