٤٠٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵀، قَالَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ: " لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى فَاسْتَشَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنْ كَانَ لِقَوْسِكَ وَتَرٌ، فَاقْطَعْهُ، وَإِنْ كَانَ لِرُمْحِكَ سِنَانٌ، فَأَنْصِلْهُ، فَإِنَّ الْقَاعِدَ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: نا زَائِدَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمَاصِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ
[ ٢ / ٧٤٨ ]
تَقُولُ: أَنْصَلْتُ الرُمْحَ، فَهُوَ مُنْصَلٌ، إِذَا نَزَعْتَ نَصْلَهُ، وَنَصَّلْتُهُ: إِذَا رَكَّبْتَ عَلَيْهِ النَّصْلَ، وَهُوَ السِّنَانُ.
وَأَنْشَدَ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْعَابِدِيُّ، لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: أَنَشَحَذُ أَرْمَاحًا بِأَيْدِي عَدُوِّنَا وَنُنْصِلُ أَرْمَاحًا بِهُنَّ تُنَاجِزْ
وَكَانَ يُقَالُ لِرَجَبٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُنْصِلُ الْأُلِّ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزَعُونَ الْأَسِنَّةَ فِيهِ، وَلَا يَغْزُونَ، وَلَا يُغيِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ الْأَعْشَى: تَدَارَكَهُ فِي مُنْصِلِ الْأَلِّ بَعْدَمَا مَضَى غَيْرَ دَأْدَاءٍ وَقَدْ كَادَ يَعْطَبُ
٤٠٥ - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ، قَالَ: نا مَهْدِيٌّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءَ الْعُطَارِدِيَّ، قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَجَبٍ، نَقُولُ: جَاءَ مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، فَلَا نَدَعُ سَهْمًا، وَلَا رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا انْتَزَعْنَاهَا، فَأَلْقَيْنَاهَا
[ ٢ / ٧٤٩ ]
" وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَذْكُرُ الرُّمْحَ: أَصَمَّ رُدَينِيًّا كَأَنَّ كُعُوبَهُ نَوَى الْقِسْبِ عَرَّاصًا مُزَجًّا مُنَصَّلَا
يُرِيدُ أَنَّ لَهُ زُجًّا وَنَصْلًا
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: أَزْجَجْتُ الرُّمْحَ، فَهُوَ مُزَجٌّ، إِذَا عَمِلْتَ لَهُ زُجًّا، وَزَجَجْتُ الرَّجُلَ أَزُجُّهُ زَجًّا، إِذَا طَعَنْتُهُ بِالزُّجِ، وَيُقَالُ: سَهْمٌ نَاصِلٌ، أَيْ سَقَطَ نَصْلُهُ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: لِحْيَةٌ نَاصِلٌ مِنَ الْخِضَابِ بِغَيْرِ هَاءٍ.
وَفِي مَثَلٍ مِنَ الْأَمْثَالِ، يُقَالُ: مَا بَلِلْتُ مِنْهُ بِأَفْوَقِ نَاصِلٍ، أَيْ لَمْ أَكُنْ كَذَلِكَ،
[ ٢ / ٧٥٠ ]
وَتَقُولُ: بَلِلْتُ بِالْقَوْمِ أَيِّ صَلِيتُ بِهِمْ.
قَالَ الْأَخْطَلُ: وَلَوْ بِبَنِي ذُبْيَانَ بَلَّتْ رِمَاحُنَا لَقَرَّتْ بِهِمْ عَيْنِي وَبَاءَ بِهِمْ وِتْرِي
يُقَالُ: مِنْهُ بَلِلْتَ تَبَلُّ بَلَالَةً وَبُلُولًا.
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ عَرُوسًا عَجَزَ عَنْهَا زَوْجُهَا: فَأَضْحَتْ تَمَرَّى لَمْ تَضَعْ صَفْحَةً لَهَا بِجُمْعٍ وَلَمْ يَعْرَقْ عَلَيْهَا عِذَارُهَا
وَلَو أَنَّهَا بَلَّتْ بِحَبْلِي لَأَصْبَحَتْ طَلِيحًا قَلِيلًا لِلْعُيُونِ انْتِظَارُهَا
قَوْلُهُ: بِجُمْعٍ أَيْ لَمْ تُقْتَضَّ، يُقَالُ: أَمْرُ بَنِي فُلَانٍ بِجُمْعٍ، أَيْ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ، وَتَقُولُ: جِئْتُ أَتَنَصَّلُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ أَعْتَذِرُ مِنْهُ، لأَخْرُجَ مِنْ ذَنْبِي، كَمَا يَنْصُلُ السِّنَانُ مِنَ الرُّمْحِ إِذَا سَقَطَ.
وَأَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لِبَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ: لَوْ كَانَ وَالِدُهُ تَنَصَّلَ عِرْقَهُ لَصَفَتْ طَبَائِعُهُ لِعِرْقِ الْوَالِدِ
أَيِ اسْتَخْلَصَ.
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: كُلَّمَا أَظَلَّتْ عَلَيْكُمْ سَرِيَّةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ، أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ فِي بَيْتِهِ انْجِحَارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ، أَوِ الضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا، الذَّلِيلُ وَاللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَمَنْ رَمَى وَاللَّهِ بِكُمْ، فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقِ نَاصِلٍ، فَقُبْحًا لَكُمْ، وَتَرْحًا يَوْمَ أُنَادِيكُمْ، وَيَوْمَ أُنَاجِيكُمْ، فَلَا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَلَا
[ ٢ / ٧٥١ ]
إِخْوَانُ الثِّقَةِ عِنْدَ النَّجَاءِ.
فَالنَّاصِلُ: الَّذِي قَدْ سَقَطَ نَصْلُهُ، وَالْأَفْوَقُ: الْمَسْكُورُ الْفُوقِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: قَدِ انْفَاقَ السَّهْمُ، إِذَا انْشَقَّ فُوقُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَإِذَا كَسَرْتَهُ أَنْتَ، قُلْتُ: فُقْتُهُ، فَإِنْ عَمِلْتَ لَهُ فُوقًا، قُلْتُ: فَوَّقْتُهُ تَفْوِيقًا، فَإِنْ وَضَعْتَ السَّهْمَ فِي الْوَتَرِ، لِتَرْمِيَ بِهِ، قُلْتَ أَفَقْتُ السَّهْمَ وَأَوْفَقْتُهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَفَاقَ، وَأَفُوقُ بِالسَّهْمِ، وَجَمْعُ الْفُوقِ: أَفْوَاقٌ، وَفُوَقٌ وَفُقًا مَقْلُوبٌ.
وَأَنْشَدَ لِلْفِنْدِ الزِّمَّانِيِّ، وَاسْمُهُ شَهْلُ بْنُ شَيْبَانَ: وَنَبْلِي وَفُقَاهَا كَعَرَاقِيبِ قَطًا طُحْلِ
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵀، قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُصَلِّي بِنَا إِلَّا رَجُلٌ شَطِيرٌ، لَيْسَ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَا مُضَرَ، قَالَ: فَتَرَاضَوْا بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ فَكَانَ أَبُو مُوسَى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بَالنَّاسِ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، قَالَ أَبُو مُوسَى «إِنَّ هَذِهِ فِتْنَةٌ بَاقِرَةٌ كَدَاءِ الْبَطْنِ، لَا يَدْرِي صَاحِبُهَا أَنَّى يُؤَتَّى لَهُ، فَقَصِّدُوا الرِّمَاحَ، وَشَيِّمُوا السُّيُوفَ، وَقَطِّعُوا الْأَوْتَارَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ
[ ٢ / ٧٥٣ ]
قَوْلُهُ: شَطِيرٌ: يُرِيدُ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الْحَيَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ: كَدَاءِ الْبَطْنِ، هُوَ السِّلُّ، يُرِيدُ أَنَّ أَمْرَهُ مُشْكِلٌ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَوْلَى كَدَاءِ الْبَطْنِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَيُشْفَى وَدَاءُ الْبَطْنِ مِنْ شَرِّ صَاحِبِ
وَالْعَرَبُ تَضْرِبُهُ مَثَلًا لِلْأَمْرِ الْمُعْضِلِ، وَالشَّرِّ اللَّازِمِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِيَةَ: فَلَوْ كَانَ دَاءُ الْيَأَسِ فِي وَأَغَاثَنِي طَبِيبٌ بِأَرْوَاحِ الْعَقِيقِ شَفَانِيَا
فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْعَابِدِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: دَاءُ الْيَاسَ، يُرِيدُ إِلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ السِّلِ، وَفِيهِ يَقُولُ صَخْرُ بْنُ
[ ٢ / ٧٥٤ ]
الْجَعْدِ الْخُضَرِيُّ: مَتَى يَحْجُبُوا كَأْسًا عَلَيْكَ وَيَحْنِقُوا بِكُلِّ يَمَانٍ وَاضِحٍ حِينَ يُصْقلُ
يَكُنْ بِكَ دَاءُ الْيَاسِ أَوْ تَخْطِرُ الْعِدَا حَيَاتَكَ مِنْ وَجْدٍ بِكَأْسٍ فَتُقْتَلُ
قَوْلُهُ: قَصِّدُوا الرِّمَاحَ، يَقُولُ: كَسِّرُوهَا قِصَدًا، وَثُقِّلَ، لِلتَّكْثِيرِ، يُقَالُ مِنْهُ قَصَّدْتُ الْعُودَ، أَيْ كَسَرْتَهُ، وَالْقِصْدَةُ: مِثْلُ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، قَالَ قَيْسٌ: تَرَى قِصَدَ الْمُرَّانِ تُلْقَى كَأَنَّهَا تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ
فَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: التَّذَرُّعُ وَالتَّقَصُّدُ وَاحِدٌ، وَوَاحِدُ الْقِصَدِ قِصْدَةٌ، وَالتَّذَرُّعُ: قَدْرُ ذِرَاعٍ يَنْكَسِرُ فَيَسْقُطُ، قَالَ: وَالْمُرَّانِ وَالْوَشِيجِ: عُرُوقُ الْقَنَا، فَنَسَبُوا الْقَنَا إِلَيْهِ، مِثْلَ مَا جَعَلُوا الْخُرْصَ الرُّمْحَ، وَإِنَّمَا هُوَ نِصْفُ السِّنَانِ الْأَعْلَى إِلَى مَوْضِعِ الْجُبَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْأَسَلُ، إِنَّمَا هُوَ أَطْرَافُ الْأَسِنَّةِ، يُقَالُ: خُرْصٌ، وَخِرْصٌ، وَخُرُصٌ، وَالْجَمْعُ: خِرْصَانٌ.
وَالشَّاطِبَةُ: الَّتِي تَعْمَلُ الْحُصُرَ مِنَ الشَّطْبِ، يُقَالُ: شَطَبَتْ تَشْطُبُ شَطْبًا وَشُطُوبًا، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ قِشْرَهُ الْأَعْلَى، وَتَشْطُبُ، وَتَلْحَى وَاحِدٌ.
كَمَا قَالَ: لَحَيْنَاهُمْ لَحْيَ الْعَصَا.
وَلَحَوْنَاهُمْ لَحْوَ الْعَصَا، وَوَاحِدُ الشَّطْبِ شَطْبَةٌ، وَهِيَ السَّعْفَةُ.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الشَّاطِبَةُ الَّتِي تُقَشِّرُ الْعَسِيبَ، ثُمَّ تُلْقِيهِ إِلَى الْمُنَقِّيَةِ، فَتَأْخُذُ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ بِسِكِّينِهَا حَتَّى تَتْرُكَهُ دَقِيقًا، ثُمَّ تُلْقِيهِ الْمُنَقِّيَةِ إِلَى الشَّاطِبَةِ ثَانِيَةً، وَكُلُّ قَضِيبٍ مِنْ شَجَرٍ: خُرْصٌ وَمِنْ ثُمَّ قِيلَ لِلزُّجِّ خُرْصٌ.
وَأَنْشَدَ لِلْعَجَّاجِ: حَنَّى قَنَاتِي الْكِبَرُ الْمُحِّنِي أَطْرَ الثِّقَافِ خُرُصَ الْمُقَنِّي
وَشَيْمُ السُّيُوفِ: إِغْمَادُهَا هَاهُنَا، وَهَذَا الْحَرْفُ مِنَ الْأَضْدَادِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَدْرِي صَاحِبُهَا أَنَّى يُؤَتَّى لَهُ أَيْ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُتَأَتَّى لِبُرْئِهِ، وَيُتَوَصَّلُ إِلَى عِلَاجِهِ، وَقَالَ: أَيْضًا: لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ أَنَّى يُؤَتَّى، أَيْ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ، مَتَى يُهَيَّجُ عَلَيْهِ، فَيَقْتُلَهُ.
٤٠٧ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ، يَقُولُ: " خَطَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، بِالْكُوفَةِ حِينَ تَرَاضَوْا بِهِ يُصَلِّي بِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي بَيْتِ مَالِكُمْ هَذَا ثَمَانُونَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِثْلُهُ قَطَّ، كَانَ يُتَبَارَى فِي جَمْعِهِ، كَمَا تَجَمَّعُ السَّائِلَةُ فِي نِحْيِهَا، لَا تَأْلُوا عَمَّا زَادَتْ فِيهِ، وَاللَّهِ مَا مِنْهَا دِرْهَمٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَمَانَةٌ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِحَقِّهِ "
[ ٢ / ٧٥٦ ]
وَالتَّبَارِي: هُوَ المُعَارَضَةُ، أَنْ تُعَارِضَ الرَّجُلَ بِمْثِلِ عَمَلِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ، قَدِ انْبَرَى الرَّجُلُ لِلْأَمْرِ
، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ أَنْبَرِي لِلْجَهْلِ يَوْمًا وَانْتَحى ظَعَائِنَ لَهْوٍ وَدُّهُنَّ مُسَاعِفُ
وَيُقَالُ أَيْضًا: قَدْ بَرَى لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: تَبْرِي لِعُرْيَانِ الشَّوَى مَيَّاحِ.
وَالْمَيَّاحُ: الْمَيَّالُ فِي شِقَّيْهِ، وَذَلِكَ أَجْوَدُ لَهُ، وَعُرْيَانِ الشَّوَى يَقُولُ مُمَحَّصُ الْقَوَائِمِ لَيْسَ بِرَهِلِهَا.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
٤٠٨ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: نا أَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، قَالَ: عُلُوجٌ تُبَارِي الدُّيُوكَ تَبَارِيًا، كُلَّمَا طَرِبَ دِيكٌ، طَرِبُوا، وَهَلْ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ، أَذَّنَ بِلَالٌ مَرَّةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَعِدَ فَنَادَى إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وَالسَّالِئَةُ: الَّتِي تَسْلُأُ السَّمْنَ سَلْأً، وَهُوَ إِذَابَةُ الزُّبْدَ، وَاسْمُ ذَلِكَ السَّمِنَ السِّلءُ، مَا كَانَ طَرِيًّا، وَيُقَالُ: هَذَا سَمْنٌ سِلْءٌ، وَسَمْنُ السِّلَآءِ، كُلُّ هَذَا بِالْكَسْرِ.
وَالْمَصْدَرُ: السَّلْءُ بِالْفَتْحِ، وَأَنْشَدَنَا الْهَجَرِيُّ:
وَنَحْنُ مَنَعْنَاكُمْ تَمِيمًا وَأَنْتُمُ سَوَالِئُ إِلَّا تُحْسِنُوا السَّلْءَ تُضْرَبُ
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ الرَّاجِزُ: "
حُرٌّ هِجَانُ اللَّوْنِ يَحْمِي فُوتَهُ
يَبُلُّ مِنْ مَاءِ الرُّغَامَى لِيَّتَهُ
كَمَا يَبُلُّ سَالِئُ حَمِيَّتَهُ.
