[ ٢ / ٧٣١ ]
٣٩٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵀، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: " قَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَنِي فِي نَاحِيَةِ بَيْتِهِ، وَامْرَأَتُهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَبَيْنَهُمَا سِتْرٌ، قَالَ: وَكَانَ يَحْلِبُ النَّاقَةَ، فَيَجِيءُ بِالْإِنَاءِ، فَيَضَعُهُ فِي يَدِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتُنْزِلْ هَذَا فِي نَاحِيَةِ بَيْتِكَ مَعَ امْرَأَتِكَ؟ فَقَالَ: أُرَاقِبُ فِيهِ قَبْرَ مَنْ لَوْ لَقِيتُهُ سَلِيبًا لَآسَانِي عَلَى كُلِّ مَرْكِبِ
".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: آسَانِي، أَيْ جَعَلَنِي إِسْوَتَهُ فِيهِ
٣٩٦ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيُّ وَمَعَهُ ابْنُهُ،
[ ٢ / ٧٣٢ ]
فَذَهَبَ ابْنُهُ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ قَوْمُ، أَبْنَاءُ سَبِيلٍ وَأَنْضَاءُ سَفَرٍ، وَفَلُّ سَنَةٍ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَعْطَى مِنْ سَعَةٍ، أَوْ آسَى مِنْ كَفَافٍ، قَالَ: فَحَلَّ رَجُلٌ دِرْهمًا، فَأَعْطَاهُ فَذَهَبَ ابْنُهُ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ: عَلَى رِسْلِكَ، آجَرَكَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلِيَكَ ".
وَالفَلُّ: هُمُ الْقَوْمُ الْمَفْلُولُونَ، وَفَلَلْتُ الشَّيْءَ أَصْلُهُ كَسَرْتُهُ، قَالَ الرَّاجِزُ: عُجَيِّزٌ عَارِضُهَا مُنْفَلُّ طَعَامُهَا اللُّهْنَةُ أَوْ أَقَلُّ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَتعَلَّلُ بِهِ الْقَوْمُ قَبْلَ الْغَدَاءِ: السُّلْفَةُ وَاللُّهْنَةُ، يُقَالُ: لَهِّنُوا لِلْقَوْمِ تَلْهِينًا، وَسَلِّفُوهُمْ تَسْلِيفًا، أَيْ قَدِّمُوا إِلَيْهِمْ مَا يَتَعَلَّلُونَ بِهِ قَبْلَ الْغَدَاءِ.
وَيَعْنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِقَوْلِهِ: أُرَاقِبُ فِيهِ: أَنَّهُ يُرَاقِبُ النَّبِيَّ ﷺ،
[ ٢ / ٧٣٣ ]
لِمَكَانِ الْأَنْصَارِ مِنْهُ، وَوَصِيَّتِهِ بِهِمْ، وَمَكَانِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ خِدْمَتِهِ
٣٩٧ - وَأَوَّلُ هَذَا الْمَثَلِ، كَمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْعَابِدِيُّ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا أَبِي، قَالَ: نا الْمُحَبَّرُ بْنُ قَحْذَمٍ، قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا قُدِمَ بِابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنَتِهِ ضَمَّتْهُمَا عَائِشَةُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا شَبَّا وَقَوِيَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: إِنِّي أَظُنُّكَ قَدْ وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ تَوْلِيَتِي عَلَيْكَ أَمْرَ وَلَدَيْ أَخِيكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ، إِنَّمَا كَرِهْتُ أَنْ يَلِيَ نِسَاؤُكَ مِنْهُمَا قَبِيحَ أَمْرِ الصِّبْيَانِ، وَقَدْ قَوِيَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَضُمَّهُمَا إِلَيْكَ، وَكُنْ لَهُمَا كَمَا كَانَ حُجَيَّةُ بْنُ الْمُضَرَّبِ، فَإِنَّهُ غَزَا غَزَاةً، وَخَلَفَ ابْنَيْ أَخِيهِ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَرَجَعَ وَقَدْ هَزَلَا وَقَشِفَا، فَسَأَلَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا، فَأَرَيَاهُ قَعْبًا مُشَعَّبًا، وَقَالَا: كَانَتْ تُقَوِّتُنَا فِي هَذَا، فَأَرْسَلَ إِلَى عَشِيرَتِهِ، فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ غَنَمِي وَإِبِلِي وَرَقِيقِي لِابْنَيْ أَخِي، فَغَضِبَتِ امْرَأَتُهُ، وَضَرَبَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حِجَابًا، وَجَعَلَتْ تَكْتَحِلُ مَرَّةً، وَتَنْتَحِبُ مَرَّةً.
فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَجِجْنَا وَلَجَّتْ هَذِهِ فِي التَّغَضُّبِ وَلَطِّ الْحِجَابُ دُونَنَا وَالتَّنَحُّبِ
وَخَطَّتْ بِعُودَيْ إِثْمَدٍ جَفْنَ عَيْنِهَا لِتَقُتلَني وَشَدَّ مَا حُبُّ زَيْنَبِ
وَكَانَ الْيَتَامَى لَا يَسُدُّ سُغُوبَهُمْ هَدَايَا لَهُمْ فِي كُلِّ قَعْبٍ مُشَعَّبِ
فَقُلْتُ لِعَبْدَيْنَا أَرِيحَا عَلَيْهِمَا سَأَجْعَلُ بَيْتِي بَيْتَ آخَرَ مُعْزِبِ
رَحِمْتُ بَنِي مَعْدَانَ إِذْ قَلَّ مَالُهُمْ وَحُقَّ لَهُمْ مِنِّي وَرَبِّ الْمُحَصَّبِ
أُحَابِي بِهِ مَنْ لَوْ أَتَيْتُ لِمَالِهِ حَرِيبًا لَآسَانِي عَلَى كُلِّ مَرْكَبِ
أَخِي وَالَّذِي إِنْ أَدْعُهُ لِعَظِيمَةٍ يُجِبْنِي وَإِنْ أَغْضَبْ إِلَى السَّيْفِ يَغْضَبِ
[ ٢ / ٧٣٤ ]
فَقُلْتُ خُذُوهَا دُونَكُمْ إِنَّ عَمَّكُمْ هُوَ الْيَوْمَ أَوْلَى مِنْكُمْ بِالتَّكَسُّبِ
"
وَفِي مِثْلِ هَذَا مَا أَنْشَدَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي قَالَا: أَنْشَدَنَا مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ، لِأُمِّ نُشَيْبَةَ: نُشَيْبَةُ وَابْنَا أُمِّهِ الْهَمُّ وَالْأَسَى وَفِي الْقَلْبِ مِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ هَاجِسُ
أُحِبُّهُمْ حُبًّا إِذَا خَامَرَ الْحَشَى أَضَاءَ عَلَى الْأَحْشَاءِ وَاللَّيْلُ دَامِسُ
بَنِي رَجُلٍ لَوْ كَانَ حَيًّا أَعَانَنِي عَلَى ضُرِّ أَعْدَائِي الَّذِينَ أُمَارِسُ
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵀، أَنَّهُ مَا رُئِيَ أَثْرَمُ أَحْسَنُ مِنْهُ.
الثَّرَمُ: أَنْ تَنْقَلِعَ السِّنُّ مِنْ أَصْلِهَا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَثْرَمُ، وَامْرَأَةٌ ثَرْمَاءُ، وَقَدْ ثَرِمَ يَثْرَمُ، إِذَا ثَرِمَتْ سِنُّهُ، وَقَدْ ثَرَمْتُهَا أَثْرَمْتُهَا أَثْرُمُهَا ثَرْمًا، وَقَدْ أَثْرَمَهُ اللَّهُ، أَيْ صَيَّرَهُ أَثْرَمَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: الْأَثْرَمَانِ: الدَّهْرُ وَالْمَوْتُ
وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ،
[ ٢ / ٧٣٦ ]
صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمَّا رَأَيْتُكَ تَنْسَى الْإِخَاءَ وَلَا قَدْرَ عِنْدَكَ لِلْمُعْدِمِ
وَتَجْفُو الشَّرِيفَ إِذَا مَا أُخِلَّ وَتُدْنِي الدَّنِيَّ عَلَى الدِّرْهَمِ
وَلَا فَصْلَ عِنْدَكَ بَيْنَ الْعَفِيفِ ذِي الْفَضْلِ وَالْمُقْدِمِ الْمُجْرِمِ
وَهَبْتُ إِخَاءَكَ لِلْأَعْمَيَيْنِ وَلِلْأَثْرَمَيْنِ وَلَمْ أَظْلِمِ
وَلَا أَطَأُ الشَّوْكَ فَوْقَ الْبِسَاطِ وَلَا آكُلُ الشَّهْدَ بِالْعَلْقَمِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَعْمَيَانِ: السَّيْلُ وَالنَّارُ.
ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵀.
يَتْلُوهُ