[ ٣ / ١٠٨٨ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: " وَاللَّهِ لَقَدْ أَقَامَتْ قُرَيْشُ أَمْرَهَا بِغَيْرِ سُلْطَانٍ، يَخْنَعُ الصَّغِيرُ لِلْكَبِيرِ، وَيَقْبَلُونَ الْأَدَبَ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَادٍ مِنْ قَوْمِي مَا فِيهِ أَصْغَرُ مِنِّي، فَأَقْبَلَ عَنْبَسَةُ بْنُ أَمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَبِهِ سُمِّيَ مَنْ تَرَى عَنْبَسَةَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ حَتَّى وَقَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ ابْنَيَّ هَذَيْنِ، فَيَكْفُلُهُمَا، وَأَخْرُجُ عَنْكُمْ، وَكَانَ عَنْبَسَةُ مُسِيفًا، قَدِ افْتَدَتْهُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ عَنْبَسَةُ، يَقُولُ:
لَمَوْتٌ جَهِيزٌ عَاجِلٌ لَا شَوًى لَهُ إِذَا مَا أَتَى مُسْتَمْسِكًا بِالْمَشَارِبِ
أَحَبُّ إِليَّ مِنْ سُؤَالِ عَشِيرَةٍ إِذَا سُئِلُوا تَغَامَزُوا بِالْمَنَاكِبِ
بَلَوْنَاكُمْ عِنْدَ الْجِمَارِ عَشِيَّةً نَبَوْتُمْ وَكُنْتُمْ كَالسُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ
قَالَ الْحَكَمُ: ثُمَّ هَرَبَ عَنْبَسَةُ، فَمَا يُدْرَى أَيْنَ صَقَعَ، وَلَا أَيْنَ وَقَعَ؟ وَمَا مَنَعَنِي أَنْ آخُذُ ابْنَيْهِ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ سِنًّا، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ بِالْكَلَامِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: ثُمَّ الْتَفَتُّ إِلَى الْحَكَمِ، فَقَالَ: يَا عُرْوَةُ، إِيَّاكَ وَالتَّطَاوُلَ عَلَى الْأَكْفَاءِ، فَإِنَّهُ يَهَبُ الذِّلَّةَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
الْمُسِيفُ: الَّذِي قَدْ ذَهَبَ مَالُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَبَّلَ وَاسْتَرْخَى بِهِ الْخَطْبُ بَعْدَمَا أَسَافَ وَلَوْلَا سَعَيُنَا لَمْ يُؤَبَّلِ
قَالَ: وَالْمُسِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّوَافِ، وَهُوَ فَنَاءٌ يَقَعُ فِي الْإِبِلِ، وَهِيَ مَالُ الْعَرَبِ، يُقَالُ: أَسَافَ فُلَانٌ إِذَا هَلَكَ مَالُهُ، وَسَاءَتْ حَالُهُ.
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: نَا دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ مُعَقِرُ بْنُ حِمَارٍ الْبَارِقِيُّ:
تُجَهِّزُهُمْ بِمَا اسْطَاعَتْ وَقَالَتْ بَنِيَّ فَكُلُّكُمُ رَجُلٌ مُسِيفُ
أَيْ: مَاتَتْ إِبِلُهُ بِالْغُدَّةِ، فَسَافَتْ إِبِلُهُ، أَيْ: هَلَكَتْ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: سَافَ الرَّجُلُ يَسُوفُ سَوَافًا وَسُوفًا إِذَا مَاتَ، وَهُوَ رَجُلٌ سَائِفٌ لِلْمَيِّتِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ: رَمَاهُ اللَّهُ بِالسَّوَافِ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عَمَروٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَعُمَارَةُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يَعْنِي النَّحْوِيَّ، يَقُولُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: إِنَّ الْأَصْمَعِيَّ، يَقُولُ: السُّوَافُ بِالضَّمِّ، فَقَالَ: الْأَدْوَاءُ كُلُّهَا تَجِيءُ بِالضَّمِّ نَحْوَ النُّحَازِ وَالدُّكَاعِ والْخُمَالِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنَّمَا هُوَ السَّوَافُ، وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ لِحُسَيْلِ بْنِ عُرْفُطَةَ:
مِنْ دُونِ خُبْرِكَ لَوْنُ لَيْلٍ مُظْلِمٍ وَحَفِيفُ نَافِحَةٍ وَكَلْبٌ مُؤْسِدُ
[ ٣ / ١٠٩١ ]
وَأَخُوكَ مُحْتَمِلٌ عَلَيْكَ ضَغِينَةً وَمُسِيفُ قَوْمِكَ لَائِمٌ لَا يَحْمَدُ
يُقَالُ: أَسَدْتُ الْكَلْبَ، وَأَوْسَدْتَهُ إِذَا أَغْرَيْتَهُ بِالصَّيْدِ، وَلَا يُقَالُ: أَشْلَيْتُهُ إِنَّمَا يُقَالُ: أَشْلَيْتُ إِذَا دَعْوَتَهُ إِلَيْكَ، وَكَذَلِكَ أَشْلَيْتُ النَّاقَةَ وَالْعَنْزَ إِذَا دَعَوْتَهُمَا، لِتَحْلِبَهُمَا، قَالَ الرَّاعِي:
وَإِنْ بَرَكَتْ مِنْهَا عَجَاسَاءُ جِلَّةٌ بِمَحْنَيةٍ أَشْلَى الْعِفَاسَ وَبَرْوَعَا
وَقَالَ الْآخَرُ:
أَشْلَيْتُ عَنْزِي وَمَسَحْتُ قَعْبِي
ثُمَّ تَهَيَّأْتُ لِشُرْبِ قَأْبِ
الْعَجَاسَاءُ مِنَ الْإِبِلِ: الْعِظِيمَةُ، وَيُقَالُ: جَاءَتْ عَجَاسَاءُ مِنَ الْإِبِلِ، أَيْ قِطْعَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَعَجَاسَاءُ: ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الْمُتَرَاكِمَةُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ الْفَرَّاءِ: قَئِبَ الرَّجُلُ إِذَا أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ وَأَنْشَدَ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَاءَ، لِنَهِيكِ بْنِ إِسَافٍ فِي عَنْزٍ لَهُ:
إِنْ تُشْلِهَا فِي رَبِيضِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي يَوْمِ رِيحٍ وَدَجْنٍ بَعْدَ إِقلَاعِ
تَأْتِكَ فِي الدَّعْوَةِ الْأُوَلَى مُقَلِّصَةً مِثْلَ الْبَغِيِّ إِذَا هَمَّتْ بِإِسْرَاعِ
تُوفِّيَّ الثَّلِيثَ إِذَا مَا كَانَ فِي صَفَرٍ فَالْقَوْمُ فِي خَاثِرٍ مِنْهَا وَإِنْقَاعِ
وَالْمُسِيفُ فِي غَيْرِ هَذَا: الْمُسِيءُ لِلْعَمَلِ غَيْرُ الرَّفِيقِ بِهِ.
حدثنا ابن الهيثم، عن داود بن محمد، عن يعقوب، في قوله:
مَزَائِدُ خَرْقَاءِ الْيَدَيْنِ مُسِيفةٌ يَخُبُّ بِهَا مُسْتَخْلِفٌ غَيْرُ آيِنِ
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
قَالَ: الْخَرْقَاءُ: الَّتِي لَا تُحْسِنُ الْعَمَلَ، مُسِيفَةٌ: مُسِيئَةٌ لِلْعَمَلِ، وَالْمُسْتَخْلِفُ: الْمُسْتَقِي، غَيْرُ آيِنِ: غَيْرُ رَافِقِ.
وَقَوْلُهُ: لَا شَوًى لَهُ، أَيْ لَا يُخْطِئُ، قَالَ الْهُذَلِيُّ:
لَا يُسْلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ يَوْمَ اللِّقَاءِ وَلَا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا
أَيْ لَا يُخْطِئُونَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّوَى، وَهُوَ مِنَ الرَّجُلِ أَطْرَافِهِ، وَمَا لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَكَذَلِكَ الشَّوَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مِثْلُ الْحَاشِيَةِ وَالْقَوَاصِي: وَاحِدُهَا شَوَى مِثَلُ الْجَمْعِ، قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ:
إِنَّكَ مَا سَلَّيْتَ نَفْسًا شَحِيحَةً عِنِ الْمَالِ فِي الدُّنْيَا بِمِثْلِ الْمَجَاوِعِ
أَكَلْنَا الشَّوَى حَتَّى إِذَا لَمْ نَدَعْ شَوًى أَشَرْنا إِلَى خَيْرَاتِهَا بِالْأَصَابِعِ
وَاحِدُ الْمَجَاوِعِ: مَجَاعَةٌ وَمَجْوَعَةٌ، تَكَلَّمُوا بِهَا عَلَى الْأَصْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَيْنَ صَقَعَ فَإِنَّ أَبَا زَيْدٍ، قَالَ: يُقَالُ: مَا يُدْرَى أَيْنَ صَقَعَ فُلَانٌ أَيْ: مَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ، وَأَنْشَدَ:
فَلِلَّهِ صُعْلُوكٌ تَشَدَّدَ هَمُّهُ عَلَيْهِ وَفِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ مَصْقَعُ
يَقُولُ: مُتَوَجَّهٌ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: يُقَالُ: مَا يُدْرَى أَيْنَ صَقَعَ وَبَقَعَ، وَالصَّقِعُ: الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ.
تَمَّ حَدِيثُ الْحَكَمِ وَيَتْلُوهُ حَدِيثُ: