١٧٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مُهَاجِرًا قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي قَوْمٌ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ، وَأَعْبُدَ رَبِّي، فَقَالَ ابْنُ الدُّعُنَّةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَقَوْلُهُ: «تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ» يَقُولُ: مَا يَعْدِمُهُ غَيْرُهُ، وَيُعْجِزُهُ عَنْهُ يُصِيبُهُ هُوَ وَيَكْسِبُهُ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي إِنْسَانٍ وَصَفَهُ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ أَكْسَبُكُمْ لِمَعْدُومٍ، وَأَعَطَاكُمْ لِمَحْرُومٍ، وَأَنْشَدَ فِي وَصْفِ ذِئْبٍ:
تَرَاهُ سَمِينًا مَاشَتَا وَكأَنَّهُ حَمِيٌّ إِذَا مَا صَافَ أَوْ هُوَ أَهْزَلُ
كَسُوبٌ لَهُ الْمَعْدُومُ مِنْ كَسْبِ وَاحِدٍ مُحَالِفُهُ الْإِقْتَارُ مَا يَتمَوَّلُ
قَوْلُهُ: «مِنْ كَسْبِ وَاحِدٍ» أَيْ مِمَّا يَكْسَبُهُ وَحْدَهُ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ، وَقَوْلُهُ: «مُحَالِفُهُ الْإِقْتَارُ» وَذَلِكَ إِذَا صَافَ، قَالَ: وُكُلُّ السِّبَاعِ تَهْزَلُ فِي الصَّيْفِ حَتَّى السَّنَانِيرُ فِي الْبُيُوتِ، وَ«حَمِيٌّ» أَيْ يَحْمِي، وَوَصْفُهُ بِالسَّمِنِ فِي الشَّتَاءِ، لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنَ الْأَشْلَاءِ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: عَدِمْتُ زَيْدًا وَعَدِمَنِي عَدُوِّي، فَلَمْ يَجِدْنِي، وَتَقُولُ: مَهْمَا أَعْدَمَنِي مِنْ شَيْءٍ، فَلَا يُعْدِمُنِي سَيْفٌ صَارِمٌ، قَالَ لَبِيدٌ:
وَلَقَدْ أَغْدُو وَمَا يُعْدِمُنِي صَاحِبٌ غَيْرُ طَوِيلِ الْمُحْتَبَلْ
يَعْنِي بِالصَّاحِبِ فَرَسًا، وَالْمُحْتَبَلُ: مَوْضِعُ الْحَبْلِ فَوْقَ الْعُرْقُوبِ، وَطُولُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَيْبٌ، وَتَقُولُ: لَا فَقَدْتُكَ، وَلَا عَدِمْتُكَ، وَلَا أَفْقَدَنِيكَ اللَّهُ، وَلَا أَعْدَمَنِيكَ، وَأَعَدَمَ الرَّجُلُ: إِذَا افْتَقَرَ، فَصَارَ مُعْدِمًا، وَيُقَالُ: الْفَقْرُ وَالْعُدْمُ وَالْعُدُمُ وَالْعَدَمُ وَالْإِعْدَامُ.
[ ١ / ٣٣٣ ]
١٧١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ «أَنَّهُ كَانَ يَخْضِبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ حَتَّى يَقْنَأَ شَعْرُهُ» .
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا شَيْبَانُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: نا مَكْحُولٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمْ يَبْلُغْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّيْبِ مَا يَخْضِبُهُ، وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ كَانَ يَخْضِبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ حَتَّى يَقْنُأَ شَعْرُهُ»
[ ١ / ٣٣٤ ]
هَكَذَا قَالَ مُوسَى فِي الْحَدِيثِ: وَإِنَّمَا عَرَبِيَّتُهُ «يَقْنَأُ»، وَالْقُنُوءُ: شِدَّةُ حُمْرَةٍ إِلَى سَوَادٍ
يُقَالُ: أَحْمَرُ قَانِئٌ، وَمَنْ قَالَ خِضَابٌ أَقْنَأُ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَلَكِنْ لِحْيَةً قَانِئَةً، وَقَالَ سَاجِعُ الْعَرَبِ: «إِذَا طَلَعَتِ النَّثْرَةُ قَنَأَتِ الْبُسْرَةُ»، يُرِيدُ اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهَا حَتَّى تَكَادَ تَسْوَدُّ.
وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ لِلْمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ " ومَا خِفْتُ حَتَّى بَيَّنَ الشِّرْبُ وَالْأَذَى بِقَانِئَةٍ أَنِّي مِنَ الْحِيَّ أَبِينُ
فَقَالَ: هَذَا شَرِيبٌ لِقَوْمٍ، يَقُولُ: لَمْ يَزَالُوا يَمْنَعُونَنِي الشُّرْبَ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ فَقَنَأَتْ تَقْنَأُ
١٧٢ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: نا مِسْكِينٌ وَهُوَ ابْنُ بَكِيرٍ، قَالَ: نا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: نا ابْنُ عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، قَالَ: نا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَغَلَّفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ حَتَّى قَنَأَ لَوْنُهَا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، حَتَّى قَنَأَ لَوْنُهَا سَوَادًا، فَقَالَ: لَمْ أَقُلْ سَوَادًا
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: حَنَّأْتُ لِحْيَتِي بِالْحِنَّاءِ، وَقَدْ قَنَّأْتُ لِحْيَتِي بِالْخِضَابِ، وَقَدْ قَنَأَتْ، إِذَا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهَا.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ: عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ: مُتَفَلِّقٌ أَنْسَاؤُهَا عَنْ قَانِئٍ كَالْقُرْطِ صَاوٍ غُبْرُهُ لَا يُرْضَعُ
إِنَّهُ لَا يُرِيدُ ضَرْعَهَا، وَقَالَ: إِذَا يَبَسَ الضَّرْعُ احْمَرَّ وَاسْوَدَّ كَمَا يَقْنَأُ الْخِضَابُ، قَالَ: «وَالْقَانِئُ»: الْأَحْمَرُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ، فَأَرَادَ أَنَّهَا ذَاوِيَةُ الضَّرْعِ لَمْ تَحْمِلْ زَمَانًا، وَ«الصَّاوِي»: الضَّامِرُ الذَّاوِي
[ ١ / ٣٣٨ ]
١٧٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ أَوْشَاجَ أَرْحَامٍ فِي الْعَرَبِ مِنَّا، نَحْنُ الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، وَالْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نِصْفَانِ كَقَدِّ الْأُبْلُمَةِ» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: نا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٣٣٩ ]
وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا قَدْ يُرْوَى لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ:
١٧٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ، قَالَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ «الْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَقَدِّ الْأُبلُمَةِ» .
قَوْلُهُ: «أَوْشَاجَ أَرْحَامٍ» فَإِنَّ الْوَشِيجَةَ شُبْكَةُ الرَّحِمِ، يُقَالُ: وَشَجَتِ الْعُرُوقُ وَالْأَغْصَانُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَشْتَبِكُ فَهُوَ وَاشِجٌ وَقَدْ وَشَجَ يَشِجُ وَشِيجًا
١٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْزَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَمْزَةَ بْنِ
[ ١ / ٣٤٠ ]
عُتْبَةَ اللَّهَبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ آلِ أَبِي لَهَبٍ، قَالَ: لَمَّا قَالَ الطُّرَيْحُ الثَّقَفِيُّ فِي أَبِي جَعْفَرٍ: أَنْتَ ابْنُ مُسْلَنْطِحِ الْبِطَاحِ وَلَمْ تُطْرِقْ عَلَيْكَ الْحُنِيُّ وَالْوَلَجُ
سَقْيًا لِفَرْعَيْكَ مِنْ هُنَا وَهُنَا سَقْيًا لِأَعْرَاقِكَ الَّتِي تَشِجُ
لَوْ قُلتَ لِلسَّيلِ دَعْ طَرِيقَكَ وَالْمَوْجُ عَلَيْهِ كَالْهَضْبِ يَعْتَلجُ
لَسَاخَ أَوْكَادَ أَوْ لَكَانَ لَهُ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ عَنْكَ مُنْعَرَجُ
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَلِيفَةُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَأَلَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: " لَوْ قُلْتَ لِلسَّيْلِ دَعْ طَرِيقَكَ:، فَبَلَغَ ذَلِكَ الطُّرَيْحَ، فَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدْ قُلْتُهَا، وَأَنَا أَرْفَعُ يَدَيْ إِلَى السَّمَاءِ
[ ١ / ٣٤١ ]
أَقُولُ يَا رَبِّ لَوْ قُلْتَ لِلسَّيْلِ.
وَالْوَشِيجُ: مِنَ الْقَنَا وَالْقَصَبِ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ مُعْتَرِضًا مُلْتَفًّا بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، وَهُوَ مِنَ الْقَنَا أَصْلَبُهُ، وَالْمَوَاشِجُ: الْأَمْرُ الْمُدَاخِلُ، وَيُقَالُ: قَدْ وَشَجَتْ فِي قَلْبِهِ هُمُومٌ
١٧٦ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي يُعْرَفُ بِالْعَرَجِيِّ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: عَبْدُ شَمْسٍ أَبُوكَ وَهْوَ أَبُونَا لَا نُنَادِيكَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدِ
وَالْقَرَابَاتُ بَيْنَنَا وَاشِجَاتٌ مُحْكَمَاتُ الْقُوَى بِعَقْرٍ شَدِيدِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَالُ الْمَالُ بَيْنَنَا شِقُّ الْأُبْلُمَةِ، وَالْأَبْلُمَةَ أَيْضًا، وَهِيَ الْخُوصَةُ خُوصَةُ الْمُقْلِ
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: هِيَ الْإِبْلَمَةُ بِكَسْرِ الْأَلِفِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ: الْإِبْلِمَةُ بِكَسْرِهِمَا، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: قَاسَمْتُهُ الْمَالَ شِقَّ التَّمْرَةِ، وَشِقَّ الشَّعْرَةِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
[ ١ / ٣٤٢ ]
خَوْدٌ تُريِكَ الْجَسَدَ الْمُنَعَّمَا كَمَا رَأَيْتَ الْكَثَرَ الْمُبَلَّمَا
وَالْكَثَرُ: جُمَّارُ النَّخْلِ، وَالْمُبَلَّمُ: الَّذِي يُجْعَلُ حَوْلَهُ الْخُوصُ.
وَيُرْوَى هَذَا الْبَيْتُ، وَهُوَ بَيْتٌ مُوَلَّدٌ، زَعِمَ ذَلِكَ أَبُو زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيُّ:
أَتَوْنَا زَائِرِينَ فَلَمْ يَئُوبُوا بِأُبْلُمَةٍ تُشَدُّ عَلَى وَزِيمِ
وَالْوَزِيمُ: حِزْمَةُ الْبَقْلِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ وَاللَّهِ فَرَرَنَاهَا جَذَعَةً يُرِيدُ فَرَرَنَا الْحَرْبَ فَأَضْمَرَ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ فِي الْأَمْرِ إِذَا عَاوَدَهُ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ رَأْسٍ فُرَّ الدَّهْرُ جَذَعًا، وَأَنْشَدَ:
وَمَا أَزَالُ عَلَى أَرْجَاءِ مَهْلكَةٍ يُسَائِلُ الْمَعْشَرُ الْأعَدَاءَ مَا صَنَعَا
وَمَا رَمَيْتُ عَلَى خَصْمٍ بِفَاقِرَةٍ إِلَّا رُمِيتُ بِخَصْمٍ فُرَّ لِي جَذَعًا
مَا سُدَّ مِنْ مَطْلَعٍ ضَاقَتْ ثَنِيَّتُهُ إِلَّا وَجَدْتُ سَوَاءَ الضِّيقِ مُطَّلَعَا
وَقَالَ غَيْرُ أَبِي زَيْدٍ: وَالدَّهْرُ يُسَمَّى جَذَعًا لِأَنَّهُ جَدِيدٌ أَبَدًا، وَأَنْشَدَ:
يَا بِشْرُ لَوْ لَمْ أَكُنْ مِنْكُمْ بِمَنْزِلَةٍ أَلْقَى عَلَيَّ يَدَيْهِ الْأَزْلَمُ الْجَذَعُ
وَكَانَ بَعْضُهُمْ، يَقُولُ: «الْأَزْلَمُ الْجَذَعُ» فِي هَذَا الْبَيْتِ الْأَسَدُ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ الدَّهْرُ، يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتُمْ لَأَهْلَكَنِي الدَّهْرُ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
١٧٧ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْهُ، فَقَالَتْ «كَانَ رَجُلًا مُطَارًا» .
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: نا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ، قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَعِنْدَهَا جَارِيتَانِ لَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ بِدُفَّيْنِ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: أَمْسِكَا فَتَنَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَرِيرٍ فِي الْبَيْتِ فَاضْطَجَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَتَا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَيُحِلَنَّ الْيَوْمَ الْغِنَاءَ أَوْ لِيُحَرِمَنَّهُ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمَا أَنْ خُذَا، قَالَتْ: فَأَخَذَتَا، فَوَاللَّهِ مَا نَشِبَ ذَلِكَ أَنْ دَخَلَ عَلَيَّ أَبِي أَبُو بَكْرٍ فِي بَيْتِي فَدَخَلَ، وَكَانَ رَجُلًا مُطَارًا، وَهُوَ يَقُولُ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ، وَهَذَا عِيدُنَا»
[ ١ / ٣٤٤ ]
قَوْلُهَا: «كَانَ رَجُلًا مُطَارًا»: تُرِيدُ حَدِيدَ النَّفْسِ، سَرِيعَ الْغَضَبِ، يُقَالُ: فَرَسٌ مُطَارٌ، وَهُوَ الْحَدِيدُ الْفُؤَادِ الْمَاضِي كَأَنَّهُ مُرَوَّعٌ، يُقَالُ: فِي الرَّجُلِ طَيْرَةٌ مِنْ غَضَبٍ
١٧٨ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: «إِنْ كَانَ ضَارِيًا بِقَتْلِ النَّاسِ فَاقْتُلْهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ إِنَّمَا هِيَ طَيْرَةٌ مِنْهُ، فَأَغْرِمْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ»
وَقَالَ الشَّاعِرُ: يَذْكُرُ ثَوْرًا أَجَاءَتْهُ الْكِلَابُ فَكَرَّ عَلَيْهَا:
كَرَّتْ بِهِ طَيْرَةٌ مِنْهُ وَمَحْمِيَّةٌ هَوْجَاءُ شَارَكَ فِيهَا الْجُرْأَةَ الْبَعَلُ
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَمِنْهُ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، وَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ فَنَمَاهُ ذُو الْعُيَيْنَتَيْنِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي أَرَاكَ شَابًّا فَصِيحَ اللِّسَانِ، فَسِيحَ الصَّدْرِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ عَشَرَةُ أَخْلَاقٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا صَالِحَةٌ، وَخُلُقٌ سَيِّئٌ فَيُفْسِدُ الصَّالِحَةَ الْخُلُقُ السَّيِّئُ.
فَاتَّقِ طَيَرَاتِ الشَّبَابِ.
ذُو الْعُيَيْنَتَيْنِ: هُوَ الَّذِي يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ، وَيَرْفَعُهَا إِلَى الْأُمَرَاءِ.
١٧٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا بُنَيَّةُ، وَاللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى غِنًى بَعْدِي لأَنْتِ، وَإِنَّ أَعزَّ النَّاسِ عَلِيَّ فَقْرًا بَعْدِي لِأَنْتِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي، فَوَدَدْتُ وَاللَّهِ أَنَّكِ حُزْتِيهِ وَحَدَّدْتِيهِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّهُ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا لَرَدَدْتُهُ ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا قُتَيْبَةُ، قَالَ: نا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
[ ١ / ٣٤٧ ]
قَوْلُهُ: «جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا»: يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَمُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ هَذَا كَمَا يُقَالُ: مَالُ فُلَانٍ عِشْرِينَ وَسْقًا، يَعْنُونَ أَنَّ ذَلِكَ يُغْتَلُّ مِنْهَا.
وَقَالَ الزِّيَادِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: أَرْضُ بَنِي فُلَانٌ جَادُّ مِائَةِ وَسْقٍ أَيْ تَحْمِلُ مِائَةَ وَسْقٍ، وَيُجَدُّ ذَلِكَ مِنْهَا.
وَالْجِدَادُ: الصِّرَامُ، يُقَالُ: أَتَانَا بِتَمْرٍ جَدِيدٍ أَيْ مَصْرُومٍ، وَقَوْلُهُ: «حَدَّدْتِيهِ
[ ١ / ٣٤٨ ]
وَحُزْتِيهِ»: اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ عَلَى إِيجَابِ الْيَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: وَيُدْخِلُونَ الْأَلِفَ فِي كَافِ الْمُذَكَّرِ تَوْكِيدًا، فَيَقُولُونَ: أَعْطَيْتُكَاهَ، يُرِيدُونَ: أَعْطَيْتُكَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ يُونُسُ، وَالْمُؤَنَّثُ أَعْطَيْتُكِيهِ، وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَنْكِرُ هَذَا أَجْمَعَ وَيَدْفَعُهُ.
١٨٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْهُ، فَقَالَتْ: «كَانَ إِذَا ادْلَهَمَّ اللَّيْلُ سَالَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ، وَأَتْعَبَ أَطْرَافَهُ، وَأَرْطَبَ أَصْغَرَيْهِ، وَاضْطَرَبَ فَكَّاهُ، وَحَادَثَ الْوَحْيَ عَنْ رَبِّهِ، وَكَانَ، وَاللَّهِ، إِذَا أَتَاهُ الْخُصُومُ جَرَّدَ الْحَقَّ تَجْرِيدًا، ثُمَّ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَقَدْ مَضَى حِبِّي، وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ» .
حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ أَبُو الْمُفَضَّلِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مِنْقَرٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ لِعَائِشَةَ: أَلَا تُخْبِرِينَنِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَفَلَا سَأَلْتِ عَنْهُ أَبَاكَ، فَإِنَّهُ كَانَ بِهِ خَبِيرًا، وَلَقَدْ عَلِمَ أَبُوكَ أَنَّ أَبِي كَانَ إِذَا ادْلَهَمَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[ ١ / ٣٤٩ ]
«ادْلهَمَّ اللَّيْلُ»: أَدْجَى، وَكَثُفَ سَوَادُهُ، «وَأَرْطَبَ أَصْغَرَيْهِ»: يُرِيدُ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ
١٨١ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: نا أَبِي، قَالَ: ذَكَرَ لِي أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ضَمْرَةَ بْنَ ضَمْرَةَ الضَّبِّيَّ
[ ١ / ٣٥٠ ]
كَانَ دَمِيمًا قَصِيرًا، وَكَانَ يُغِيرُ عَلَى مَسَالِحِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ النُّعْمَانُ حَيْثُ نَظَرَ إِلَيْهِ: «تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ لَا أَنْ تَرَاهُ»، فَصَارَتْ مَثَلًا، فَقَالَ لَهُ ضَمْرَةُ: مَهْلًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَإِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، إِنْ نَطَقَ نَطَقَ بِبَيَانٍ، وَإِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانٍ، قَالَ للَّهِ دَرُّكَ يَا ابْنَ ضَمْرَةَ
١٨٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا الْأَصَغَرَانِ لِسَانُهُ وَمَعْقُولُهُ وَالْجِسْمُ خَلْقٌ مُصوَّرُ
فَإِنْ طُرَّةً رَاقَتْكَ فَاخْبِرْ فَرُبَّمَا أَمَرَّ مَذَاقُ الْعُودِ وَالْعُودُ أَخْضَرُ
وَمَا الزَّيْنُ فِي بَادٍ تَرَاهُ وَإِنَّمَا يَزِينُ الْفَتَى مَخْبُوءُهُ حِينَ يُخْبِرُ
[ ١ / ٣٥١ ]
١٨٣ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَانَ فَتًى يُجَالِسُ الْأَحْنَفَ وَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ خَلَا الْمَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: يَا ابْنَ أَخِي، انْبَسِطْ فِي الْكَلَامِ، وَتَحَدَّثْ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمُّ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَقَطَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُفَاتِ يُرِيدُ شُرُفَاتِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ أَكَانَ يَضُرُّهُ سُقُوطُهُ شَيْئًا، قَالَ الْأَحْنَفُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوَدَدْتُ أَنِّي تَرَكْتُكَ سَاكِتًا كَمَا كُنْتَ وَلَمْ أَكْشِفْكَ، ثُمَّ أَنْشَدَ لِلْأَعَوَّرِ الشَّنِّيِّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ:
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فَؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
وَقَوْلُ عَائِشَةَ: «أَرْطَبَ أَصْغَرَيْهِ» تُرِيدُ أَنَّهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ بِلِسَانِهِ فَيَلِينُ لَهُ قَلْبُهُ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي كَلَامٍ فَلِسَانُهُ رَطْبٌ، وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ
[ ١ / ٣٥٢ ]
الْأَعْمَالِ أَلَا يَزَالُ فُوكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَخَذْتُ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفُوهُ رَطْبٌ بِهَا
١٨٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، " إِنَّ عَائِشَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَرَأَتْ بِهِ الْمَوْتَ، فَقَالَتْ: هِيجَ هِيجَ: مَنْ لَا يَزَالُ مُقْنِعًا، فَإِنَّهُ مَرَّةً مَدْفُوقٌ ".
قَالَ: لَا تَقُولِينَ ذَاكَ، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] .
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا الْعَبَّاسُ، وَهُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ، النَّرْسِيُّ، قَالَ: نا
[ ١ / ٣٥٣ ]
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ: «مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقْنِعًا» وَيُقَالُ: أَقْنَعَ الرَّجُلُ
[ ١ / ٣٥٤ ]
رَأْسَهُ إِذَا رَفَعَهُ، وَكَأَنَّهُ مُمِيلٌ لَهُ مُقْبِلٌ بِهِ عَلَى شَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وَالرَّجُلُ يُقْنِعُ الْإِنَاءَ لِلْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ سَفْحٍ أَوْ حَدُورٍ، قَالَ الرَّاجِزُ:
يُقِنعُ لِلْجدْوَلِ مِنْهَا جَدْوَلًا
شَبَّهَ فَاهًا بِالْجَدْوَلِ تَسْتَقْبِلُ بِهِ جَدْوَلًا إِذَا شَرِبْتَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ مُزَرِّدٌ:
إِذَا مَسَّ خِرْشَاءَ الثُّمَالَةِ أَنْفُهُ ثَنَى مِشْفَرَيْهِ لِلصَّرِيحِ فَأَقْنَعَا
«الْخِرْشَاءُ»: جِلْدُ الْحَيَّةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُنْتَفِخٍ رَقِيقٍ فِيهِ خُرُوقٌ، فَشَبَّهَ هَذَا مَا يَرْتَفِعُ مِنَ الرُّغْوَةِ بِالْخِرْشَاءِ، فَيَقُولُ: هَذَا حَاذِقٌ بِالشَّرَابِ إِذَا خَشِنَتْ عَلَيْهِ الرُّغْوَةُ، ثَنَى مِشْفَرَيْهِ لِلصَّرِيحِ وَتَرَكَ الْخَشِنَ، يَصِفُ ضَيْفًا جَيِّدَ الشُّرْبِ يَهْجُوهُ، وَ«الثُّمَالَةُ» الرُّغْوَةُ ".
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ أَقْنَعَ يُقْنِعُ إِقْنَاعًا إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ.
وَقَالَ جُبَيْهَاءُ يَهْجُو ضَيْفًا:
فَأَقْنَعَ كَفَّيْهِ وَأَجْنَحَ صَدْرَهُ بِجَرْعٍ كَأَثْبَاجٍ الزَّبَابِ الزَّنَابِرِ
[ ١ / ٣٥٥ ]
أَقْنَعَ: رَفَعَ رَأْسَهُ وَ«أَجْنَحَ»: أَمَالَ، وَالْأَثْبَاجُ: الْأَوْسَاطُ وَ«الزَّبَابُ» فَارُ الْقُفِّ الْوَاحِدَةُ زَبَابَةٌ، وَ«الزَّنَابِرُ»: الْعِظَامُ مِنْهُ وَالْوَاحِدَةُ زُنْبُورٌ.
١٨٥ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفْلَةَ يَقُولُ لِغُلَامٍ لَهُ: يَا جُلْجُلُ، اقْتُلْ، فَقَدْ «أَمَرَنَا عُمَرُ أَنْ نَقْتُلَ الزُّنْبُورَ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ»
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْفَأْرِ، فَيَكَونُ مِثْلَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْفَأْرَةِ وَالْغُرَابِ مَنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذُّبَابِ، وَأَنْشَدَ أَبُو حَاتِمٍ لِلْمُتَلمِّسِ:
[ ١ / ٣٥٧ ]
فَهَذَا أَوَانُ الْعِرْضِ حَيًّا ذُبَابُهُ زَنَابِيرُهُ وَالْأَزْرَقُ الْمُتَلَمِّسُ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الزَّنَابِيرُ: الذُّبَابُ، لِأَنَّ النَّحْلَ يُقَالُ لَهَا ذُبَابُ الْعَسَلِ.
وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا ذُبَابَةَ الْعَسَلِ» .
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْإِقْنَاعَ أَيْضًا يَكُونُ إِمَالَةً، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَقْنَعَتِ الْإِبِلُ
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَالْغَنَمُ لِلْمَرْتَعِ إِذَا مَالَتْ إِلَيْهِ، وَمِنَ الْإِقْنَاعِ مَا أَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، لِأَبِي حَيَّةَ الْأَعْيُونِيِّ، يَذْكُرُ نَاقَةً:
تَدُرُّ لِلْعُصْفُورِ لَوْ مَرَاهَا
بِمُقْنَعٍ ضَاقَ بِهِ حَقْوَاهَا
تَمَلَأُ مَسْكَ الْفِيلِ لَوْ أَتَاهَا
قَالَ: الْمُقْنَعُ: الضَّرْعُ الْمُرْتَفِعُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَمَثَّلَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ أَمْرٍ عُرِضَ لَهُ، وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَكْرَهُهُ.
١٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَأَوَّلُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَمَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْرِ الدَّنْيَا، قِيلَ لِهُشَيْمٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠]، قَالَ: نَعَمْ.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وَأَبُو بَكْرٍ أَوْلَى بِالْقُدْوَةِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبيِّ ﷺ
١٨٧ - حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ الْمُؤَدِّبُ، وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: نا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ أَبَاهُ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَلَا تُصَلُّونَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ﵎، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ، وَهُوَ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤]
[ ١ / ٣٦١ ]
وَقَالَ جَرِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مِثْلِ مَا أَنْكَرَهُ هُشَيْمٌ:
[ ١ / ٣٦٢ ]
زَانَ الْخِلَافَةَ إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وَ«الْمَدْفُوقُ»: الْمَصْبُوبُ يُقَالُ: دَفَقَ الْمَاءُ يَدْفُقُ دَفْقًا وَدُفُوقًا إِذَا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، وَيُقَالُ فِي الطَّيْرَةِ عِنْدَ انْصِبَابِ الْكُوزِ وَنَحْوِهِ، دَافِقُ خَيْرٍ، وَأَنْشَدَ:
صَبَا فُؤَادُكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمَّ بِهِ حَتَّى تَرَقْرَقْ مَاءُ الْعَيْنِ فَانْدَفَقَا
وَقَوْلُهَا: «هَيْجِ هَيْجِ» وَيُقَالُ: هِيجِ هِيجِ، وَهُوَ حِكَايَةٌ لِصَوْتِ بُكَائِهَا، وَيُقَالُ: هَجْهَجَ الرَّجُلُ إِذَا صَاحَ بِالْأَسَدِ وَجَهْجَهَ، وَفَحْلٌ هِجْهَاجٌ لِشِدَّةِ هَدِيرِهِ، وَيُقَالُ: هَجْهَجْتُ بِالنَّاقَةِ وَبِالْجَمَلِ، إِذَا زَجَرْتُهُ، فَقُلْتُ: هِيجِ، وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَمْرقْتُ مِنْ جَوزِهِ أَعْنَاقَ نَاجِيَّةً تَنْجُو إِذَا قَالَ حَادِيهَا لَهَا: هِيجِ
١٨٨ - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا لَمَّا تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقْضِي: وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَثِمَالُ الْقَوْمِ: عِصْمَتُهُمْ وَغِيَاثُهُمْ.
[ ١ / ٣٦٤ ]
١٨٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ الْتَزَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكَ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنَ الْإِسْلَامِ لَمْ تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَدْعُو مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا عِكْرِمَةُ، قَالَ: نا أَبُو زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
[ ١ / ٣٦٥ ]
بَعْضُ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ: «كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ»، عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ كُنْ فِي دُعَائِكَ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْأَعْشَى:
كَذَلِكَ فَافْعَلْ مَا حَيِيتَ إِلَيْهِمُ وَأَقْدِمْ إِذَا مَا أَعْيُنُ النَّاسِ تَزْرَقُ
وَتَفْسِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ كَذَلِكَ، يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَى وَالْإِحْسَابِ، كَقَوْلِكَ حَسْبُكَ، وَهَذَا مِنْ مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّهُ أَوَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَصْبِ الْقِيَامِ وَطُولِ الدُّعَاءِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: «بَعْضُ مُنَاشَدِتِكَ رَبَّكَ»، قَالَ جَرِيرٌ:
يَقُلْنَ وَقَدْ تَلَاحَقَتِ الْمَطَايَا كَذَاكَ الصَّوْتُ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا
١٩٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " وَأَغْلَظَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَلَا أَقْتُلُهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ
[ ١ / ٣٦٦ ]
اللَّهِ ﷺ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ فِي سَبِّ أَحَدٍ إِلَّا فِي سَبِّ النَّبيِّ ﷺ
[ ١ / ٣٦٧ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ كَلَّمَهُ فِي الْقَضِيَّةِ: الْزَمْ غَرْزَهُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ".
[ ١ / ٣٦٨ ]
قَوْلُهُ: «الْزَمْ غَرْزَهُ» أَيْ تَمَسَّكْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ، يُقَالُ لِلْإِنْسَانِ اشْدُدْ يَدَكَ بِغَرْزِ فُلَانٍ أَيْ تَمَسَّكْ بِهِ، وَقَالَ أَبُو خِرَاشٍ:
تَذَكَّرْتُ مِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ وَإنَّنِي بِغَرْزِ الَّذِي يُنْجِي مِنِ الْمَوْتِ مُعْصِمُ
يَقُولُ: أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِغَرْزٍ شَدِيدٍ يُنْجِنِي مِنَ الْمَوْتِ، وَالْمَفَرُّ: الْمَلْجَأُ، وَالْمَفَرُّ: الذِّهَابُ فِي الْأَرْضِ.
١٩٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا وَأَتَزَوَّجَهُ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى عُمَرَ، فَضَرَبَهَا حَتَّى أَشَاغَتْ بِبَوْلِهَا ".
يُرْوَى عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ قَتَادَةَ
وَالتِّشْغِيَّةُ: أَنْ يَقْطُرَ الْبَوْلَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَتَقْدِيرُهُ مِنْ هَذَا: شَغَتْ بِبَوْلِهَا وَأَشْغَتْهُ بِهِ.
١٩٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " إِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أُجْرِي الثَّعْلَبَ أَحْسَنَ إِجْرِيَّا تَكُونُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْرَيْتَ مَا لَا يُجْرَى، لَأَنْتَ
[ ١ / ٣٦٩ ]
رَجُلٌ فِي لِسَانِكَ شَيْءٌ، فَاتَّقِ اللَّهَ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْإِجْرِيَّا: طَرِيقَةُ الرَّجُلِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْ عَادَتِهِ وَأُمُورِهِ، وَأَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ١ / ٣٧٠ ]
عَبْدِ اللَّهِ:
عَلَى ذَاكَ إِجْرِيَّايَ وَهْيَ خَلِيَقَتِي فَمَا شَكَمُونِي إِذْ أَصَابُوا فُؤَادِيَا
وَقَالُوا: الْإِجْرِيَّا ضَرْبٌ مِنَ الْجَرْيِ، وَفَرَسٌ ذُو أَجَارِي، وَيُقَالُ: لَمْ يَأْتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إِفْعِيلَى إِلَّا إِجْرِيَّا وَإِهْجِيَرَى، وَأَنْشَدَ فِي الْأَوَّلِ:
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمُ الدَّهْرَ نَاشِئًا تَجِدْهُ بِإِجْرِيَّا أَوَائِلُهُ يَجْرِي
وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: جَرَى جَرْيًا وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا الْمَاءَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: جَرَى جِرْيَةَ وَالْجِرَاءُ: يَكُونُ لِلْخَيْلِ خَاصَّةً.
١٩٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ عَهِدَ إِلَى عُمَرَ، فَرَاجَعَهُ طَلْحَةُ، فَقَالَ لَهُ: جِئْتَنِي وَقَدْ دَلَكْتُ عَقِبَيْكَ تُرِيدُ أَنْ تَفْتِنَنِي فِي دِينِي، وَتُرَيِّثُنِي عَنْ رَأْيِي، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ غَمَصْتَهُ لَأُلْحِقَنَّكَ بِحَمَضَاتِ قُنَّةَ حَيْثُ كُنْتُمْ تَرْعَونَ فَلَا تَشْبَعُونَ، وَتَسْتَقُونَ فَلَا تَرْوُونَ ".
يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ، قَالَ: نا أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُعَيْقِيبِ بْنِ أَبِي فَاطِمَةَ
[ ١ / ٣٧١ ]
قَوْلُهُ: «وَقَدْ دَلَكْتُ عَقِبَيْكَ» يُرِيدُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَاسْتَعْدَدْتُ لِطَلِبِ هَذَا الشَّأْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْفَرَسِ إِنَّهُ لَمَدْلُوكُ الْمَعَاقِمِ، أَيْ مُعَدٌّ لِلْجَرْيِ، لَيْسَ بِرَهِلِ الْفُصُوصِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وَنهْبٍ كَجُمَّاعِ الثُّرَيَّا حَوَيْتُهُ غِشَاشًا بِمَدْلُوكِ الْمُعَاقِمِ مُحْنِقِ
أَيِ اجْتِمَاعُ الثُّرَيَّا، «غِشَاشًا»: عَلَى عَجَلَةٍ، وَ«الْمُعَاقِمِ»: الْفُصُوصُ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ كُلِّ عَظْمَيْنِ: الرُّسْغُ عِنْدَ الْحَافِرِ مَعْقِمٌ، وَالرُّكْبَةُ مَعْقِمٌ، وَالْمُحْنَقُ: الضَّامِرُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ مُخَاصِمًا أَوْ مُقَاتِلًا: جِذْلُ حِكَاكٍ حَسِفَتْ عَنْهُ الْأُبَنُ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُنَقَّحٌ أَمْلَسُ لَا يُرْمَى بِشَيْءٍ إِلَّا زَلَّ عَنْهُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: الْمَدْلُوكُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي جَرَّدَهُ الدَّهْرُ.
١٩٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " إِنَّ النَّاسَ لَمَّا بَايَعُوهَ اعْتَزَلَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ فَقَامَ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اذْهَبَا إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى تَأْتِيَانِي بِهِمَا فَإِنِ امْتَنَعَا عَلَيْكُمَا، فَقَاتِلَاهُمَا، فَجَاءَ عُمَرُ وَزَيْدٌ، فَوَجَدَاهُمَا فِي مَنْزِلِ عَلِيٍّ، فَرَجَّا الْبَابَ، فَجَاءَ الزُّبَيْرُ، فَنَظَرَ مِنْ قُتْرَةِ الْبَابِ، فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ، قَالَ: لَهَذَانِ الرَّجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمَا، قَالَ: افْتَحْ لَهُمَا الْبَابَ، وَخَرَجَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِهْرُهُ، وَتَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَلاهَا اللَّهُ لَأَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، قَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: أَنْتَ ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَوَارِيُّهُ وَفَارِسُهُ، وَتَقُولُ: إِنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ
[ ١ / ٣٧٣ ]
مِنِّي، وَلاهَا اللَّهُ لَأَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ
[ ١ / ٣٧٤ ]
الْقُتْرَةُ هَاهُنَا صِيرُ الْبَابِ، وَأَصْلُ الْقُتْرَةِ نَامُوسُ الرَّامِي، يُقَالُ: اقْتَتَرَ فِيهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَوْرَدَهَا مَاءً قَلِيلًا أَنِيسُهُ يُحَاذِرْنَ عَمْرًا صَاحِبَ الْقُتُرَاتِ
وَيُقَالُ: تَقَتَّرُ الصَّائِدُ إِذَا تَنَحَّى مُخَاتَلًا لِلصَّيْدِ، وَتَقَتَّرَ الرَّجُلُ، إِذَا تَنَحَّى عَنْ أَهْلِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنَّا بِهِ مُسْتَأْنِسِينَ كَأنَّهُ أَخٌ وَخَلِيطٌ عَنْ خَلِيطٍ تَقَتَّرَا
وَيُقَالُ مِنْ غَيْرِ، هَذَا قَتَّرُ الصَّائِدِ، وَهُوَ مِنْ تَهْيِيجِ الْقُتَارِ، وَقَتَّرْتُ لِلْأَسَدِ، إِذَا وَضَعْتُ لَهُ لَحْمًا تَجِدُ قُتَارَهُ، وَيُقَالُ: رَجَّ الرَّجُلُ الْبَابَ رَجًّا شَدِيدًا، إِذَا زَعْزَعَهُ، وَمِنْهُ
[ ١ / ٣٧٥ ]
قِيلَ: كَتِيبَةٌ رَجْرَاجَةٌ، وَجَارِيَةٌ رَجْرَاجَةٌ يَتَرَجْرَجُ كَفْلُهَا وَلَحْمُهَا.
١٩٦ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَسَمَ قَسْمًا بَيْنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَسْمَهَا مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: فَأَتَاهَا بِهِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: قَسَمَ أَبُو بَكْرٍ قَسْمًا فِيمَا بَيْنَ النِّسَاءِ، فَبَعَثَ إِلَيْكِ بِقَسْمِكِ، فَقَالَتْ: تُرَاشُونَنِي عَنْ دِينِي، تَخَافُونَ أَنْ أَدَعَهُ، لَا وَاللَّهِ لَا أَقْبلُهُ أَبَدًا فَرَجَعَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ شَيْئًا أَعْطِهَا إِيَّاهُ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
[ ١ / ٣٧٦ ]
الْمُرَاشَاةُ: الْمُرَاضَاةُ، وَالْمُدَارَاةُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّشْوَةِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَزِيفٌ إِذَا قَامَتْ لِوَجْهٍ تَمَايَلَتْ تُرَاشِي الْفُؤَادَ الرَّخْصَ أَلَّا تَخَتَّرَا
١٩٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْبَيَاضِيُّ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ دَاوُدَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، " إِنَّ لِي ابْنًا لَا يُصَلِّي أَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: ارْشُهُ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ صَغَّرَ عِنْدِي أَمْرَ هَذَا الْفَتْحِ مُصِيبَتِي بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَعَثَّثَهُ عَلَيَّ بُكَاءُ الْحَيِّ عَلَى الْقَتِيلِ، وَلَوْ كُنْتَ قَتَلْتَ الرِّجَالَ، وَسَبَيْتَ الْعِيَالَ، كَفَفْتَ الْبَاكِي، وَشَفَيْتَ الْمَحْزُونَ.
قَوْلُهُ: «عَثَّثَهُ عَلَيَّ» أَيْ أَفْسَدَهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعُثَّةِ وَهِيَ السُّوسَةُ، يُقَالُ: عَثَّتِ الصُّوفُ تَعُثُّهُ عَثًّا، إِذَا أَكَلَتْهُ، وَالْجَمْعُ الْعُثَثُ، وَقَدْ عُثَّ الثَّوْبُ فَهُوَ مَعْثُوثٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُثُّ: دَابَّةٌ تَأْكُلُ الْجُلُودَ، وَقَالَ أَبُو حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ مِثْلَهُ فِي الْعُثِّ.
١٩٩ - وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ،
[ ١ / ٣٧٨ ]
قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: وُضِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ غَدَاؤُهُ، فَقَالَ لِإِذِنْهِ: ادْعُ لِي خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ادْعُ لِي رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيَّ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، قَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: ارْفَعْ، وَيْحَكَ عَثَّثْتَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[ ١ / ٣٧٩ ]
ذَهَبَتْ لُمَّاتِي وَانْقَضَتْ آجَالُهُمْ وَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ وَلَسْتُ بِغَابِرِ
وغَبَرْتُ بَعْدَهُمْ فَأَسْكُنُ مَرَّةً بَطْنَ الْعَقِيقِ وَمَرَّةً بِالظَّاهِرِ
الْعَيْشُ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ أَحبَبْتُهُ وَالْمَوْتُ مَوْرَدَةُ الْهَيُوبِ النَّافِرِ
مَاءٌ بِمُنْقَطَعِ الْمَوَارِدِ كُلِّهَا فَالْبَرُّ وَارِدُ حَوْضِهَا وَالْفَاجِرِ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَأَشْرَبَنَّ بِجَمَّةٍ يَوْمًا وَلَسْتُ إِذَا وَرَدْتُ بِصَادِرِ
وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ رُبَّمَا قَالَ «غثَّيْتَ عَلَيْنَا»، يَذْهَبُ إِلَى غَثَيَانِ النَّفْسِ، يُقَالُ مِنْهُ غَثَتْ نَفْسُهُ، تَغْثِي غَثْيًا وَغَثَيَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَثَا الْمَاءُ يَغْثُوا غَثْوًا وَغُثَاءً إِذَا كَثُرَ فِيهِ الْبَعَرُ وَالْوَرَقُ وَالْقَصَبُ، وَالْجَمَّةُ: الْبِئْرُ الْوَاسِعَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ
٢٠٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ يَوْمَ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ الرِّدَّةِ، أَقَمْتُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَإِنْ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ ظَفَرُوا، وَإِنِ انْهَزَمُوا كُنْتُ بِصَدَدِ لِقَاءٍ أَوْ مَدَدٍ ".
[ ١ / ٣٨٠ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ
، قَالَ: صَدَدُ الشَّيْء حِذَاؤُهُ، يُقَالُ: هُوَ بِصَدَدِ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ بِغَيْرِ صِفَةٍ، قَالَ وَأَنْشَدَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ:
عَلَا كَالْخَنِيفِ السَّحْقِ يَدْعُو بِهِ الصَّدَى لَهُ صَدَدٌ وَرْدُ التُّرَابِ دَهِينُ
أَرَادَ عَلَا طَرِيقًا كَالْخَنِيفِ، وَالصَّدَدُ: حِذَاؤُهُ.
انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَتْلُوهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁
[ ١ / ٣٨١ ]