هِجَانُ اللَّوْنِ: كَرِيمُ اللَّوْنِ أَبْيَضُهُ، يَحْمِي فُوتَهُ: أَيْ يَحْمِي أَنْفَةُ، أَنْ يَفُوتَهَا وَيَسْبِقَهَا، وَلَوْ شَاءَ فَعَلَ، وَلَكِنَّهُ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ، يَعْنِي: الثَّوْرَ، وَالْكِلَابَ، وَالرُّغَامَى: زِيَادَةُ الْكَبِدِ، وَمَاؤُهَا: دَمُهَا، فَيَقُولُ: يَبُلُّ لِيَّتَهُ بِدِمَاءِ الْكِلَابِ إِذَا طَعَنَهَا، وَالْحَمِيتُ: النِّحْيُ الْمَرْبُوبُ، وَقَدْ يَجِيءُ السِّلَاءُ مَمْدُودًا، وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ، قَوْلَ الشَّاعِرِ:
إِنَّ السِّلَاءَ الَّذِي تَرْجِينَ كَثْرَتَهُ قَدْ بِعْتُهُ بِأُمُورٍ ذَاتِ تَبْغِيلِ
وَالْكَثْرَةُ: مَا صَارَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ دَسَمِهِ وَخُثُورَتِهِ
٤٠٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵀، «أَنَّهُ كَانَ يَتَتَبَّعُ الْيَوْمَ الْمَعْمَعَانِيَّ الشَّدِيدَ الْحَرِّ فَيَصُومُهُ» .
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: نا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أَنَّ أَبَا مُوسَى
[ ٢ / ٧٦٠ ]
الْأَشْعَرِيِّ
[ ٢ / ٧٦١ ]
الْمَعْمَعَانِيُّ: نَسَبُهُ إِلَى الْمَعْمَعَانِ، وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: حَتَّى إِذَا مَعْمَعانُ الصَّيْفِ هَاجَ لَهُ بِأَجَّةٍ نَشَّ عَنْهَا الْمَاءُ وَالرُّطُبُ
٤١٠ - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى، " يَصُومُ الْيَوْمَ الْحَارَّ، الَّذِي تَتَسَلَّخُ فِيهِ الْكِلَابُ، يُرِيدُ أَنَّ الْحَرَّ يَمْحَقُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ، وَمِنْهُ قِيلَ: يَوْمٌ مَاحِقٌ، أَيْ: شَدِيدُ الْحَرِّ يَمْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ "
قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ:
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ظلَّتْ صَوَافِنَ بِالْإِرْزَانِ صَادِيَةً فِي مَحِقِ مِنْ نَهَارِ الصَّيْفِ مُحْتَدِمِ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ جَاءَ فُلَانٌ فِي مَاحِقِ الصَّيْفِ، أَيْ: فِي شِدَّةِ حَرٍّ، وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ: يَوْمٌ عَكِيكٌ يَعْصِرُ الْجُلُودَا يَتْرُكُ حُمْرَانَ الرِّجَالِ سُودَا
٤١١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵀: " أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّمْتُ الْمُعْجَمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا شَيْبَانُ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: نا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: نا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ
[ ٢ / ٧٦٤ ]
الْمُعْجَمُ: مُخَفَّفٌ هِجَاءُ الْمُقَطَّعَةِ، لِأَنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْقَيْسَيُّومُ يَقُولُونَ: هُمُ الْأَعْجَمُ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْعَجَمَ، قَالَ الرَّاجِزُ: سَلُّومٌ لَوْ أَصْبَحْتِ وَسْطَ الْأَعْجَمِ
فِي الرُّومِ أَوْ فَارِسَ أَوْ فِي الدَّيْلَمِ
إِذًا لَزُرْنَاكِ وَلَوْ بِسُلَّمِ
وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ: يُنْكِرُ أَنْ يُقَالُ: رَجُلٌ أَعْجَمِيُّ، يُرِيدُ بِهِ النِّسْبَةَ إِلَى الْعَجَمِ، وَقَالَ: لَا يَكُونُ إِلَّا عَجَمِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالُ: أَعْجَمِيُّ إِلَّا لِمَنْ تَنْسِبُهُ إِلَى عُجْمَةِ اللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ، وَقَوْلُ أَبِي زَيْدٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، قَالَ الشَّاعِرُ: مِمَّا تُعَتِّقُهُ مُلُوكُ الْأَعْجُمِ
وَكِتَابٌ مُعْجَمٌ، وَتَعْجِيمُهُ: تَنْقِيطُهُ، لِكَيْمَا تَسْتَبِينُ عُجْمَتُهُ، وَقَالَ جَرِيرٌ: لَمِنَ الدِّيَارُ بِعَاقِلٍ فَالْأَنْعُمِ كَالْوَحْيِ فِي وَرَقِ الزَّبُورِ الْمُعْجَمِ
تَمَّ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵀ يَتْلُوهُ: