٢٠١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَهَافَتُوا يَوْمَ الْيَمَامَةِ تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَخْشَى أَلَا يَشْهَدُوا مَوْطِنًا إِلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يَفْنَوْا، وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، فَيَضِيعُ الْقُرْآنُ، وَيُنْسَى، فَلَوْ جَمَعْتَهُ وَكَتَبْتَهُ، فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: فَدَخَلْتُ وَعُمَرُ مُحْزَئِلٌّ ".
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
[ ١ / ٣٨٢ ]
يُقَالُ: تَهَافَتَ الْقَوْمُ، وَتَقَادَعُوا وَتَعَادَوْا، إِذَا هَلَكَ بَعْضُهُمْ فِي إِثْرِ بَعْضٍ، وَأَنْشَدَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ فِي التَّعَادِي:
أَقُولُ لِكَنَّازٍ تَوَكَّلْ فَإِنَّهُ أَبًى لَا أَخَالُ الضَّانَ مِنْهُ نَوَاجِيَا
فَيَالَكِ مِنْ أَرْوَى تَعَادَيْتِ بِالْعَمَى وَلَاقَيْتِ كَلَّابًا مُطِلا وَرَامِيَا
فَإِنْ أَخْطَأَتْ نَبْلا حِدَادًا ظُبَاتُهَا عَلَى الْقَصْدِ لَمْ تُخْطِئْ كِلَابًا ضَوَارِيَا
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: تَيْسٌ آبِيٌّ، وَعَنْزٌ أَبْوَاءُ: وَقَدْ أَبِيتَ تَأْبَى أَبَى، وَهُوَ دَاءٌ
[ ١ / ٣٨٣ ]
يُصِيبُهَا فِي رُءُوسِهَا مِنْ بَوْلِ الْأَرْوَى، وَلَا يَكَادُ يُصِيبُ الضَّأْنَ.
«تعَادَيَتْ» تَوَالَيَتْ، فَيَقُولُ: لَا تَنْجُو الضَّأْنُ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا الْأَبَى مِنْ شِدَّتِهِ فَكَيْفَ بِالْمَعْزِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مُحْزَئِلٌّ» يَعْنِي شِبْهَ الْمُتَّكِئِ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ تَفْسِيرُهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ الْعَرَبِ غَيْرُ ذَلِكَ، تَقُولُ: احْزَأَلَّ الرَّجُلُ إِذَا اجْتَمَعَ وَانْتَصَبَ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِعُمَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِزًا مُجْتَمِعًا، يُقَالُ لِلسَّحَابِ إِذَا ارْتَفَعَ نَحْوَ بَطْنِ السَّمَاءِ، احْزَأَلَّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الزُّبَيْرُ لِجُمْلَ الْكِلَابِيَّةِ، فِي جَدَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ.
أَلَا لَيْتَنِي وَافَقْتُ رَكْبَ ابْنِ مُصْعَبٍ إِذَا مَا مَطَايَاهُ احْزَأَلَّتْ صُدُورُهَا
وَأَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْهَجَرِيُّ:
وَمَا ثَغَبٌ فِي حَرَّةٍ مُحْزَئِلَّةٍ أَرَشَّتْ عَلَيْهَا دِيمَةٌ بِرِهَامِ
بِأَطْيَبَ مَنْ فِيهَا إِذَا جِئْتُ طَارِقًا تَبْغِي الذُّرَا مِنْ طُخْيَةٍ وَظَلَامٍ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: «مُحْزَئِلَّةٌ» مُرْتَفِعَةٌ عَلَتْ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:
[ ١ / ٣٨٤ ]
وَقُلْتُ لِعَمَّارِ بْنِ بِشْرٍ وَقَدْ رَأَى سُحُوقِي جَرَتْ فِيهَا دُمُوعِي فَبَلَّتِ
وَشِدِّي بِبُرْدِي حُشْوَةً ضَبَثَتْ بِهَا يَدُ الشَّوْقِ فِي الْأَحْشَاءِ حَتَّى احْزَأَلَّتِ
أَلَا قَاتَلَ اللَّهُ اللِّوَى مِنْ مَحَلَّةٍ وَقَاتَلَ دُنْيَانَا بِهَا كَيْفَ وَلَّتِ
٢٠٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ قَاذُورَةً، فَأُخْبِرَ بِذَلَكَ عُمَرُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَالَ: قَدْ بَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَزِدْتَ عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَا تَنْكِحُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ".
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: نا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ
[ ١ / ٣٨٥ ]
الْقَاذُورَةُ: الْفَاحِشُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيُّ:
فَإِنْ تَلْقَهُ فِي الشَّرْبِ لَا تَلْقَ فَاحِشًا عَلَى الْكَأْسِ ذَا قَاذُورَةٍ مُتَرَبِّعَا
[ ١ / ٣٨٦ ]
٢٠٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرَجُلًا آخَرَ أُلْقِيَا مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَتَكَنَّعَتْ أَيْدَيْهُمَا، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، اخْرُجُوا مِنْ أَرْضِنَا، فَقَالُوا: أَقَرَّنَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِكُمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّكُمْ فِيهَا مَا شِئْنَا، وَقَدْ شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ مِنْهَا، فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: نا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
[ ١ / ٣٨٧ ]
الْكَنَعُ: تَقَبُّضٌ فِي الْأَصَابِعِ وَتَشَنُّجٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْحَى أَبُو لَقِطٍ حَزًّا بِشَفْرَتِهِ فَأَصْبَحَتْ كَفُّهُ الْيُمْنَى بِهَا كَنَعُ
وَالْفِعْلُ: كَنِعَ يَكْنَعُ كَنَعًا، وَتكَنَّعَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَكَنَعَ الْمَوْتُ كُنُوعًا: إِذَا دَنَا وَاقْتَرَبَ، وَقَالَ الْأَحْوَصُ: يَلُوذُ حِذَارَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ وَكَنَعَتِ الْعُقَابُ تَكْنَعُ كُنُوعًا: إِذَا ضَمَّتْ جَنَاحَيْهَا لِلِانْقِضَاضِ فَهِيَ كَانِعَةٌ: جَانِحَةٌ، وَكَنِعَ الرَّجُلُ يَكْنَعُ كَنَعَا فَهُوَ كَنِعٌ، وَيُقَالُ: أَكْنَعَ الشَّيْءُ، إِذَا لَانَ وَخَضَعَ، وَقَالَ الْعَجَّاجُ: مِنْ نَفْثِهِ وَالرِّيقُ حَتَّى أَكْنَعَا وَقَالَ النَّابِغَةُ مِنَ الْأَوَّلِ: رَمَى اللَّهُ فِي تِلْكَ الْأُنُوفِ الْكَوَانِعِ أَيِ الْمُنْقَبِضَةُ اللَّاصِقَةُ بِالْوُجُوهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: " إِذَا أَصَابَ الْيَدَ أَوِ الرِّجْلَ خُرَّاجٌ أَوْ عِلَّةٌ فَتَقَبَّضَتْ قِيلَ: تَكَنَّعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
[ ١ / ٣٨٨ ]
وَضَيفٍ إِذَا أَرْعَى طُرُوقًا بَعِيرَهُ وَعَانٍ نَآهُ الْوَفْدُ حَتَّى تَكَنَّعَا
يَقُولُ: بَعُدَ عَنْهُ مَنْ يَفِدْ عَلَيْهِ فَيَفْدِيهِ، حَتَّى تَكَنَّعَتْ يَدَاهُ فِي الْقَدِّ.
وَأَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِلْفَرَزْدَقِ:
وَكَمْ أَطَلَقَتْ كَفَّاكَ مِنْ قَيدِ يَائِسٍ وَمِنْ عُقدَةٍ مَا كَانَ يُرْجَى انْحِلَالُهَا
كَثِيرًا مِنَ الأَيْدِي الَّتِي قَدْ تَكَنَّعَتْ فَكَكْتَ وَأَعْتَاقًا عَلَيْهَا غِلَالُهَا
وَالْغِلَالُ: جَمْعُ غُلٍّ
٢٠٤ - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ، قَالَ: نا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: نا وَهْبٌ، قَالَ: نا الْأَسْوَدُ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، قَالَ: لَمَّا جُدَّ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَضْعُ يَدَهُ مَوْضِعَ الْغِلَالِ مِنْ ذَقَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَمَرَّتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلَا تَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ»، فَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ
[ ١ / ٣٨٩ ]
٢٠٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يَنْثَالُونَ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟ فَقَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ نَبِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَتَرَكُوا أَمْرَهُمْ، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكُمُ الصَّلَاةَ فَصَلُّوا، فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْشَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ، يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ،
[ ١ / ٣٩٠ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: تَقُولُ: انْثَالَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَانْكَالُوا وَانْهَالُوا وَانْقَصَفُوا: إِذَا أَتَوْهُ وَتَتَابَعُوا عَلَيْهِ، وَتَهَافَتُوا، وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ: مَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ: اجْتِمَاعُهُمْ إِلَيْهِ، وَإِقْبَالُهُمْ عَلَيْهِ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفَعَ
[ ١ / ٣٩١ ]
جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الْحَاجَّ، فَادَّانَ مُعْرِضًا، ثُمَّ أَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ.
قَوْلُهُ: «ادَّانَ مُعْرِضًا» يُرِيدُ أَنَّهُ ادَّانَ مِمَّنِ اسْتَطَاعَ، وَأَخَذَ مَالَ مَنْ أَمْكَنَهُ، لَمْ يُبْقِ
[ ١ / ٣٩٢ ]
أَحَدًا لِخَوْفِ عَاقِبَةٍ وَلَا تَأَثُّمٍ مِنْ مَعَادٍ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ فِي قَوْلِ الْبُعَيْثِ:
فَطَأُ مُعْرِضًا إِنَّ الْحُتُوفَ مَظِنَّةٌ وَإِنَّكَ لَا تُبْقِي لِنَفْسِكَ بَاقِيًا
أَوْ قَالَ: كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: «فَطَأُ مُعْرِضًا»: يَقُولُ: ضَعْ رِجْلَكَ حَيْثُ وَقَعَتْ وَلَا تَتَّقِ شَيْئًا إِنَّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ تُصِيبُكَ وَإِنِ اتَّقَيْتَ، وَقَوْلُهُ: «لَا تُبْقِي لِنَفْسِكَ بَاقِيَا» يَقُولُ إِنْ أَبْقَيْتَ نَفْسَكَ لَمْ تَبْقَ لَكَ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عُمَرُ لِهَيْئَةٍ رَآهَا مِنْهُ، فَقَالَ زِيَادٌ: لَقَدْ رُمِيتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الرَّأْسِ ".
يُقَالُ رُمِيَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ فِي الرَّأْسِ إِذَا سَاءَ رَأْيُهُ فِيهِ حَتَّى لَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَحْسَبَهُ رُمِيَ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ فِي الرَّأْسِ أَوْ مِنْ كَأَيِّنْ مَا كَانَ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
٢٠٨ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: " أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: إِيَّايَ وَالتَّغْبِيبَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ ذَنْبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْحَقِّ مَنْ لَا يَزَعُهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ الْعَلَاءِ بنِ الْمِنْهَالِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، التَّغْبِيبُ: تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ، يُقَالُ: غَبَّبَ فُلَانٌ فِي الْحَاجَةِ إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِيهَا
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزِّيَادِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: يُقَالُ شَدَّ الذِّئْبُ عَلَى الْغَنَمِ، فَفَرَسَ مِنْهَا، وَغَبَّبَ، وَالْفَرْسُ: دَقُّ الْعُنُقِ، وَالتَّغْبِيبُ: أَنْ يَدَعَهَا وَبِهَا شَيْءٌ مِنْ حَيَاةٍ.
قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: يُقَالُ لَا تَفْرِسُ وَلَا تَنْخَعْ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَالَ رَجُلٌ
[ ١ / ٣٩٤ ]
مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ:
مَنْ لِيَ مِنْهَا إِذَا مَا جُلْبَةٌ أَزِمَتْ وَمِنْ أُوَيْسٍ إِذَا مَا أَنْفُهُ رَذَمَا
إِذْ لَا يَزَالُ فَرِيسٌ أَوْ مُغَبَّبَةٌ صَغْوَاءُ تَنْشُرُ مِنْ دُونِ الدِّمَاغِ دَمَا
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى:
٢٠٩ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ يَذْكُرُهُ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ لَيْلًا، إِذَا هَاتِفٌ عَلَى الطَّرِيقِ، يَقُولُ: قِفُوا، فَوَقَفْنَا فَقَالَ: أَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِحْدَاهُنَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، أَتَعْقِلُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: الْعَقْلُ سَاقَنِي هَاهُنَا، قَالَ عُمَرُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَوَ مَاتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ: أَنُحَيْفُ بَنِي تَمِيمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَهَا لأَهْلًا، أَوَ فِيكُمْ هُوَ؟ قَالَ عُمَرُ: مَاتَ، قَالَ: أَوَ مَاتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَأَيْنَ كَانُوا عَنْ أَبْيَضَ بَنِي أُمَيَّةَ، يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَدْ كَانَ مَا أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: مَا كَانَتْ صَدَاقَةُ عُمَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِتُسْلِمَهُ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ: فَالْغَوْثَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْغَوْثَ، قَالَ: قَدْ بَلَغَكَ الرَّيُّ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُقَيْلٍ أَحَدُ بَنِي ثُعَيْلَةَ بْنِ مَلِيلٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَدْهَةِ بَنِي جِعَالٍ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمْتُ، وَسَقَانِي فَضْلَةَ
[ ١ / ٣٩٥ ]
سَوِيقٍ شَرِبَ أَوَّلَهَا، فَمَا زِلْتُ أَجِدُ رَيَّهَا إِذَا عَطِشْتُ، وَشِبَعَهَا إِذَا جُعْتُ، ثُمَّ يَمَّمْتُ رَأْسَ الْأَبْيَضِ، فَلَمْ أَزَلْ فِيهِ أَنَا وَأَهْلِي مُنْذُ عَشَرَةِ أَعَوَّامٍ، مَا رَأَيْتُ فِيهِ ذَاكِرًا غَيْرِي، أُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ صَلَوَاتٍ خَمْسًا، وَيَدُورُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَأَصُومُهُ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ حَارًّا، وَأَذْبَحُ لِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ نُسُكًا، فَآكُلُ وَأُطْعِمُ أَهْلِي، كَذَلِكَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَصَابَتْنَا حَطْمَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا أَبْقَتْ لَنَا إِلَّا شَاةً كُنَّا نَمْتَذِقُ دَرَّهَا، فَعَدَا عَلَيْهَا الذِّئْبُ بَارِحَةَ الْأُولَى، فَغَبَّبَهَا وَاتَّبَعْتُهُ، فَأَدْرَكْتُ ذَكَاتَهَا، فَأَكَلْتُ بَعْضًا، وَحَمَلْتُ بَعْضًا، قَالَ: أَتَاكَ الْغَوْثُ، الْحَقْنِي عَلَى الْمَاءِ، وَمَضَى عُمَرُ، وَأَبْطَأَ الرَّجُلُ حَتَّى رَاحَ عُمَرُ، فَدَعَا عُمَرُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَأَوْصَى بِالرَّجُلِ، وَقَالَ: إِذَا أَتَاكَ، فَمُنْهُ وَعِيَالَهُ بِمَا يَسَعُهُمْ، وَمَضَيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مَرَّ عُمَرُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ، فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ قَبْرُهُ، فَمَشَى عُمَرُ إِلَى قَبْرِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: كَرِهَ اللَّهُ لَهُ، فِتْنَتَكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ
[ ١ / ٣٩٦ ]
قَوْلُهُ: «إِحْدَاهُنَّ وَرَبُّ الْكَعْبَةِ» يَعْنِي إِحْدَى الْعَجَائِبِ، وَفِي مَثَلٍ مِنَ الْأَمْثَالِ: لَا يَقُومُ لِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا ابْنُ إِحْدَاهَا، يَقُولُ إِلَّا كَرِيمُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْإِبِلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: «بَلَغَكَ الرَّيُّ» يُرِيدُ الشِّبَعَ، وَهُوَ يَقَعُ مَوْقِعَ الْغَيْثِ، أَوْ قَالَ: الْغَوْثُ، كَمَا يُغَاثُ الشَّرِقُ بِالْمَاءِ، وَالرَّدْهَةِ وَالْوَقِيعَةِ الْوَقْظِ وَالْوَجْذِ وَالْإِخَاذَةِ: النُّقْرَةُ فِي الْجَبَلِ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ الثَّغَبُ وَالْقَلْتُ وَالْوَقْبُ، وَ«رَأْسُ الْأَبْيَضِ»: جَبَلٌ: وَيُقَالُ بَارِحَةَ الْأُولَى وَصَلَاةُ الْأُولَى وَمَسْجِدُ الْجَامِعِ، تُضِيفُ الِاسْمَ إِلَى الصِّفَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْء، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، يُرِيدُ وَالْحَبَّ الْحَصِيدَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى نَعْتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] .
٢١٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " وَنَظَرَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ الْفَدْغَمُ ".
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الرَّمَادَةُ، وَانْجَلَتْ فَسَالَتِ الْأَوْدِيَةُ وَسَالَ الْعَقِيقُ، أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: سَالَ الْعَقِيقُ، فَخَرَجَ عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ، فَوَقَفَ عَلَى السَّيْلِ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ الْفَدْغَمُ الْأَبْيَضُ الْأَصْلَعُ عَلَى الْفَرَسِ؟ فَقَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَنَا الْأَعَرَابِيُّ
[ ١ / ٣٩٧ ]
حَتَّى كَانَ عَلَى رَتْوَةٍ فِي السَّيْلِ، ثُمَّ صَاحَ: يَا ابْنَ حَنْتَمَةَ، جَازَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيهَا يَا ابْنَ ثَأْدَاءَ، فَأَلْوَى عُمَرُ بِيَدِهِ أَنِ اعْبُرَا، فَلَمْ يُبِنْ جَوَابَهُ حَتَّى عَبَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ مَا قُلْتَ، وَيْحَكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنا حَبِيبُ بْنُ عِصَامٍ الْمُحَارِبِيُّ.
قَالَ: وَيْحَكَ لَوْ كُنْتَ أَنْفَقْتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَالِي وَمَالَ أَبِي، لَكُنْتَ حَرِيًا حَتَّى مَضَتْ، وَلَكِنْ مَا أَنْفَقْتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِمْ "
[ ١ / ٣٩٨ ]
الْفَدْغَمُ: اللَّحِيمُ الْجَسِيمُ.
قَالَ الرَّاجِزُ:
أَثَّلَ مُلْكًا خِنْدَفِيًا فَدْغَمَا
يُرِيدُ عَظِيمًا قَدِيمًا، وَيُقَالُ: إِنَّ الْفَدْغَمَ فِي نَعْتِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَضَاءَةً مَعَ عِظَمٍ.
وَقَالَ الْكُمَيْتُ يَذْكُرُ النِّسَاءَ.
وَأَدْنَينَ الْبُرُودَ عَلَى خُدُودٍ وَزَيَّنَ الْفَدَاغِمَ بِالْأَسِيلِ
أَرَادَ أنَّهُنَّ رِوَاءُ الْوُجُوهِ.
وَقَالَ غَيْلَانُ ذُو الرُّمَّةِ، يَمْدَحُ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ:
ومُخْتَلَقٌ لِلْمُلْكِ أَبَيْضُ فَدْغَمٌ أَشَمُّ أَبَجُّ الْعَيْنِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ
الْمُخْتَلَقُ: التَّامُّ الْخَلْقِ وَالْجَمَالِ، وَالْجَمَلُ الْفَدْغَمُ: الْغَلِيظُ الْجَسِيمُ.
وَأَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَابِدِيُّ لِأَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:
فَهَلْ يُبْلِغَنِّي الْمَالِكِيَّةَ فَدْغَمٌ عَلَى الْأَيْنِ وَالشَّكْوَى صَبُورٌ مُذكَّرُ
تَعَاوَرَهُ الرُّوَاضُ حَتَّى كَأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعُوا فِيهِمْ كَبِيرٌ مُنَفِّرُ
[ ١ / ٣٩٩ ]
وَقَوْلُهُ: «أَلْوَى بِيَدِهِ» أَيْ: لَمَّحَ بِهَا وَأَشَارَ، وَقَالَ طُفَيْلٌ:
فَأَلْوَتْ بَغَايَاهُمْ بِنَا وَتَبَاشَرُوا إِلَى عُرْضِ جَيْشٍ غَيْرَ أَنْ لَمْ يُكَتَّبِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ: يُقَالُ أَخْفَقَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ إِخْفَاقًا، وَأَلْوَى بِثَوْبِهِ إِلْوَاءً، وَلَوَّحَ بِثَوْبِهِ تَلْوِيحًا، وَلَمِعَ بِهِ لَمْعًا كُلُّهُ وَاحِدٌ.
٢١١ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: نا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: حَلَمَ حَالِمٌ بِالْكُوفَةِ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ غُفِرَ لَهُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَتى عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَ فَزِعًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يُلْوِي وَيُلْمِعُ بِثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: اخْرُجُوا لَا تُعَذَّبُوا، فَإِنَّمَا هِيَ نَفْحَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، وَلَا كِتَابَ بَعْدَ كِتَابِكُمْ
[ ١ / ٤٠٠ ]
وَقَالَ جَرِيرٌ:
نَهَيْتُكُمُ أَنْ تَرْكَبُوا ذَاتَ نَاطِحٍ مِنَ الْحَرْبِ يُلْوِي بِالرِّدَاءِ نَذِيرُهَا
وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
وَنَهْدِيَّةٍ شَمْطَاءَ أَوْ حَارِثِيَّةٍ تُؤَمِّلُ كَسْبًا مَنْ بَنِيهَا يُغِيرُهَا
تُؤَمِّلُ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ وَقَدْ رَأَتْ سَوَابِقَ خَيْلٍ لَمْ يُذَرِّعْ بَشِيرُهَا
وَقَدْ رَجَعَتْ كَعْبٌ خَزَايَا أَذِلَّةً مِلَاءً مِنَ اللَّحْمِ الْخَبِيثِ حُجُورُهَا
«لَمْ يُذَرَّعْ» أَيْ لَمْ يَرْفَعْ ذِرَاعَيْهِ بَشِيرٌ بِغُنْمٍ وَلَكِنَّهُمْ مُنْهَزِمُونَ، «يُغِيرُهَا»:
[ ١ / ٤٠١ ]
يَمِيرُهَا، يَقُولُ: مَاذَا يَغِيرُكَ بُكَاؤُكَ أَيْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُمَا لَا تَرْقُدَانِ وَلَا بُؤْسَ لِمَنْ رَقَدَا
وَيُقَالُ مِنْ غَيْرِ هَذَا: أَلْوَى بِهِ يُلْوَى إِلْوَاءً، إِذَا ذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ أَلْوَى الْقَوْمُ إِذَا بَلَغُوا لِوَى الرَّمْلِ.
وَقَدْ أَلْوَى الْبَقْلُ فَهُوَ مُلْوٍ إِذَا صَارَ لَوِيًّا، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ فِيهِ نُدُوَّةٌ، وَبَعْضُهُ يَابِسٌ.
٢١٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَنْطُفُ رَأْسُهُ، قَالَ: أَمُحْرِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ أَذْفَرُ، وَلَوْ رَخَّصْتُ لَكُمْ لَضَاجَعْتُمُوهُنَّ بِالْأَرَاكِ، ثُمَّ رُحْتُمْ حُجَّاجًا، عُمْرَةَ بَتِيلٍ، وَحَجَّةَ بَتِيلٍ ".
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٤٠٢ ]
يَنْطُفُ رَأْسُهُ، يَقُولُ: يَقْطُرُ، وَقَوْلُهُ: «حَجَّةَ بَتِيلٍ»: وَهِيَ الْمُفْرَدَةُ، وَأَصْلُ الْبَتْلِ: إِبَانَةُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وَتَمْيِيزُهُ مِنْهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْبَتُولُ: وَهِيَ الْفَسِيلَةُ الَّتِي قَدِ اسْتَغْنَتْ عَنِ النَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ حِينَئِذٍ مُبْتِلٌ
، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَخِّلِ:
[ ١ / ٤٠٣ ]
ذَلِكَ مَادِينُكَ إِذَا جُنِّبَتْ أَحْدَاجُهَا كَالْبُكُرِ الْمُبْتِلِ
وَالْبُكُرُ: جَمْعُ بُكُورٍ، وَهِيَ النَّخْلَةُ تُدْرَكُ فِي أَوَّلِ النَّخْلِ، وَالْمُبْتِلُ: الْأُمُّ تَكُونُ لَهَا فَسِيلَةٌ قَدِ انْفَرَدَتْ وَاسْتَغْنَتْ عَنْ أُمِّهَا.
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَدَافَعُوهَا، لِيَؤُمَّهُمْ حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: لَتَبْتُلُنَّ لَهَا إِمَامًا، أَوْ لَتُصَلُّنَّ فُرَادَى «
أَيْ لَتَنْدُبُنَّ لَهَا وَاحِدًا مِنْكُمْ تَبْتُلُونَهُ أَيْ تُمَيِّزُونَهُ.
وَقَوْلُهُ» أَذْفَرُ " يَعْنِي تَفِلًا مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، وَيُقَالُ: لِكُلِّ رِيحٍ ذَكِيَّةٍ شَدِيدَةٍ مِنْ طِيبٍ أَوْ نَتْنٍ ذُفْرٌ، وَمِنْهُ قِيلَ: مِسْكٌ أَذْفَرُ، وَقَالَ الرَّاعِي يَصِفُ الْإِبِلَ:
لَهَا فَارَةٌ ذَفْرَاءُ كُلَّ عَشِيَّةٍ كَمَا فَتَقَ الْكَافُورَ بِالْمِسْكِ فَاتِقُهْ
[ ١ / ٤٠٤ ]
وَالدَّفْرُ: بِالدَّالِ وَتَسْكِينِ الْفَاءِ، هُوَ النَّتْنُ، يُقَالُ: مُنْتَنٌ أَذْفَرُ، وَمَنْ رَوَاهُ «أَظْفَرُ» فَإِنَّهُ يُرِيدُ الطَّوِيلَ الْأَظَافِرِ.
وَقَوْلُ الرَّاعِي: «لَهَا فَارَةٌ ذَفْرَاءُ» يَقُولُ: إِذَا صَدَرَتْ عَنِ الْمَاءِ وَقَدْ نَدِيَتْ جُلُودُهَا، فَاحَتْ مِنْهَا رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، قَالَ الرَّاجِزُ:
ثَمَّتْ يَصْدُرْنَ إِذَا الرَّاعِي صَدَرْ فِي مِثْلِ جِلْبَابِ الْعَرُوسِ ذِي الْعِطِرْ
٢١٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ أَبَا مُوسَى اشْتَرَى لَهُ جَارِيَةً بِثَمَانِ مِائَةٍ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ فَوَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعًا، فَسَمَّاهَا زَيْنَبَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ زَيْنَبَ وَإِنَّهَا حُرَّةٌ، ثُمَّ تَبِعَتْهَا نَفْسُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ: ابْنُهُ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَتُحَدِّثُ الْعَرَبُ أَنَّكَ تَزَوَّجْتَ هَذِهِ الْعِلَجَةَ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَزَوَّجْتَهَا لَأَمْشِيَنَّ بَيْنَ وِصْلَيْهَا، فَخَافَ عُمَرُ بَعْضَ هَنَّاتِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَبَلَغَ النَّاسَ الَّذِي قَالَ فِيهَا، فَخَطَبَهَا قُرَيْشٌ وَالْعَرَبُ، فَجَعَلَ يَرُدُّهُمْ عَنْهَا حَتَّى خَطَبَهَا مُؤَذِّنٌ لِعُمَرَ، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، هَلْ لَكِ فِي هَذَا؟ وَهُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُمْ، إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يَتَّخِذُونَكِ أَمَةً، وَإِنَّكِ تَتَّخِذِينَ هَذَا عَبْدًا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، فَسَمَّى عُمَرُ جَوَارِي لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ زَيْنَبَ ".
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْعَلَاءِ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ: قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أنا جُرَيْجٌ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
[ ١ / ٤٠٥ ]
قَوْلُهُ: «لَأَمْشِيَنَّ بَيْنَ وِصْلَيْهَا» .
فَأَحَدُ الْوِصْلَيْنِ: وِصْلُ مَا بَيْنَ عَجِزِ الْبَعِيرِ وَفَخِذِهِ، وَهُمَا: الْوَرِكَانِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
تَرَى يَبِيسَ الْبَوْلِ دُونَ الْمَوْصِلِ مِنْهُ بِعَجَزٍ كَصَفَاةِ الْجَنْدَلِ
وَالْمَوْصِلُ الْآخَرُ: مَوْصِلُ الظَّهْرِ فِي الْعُنُقِ وَهُوَ الْكَاهِلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
إِذَا ابْنُ أَبِي مُوسَى بِلَالًا بَلَغْتِهِ فَقَامَ بِفَأْسٍ بَيْنَ وِصْلَيْكِ جَازِرُ
وَتَتَبَّعَتْهَا نَفْسُهُ: مِثْلُ اتَّبَعَتْهَا وَطَلَبَتْهَا.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو سُوَيْدٍ، وَأَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ:
عَلَامَ تُوَاصِلُ مَرَّ الْغُيُوثِ حَوْلِي وَأُحْرَمُ أَمْطَارَهَا
وَقَدْ كُنْتَ عَوَّدْتَنِي عَادَةً تَتَبَّعَتِ النَّفْسُ آثَارَهَا
٢١٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ لِلْحُطَيْئَةِ: إِيَّاكَ وَالشِّعْرَ، قَالَ: لَا أَقْدِرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَرْكِهِ، مَأْكَلَةُ عِيَالِي، وَنُمْلَةٌ عَلَى لِسَانِي، قَالَ: فَشَبِّبْ بِأَهْلِكَ، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مِدْحَةٍ مُجْحِفَةٍ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا الْمِدْحَةُ الْمُجْحِفَةُ؟ قَالَ: تَقُولُ بَنُو فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، امْدَحْهُمْ وَلَا تُفَضِّلْهُمْ، قَالَ: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَشْعَرُ مِنِّي ".
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ
[ ١ / ٤٠٧ ]
النُّمْلَةُ: مِثْلُ الْقَلَقِ بِالْخَبَرِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ نَمِلٌ وَنَمَّالٌ، إِذَا كَانَ نَمَّامًا، قَالُوا: وَرُبَّمَا جَوِيَ الرَّجُلُ مِنَ الْقَوْلِ يَطْوِيهِ، وَالشَّيْءِ يُخْفِيهِ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ:
لَسْنَا بإِخْوَانِ أَقْوَامٍ يُغَيِّرُهُمْ قَوْلُ الْعُدَاةِ وَلَا ذُو النَّمُلَةِ النَّمِلُ
وَقَالَ آخَرُ:
لَا أَكْتُمُ الْأَسْرَارَ لَكِنْ أَنُمُّهَا وَلَا أَتْرُكُ الْأَخْبَارَ تُغْلَى عَلَى قَلْبِ
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ عَنِ النَّمِيمَةِ: رَجُلٌ نَمٌّ مِنْ قَوْمٍ نَمِّينَ وَأَنِمَّاءٌ وَهُوَ الَّذِي يُفْشِي الْحَدِيثَ، وَامْرَأَةٌ نَمَّةٌ مِنْ نِسْوَةٍ نَمَّاتٍ، وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ:
إِنَّ النَّمُومَ أَغَطِّي دُونَهُ خَبَرِي وَلَيْسَ لِي حِيلَةٌ فِي مُفْتَرِي الْكَذِبِ
[ ١ / ٤٠٩ ]
وَهَذَا كَقَوْلِ الْآخَرِ:
لِي حِيلَةٌ فِيمَنْ يَنِمُّ وَلَيْسَ فِي الْكَذَّابِ حِيلَةْ
مَنْ كَانَ يَكْذِبُ مَا أَرَادَ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ
٢١٦ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْعَابِدِيُّ، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَجَّ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى، جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مُحَاوَرَةٌ، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَغَضِبَ الْوَلِيدُ فَأَمَضَّهُ، فَتَفَوَّهَ مَرْوَانُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى فِيهِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِعُمَرَ: قَتَلْتَنِي رَدَدْتَ غَيْظِي فِي جَوْفِي، فَمَا رَاحُوا مِنْ وَادِي الْقُرَى حَتَّى دَفَنُوهُ، فَلَهُ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
لَقَدْ غَادَرَ الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ إِذْ غَدَوْا بِوَادِي الْقُرَى جَلْدَ الْجَنَانِ مُشَيَّعَا
[ ١ / ٤١٠ ]
فَسِيرُوا فَلَا مَرْوَانَ لِلْحَيِّ إِذْ شَتَوْا وَلِلرَّكْبِ إِذَا أَمْسَوْا مُكِلِّينَ جُوَّعَا
وَذَكَرَ غَيْرُ الزُّبَيْرِ أَنَّهَا لِجَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ
قَالَ: وَكَانَ مَرْوَانُ أَخَا يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأُمِّهِ عَاتِكَةَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَزَادَ:
أَبَا خَالِدٍ فَارَقْتَ مَرْوَانَ عَنْ رِضَا وَكَانَ يَزِينُ الْأَرْضَ أَنْ تُرَيَا مَعَا
وَيُقَالُ مِنَ النَّمُلَةِ قَدْ نَمَلَ يَنْمُلُ، وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
وَلَا أُزْعِجُ الْكَلِمَ الْمُحْفِظَاتِ إِلَى الْأَقْرِبِينَ وَلَا أَنْمُلُ
أَيْ لَا أَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ نَمِلُ الْأَصَابِعِ لَا يَكَادُ يَكُفُّ أَصَابِعَهُ عَنِ الْعَبَثِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ خَفِيفَ الْأَصَابِعِ فِي الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ لَا يَكَادُ يَسْتَقِرُّ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَهْوَنَ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، فَحَاسِبُوهَا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرَضِ الْأَكْبَرِ ".
[ ١ / ٤١١ ]
يُقَالُ لِلْعَرَضِ الْأَكْبَرِ، وَلِلْعَرْضِ، فَمَنْ خَفَفَّ فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ الِاسْمَ.
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ مِنْهُ عَرَضْتُ الْجُنْدَ عَرْضًا، وَقَدْ فَاتَ فُلَانًا الْعَرَضُ كَمَا يُقَالُ: قَبَضْتُ الْمَالَ قَبْضًا، وَدَخَلَ مَالُ فُلَانٍ فِي الْقَبَضِ، يَعْنِي مَا قَبَضَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ.
٢١٨ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، " أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِ رَجُلٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: اضْرِبْ وَلَا تَمَتَّ، وَاعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ ".
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ذَكَرَهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
[ ١ / ٤١٢ ]
يُقَالُ: تَمَتَّى الرَّجُلُ إِذَا تَمَطَّى
حَدَّثَنَا الْجُمَحِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ حَمْزَةَ بْنَ عُتْبَةَ، عَنْ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَأَتَتْهُ الْوَحْشُ وَارِدَةً فَتَمَتَّى النَّزْعَ فِي أَزَرِهْ
مَا تَمتَّى؟ قَالَ: تَمَطَّى، قَالَ الرَّاجِزُ يَذْكُرُ الْإِبِلَ:
إِذَا تَمَطَّيْنَ عَلَى الْقَيَاقِي لَاقَيْنَ مِنْهُ أُذُنَيْ عَنَاقِ
، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: نا أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: أَنْشَدَنَاهُ أَبُو هِفَّانَ، قَالَ: الْقَيَاقي: جَمْعُ قِيقَأَةٍ، وَهِيَ مِنَ الْأَرْضِ مَا أَشْرَفَ بَعْضٌ، وَانْخَفَضَ بَعْضٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ: جَاءَ بِالْعَنَاقِ أَيْ بِالدَّاهِيَةِ.
وَأَمَّا أَبُو الْحُسَيْنِ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، يُقَالُ: جَاءَ بِأُذُنَيْ عَنَاقِ الْأَرْضِ، إِذَا جَاءَ بِالْكَذِبِ الْفَاحِشِ، وَإِذَا جَاءَ أَيْضًا بِالْخَيْبَةِ، وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ:
أَمِنْ تَرجِيعِ قَارِيةٍ تَرَكْتُمْ سَبَايَاكُمْ وَأُبْتُمْ بِالْعَنَاقِ
أَيْ فَزِعْتُمْ لَمَّا سَمِعْتُمْ تَرْجِيعَ هَذَا الطَّائِرِ، فَتَرَكْتُمْ سَبَايَاكُمْ، وَأَبْتُمْ بِالْخَيْبَةِ،
[ ١ / ٤١٣ ]
وَالْعَنَاقُ: الْخَيْبَةُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: قَالَ: مَتَوْتُ الشَّيْء: مَدَدْتُهُ، وَتَمَتَّى هُوَ، وَمَأَيْتُ الشَّيْء، وَتَمَأَى هُوَ
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هِفَّانَ: أَمَتُّ إِلَيْكَ بِالرِّجْلِ وَأَمُطُّ وَأَمُدَّ، وَأَنْشَدَنَا غَيْرُهُ:
تَدْعُو هَوَازِنُ بِالْإِخَاوَةِ بَيْنَنَا ثَدْيٌ تَمدُّ بِهِ هَوَازِنُ أَيْبَسُ
وَقَالَ الرَّاجِزُ:
يَا إِبِلًا تَرَوَّحِي وَانْمَطِّي وَصَعَّدِي فِي ضَفِرٍ وَانْحَطِّي
إِلَى أَمِيرٍ بِالْغُبَيْبِ ثَطِّ وَجْهِ عَجُوزٍ جُلِّيَتْ فِي لَطِّ
وَاللَّطُّ: الْقَلَائِدُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْ حَنْظَلٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، «انْمَطِّي»، امْتَدِّي، وَ«ضَفِرٍ»: رَمْلٌ مُنْعَقِدٌ
٢١٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ قَالَ: فِيمَ الرَّمَلَانِ الْآنَ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَايْمُ اللَّهِ مَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ
[ ١ / ٤١٤ ]
الرَّمَلَانِ: وَالرَّمَلُ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلِكَ رَمَلَ يَرْمُلُ رَمَلًا، وَهُوَ فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْعَدْوِ، كَمَا يَرْمُلُ الْحَاجُّ، وَالرَّمَلُ أَيْضًا أَسْلُوبٌ مِنَ الشِّعْرِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
[ ١ / ٤١٥ ]
لَا يُغْلَبُ النَّازِعُ مَا دَامَ الرَّمَلْ فَإِنْ أَكَبَّ صَامِتًا فَقَدْ خَمَلْ
وَقَوْلُهُ: «قَدْ آطَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ» يَعْنِي أَعْلَاهُ وَأَوْطَأَهُ، وَكَذَلِكَ أَوْطَأْتُ فُلَانًا دَابَّتِي حَتَّى وَطِئَتْهُ، وَمِثْلُ أَوْطَئْتُهُ وَأَطَئْتُهُ، قَوْلُكَ: أَوْصَدْتُ الْبَابَ وَأَصَدْتُهُ، وَأَوْسَدْتُ الْكَلْبَ وَأَسَدْتُهُ، وَمَنْ رَوَاهُ «أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ» فَمَعْنَاهُ مَكَّنَهُ وَبَسَطَهُ، وَيَقُولُ: وَطَّأْتُ لَكَ الْأَمْرَ، وَقَدْ وَطُؤَ يَوْطُؤُ وَطْئًا.
قَالُوا عَنِ الْخَلِيلِ: وَطِئْتُ الشَّيْءَ أَطَؤُهُ وَطْئًا، وَإِنَّمَا ذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ يَؤْطُؤُ، فَلَمْ تَثْبُتْ كَمَا ثَبَتَتْ فِي وَجِلٍ يَوْجَلُ، لِأَنَّ وَطِئَ يَطَأُ بُنِيَتْ عَلَى تَوَهُّمِ فَعِلَ يَفْعِلُ، مِثْلُ حَسِبَ يَحْسِبُ، وَوَرِمَ يَرِمُ، غَيْرَ أَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي يَكُونُ فِي مَوْضِعِ اللَّامِ مِنْ يَفْعِلُ إِذَا كَانَ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَفْتُوحٌ، وَمِنْهُ مَا يَقَرُّ عَلَى أَصْلِ تَأْسِيسِهِ، مِثْلُ وَرِمَ يَرِمُ، وَأَمَّا وَسِعَ يَسَعُ، فَإِنَّ يَسَعُ فُتِحَتْ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
٢٢٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " إِنَّ أَبَا وَائِلٍ ذَكَرَهُ، فَقَالَ: بَرَّزَ وَاللَّهِ عُمَرُ ".
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ يَعْنِي ابْنَ بَهْدَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ
[ ١ / ٤١٦ ]
الْمُبَرِّزُ: السَّابِقُ، وَإِذَا تَسَابَقَتِ الْخَيْلُ قِيلَ لِسَابِقِهَا: بَرَّزَ عَلَيْهَا، قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ:
بَرَّزَ إحْسَانُكَ فِي سَبْقِهِ ثُمَّ تَلَاهُ شُكْرٌ لَاحِقُ
حَتَّى إِذَا مَدَّ الْمَدَى بَيْنَهَا جَاءَ الْمُصَلِّي وَهُوَ السَّابِقُ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: «وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَبَكَعَهُ بِسَيْفِهِ» وَالْبَكْعُ: شِدَّةُ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، يُقَالُ: بَكَعْتُهُ بِالسَّيْفِ أَوْ بِالْعَصَا بَكْعًا، وَقَالَ
[ ١ / ٤١٧ ]
اللَّيْثُ: بَكَعْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ تَبْكِيعًا.
٢٢٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " إِنَّ وَافِدًا قَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قُلْتُ: وَافِدًا لِقَوْمِي، قَالَ: فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَآذِنِ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ الْوَفْدَ، ثُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ احْضُرِ الْبَابَ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَذَنْتُ الْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ الْوَفْدَ ثُمَّ النَّاسَ، قَالَ: فَحَضَرُوا الْبَابَ، فَجَلَسَ عُمَرُ وَصَفَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا، فَقَالَ: وَجَعَلَ يَتَصَفَّحُهُمْ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُحْبَنْطِئٍ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتُ بُرُودٍ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَى، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هِيهْ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُشَارَ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، قَالَ: هِيه، فَقَالَ الرَّجُلُ: هِيه، فَقَالَ عُمَرُ: هِيه، فَقَالَ الرَّجُلُ: هِيه، فَقَالَ عُمَرُ: قُمْ، فَأَخَذَ مَقَامَهُ مِنَ الصَّفِّ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَصَفَّحُهُمْ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ صَغِيرُ الْقِمَّةِ ثَطٌّ، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَإِذَا هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَقَالَ عُمَرُ: هِيه، فَقَالَ: هِيه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَلْ، فَلَنُخْبِرَنَّكَ، قَالَ: هِيه، قَالَ: هِيه، قَالَ: قُمْ فَمَا نَفَعَكَ صَبَّاغٌ وَلَا رَاعِي ضَأْنٍ، فَقَامَ، فَأَخَذَ مَقَامَهُ مِنَ الصَّفِّ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَصَفَّحُهُمْ بَعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا شَابٌّ طُوَالٌ، مَعْرُوقٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، فتفَّرَسَ فِيهِ الْخَيْرَ، قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَى، قَالَ: فَأَتَاهُ فَجَثَا وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هِيه، فَقَالَ: هِيه، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا وُلِّيتَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِسَبْقٍ كَانَ مِنْكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهَا بَلِيَّةٌ ابْتُلِيتَ بِهَا، وَلَوْ أَنَّ شَاةً ضَلَّتْ بِشَطِّ الْفُرَاتِ لِسُئِلْتَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَانْكَبَّ عُمَرُ لِوَجْهِهِ، فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ مَا حَوْلَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَعِدْ عَلَيَّ فَمَا صَدَقَنِي أَحَدٌ مُنْذُ وُلِّيتُ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، قَالَ
[ ١ / ٤١٨ ]
وَبَكَى عُمَرُ أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى سُرِّيَ عَنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَنْتَ تَأْكُلُ لَحْمَهَا، وَأَنَا أُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّكَ رَاعٍ وَكُلُّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالشَّاةُ فِي رَعِيَّتِكَ، قَالَ: فَكَانَتْ عَلَيْهِ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَانْكَبَّ يَبْكِي حَتَّى ظَنَنَّا نَفْسَهُ سَتَخْرُجُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَيْتَ أَنَّ هَذَا الشَّابَّ لَمْ يَدْخُلِ الْيَوْمَ هَذِهِ الدَّارَ، مَا دَخَلَهَا إِلَّا لِشَرٍّ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: أَخُو الْمُهَاجِرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، فَاسْتَعَمَلَهُ، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ الْفَتَى، وَقَالَ لَهُ: تَفَقَّدْ سَرِيرَتَهُ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، فَإِنَّ وَجَدْتَهُمَا وَاحِدَةً، فَاكْتُبْ إِلَيَّ، فَإِنَّ عِنْدَهُ غِنًى، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ إِذَا ذَكَرَ الْغِنَى عَنَى بِهِ الدِّينَ، وَلَمْ يَعْنِ بِهِ الْمَالَ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْبِلَادَ أَجْبَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ، ثُمَّ ضَمَّ إِلَيْهِ رَجُلًا يَتَفَقَّدُ سَرِيرَتَهُ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، فَوَجَدَهُمَا وَاحِدَةً، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاسْتِخْلِفْهُ عَلَى الْجُنْدِ، وَأَقْبِلْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: كَرِهَ وَاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّاسِ رَجُلٌ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَكَانَا تَوْءَمَيْنِ وُلِدَا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ أَكْبَرَهُمَا، قَالَ: حَدَّثَنِي وَافِدٌ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: قَالَ لِي عُمَرُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٤١٩ ]
قَوْلُهُ: «وَكَانَا تَوْءَمَيْنِ» يُقَالُ لِلرَّجُلَيْنِ: هُمَا تَوْأَمَانِ، وَهَذَا تَوأَمُ هَذَا، وَهُمْ تُؤَامٌ لِلْجَمِيعِ، وَالَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَتَوَارَثُ أَتْوَامُ الزَّانِيَّةِ وَالْمُغْتَصَبَةِ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ» .
وَإِنَّمَا عَرَبِيَّتُهُ: «لَا يَتَوَارَثُ تُؤَامٌ» الزَّانِيَّةِ عَلَى فُعَالٍ، وَيُقَالُ لِلْمَرَأَةِ: هَذِهِ تَوْأَمَةُ هَذِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْحَدِيثِ: «كَانَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَوْأَمَةَ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، وَالْجَمْعُ تَوَائِمُ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قَالَتْ لَنَا وَدُمْعُهَا تُؤَامُ
كَالدُّرِّ إِذْ أَسْلَمَهُ النِّظَامُ
عَلَى الَّذينَ ارْتَحَلُوا السَّلَامُ
[ ١ / ٤٢٠ ]
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ:
نَخَلَاتٌ مِنْ نَخْلِ بَيْسَانَ أَيْنَعْنَ جَمِيعًا وَنَبْتُهُنَّ تُؤَامُ
وَيُقَالُ: أَتْأَمَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتِ اثْنَيْنِ فِي بَطْنٍ، فَهِيَ مُتْئِمٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهَا قِيلَ: مِتْآمٌ.
وَالْمُحْبَنْطِئُ: قَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُمْتَدُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُتْغَضِّبُ، وَكَأَنَّهُ إِلَى الْقِصَرِ مَا هُوَ.
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا اسْتَزَدْتَهُ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَدِيثٍ: إِيهٍ، فَإِنْ وَصَلْتَ، قُلْتَ: إِيهٍ حَدِّثَنَا، وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَقَفْنَا فَقُلْنَا إِيهِ عَنْ أُمِّ سَالِمٍ وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ الْبَلَاقِعِ
فَلَمْ يُنَوِّنْ وَقَدْ وَصَلَ لَأَنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ، فَإِذَا أَسْكَتَّهُ أَوْ كَفَفْتَهُ، قُلْتَ: إِيهًا عَنَّا، فَإِذَا أَغْرَيْتَهُ بِالشيء، قُلْتَ: وَيْهًا يَا فُلَانُ، فَإِذَا تَعَجَّبْتَ مِنْ طِيبِ الشَّيْءِ، قُلْتَ: وَاهًا لَهُ مَا أَطْيَبَهُ.
[ ١ / ٤٢١ ]
وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ:
وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهًا وَاهًا
يَالَيْتَ عَيْنَاهَا لَنَا وَفَاهَا
بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أَبَاهَا
وَقَوْلُهُ «يَتَصَفَّحُهُمْ» .
يَعْنِي: يَسْتَعْرِضُهُمْ، وَيَنْظُرُ فِي وُجُوهِهِمْ مَا شَأْنُهُمْ وَمَا حَالُهُمْ؟ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: شَخْصُ الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ قَائِمًا الْقِمَّةَ، يُقَالُ: فُلَانٌ طَوِيلُ الْقِمَّةِ، وَقَصِيرُ الْقِمَّةِ، وَأَمَّا قِمَّةُ الرَّأْسِ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَأَعْلَى الرَّأْسِ وَوَسَطُهُ، يُقَالُ: صَارَ الْقَمَرُ عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ، إِذَا كَانَ حِيَالَ وَسَطِ رَأْسِ الْقَائِمِ.
قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ
وَيُقَالُ لِلرَّاكِبِ إِنَّهُ لَحَسَنُ الْقِمَّةِ عَلَى الرَّحْلِ إِذَا كَانَ حَسَنَ الشَّخْصِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَحَسَنُ الْقَامَةِ وَالْقُومِيَّةِ، وَإِنَّهُ لَحَسَنُ الْقَوَامِ، وَإِنَّهَا لَحَسَنَةُ الْقَوَامِ، يُرِيدُ الشَّطَّاطَ، وَهَذَا قِوَامُ الْأَمْرِ مَكْسُورُ الْقَافِ.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وَأَنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
وَاللَّهِ مَا أَشْبَهَنِي عِصَامُ
لَا خُلُقٌ مِنْهُ وَلَا قَوَامُ
نِمْتُ وَعِرْقُ الْخَالِ لَا يَنَامُ
قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
يُقَطِّعْنَ أَجْوَازَ الْفَلَاةِ بِفِتْيَةٍ لَهُمْ فَوْقَ أَنْضَاءِ السُّرَى قِمَمُ السَّفْرِ
أَنْضَاءُ السُّرَى: أَيِ الْمَهَازِيلُ الَّتِي قَدْ أَنْضَتْهَا السُّرَى، يَقُولُ لَهُمْ فَوْقَهَا شُخُوصُ الْمُسَافِرِينَ.
قَالَ ثَابِتُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَالثَّطَطُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَجْهِهِ كَبِيرُ شَعْرٍ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ رَجُلٌ ثَطٌّ وَرَجَلٌ ثُطَّانُ وَثِطَاطٌ وَثَطِطَةٌ، وَهَذَا رَجُلٌ بَيِّنُ الثَّطَاطَةِ، وَالثُّطُوطَةِ، وَهُوَ الْكَوْسَجُ.
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
بِأَرْقَطَ مَحْدُودٍ وَثَطٍّ كِلَاهُمَا عَلَى وَجْهِهِ وَسْمُ امْرِئٍ غَيْرِ سَابِقِ
وَقَالَ آخَرُ:
يَا إِبِلًا تَرَوَّحِي وَانْمَطِّ
وَصَعَّدِي فِي ضَفِرٍ وَانْحَطِّي
إِلَى أَمِيرٍ بِالْغُبَيْبِ ثَطِّ
وَجْهُ عَجْوزٍ حُلَّيَتْ فِي لَطِّ
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَاللَّطُّ: الْقَلَائِدُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْ حَنْظَلٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، انْمَطِّي: امْتَدِّي، وَضَفِرٌ: رَمْلٌ مُتَعَقِّدٌ.
وَقَوْلُهُ: «فَمَا نَفَعَكَ صَبَّاغٌ وَلَا رَاعِي ضَأْنٍ»، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُعَاتِبُ بِهِ نَفْسَهُ، وَكَأَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ، يَقُولُ: مَنْ كَانَ هَكَذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِرَأْيِهِ.
وَفِي مَثَلٍ مِنَ الْأَمْثَالِ: أَحْمَقُ مِنْ رَاعِي ضَأْنٍ ثَمَانِينَ، وَلِهَذَا الْمَثَلِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَصْبَحْتُ هُزْءًا لِرَاعِي الضَّأْنِ أَعْجَبَهُ مَاذَا يُرِيبُكَ مِنِّي رَاعِيَ الضَّأْنِ
إِنْ تَرْعَ ضَأْنًا، فَإِنِّي قَدْ رَزَيْتُهُمْ بِيضَ الْوُجُوهِ بَنِي عَمِّي وَإِخْوَانِ
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: نا عَبَّاسٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ: قَضَى شَرِيكٌ عَلَى ابْنِ إِدْرِيسَ، بِشَيْءٍ، فَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: الْقَضَاءُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: اذْهَبْ فَأَفْتِ بِهَذَا حَاكَةَ الزَّعَافِرِ، وَكَانَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي الزَّعَافِرِ، وَعِنْدَهُ حَاكَةٌ.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وَقَالَ الْأَخْطَلُ لِجَرِيرٍ يَسْتَجْهِلُهُ بِرَعْيِ الضَّأْنِ:
فَانْعَقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإِنَّمَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الْخَلَاءِ ضَلَالَا
وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِجْهَالَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ:
٢٢٤ - قَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَتَحْمِلَنِّي، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَا أَحْمِلُكَ فَأَظُنُّهُ قَدْ رَدَّدَهَا ثَلَاثِينَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ مَرَّةً، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَالُ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَمِنْ عِيَالِ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذَمَّتْ بِي رَاحِلَتِي، وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَ بِي، وَاللَّهِ لَتَحْمِلَنِّي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ قُلْتَ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الْمَالَ مَالُ اللَّهِ، وَإِنَّكَ لَمِنْ عِيَالِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَتْ رَاحِلَتُكْ أَذَمَّتْ بِكَ لَا أَتْرُكُكَ لِلتَّهْلُكَةِ.
وَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ، قَالَ: فَأَعَادَهَا حَتَّى حَلَفَ ثَلَاثِينَ يَمِينًا وَيَمِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَبَدًا، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا إِلَّا اتَّبَعْتُ خَيْرَ الْيَمِينَيْنِ.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
[ ١ / ٤٢٥ ]
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ أَذَمَّتْ رِكَابُ الْقَوْمِ إِذَا تَأَخَّرَتْ عَنْ جَمَاعَةِ الْإِبِلِ وَلَمْ تَلْحَقْ بِهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِكَ: أَذَمَّ الرَّجُلُ إِذَا فَعَلَ مَا يُذَمُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَذَمَّ الرَّحْلُ إِذَا فَعَلَ مَا يُذَمُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَذْمَمْتُهُ إِذَا صَادَفْتَهُ مَذْمُومًا.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «أَذَنَّتْ»، وَهَذَا الَّذِي قَالَ: لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَنَا، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ غَيَّرَ الْكَلِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ: «أَدْنَتْ رَاحِلَتِي» تَقُولُ: قَدْ أَدْنَتِ النَّاقَةُ، فَهِيَ مُدْنٌ إِذَا دَنَا وِلَادُهَا، وَهَذَا قَدْ يَجُوزُ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْكَلَامِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
٢٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: نا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، قَالَ: نا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُحَدِّثُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَهَا زَوْجُهَا وَابْنٌ لَهَا تُرْضِعُهُ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ، فَلَقَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَجْفًا وَضَعْفًا، ثُمَّ رَجَعْنَا، وَرَكِبْتُ أَتَانِي تِلْكَ، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا، فَوَاللَّهِ لَقَطَعَتْ بِالرَّكْبِ مَا
[ ١ / ٤٢٦ ]
يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْء مِنْ حُمُرِهِمْ.
[ ١ / ٤٢٧ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ: أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ، يَعْنِي أَنَّهَا تَخَلَّفَتْ بِرَاكِبِهَا، وَوَقَفَتْهُ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ
[ ١ / ٤٢٨ ]
٢٢٦ - وَقَالَ: «فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّ أَبَا لُؤْلُؤَةَ، لَمَّا طَعَنَهُ طَعَنَ بِخِنْجَرِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَأَفْرَقَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، وَمَاتَ سَبْعَةٌ» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ
[ ٢ / ٤٢٩ ]
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: قَدْ أَفْرَقَ الرَّجُلُ مِنْ عِلَّتِهِ، يُفْرِقُ إِفْرَاقًا، إِذَا بَرَأَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَنْشَدَ: وَقَدْ عَلِمْتُ وَخَيْرُ الْعِلْمِ أَنْفَعُهُ عَلَى تَبَارِيحَ مِنْ شَوْقٍ وَمِنْ نَصَبِ
مَا لِابْنِ خَمْسِينَ مِنْ سَجْوَاءَ قَدْ صُنِعَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَّا لَوْعَةُ الطَّرَبِ
إِلَّا عَلَى ذَاتِ أَنْيَارٍ تَوَاتُرُهَا إِفْرَاقُ عَامَيْنِ وَاقْوَرَّتْ عَلَى أَدَبِ
إِفْرَاقُ عَامَيْنِ، أْيَ لَمْ تَحْمِلْ عَامَيْنِ، وَقَوْلُهُ: ذَاتِ أَنْيَارٍ، يَعْنِي: نَاقَةً، وَثِيقَةً، كَثِيفَةً مِنَ الشَّحْمِ وَاللَّحْمِ، كَالثَّوْبِ الَّذِي يُنْسَجُ بِنِيرَيْنِ، اقْوَرَّتْ: ضَمَرَتْ، وَقَوُلُهُ: سَجْوَاءَ: امْرَأَةٌ سَاجِيَةُ الطَّرْفِ، أَيْ سَاكِنَتُهُ، قَدْ صُنِعَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ: أَيْ قِيمَ عَلَيْهَا وَأُصْلِحَتْ، إِلَّا لَوْعَةُ الطَّرَبِ، وَالطَّرَبُ: خِفَّةٌ تَأْخُذُ الرَّجُلَ مِنْ فَرَحٍ، أَوْ حَزَنٍ، وَالتَّبَارِيح: بُلُوغُ الْجَهْدِ مِنَ الْإِنْسَانِ
[ ٢ / ٤٣٠ ]
٢٢٧ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا كَنَفْجَةِ أَرْنَبٍ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ:
[ ٢ / ٤٣١ ]
" النَّفْجَةُ: مِثْلُ الطَّفْرَةِ، وَهِيَ الْوَثْبَةُ، يُقَالُ: أَنْفَجَ الصَّائِدُ الْأَرْنَبَ، أَيْ: أَثَارَهُ مِنْ مَجْثَمِهِ وَمَكْنِسِهِ، وَيُقَالُ: نَفَجَ الْيَرْبُوعُ، وَهُوَ يَنْفِجُ وَيَنْفُجُ، وَهُوَ أَوْحَى عَدْوَهُ "
٢٢٨ - وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا حَاتِمُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءَ، يَقُولُ: أَذْكُرُ أَكْلَةً أَكَلْتُهَا أَنَّا أَنْفَجْنَا ظَبْيًا رَقَبَهُ السَّبُعُ، فَأَخَذْنَاهُ فَرَضَضْنَاهُ، وَرَضَضْنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَلْقَيْنَاهُ وَأَلْقَيْنَا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَقُمْتُ إِلَى شَارِفٍ لَنَا فَفَصَّدْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ لَبَكْنَاهُ بِهِ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وَاللَّبْكُ: جَمْعُكَ الشَّيْءَ، وَخَلْطُكَهُ إِيَّاهُ، كَمَا تَلْبُكَ الثَّرِيدَ لِتَأْكُلَهُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْتَبَكَ الْأَمْرُ، إِذَا اخْتَلَطَ وَالْتَبَسَ
قَالَ زُهَيْرٌ: رَدَّ الْقِيَانُ جِمَالَ الْحَيِّ فَاحْتَمَلُوا إِلَى الظَّهِيرَةِ أَمْرٌ بَيْنَهَمْ لَبِكُ
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أَيْ: مُلْتَبِسٌ لَا يَسْتَقِيمُ، رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَهُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي حَيْثِ يَقُولُ: مَا إِنْ يَكَادُ يُخَلِّيهِمْ لِوِجْهَتِهِمْ تَخَالُجُ الْأَمِرِ إِنَّ الْأَمْرَ مُشْترَكُ
وَيُقَالُ: مَا ذَاقَ عَبَكَةً وَلَا لَبَكَةً، فَالْعَبَكَةُ: الْحَبَّةُ مِنَ السَّوِيقِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّبَكَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الثَّرِيدِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، وَذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى " ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥] قَالَ: قَائِلَةٌ بِكُمِّهَا عَلَى وَجْهِهَا، لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ خَرَّاجَةٍ وَلَاجَةٍ ".
يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ عُمَرَ،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يُقَالُ: رَجُلٌ سَلْفَعٌ، وَهُوَ الْجَرِيءُ الْجَسُورُ، وَامْرَأَةُ سَلْفَعٌ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، وَهِيَ مِنَ النِّسَاءِ السَّلِيطَةُ، قَالَ جَرِيرٌ: مُنَعَّمَةٌ سَوْدَاءُ لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ طَوِيلٌ بِجِيرَانِ الْبُيُوتِ نِدَاؤُهَا
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ سَعْدٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَشَدَّ مَا تَقَارَضْتُمَا الثَّنَاءَ، قَالَ أَبُو زَيْدُ: يُقَالُ: فُلَانٌ يُقَرِّضُ صَاحِبَهُ تَقْرِيضًا إِذَا مَدَحَهُ، أَوْ ذَمَّهُ، وَهُمَا يَتَقَارَضَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَفُلَانٌ يُقَرَّضُ صَاحِبَهُ إِذَا مَدَحَهُ، وَهُمَا يَتَقَارَضَانِ الْمَدْحَ إِذَا مَدَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ خَطَبَ إِلَى عَلِيٍّ بِنْتَهُ، فَقَالَ: " إِنِّي أُرْصِدُ مِنْ كَرَامَتِهَا مَا لَا يُرْصِدُهُ غَيْرِي،
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قَالَ أَبُو زَيْدُ: فِيهِ لُغَاتٍ، يُقَالُ: رَصَدْتَ لَهُ بِالْخَيْرِ وَغَيْرِهِ، أُرْصُدُهُ بِهِ رَصْدًا، وَأَنَا رَاصِدُ بِالْخَيْرِ، وَأَرْصَدْتُ لَهُ بِالْخَيْرِ إِرْصَادًا، وَأَنَا مُرْصِدٌ لَهُ بِذَلِكَ، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «وَيْحَكَ مَا أُعَاتِبُكَ فِي شَيْءٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي فِي مِثْلِ رَوَاجِبِ الضَّرْسِ، لَا أَدْرِي آمُرُكَ أَمْ أَنْهَاكَ» .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرَّاجِبَةَ الْعَمْرُ الَّذِي بين الْأَضْرَاسَ، وَإِنِّمَا الرَّوَاجِبُ فِي الْأَصَابِعِ، الرَّاجِبَةُ مَا بَيْنَ الْبَرْجُمَتَيْنِ مِنْ كُلِّ إِصْبَعٍ، وَهِيَ السُلَامِيُّ، فَاسْتَعَارَهَا فِي الْأَضْرَاسِ، وَرَاجِبَةُ الطَّيْرِ: الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِيَ الدَّائِرَةَ مِنَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ، وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ فِي رَوَاجِبِ الْأَصَابِعِ يَصِفُ فَرَسًا:
[ ٢ / ٤٣٦ ]
كَأَنَّهُ مَتْنُ مِرِّيخٍ أَمَرَ بِهِ زَيْغ الشِّمَالِ وَحَفْزُ الْقَوْسِ بِالْوَتَرِ
هَرْجَ الْوَلِيدِ بِخَيْطٍ مُبْرَمٍ خَلَقٍ بَيْنَ الرَّوَاجِبِ فِي عُودٍ مِنَ الْعُشَرِ
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: الْمِرِّيخُ سَهْمٌ لَهُ أَرْبَعُ قَذَذٍ وهو أسرع السهام ذهابا، زيغ الشمال: يقول: حيث زاغت شماله أرسله سهمه، والحفز: الدفع.
وَالْهَرْجُ: كَثْرَةُ الْقَتْلِ، يُرِيدُ الْخُذْرُوفَ، وَجَعَلَ خَيْطَهُ خَلَقًا، لِأَنَّهُ أَسْلَسَ وَجَعَلَ عُودَ الْخُذْرُوفِ مِنْ عُشَرٍ، لِأَنَّ الْعُشَرَ أَخَفُّ.
وَسَأَلْتُ الْهَجَرِيَّ عَنْ قَوْلِ جَرِيرٍ: وَلَقَدْ لَقِيتُ فَوَارِسًا مِنْ عَامِرٍ غَنَظُوكَ غَنْظَ جَرَادةِ الْعَيَّارِ
فَقَالَ: كَانَ الْعَيَّارُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُلَيْمٍ، وَكَانَ أَفْرَقَ الثَّنِيَّةَ، فَأَكَلَ جَرَادًا، فَنَشِبَتْ جَرَادَةٌ فِي فَرَقِ ثَنِيَّتِهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا حَتَّى تَكَلَّمَ، وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، فَنُبِّهَ عَلَيْهَا.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
٢٣٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ قُرَيْشًا رَوْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي بَابٍ، إِلَّا دَخَلَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: نا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ
عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، رَوْقُ كُلِّ شَيْءٍ، خَيْرُهُ وَأَفْضَلُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: رَوْقُ الشَّبَابِ،
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ الْبُعَيْثُ: مَدَحْنَا لَهَا رَوْقَ الشَّبَابِ فَعَارَضَتْ جِنَابَ الصِّبَا فِي كَاتِمِ السِّرِّ أَعْجَمَا.
فَعَارَضَتْ: أَيْ أَخَذَتْ فِي عُرْضٍ مِنْهُ أَيْ نَاحِيَةٍ مِنْهُ، جِنَابَ الصِّبَا: أَيْ جَنْبَهُ، يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ جِنَابَ فُلَانٍ أَيْ إِلَى جَنْبِهِ، يَقُولُ وَالشَّبَابَ، فهشت لذلك، وأخذت في طرف منه، كاتم أي
[ ٢ / ٤٣٨ ]
في خفية، أعجم: مَدَحْنَا الصِّبَا لَا يَتَبَيَّنَهُ النَّاسُ، يُقَالُ: سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ، وَمَاءٌ دَافِقٌ أَيْ مَدْفُوقٌ، وَسَبِيلٌ خَائِفٌ، وَلَيْلٌ نَائِمٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: رَيْقُ الشَّبَابِ.
عَلِقَ الفُؤادُ بِرَيِّقِ الْجَهِلِ فَأَبَرَّ وَاسْتَعْصَى عَلَى الْأَهْلِ
وَصَبَا وَقَدْ شَابَتْ مَفَارِقُهُ جَهْلَا وَكَيْفُ صَبَابَةُ الْكَهِلِ
أَدْرَكْتُ مُعْتَصَرِي وَأَدْرَكَنِي حِلْمِي وَيَسَّرَ قَائِدِي نَعْلِي
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: رُوقَةُ النَّاسِ خِيَارُهُمْ
٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا القَعْنَبِيُّ، قَالَ: نا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ رَائِطَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِبَوْلَانَ، إِنَّكُمْ سَتَقَاتِلُونَ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَتَقْتُلُونَهُمْ، وَيُقَاتِلُهُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رُوقَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَرُومِيَّةَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ»
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: إِنَّمَا هِيَ رَوْقَةٌ، وَكَذَلِكَ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ، «قُرَيْشٌ رُوَقٌ» جَمْعُ رُوقَةٍ، قَالَ: وَيُقَالُ: لِمَا حَسُنُ مِنَ الْوُصَائِفِ وَالْوُصَفَاءِ رُوقَةٌ وَوُصَفاءُ رُوقَةٌ وَرُوقٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّوْقِ وَهُوَ الْإِعْجَابِ، رَاقَنِي الشَّيْءُ يَرُوقُنِي، وَقَالَ ذُو الرُّمَةِ: وَسَاعَفْتُ حَاجَاتِ الْغَوَانِي وَرَاقَنِي عَلَى الْبُخْلِ رَقْرَاقَاتُهُنَّ الْمَلَائِحُ
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: ذَكَرَ أَعْرَابِيُّ امْرَأَةً، فَقَالَ: تَبْسِمُ عَنْ حَمْشِ اللِّثَاتِ كَأَقَاحِي النَّبَاتِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ ذَاقَهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ رَاقَهُ، أَيْ: أَعْجَبَهُ وَلَمْ يَنَلْهُ
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: " أَخْبَرَكُمْ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ هَذَا الْمَالِ كَذَا وَكَذَا، وَيَدِي مَعَ أَيْدِكُمْ تَقَرُّمُ الْبَهْمَةِ، يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَغْلُطُ فِيهِ، فَيَقُولُ: تَقَرُّمَ الْبَهِيمَةِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، يُقَالُ: قَرَمَ الرَّجُلُ يَقْرِمُ قَرْمًا، إِذَا أَكَلَ أَكْلًا ضَعِيفًا، وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ مِنْهُ: هُوَ يَتَقَرَّمُ تَقَرُّمَ الْبَهْمَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ: يُقَالُ لِلصَّبِيِّ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ، قَدْ قَرَمَ يَقْرِمُ قُرُمًا وَقَرْمًا.
٢٣٦ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ الْعُمَّالَ، أَوْصَاهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ سُلْطَانٌ، ذُو دَمٍ مُسْلِمٍ، وَلَا عَلَى عِرْضٍ، وَلَا عَلَى بَشَرٍ» .
[ ٢ / ٤٤١ ]
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا شَيْبَانُ، قَالَ: نا الصَّعِقُ بْنُ حَزْنٍ، قَالَ: نا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ الْأَسَدِيُّ
هَكَذَا قَالَهُ مُوسَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّابِعَةَ.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وَقَوْلُهُ: ذُو دَمٍ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَزِيدُ، ذُو فِي الْكَلَامِ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مُدْرَكَةَ الْخَثْعَمِيُّ: عَزَمْتُ عَلَى إِقَامَةِ ذِي صَبَاحٍ لِأَمْرٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ
وَرُبَّمَا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِمُ الَّذِي.
قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ: هَلْ بِامْرَأَتِكَ مِنْ حَبَلٍ، قَالَ: لَا، وَذُو بَيْتُهُ فِي السَّمَاءِ، مَالَهَا ذَنْبٌ تَشُولُ بِهِ، وَمَا آتِيهَا إِلَّا وَهِيَ ضَبِعَةٌ
٢٣٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: شَتَمَ عَوْفُ بْنُ ضَمْرَةَ السَّهْمِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ لَهُ طُلَيْبَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ قُصَيٍّ، وَأُمَّهُ أَرْوَى بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَحْيَى جَمَلٍ «فَضَرَبَهُ حَتَّى سَقَطَ مُرَمَّلًا بِدَمِهِ، فَقِيلَ لِأُمِّهِ، أَلَا تَرَيْنَ مَا يَصْنَعُ ابْنُكِ»، فَقَالَتْ:
[ ٢ / ٤٤٣ ]
إِنَّ طُلَيْبًا نَصَرَ ابْنَ خَالِهِ أَسَاهُ فِي ذِي دَمِهِ وَمَالِهِ
٢٣٨ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: نا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: أَنَا هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَسْعَسَ بْنَ سَلَامَةَ، يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: سَأُحَدِّثُكُمْ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ، فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: مَا نَصْنَعُ بِالشِّعْرِ؟ فَقَالَ: إِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إخَالُكَ نَاجِيَا
قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُمْ بَكَوْا مِنْ مَوْعِظَةٍ بُكَاءَهُمْ مِنْهُ،
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَلُغَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ يَقُولُونَ: هَذَا فُلَانٌ سَمِعْتُ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
بِهِ، يَعْنِي الَّذِي سَمِعْتُ بِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ هَذَا اللَّفْظُ فِي رَفْعٍ، وَلَا نَصْبٍ، وَلَا جَرٍّ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ، وَالتَّذْكِيرِ، وَالتَّأْنِيثِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَإِنَّ بَيْتَ تَمِيمٍ ذُو سَمِعْتَ بِهِ فِيهِ تَنَمَّتْ وَأَرْسَتْ عِزَّها مُضَرُ
وَقَالَ أَبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: وَذَا لُعَابُ الْمَنَايا ذُو سَمِعْتَ بِهِ
وَيُقَالُ: أَتَى عَلَيْهِ ذُو أَتَى.
أَيِ الَّذِي أَتَى
٢٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا يُونُسُ، قَالَ: نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ مَوْلَى قُرَيْشٍ، قَالَ: " قَرَأْتُ وَصِيَّةَ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا هِيَ قَدْ أَوْصَتْ بِأَشْيَاءٍ، فَإِذَا فِي آخِرِ وَصِيَّتِهَا: هَذِهِ وَصِيَّتِي إِنْ أَتَى عَلَى ذُو أَتَى لَمْ أُغَيِّرْهَا
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْغَازِ، يَقُولُ: ذُو أَتَاءٍ، وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: هُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهَذَا كَمَا جَعَلُوا مَا، وَمَنْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَمِمَّا يَتَكَلَّمُ بِهِ مُؤَنَّثًا: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَلَمْ يَقُولُوا: ذَا بَيْنِنَا، كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا شَيْئًا مُؤَنَّثًا، وَقَالُوا: لَقِيتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَذَاتَ لَيْلَةٍ، وَذَاتَ غَدَاةٍ، وَذَاتَ مَرَّةٍ، وَعَلَى إِضْمَارِ شَيْءٍ مُؤَنَّثٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: وَكَذَلِكَ لَقِيتُهُ ذَاتَ الْعُوَيْمِ، وَذَاتَ الزُّمَيْنِ، وَلَقِيتُهُ ذَا غَبُوقٍ، وَذَا صَبُوحٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَقَدْ يُقَالُ: لَقِيتُهُ ذَا صَبَاحٍ، وَقَدْ يُقَالُ فِي بَعْضِ الْجَوَابِ: لَا بِذِي تَسْلَمُ، كأَنَّهُ قَالَ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَا بِسَلَامَتِكَ، أَيْ لَا أَفْعَلُهُ، وَتَدْعُوا لَهُ مَعَ ذَلِكَ بِالسَّلَامَةِ، وَلُلْمَرْأَةِ: لَا بِذِي تَسْلَمِينَ.
وَمِمَّا تَكَلَّمُوا فِيهِ بِالتَّأْنِيثِ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ، إِذَا كَانَ مُقِلًّا.
٢٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَابِدِيُّ، قَالَ: نا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: نا ابْنُ سَلَامٍ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْحَسَنِ «مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَلَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرٌ، فَقَدْ أَمِنَ مَخُوَفًا، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَلَمْ يَرْجُ أَنْ يَكُونَ
[ ٢ / ٤٤٧ ]
ذَلِكَ نَظَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ ضَيَّعَ مَأمُولًا»
٢٤١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بَالٍ قَائِمًا حَتَّى رَأَيْتُهُ يَفِجُّ قَائِمًا» .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا بُنْدَرٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ
عَنْ زَيْدِ ابْنِ وَهْبٍ.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
الْفَجَجُ: أَقْبَحُ مِنَ الْفَحَجِ، وَالنَّعَامَةُ: تَفِجُّ: إِذَا رَمَتْ بِصَوْمِهَا، وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَفجَّ إِفْجَاجَ النَّعَامَةِ، وَأَجْفَلَ إِجْفَالَ الظَّلِيمِ، وَأَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، لِنَهِيكِ بْنِ إِسَافٍ:
[ ٢ / ٤٤٩ ]
لَيْسُو يَصَدُّونَ إِنْ نَابَتْ مُجَلْجَةُ إِذَا أَفَجَّ مِنَ الْعُرْمِ الْمِفَادِيحُ
٢٤٢ - وَقَالَ فِي حُدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَقَرَ أَنْفَهُ، أَوْ مَسَّ إِبْطَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» .
أخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدٌ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: نا اللَّيْثُ، عَنْ مُجَاهِدٍ
قَالَ: قَالَ عُمَرُ: النَّقْرُ هَهُنَا: قَرْفُ الْأَنْفِ وَسَحْفُ مَا فِيهِ، وَأَصْلُ النَّقْرِ: ضَرْبُ الرَّحَى، وَالْحَجَرِ، وَالْأَرْضِ الصُّلْبَةِ بِالْمِنْقَارِ، وَالْمَنْقَارِ: حَدِيدَةٌ كَالْفَأْسِ لَهُ خَلْفٌ مُسَكَّكٌ، أَيْ مَمْدُودٌ مُسْتَدِيرٌ تُقْطَعُ بِهِ الْحِجَارَةَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
[ ٢ / ٤٥٠ ]
إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنِّي سَوْفَ يَلْحَدُ لِي نَبْتُ الْأَكُفِّ وَتَنْقِيرُ الْمُنَاقِيرِ.
وَمِنْهُ قِيلَ: رَجُلٌ نَقَّارٌ وَمُنَقِّرٌ: يُنَقِّرُ عَنِ الْأُمُورِ وَالْأَخْبَارِ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: مَتَى تَكْثُرُ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ يُنَقرُوا، وَمَتَى يُنَقِّرُوا يَخْتَلِفُوا، وَمَتَى يَخْتَلِفُوا يَهْلِكُوا وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «مَالِي أَرَاكَ مُحَمِّجًا» .
التَّحْمِيجُ: تَغَيُّرٌ فِي وَالْوَجْهِ مِنَ الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ، وَالتَّحْمِيجُ أَيْضًا: النَّظَرُ بِخَوْفٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الضُّحَى.
٢٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا بُنْدَارٌ، قَالَ: نا يَحْيَى، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] قَالَ: التَّحْمِيجُ
[ ٢ / ٤٥١ ]
«.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ مَعَ أَبِي زُبَيْدٍ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁» لَمَّا أَتَى بِفَرْوَةِ كِسْرَى، وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا ".
قَالَ الزِّيَادِيُّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، الْفَرْوَةُ: الْمَيْسَرَةُ وَالْغِنَى، يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو فَرْوَةٍ، وَالْفَرْوَةُ فِي الْمَالِ، وَالثَّرْوَةُ فِي الْعَدَدِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ، إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الثَّرْوَةُ: الْعَدَدُ وَالْمَنَعَةُ، وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: يُقَالُ: ثَوْرَةٌ مِنْ رِجَالٍ، وَثَرْوَةٌ، يَعْنِي: عَدَدًا كَثِيرًا، وَثَرْوَةٌ مِنْ مَالٍ لَا غَيْرَ، وَقَالَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي ذَلِكَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ: وَمَا يُشْعِرُ الرُمْحَ الْأَصَمَّ كُعُوبُهُ بِثَرْوَةِ رَهْطِ الْأَبْلَخِ الْمُتَظَلِّمِ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: إِنَّ ضَبَّةَ بْنَ مِحْصَنٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ آثِي عَلَى أَبِي مُوسَى عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، الْإِثَاوَةَ: الرَّفْعُ عَلَى الرُّجِلِ وَالتَّحْمِيلُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَثَوْتُ بِالرَّجُلِ، وَأَثَيْتُ إِذَا وَشَيْتُ بِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: الصُّلْعَانُ خَيْرٌ أَمِ الْفُرْعَانُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: بَلِ الْفُرْعَانُ ".
الْفَرَعُ: الشَّعَرُ الْكَثِيرُ، يُقَالُ رَجُلٌ أَفْرَعُ، وَامْرَأَةٌ فَرْعَاءُ بَيِّنَةُ الْفَرَعِ، وَهُوَ التَّامُ الشَّعَرِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْرَعَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَفْرَعُ، وَكَانَ عُمَرُ أَصْلَعَ لَهُ حِفَافٌ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَصْلَعَ
[ ٢ / ٤٥٤ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: يُقَالُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعَرِهِ إِلَّا حِفَافٌ، وَهُوَ أَنْ يَبْقَى مِنْهُ كَالطُّرَّةِ حَوْلَ رَأْسِهِ
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنْشَدَ: حَنَى أَعْظُمِي مَرُّ الزَّمَانِ الَّذِي مَضَى وَبُدِّلْتُ مِنْ رَأْسِي ثَلَاثَةَ أَرْؤُسِ
[ ٢ / ٤٥٥ ]
حِفَافَيْنِ مِثْلَ الْقُذَّتَيْنِ وَهَامَةً يَزَلُّ الذُّبَابُ الثَّقْفُ عَنْهَا فَيَفْرَسِ
وَيُرْوَى بِنَقْرِسِ
أَيْ أَنَّ قَوَائِمَهُ تَتَوَجَّعُ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِ، أَيْ تَنْدَقُّ عُنُقُهُ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَمَنْ يَمِيلُ أَمَالَ السَّيْفُ ذِرْوَتَهُ حَيْثُ انْتَهَى مِنْ حِفَافَيْ رَأْسِهِ الشَّعَرُ.
٢٤٨ - َقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَيْءٍ، فَأَجَابَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: «أَعْيَيْتُمُونِي أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الْغُلَامُ، الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ» .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَاحِدُ الشُّئُونِ شَأْنٌ، وَهِيَ السَّلَاسِلُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْفُرَاشِ، وَالْفُرَاشُ: الْقَبَائِلُ.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ أَرْبَعُ قَبَائِلَ مُتَقَابِلَاتٍ مُتَشَعِبٌ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَلِلنِّسَاءِ ثَلَاثُ قَبَائِلَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الدَّمْعَ يَخْرُجُ مِنَ الشُّئُونِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اسْتَهَلَّتْ شُئُونُهُ وَالِاسْتِهْلَالُ قَطْرٌ لَهُ صَوْتٌ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: لَا تَحْزُنِينِي بِالْفِرَاقِ فَإِنِّنِي لَا تَسْتَهِلُّ مِنَ الْفِرَاقِ شُئُونِي.
وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي الْقَبَائِلِ: وَإِنِّي زَعِيمٌ لِلْكَمِيِّ بِضَرْبَةٍ بِأَبْيَضَ مَصْقُولٍ شُئُونَ الْقَبَائِلِ
وَكَذَلِكَ قَبَائِلُ الْقَدَحِ وَالْجَفْنَةِ، وَكُلُّ قِطْعَتَيْنِ شُعِبَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَهِيَ قَبِيلَةٌ، وَمِنْهَا قَبَائِلُ الْعَرَبِ.
وَقَوْلُ عُمَرَ: لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ، يَقُولُ: إِنَّهُ غُلَامٌ، لِأَنَّ الشُئُونُ إِنَّمَا تَشْتَدُّ وَتَتَلَاحَمُ، وَتَصْلُبُ مِنَ الْكَهْلِ، وَقَالُوا: وَجَّهَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْلًا إِلَى رَجُلٍ كَانَ يَصِيبُ الطَّرِيقَ، فَأَعْجَزَهُمْ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَصَا، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: تَجَلَّلْتُ الْعَصَا وَعَلِمْتُ أَنِّي رَهِينَةُ حَبْسِهِمْ إِنْ يَثْقَفُونِي
وَلَو أَنِّي نَظَرْتُهُمْ قَلِيلًا لَسَاقُونِي إِلَى شَيْخِ بَطِينِ
شَدِيدِ مَجَالِزِ الْكَتِفَيْنِ صُلْبٍ عَلَى الْحَدَثَانِ مُجْتَمِعِ الشُّئُونِ
وَأَنْشَدَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أَوَاقِدُ لَا آلُوكَ إِلَّا مُهَنَّدًا وَجِلْدَ أَبِي عِجْلٍ وَثِيقَ الْقَبَائِلِ
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وَجِلْدَ أَبِي عِجْلٍ: أَيْ تُرْسًا عُمِلَ مِنْ جِلْدِ ثَوْرٍ، وَهُوَ أَبُو العِجْلِ، وَثِيقَ الْقَبَائِلِ: أَيْ شَدِيدَ الْقَبَائِلِ قَبَائِلُ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مُسِنُّ
٢٤٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ إِحْدَى عَشْرَةَ لُقْمَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ كَهَمِّكَ» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي عُمَيرٍ
عَنْ آلِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: كَهَمِّكَ: أَيْ كَمَا تَتَمنَّى وَتَشْتَهِي، تَقُولُ: رَأَيْتُ رَجُلًا هَمَّكَ مِنْ رَجُلٍ، وَهَدَّكَ مِنْ رَجُلٍ، بِمَعْنَى: شَرْعِكَ، وَحَسْبِكَ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَذْكُرُ جَلَدَهُ وَحِنْكَتَهُ:
[ ٢ / ٤٥٨ ]
كَهَمِّكِ لِأَحَدٌ الشَّبَابُ يُضِلُّنِي وَلَا هَرَمٌ مِمَّنْ تَوَجَّهَ دَالِفُ
يَقُولُ: لَسْتُ بِالضَّرَعِ الْغُمْرِ، وَلَا بِالْهَرَمِ الَّذِي قَدْ دَلَفَ لِلمَوْتِ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: هَذَا رَجُلٌ هَمَّكَ مِنْ رَجُلٍ، وَنَاهِيكَ مِنْ رَجُلٍ، وَجَازَيَكَ مِنْ رَجُلٍ، وَكَافِيكَ مِنْ رَجُلٍ، وَحَسْبُكَ مِنْ رَجُلٍ، وَشَرْعُكَ مِنْ رَجُلٍ، وَكُلُّهُ وَاحِدٌ
٢٥٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَامِلِي كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُسْلِمِينَ مُبَاحَتَةَ الْمَاءِ، وَغَلَا عَلَيْهِمُ الْعَسَلُ، وَأَنَّهُ صَنَعَ لَهُمْ شَرَابًا مِنَ الْعَصِيرِ يَذْهَبُ الثُّلُثَانِ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ، فَاشْرَبْهُ وَصِفْهُ لِمَنْ عِنْدَكَ»، أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةُ، عَنْ أْشَعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْأَسَدِيِّ
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَطَرَحَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ عُمَرَ فِيهِ هَذَا.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
مُبَاحَتَةُ الْمَاءِ: شُرْبُهُ بَحْتًا، وَالْبَحْتُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْخَالِصُ، قَالَ رُؤْبَةُ: وَقَدْ أَرَانِي فِي الشَّبَابِ الصَّلْتِ
أَزْمَانَ لَا أَدْرِي وَإِنْ سَأَلْتِ
مَا نُسْكُ يَوْمِ جُمْعَةٍ مِنْ سَبْتِ
أَغْيَدُ لَا أَحْفِلُ يَوْمَ الْوَقْتِ
إِنْسِا وَجِنِّيًّا إِذَا وَصَفْتِ
كَحَيَّةِ الْمَاءِ جَرَى فِي الْقَلْتِ
أَرْكَبُ مَادُونَ الْفُجُورِ الْبَحْتِ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ، يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ الْجُمُعَةَ مِنَ السَّبْتِ مِنَ الْمُجُونِ وَالْخَبَثِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدُ يَجْمَعُ، وَالشَّبَابُ الصَّلْتُ: الْحَدُّ الْمَاضِي.
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: يُقَالُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ صَلْتًا وَصُلْتًا، إِذَا ضَرَبَهُ بِحَدِّهِ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ صَلْتٌ إِذَا كَانَ مَاضِيًا
٢٥١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، " إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَوْمٍ دَخَلُوا فِي جَفَّةِ الْإِسْلَامِ، فَمَاتُوا، قَالَ: تُرْفَعُ أَمْوَالُ أُوَلِئَكَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الرَّجُلِ يُسْلِمُ، فَيُعَادُّ الْقَوْمَ وَيُعَاقِلُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، وَلَا لَهُمْ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ، فَاجْعَلْ مِيرَاثَهُ لِمَنْ عَاقَلَ وَعَادَّ ".
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ.
قَالَ: سَأَلْتُ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ٢ / ٤٦١ ]
الْجَفُّ وَالْجَفَّةُ: جَمَاعَةُ النَّاسِ.
وَقَوْلُهُ: عَادَّهُمْ، هُوَ مِنَ الْعِدَادِ فِي الدِّيوَانِ، وَأَخْذِ الْعَطَاءِ.
وَأَنْشَدَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ: إِذَا قُرِّبَتْ لِلْبَابِ خُلِّفَ نِصْفُهَا كَمَا خُلِّفَتْ يَوْمَ الْعِدَادِ الرَّوَادِفُ
يَقُولُ: إِذَا عَادَّهُمْ قَوْمٌ، فَجَاءُوا لِيَأْخُذُوا الْعَطَاءَ، خُلِّفَتِ الرَّوَادِفُ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ رَادِفَةً، لَيْسَ دِيوَانَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ الْأَحْنَفِ، أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: لَوْلَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمَ أَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا فِي حَاجَتِهِ، لَأَعْلَمْتُهُ أَنَّ رَادِفَةً رَدَفَتْ، وَنَابِتَةً قَدْ نَبَتَتْ، يَعْنِي قَوْمًا مُنْقَطِعِينَ مِنَ الدِّيوَانِ، قَالَ الرَّاجِزُ: لَا رَيَّ حَتَّى تَنْهَلَ الرَّوَادِفُ النَّاظِرَاتُ الْعُقَبُ الصَّوَادِفُ
وَالْعُقَبُ: مِنْ قَوْلِكَ جِئْتَ فِي عُقُبِ الشَّهْرِ وَعُقْبِهِ، وَهُوَ بَعْدَ مُضِيِّ الْآخَرِ، وَيُقَالُ لِلشُّرَكَاءِ فِي الْمَالِ وَالْمِيرَاثِ عَدَائِدُ، قَالَ لَبِيدٌ: تَطِيرُ عَدَائِدُ الْأَشْرَاكِ شَفْعًا وَوِتْرًا وَالزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الزَّعَامَةُ: الْكَفَالَةُ، وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .
وَالزَّعَامَةُ: السِّلَاحُ، وَيُقَالُ: هِيَ الرِّيَاسَةُ.
وَالْمُعَاقَلَةُ: مِنَ الْمُعَقَّلَةِ، وَيُقَالُ الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، أَيْ تُوَازِنُهُ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي مَا دُونَ الثُّلُثِ مِنَ الْمَوَاضِحِ وَالْمُنَقَّلَاتِ، وَمَا أَشْبَهُهَا مِنَ الشِّجَاجِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَتَى بِسَوِيقٍ سُلْتٍ، فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: " أَعْطِيهِ، قَالَ الرَّجُلُ: فَنَاوَلَتْنِيهِ، فَجَعَلَتْ إِذَا أَنَا حَرَّكْتُهُ ثَارَتْ لَهُ قُشَارَةٌ، وَإِذَا أَنَا تَرَكْتُهُ نَثَدَ، فَلَمَّا رَآنِي قَدْ بَشِعْتُهُ ضَحِكَ، فَقَالَ: مَالَكَ؟ أَرِنِيهِ إِنْ شِئْتَ، فَنَاوَلْتُهُ، فَشَرِبَ حَتَّى وَضَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ "، وَفِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا يَرْفَأُ انْطَلِقْ بِهِ، ما حَمَلَهُ، وَصَاحِبُهُ عَلَى نَاقَتَيْنِ ظَهِيرَتَيْنِ.
أخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَخَلَفُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ: نا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ، عَنِ الرَّسُولِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
الْقُشَارَةُ: اسْمُ مَا قُشِرَ عَنِ الْحَبِّ كَالنُّخَالَةِ، وَالنُّحَاتَةِ، وَالسُّلَاتَةِ.
وَالظَّهِيرَةُ: الْقَوِيَّةُ الْظَهْرِ الصَّحِيحَةُ، وَالْفِعْلُ ظَهُرَ ظَهَارَةً، وَأَمَّا قَوْلُهُ: نَثَدَ، فَهَكَذَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَخَلَفُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، إِنَّمَا هُوَ لَثَدَ مِنْ قَوْلِكَ لَثَدْتُ الْمَتَاعَ وَرَثَدْتُهُ، أَيْ نَضَدْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرَكْتُ فُلَانًا مُلْتَثِدًا وَمُرْتَثِدًا، أَيْ نَاضِدًا مَتَاعَهُ.
وَأَحْسَبُ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَائِزًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: نَثَدَ أَيْ سَكَنَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ نَثَدَ وَنَثَطَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تَمِيدُ فَوْقَ الْمَاءَ، فَنَثَّطَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْجِبَالِ»، أَيْ سَكَّنَهَا.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: نَثْطُ الْأَرْضِ، أَنْ نَثْطَهَا تَصَدُّعُهَا، حَتَّى بَدَتِ الْجِبَالُ مِنْ صُدُوعِهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ النَّثْطُ: خُرُوجُ الْكَمَأَةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ إِذَا صَدَعَ الْأَرْضَ فَظَهَرَ
٢٥٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْعِشَاءِ حِينَ يُعَسْعِسُ اللَّيْلُ، وَتَذْهَبُ حُمْرَةُ الْأُفُقِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» .
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ
قَالَ: هَذِهِ خُطْبَةُ عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ هَذَا.
يُقَالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ، وَقَالَ عِلَقَةُ بْنُ قُرْطٍ التَّيْمِيُّ:
[ ٢ / ٤٦٧ ]
حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ عَلَيْهَا عَسْعَسَا وَادَّرَعَتْ مِنْهُ بَهِيمًا حِنْدِسَا
وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: عَسْعَسَ إِذَا وَلَّى، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، قَالَ: وَلَّى.
وَكَأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اعْتَبَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾﴾ [المدثر: ٣٣-٣٤] .
قَالَ الشَّاعِرُ: وَرَدْتُ بِأَفْرَاسٍ وَفِتْيَةٍ فَوَارِطَ فِي أَعْجَازِ لَيْلٍ مُعَسْعِسِ
[ ٢ / ٤٦٨ ]
٢٥٤ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ " عَنِ الْوِتْرِ، فَسَكَتَ عَنْهُ، حَتَّى وَجَّهَ الصُّبْحُ، ثُمّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْوِتْرِ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ: هَذَا حِينَ عَسْعَسَ اللَّيْلُ، وَتَنَفَّسَ الصُّبْحُ، فَهَذَا حِينُ أَفْضَلِ الْوِتْرِ "
[ ٢ / ٤٦٩ ]
٢٥٥ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، " أَنَّ جُنْدُبَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، ثُمَّ مَضَى إِلَى الشَّامِ، وَخَلَّفَ ابْنَتَهُ أُمَّ أَبَانٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا فَزَوِّجْهَا، وَلَوْ بِشَرَاكِ نَعْلِهِ، فَزَوَّجَهَا عُمَرُ مِنْ عُثْمَانَ، فَجَاءَ عُثْمَانُ بِمَهْرِهَا، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فِي يَدَيْهِ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، مُدِّي حُذْلَكِ، فَفَتَحَتْ حِجْرَهَا، فَأَلْقَى فِيهِ الْمَالَ، ثُمَّ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَمَا هَذَا يَا أَبَتَاهُ؟ قَالَ: مَهْرُكِ، فَأَشِيعِي مِنْهُ فِي أَهْلِكِ، فَنفَحَتْ، وَقَالَتْ: وَاسَوْءَةَ ".
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَ: أَنَا الزُّبَيرُ، قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نا مُحْرِزُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ جَدِّهِ "، قَالَ: قَدِمَ جُنْدُبُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ زَكَرِيَّاءَ، قَالَ:
[ ٢ / ٤٧٠ ]
«فَشَيِّعِي مِنْهُ فِي أَهْلِكِ»
وَأَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ: فَأَشِيعِي: أَيِ انْفِقِي وَأَعْطِي.
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: تَقُولُ حُذْلَتُهُ، وَحُجْزَتُهُ، وَحُزَّتُهُ، وَحُبْكَتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَفِي إِسْنَادِهِ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: تَقُولُ سَوْءَةُ وَلَوْءَةُ، وَاللَّوْءَةُ مِثْلُ السَّوْءَةِ.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وَقَالَ يَعْقُوبُ: لَهُ عِنْدِي مَا سَاءَهُ وَنَاءَهُ، وَمَا يَسُوءُهُ وَيَنُوءُهُ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]، أَيْ تُثْقِلُ الْعُصْبَةَ، وَتَقُولُ: نُؤْتُ بِالْحِمْلِ إِذَا نَهَضْتُ بِهِ مُثْقَلًا، وَقَدْ نَاءَنِي الْحِمْلُ إِذَا أَثْقَلَكَ، وَأَنْشَدَ: إِنِّي وَجَدِّكَ لَا أَقْضِي الْغَرِيمَ وَإِنْ حَانَ الْقَضَاءُ وَلَا رَقَّتْ لَهُ كَبِدِي
إِلَّا عَصَا أَرْزَنٍ طَارَتْ بُرَايَتُهَا تَنُوءُ ضَرْبَتُهَا بِالْكَفِّ وَالْعَضُدِ
٢٥٦ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «أَلَا لَا يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، أَلَا لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَلَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمُ الْعَدَدُ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَفْطِرُوا» .
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ٢ / ٤٧٢ ]
قَوْلُهُ: وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، فَلَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِاللُّغَتَيْنِ يُقَالُ: غَمَّ الْهِلَالُ عَلَى النَّاسِ، وَأُغْمِيَ عَلَى الْهِلَالِ، إِذَا سَتَرَهُ عَنْهُمْ غَيْمٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَيُقَالُ: هِيَ لَيْلَةُ الْغُمَّى، وَقَالَ: لَيْلَةُ غُمَّى طَامِسٍ هِلَالُهَا أَوْغَلْتُهَا وَمُكْرَهٌ إِيغَالُهَا
وَقَالَ آخَرُ: يُثَابِرُ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَيْلَ خَلْفَهُ قَوَابِعُ فِي غُمَّى عَجَاجِ وَعِثْيَرِ
وَيُقَالُ: قَدْ أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ، فَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَدْ غُمِيَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ، وَتَرَكْتُ فُلَانًا غَمًى، مَقْصُورٌ بِمَنْزِلَةٍ قُفًا، إِذَا كَانَ بِمَعْنَى مُغْمًى عَلَيْهِ، وَتَرَكْتُهَا غَمًى
[ ٢ / ٤٧٣ ]
٢٥٧ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَّالِهِ: " إِنْ شِئْتُمْ قَاصَصْتُكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ شَاطَرْتُكُمْ أَمْوَالَكُمْ، فَاخْتَارُوا الْمُقَاسَمَةَ إِلَّا أَبَا بَكْرَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُصَّنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَالَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ، إِنَّهُ لَفَاجِرٌ أَبَلُّ، أَوْ أَمِينٌ مَا يُفَلُّ ".
وَهَذَا حَدِيثُ يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: يُقَالُ رَجُلٌ بَلُّ، وَأَبَلُّ إِذَا كَانَ مَطُولًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، رَجُلٌ أَبَلُّ، وَامْرَأَةٌ بَلَّاءُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَهُ مِنَ اللُّؤْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْمَصْدَرُ مِنْهُ الْبَلَلُ، وَأَنْشَدَ: أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ يَا آلَ عَامِرٍ وَهَلْ يَتَّقِي اللَّهَ الأَبَلُّ الْمُصَمِّمُ
٢٥٨ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ:
[ ٢ / ٤٧٤ ]
إِنَّ الْخُصُومَ لَدَيَّ بَيْنَ مُسَلِّمٍ لِقَضَاءِ مُتَّبِعٍ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ
وَأَلَدُّ مُتَّبِعٍ هَوَاهُ مُصَمِّمٍ وَأَبَلَّ لَا يَرْضَى بِقَوْلِ الْعَالِمِ
هَوِّنْ عَلَيْكَ إِذَا قَضَيْتَ بِسُنَّةٍ أَوْ بِالْقُرْآنِ بِرَغْمِ أَنْفِ الرَّاغِمِ
قَوْلُهُ: إِنْ شِئْتُمْ قَصَصْتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ تَتَبُّعَ عَثَرَاتِهِمْ، وَالْبَحْثَ عَنْ سَقَطَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ وَجْهٌ مِنْ قَوْلِكَ قَصَصْتُ الْأَثَرَ أَقُصُّهُ قَصًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وَأَنْشَدَ: فَمَنْ يَأْتِنَا يَوْمًا يَقُصُّ طَرِيقَنَا يَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
وَإِلَّا فَإِنْ عَرَبَيْتَهَا أَقْصَصْتُكُمْ مِثْلُ قَوْلِهِ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنِّي لَا أَقُصُّ مِنْكَ؟ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ.
تَقُولُ مِنْهُ أَقَصَّ الْحَاكِمُ فُلَانًا، وَأَمْثَلَهُ، إِذَا أَقَادَهُ مِنْ دَمٍ أَوْ جُرْحٍ، وَالرَّجُلُ يَقْتَصُّ لِنَفْسِهِ، وَيَمْتَثِلُ إِذَا تَوَلَّى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ " أَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا بِالدِّرَةِ، فَنَادَى: يَا آلَ قُصَيٍّ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ غَيْرَ الْيَوْمِ تُنَادِي قُصَيًّا، لَأَتَتْكَ مِنْهُمُ
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الْغَطَارِيفُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اسْكُتْ لَا أُمَّ لَكَ، قَالَ: هَا، وَوَضَعَ السَّبَّابَةَ عَلَى فِيهِ ".
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نا الْعَبَّاسُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.
الْغِطْرِيفُ: الْفَتَى السَّرِيُّ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَفِيعٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: الْغِطْرِيفُ: السَّيِّدُ الضَّخْمُ، قَالَ الرَّاجِزُ: كَأنَّهُمْ لُجَّةُ بَحْرِ مُسْدِفُ
مَنْ يَطْعُنُوا فِي عَيْنِهِ لَا يَطْرِفُ
وَمَنْ يَكُونُوا قَوْمَهُ يُغَطْرِفُ
[ ٢ / ٤٧٦ ]
قَوْلُهُ: يُغَطْرِفُ، يَعْنِي يَتَكَبَّرُ، وَمِنْهُ قِيلَ: عُنُقُ غِطْرِيفٍ، وَخِطْرِيفٌ أَيْ وَاسِعٌ، قَالَ رُؤْبَةُ: وَجْهُكَ وَجْهُ الْمَلِكِ الْغِطْرِيفِ
٢٦٠ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «إِذَا قُلْتُمْ لَا تَدْهَلْ فَقَدْ أَمِّنْتُمُوهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا» .
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قَوْلُهُ: لَا تَدْهَلْ، هُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ لَا تَخَفْ، يَقُولُونَ: لَا دَهْلَ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَهْجُوا الطِّرْمَاحَ وَيَنْفِيهِ عَنِ الْعَرَبِ إِلَى الْأَنْبَاطِ: رَأَى جَمَلًا يَوْمًا وَلَمْ يَكُ قَبْلَهُ مِنَ الدَّهْرِ يَدْرِي كَيْفَ خَلْقُ الْأَبَاعِرِ
فَقَالَ شَطَايَا مَعْ طَيَايَا أَلَا لِيَا وَأَجْفَلَ إِجْفَالَ الظَّلِيمِ الْمُبَادِرِ
فَقُلْتُ لَهُ لَا دَهْلَ مِنْ قَمْلٍ بَعْدَ مَا مَلَا نَيْفَقَ التُّبَّانُ مِنْهُ بِعَاذِرِ
[ ٢ / ٤٧٨ ]
طَيَايَا: فِي لُغَةِ النَّبْطِ عَرَبِيٌّ، وَشَطَايَا: شَيْطَانٌ، وَأَلَالِيَا: تَغْوِيثٌ، وَالْعَاذِرُ: الْحَدَثُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعَاذِرُ الْأَثَرُ، قَالَ ابْنُ أَحَمَرَ:. . . . . وَبِالظَّهْرِ مِنِّي مَنْ قَرَا الْبَابَ عَاذِرُ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأَصَابَ مِنْهَا ابْنًا، فَلَمَّا شَبَّ، قَالَ لِأَبِيهِ: حَتَّى مَتَى تَسْتَأْمِي أُمِّي، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ " لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: لَا يُقَادُ الْأَبُ بِابْنِهِ، لَقَتَلْتُكَ، لَكِنْ هَلُمَّ دِيَتَهُ، فَقَسَمَهَا عَلَى وَرَثَتِهِ، وَتَرَكَ أَبَاهُ ".
حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
يُقَالُ: اسْتَأْمَيْتُ الْأَمَةَ: اسْتَخْدَمْتُهَا، وَتَأَمَّيْتُ الْأَمَةَ اتَّخَذْتُهَا أَمَةً، وَأَمَّيْتُ فُلَانَةً جَعَلْتُهَا أَمَةً كَمَا يَقُولُونَ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُهُ عَبْدًا، قَالَ مُوسَى ﷺ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] أَيْ جَعَلْتَهُمْ عَبِيدًا، قَالَ الرَّاجِزُ: يَرْضُونَ بِالتَّعْبِيدِ وَالتَّآمِي.
وَيُقَالُ مِنْهُ: أَمَةٌ قَدْ أَقَرَّتْ بِالْأُمُوَّةِ وَثَلَاثُ إِمَاءٍ وَآمٍ، وَأَنْشَدَ: إِذَا تَبَارَيْنَ مَعًا كَالْأَمِ فِي سَبْسَبٍ مُطَّرِدِ الْقَتَامِ
وَقَدْ تُجْمَعُ الْأَمَةُ، فَيُقَالُ: إِمْوَانٌ.
أَنْشَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ:
[ ٢ / ٤٨١ ]
أَنْشَدَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْإِمَاءُ فَلَا يَدْعُونَنِي وَلَدًا إِذَا تَرَامَى بَنُو الْإِمْوَانِ بِالْعَارِ
وَيُقَالُ: مَا كُنْتِ أَمَةً، وَلَقَدْ أَمِيتِ
٢٦٢ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَرَأْتُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَدْرُونَ مَا جَنَّاتُ عَدْنٍ؟ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَهُ خَمْسَةٌ آلَافِ بَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، وَهَنِيئًا لِصَاحِبِ الْقَبْرِ، وَأَشَارَ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ صِدِّيقٌ، وَهَنِيئًا لِأَبِي بَكْرٍ، أَوْ شَهِيدٌ، وَأَنَّى لَعُمَرُ بِالشَّهَادَةِ؟ وَإِنَّ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْ مَنْزِلِي بِالْحَثْمَةِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسُوقُهَا إِلَيَّ» .
يُرْوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الْحَثْمَةُ: صَخَرَاتٌ بِمَكَّةَ فِي أَسْفَلِهَا فِي رَبْعِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِيهَا يَقُولُ الْمُهَاجِرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: لَنِسَاءٌ بَيْنَ الْحُجُونِ إِلَى الْحَثْمَةِ فِي مُظْلِمَاتِ لَيْلٍ وَشَرْقِ
[ ٢ / ٤٨٣ ]
سَاكِنَاتُ الْبِطَاحِ أَشْهَى إِلَى النَّفْسِ مِنَ السَّاكِنَاتِ دُورَ دِمَشْقِ يَتَضَوَّعْنَ لَوْ تَضَمَّخْنَ بِالْمِسْكِ صُنَانًا كَأَنَّهُ رِيحُ مَرْقِ
٢٦٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ بَعَثَ عِيرًا إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَقَالَ لِلَّذِي بَعَثَهُ: «مُرْ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ بِبَعِيرٍ، وَمَا عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَأْخُذُوا ضُمَّةً مِنْ قَدِيدٍ، وَكُبَّةً مِنْ شَحْمٍ، وَحَفْنَةً مِنْ دَقِيقٍ، فَلْيَطْبُخُوا وَلْيَأْكُلُوا» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الضُمَّةُ: بِالضَّمِ اسْمُ مَا ضَمَمْتَ، وَقَبَضْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ، وَجَمَعْتَ، وَالضَّمَةُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، قَالَ جَرِيرٌ: فَإِنَّكَ لَوْ ضَمَّتْكَ يَا تَيْمُ ضَمَّةً مُنَاكِبُ زَيْدٍ لَمْ تُطِقْ أَنُ تَوَثَّبَا
فَإِنْ كَانَتِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، فَهِيَ إِضْمَامَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُمْ وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُمْ لَفِيفٌ، وَالْجَمِيعُ أَضَامِيمُ، وَقَالَ: حَيٌ أَضَامِيمَ وَأَكْوَارُ نَعَمْ.
وَالْكَوْرُ: الْقَطِيعُ الضَّخْمُ مِنَ الْإِبِلِ
٢٦٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «إِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ بَعْدِي، فَإِنْ فَعَلْتُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَسَتَعْلَمُونَ، إِذَا وُكِلْتُمْ إِلَى أَنْفُسِكُمْ كَيْفَ يَسْتَبِزُّهَا دُونَكُمْ» .
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدُ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ
[ ٢ / ٤٨٥ ]
أَبِي هَارُونَ البَرُّ: السَّلَبُ وَالْعِزُّ الْغَلَبَةُ، تَقُولُ: عَزَزْتُهُ فَبَززْتُهُ، وَالِاسْمُ: الْبِزِّيزِيُّ.
وَمِنْهُ ابْتُزَّتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ثِيَابِهَا إِذَا جُرِّدَتْ، وَقَوْلُهُ: عَزَزْتُهُ أَيْ غَلَبْتُهُ وَقَهَرْتُهُ
٢٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحَمِيدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ، قَالَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ
[ ٢ / ٤٨٦ ]
شَهِدْتُ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا، لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ، تَحَالَفُوا أَنْ تُرَدَّ الْفُضُولُ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَلَّا يَعُزَّ ظَالِمٌ، مَظْلُومًا»
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَايِنْ إِذَا عَزَّكَ مَنْ تُخَاشِنُ، وَالْبِزَّةُ: الشَّارَةُ الْحَسَنَةُ مِنَ اللِّبَاسِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْبَزَّ السِّلَاحُ، وَالْبِزَّةُ مِثْلُهُ.
وَأَنْشَدَ لِقَيْسِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ عَيْزَارَةَ الْبَاهِلِيِّ، حَيْثُ أَسَرَتْهُ فَهْمٌ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ ثَابِتُ بْنُ جَابِرِ بْنِ سُفْيَانَ، وَهُوَ تَأَبَّطَ شَرًا: سَرَا ثَابِتُّ بَزِّي ذَمِيمًا وَلَمْ أَكُنْ سَلَلْتُ عَلَيْهِ شَلَّ مِنِّي الْأَصَابِعُ
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فَوَيْلُ أَمِّ بَرٍّ جَرَّ شَعْلٌ عَلَى الْحَصَى فَضُيِّعَ بَزٌ مَا هُنَالِكَ ضَائِعُ.
فَوَيْلُ أَمِّ بَزٍّ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَشَعْلٌ: لَقَبُ تَأَبَّطَ شَرًا، وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ فِي الْبِزَّةِ: إِذَا جَعَلْتُ بِزَّتِي عَلَى عَدَسْ
عَلَى الَّتِي بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْفَرَسْ
فَمَا أُبَالِي مَنْ غَزَا وَمَنْ جَلَسْ
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ «أَنَّهُ كَانَ يُوصِي الْمُجَاهِدِينَ أَلَّا يُقَلِّمُوا أَظْفَارَهُمْ» .
مَعْنَاهُ عِنْدَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُكْمِلُوا سِلَاحَهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ذَلِكَ حَدِيدًا غَيْرَ دَاثِرٍ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَاهُ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْوُجُوهِ لِمَذَاهِبِ الْعَرَبِ، وَأَجْدَرُ أَلَّا نُوَاقِعَ شَيْئًا، قَدْ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ ﵇ أَعْظَمَ أَيَّامِ الْإِسْلَامِ مِحْنَةً، وَأَشَدَّهُ خَوْفًا، وَأَكْثَرَهُ جِهَادًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَأْمُرُ بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِ الْيَدَيْنِ، وَيُعَاتِبُ عَلَيْهِ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ فِي قَوْلِهِ: لَدَى أَسَدٍ شَاكِ السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
قَوْلُهُ: شَاكِ السِّلَاحِ يُرِيدُ شَائِكِ السِّلَاحِ، أَيْ سِلَاحُهُ ذُو شَوْكَةٍ، فَأَلْقَى الْيَاءَ كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: وَسَوَّدَ مَاءُ الْمَرْدِ فَاهَا فَلَوْنُهُ كَلَوْنِ النَّئُورُ وَهِيَ أَدْمَاءُ سَارُهَا
يُرِيدُ: سَائِرُهَا، وَالْمُقَذَّفُ: الْغَلِيظُ اللَّحْمِ، وَاللِّبْدُ: الشَّعْرُ الْمُتَرَاكِبُ عَلَى زُبْرَةِ الْأَسَدِ، وَزُبْرَتُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَيُقَالُ لِأَسَدٍ إِذَا أَسَنَّ هُوَ ذُو لِبْدَةٍ.
وَقَوْلُهُ: أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ، أَيْ هُوَ تَامُّ السِّلَاحِ حَدِيدُهُ، يُرِيدُ الْجَيْشَ، وَاللَّفْظُ عَلَى الْأَسَدِ، وَأَنْشَدَ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[ ٢ / ٤٩٠ ]
فَوَاللَّهِ إِنَّا وَالْأَحَالِيفَ هَؤُلَاءِ لَفِي حِقْبَةٍ أَظْفَارُهَا لَمْ تُقَلَّمِ
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ: وَبَنُو قُعَيْنِ لَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ آتُوكَ غَيْرَ مُقَلَّمِي الْأَظْفَارِ
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا مَانِعَ لَهُ، وَلَا دَافِعَ عَنْهُ فَهُوَ مُقَلَّمٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ إِلَى نِسْوَةٍ، فَلَمْ يُزَوِّجْنَهُ، فَقَالَ: أَظُنُّكُنَّ مُقَلَّمَاتٍ، أَيْ لَيْسَ لَكُنَّ رَجُلٌ، وَلَا أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنْكُنَّ، وَقَدْ يَقُولُونَ أَيْضًا: لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا سِلَاحَ لَهُ أَجَمُّ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ: عِنْدَ النِّطَاحِ يُغْلَبُ الْكَبْشُ الْأَجَمُّ.
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وَيْلُ أُمِّهِمْ مَعْشَرًا جُمًّا بُيُوتُهُمْ مِنَ الرِّمَاحِ، وَفِي الْمَعْرُوفِ تَنكِيرُ
وَقَالَ عَنْتَرَةُ أَلَمْ تَعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ أَنِّي أَجَمُّ إِذَا لَقِيتُ ذَوِي الرِّمَاحِ
[ ٢ / ٤٩١ ]
٢٦٧ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، " أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ إِبِلِي قَدْ نَقِبَتْ وَدَبِرَتْ فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ، مَا بِإِبِلِكَ نَقَبٌ وَلَا دَبَرٌ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرَ ".
وَيُرْوَى عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ رَافِعٍ
[ ٢ / ٤٩٢ ]
٢٦٨ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ سَفَرٍ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، يَتَخَطَّى حَتَّى وَرَّكَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْمُنَادِي، قَالَ: نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا
[ ٢ / ٤٩٣ ]
يُقَالُ: فُلَانٌ جَيِّدُ السَّحْنَاءِ، إِذَا كَانَ حَسَنَ اللَّوْنِ، وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدٍ، فَذَكَرَ عَنِ الْفَرَّاءِ: السَّحَنَاءُ مُحَرَّكَةً، وَالثَّأَدَاءُ هَذَانِ عَلَى فَعَلَاءِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
قَالَ: وَالسَّحْنَاءُ الْهَيْئَةُ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ؛ السَّحَنُ، وَالسَّحَنَةُ: لِينُ الْبَشْرَةِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ: تَسَحَّنْتُ الْمَالَ، فَرَأَيْتُ سَحْنَاءَةَ حَسَنَةً.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: جَاءَتْ فَرَسُ فِلَانٍ سَحِنَةً، إِذَا جَاءَتْ حَسَنَةَ الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: وَرَّكَ أَيْ ثَنَى رِجْلَيْهِ، وَالْوَرِكَانِ، هُمَا فَوْقَ الْفَخْذَيْنِ: كَالْكَتِفَيْنِ فَوْقَ الْعَضُدَيْنِ، وَيُقَالُ: هَذِهِ نَعْلٌ مَوْرِكَةٌ وَمَوْرِكٌ، إِذَا كَانَتْ مِنَ الْوَرِكِ، وَأَنْشَدَ: حَذَانِي بَعْدَما خَذِمَتْ نِعَالِي دُبَبَّةُ إِنَّهُ نِعْمَ الْخَلِيلُ
بِمَوْرِكَتَيْنِ مِنَ صَلَوَيْ مِشَبِّ مِنَ الثِّيرَانِ عَقْدُهُمَا جَميِلُ
٢٦٩ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، " وَخَرَجَ رَجُلٌ، فَمَرَّ بِبَعْضِ الْمِيَاهِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيُخْبِرُهُمْ، فَقَالُوا: مَنْ يَتَّبِعُهُ؟ فَقَالَ: فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالُوا: الصِّرِّيعُ الَّذِي كَانَ يُصَارِعُ النَّاسَ بِعُكَاظٍ، لِيَمْلَأَنَّهَا خَيْرًا أَوْ شَرًا ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ
[ ٢ / ٤٩٥ ]
أَبِي سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَشْيَخَتِهِ
الصِّرِّيعُ: عَلَى بِنَاءِ فِعِّيلٍ، هُوَ الَّذِي الصِّرَاعُ مِنْ شَأْنِهِ، وَمِنْ أَمْرِهِ، وَرَجُلٌ صراع إذا كان شديد الصرع وإن لم يكن معروفا، ورجل صَرُوعُ لِلْأَقْرَانِ، أَيْ كَثِيرُ الصَّرْعِ لَهُمْ، وَالصَّرَّاعَةُ: مَصْدَرُ الصِّرِّيعِ مِنْ قَوْمٍ صَرَعَةٍ.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ بِأَسِيرٍ لَهُ قَدْ كَتَّفَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُعَتْرِسُهُ، يَعْنِي أَتَقْهَرُهُ، وَتَظْلِمُهُ، وَتَعْتَسِرُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّصْحِيفِ، فَقَالُوا قَالَ عُمَرُ: أَبِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يُكَتِّفَهُ.
وَالْعَتْرَسَةُ: الْغَضَبُ يُقَالُ: أَخَذَ مَالَهُ عَتْرَسَةً، وَعَتْرَسَهُ مَالُهُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعِتْرِيسُ الْجَبَّارُ الْغَضْبَانُ، وَالْعَتْرَسَةُ: الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرَةُ، قَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ: مِنْهُ قِيلَ: نَاقَةٌ عَنْتَرِيسٌ، إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةً غَلِيظَةً.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: يُقَالُ: أَخَذَهُ بِالْعَتْرَسَةِ، أَيْ بِالْجَفَاءِ وَالشِّدَّةِ.
وَأَنْشَدَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: عَلَى قَلُوصَيْنِ مِنْ رِكَابِهِمُ وَعَنْتَرِيسَيْنِ فِيهِمَا شَجَعُ
وَالشَّجَعُ: طُولٌ، وَالْأَشْجَعُ: الْجَسِيمُ
٢٧١ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، «مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ وَرِقُهُ فَلَا يُحَالِفُ النَّاسَ أَنَّهَا طِيَابٌ، وَلَيَبْتَعْ بِهَا سَمَلَ ثَوْبٍ، أَوْ سَحْقَ ثَوْبٍ» .
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يُقَالُ: أَسْحَقَ الثَّوْبُ، إِذَا أَخْلَقَ وَبَلِيَ، وَهُوَ ثَوْبٌ سَحْقٌ، وَثِيَابٌ سُحُوقٌ، وَقَالَ مُزَرِّدٌ: وَمَا زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عِمَامَةٍ وَخَمْسِ مِئًى مِنْهَا قَسِيٌ وَزَائِفُ
وَكَذَلِكَ أَسْحَقَ خُفُّ الْبَعِيرِ إِذَا مَرَنَ.
وَالسَّمَلُ: الثَّوْبُ الْخَلَقُ، يُقَالُ: أَسْمَلَ الثَّوْبُ وَأَسْمَالَّ، وسَمَلَ يَسْمُلُ.
وَقَالَ قُطْرُبُ: يُقَالُ أَيْضًا، سَمِلَ وَجَمْعُهَا سِمَالٍ، وَأَنْشَدَ: وَلَوْلَا الْحُمْسُ مَا لَبِسَتْ رِجَالٌ ثِيَابَ أَعِزَّةٍ حَتَّى يَمُوتُوا
ثِيَابُهُمْ سِمَالٌ أَوْ عَبَاءٌ بِهَا دَنَسٌ كَمَا دَنِسَ الْحَمِيتُ
الْحَمِيتُ: زِقُّ السَّمْنِ
٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: إِنَّمَا سُمُّوا الْحُمْسَ بِالْكَعْبَةِ، لِأَنَّهَا حَمْسَاءُ، أَيْ حَجَرُهَا أَبْيَضُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ،
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ دِرْهَمٌ زَائِفٌ وَزِيِّفَ فِي دَرَاهِمَ زُيُوفٌ، بَيِّنَةُ الزُّيُوفَةِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَرَى النَّاسَ أَشْبَاهًا إِذَا نَزَلُوا مَعًا وَفِي النَّاسِ زَيْفٌ مِثْلُ زَيْفِ الدَّرَاهِمِ.
قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ دَرَاهِمُ زُيَّفٌ، وَأَنْشَدَ: إِذَا وَرَقُ الْأَحْدَاثِ كَأَنَّهُمْ دَرَاهِمُ مِنْهَا جَائِزَاتٌ وَزُيَّفُ
قَالَ وَرِقُ الْقَوْمِ أَحْدَاثُهُمْ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: يُقَالُ ثَوْبٌ سَمَلٌ وَسَمِيلٌ، وَأَنْشَدَ مُشْتَمِلٌ بِبُرْدَةٍ سَودَاءِ
سَمِيَلَةٍ سَودَاءَ أَوْ بَيْضَاءِ.
مِنْ نُخْبَةِ الْأَصْوَافِ صُوفِ الشَّاءِ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَبُو زَيْدٍ، يَقُولَانِ: خَلُقَ الثَّوبُ وَنَهَجَ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ، يَقُولُ: لَا يَكُونُ إِلَّا أَخْلَقَ الثَّوْبُ وَأَنْهَجَ،
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُنْشِدُ قَوْلَ الْأَعْشَى: أَلَا يَا قَتْلُ قَدْ خَلُقَ الْجَدِيدُ وَحُبُّكِ مَا يَمَحُّ وَمَا يَبِيدُ
وَأَبْيَاتًا سِوَى هَذِهِ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يُنْشِدُ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: نَظَرْتُ إِلَى عُنُوانِهِ فَنَبَذْتُهُ كَنَبْذِكَ نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا
وَهَذَا الْوَجْهُ الْجَيِّدُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
وَكَانَ أَبُو زَيْدٍ يَتَّسِعُ فِي اللُّغَاتِ، حَتَّى كَانَ رُبَّمَا جَاءَ بِالشَّيْءِ الضَّعِيفِ، فَيُجْرِيهِ مَجْرَى الْقَوِيِّ، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ مُولَعًا بِالْجَيِّدِ الْمَشْهُورِ، وَيُضَيِّقُ فِي مَا سِوَاهُ.
٢٧٣ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: " وَأَقْبَلَ رَهْطٌ مَعَهُمُ امْرَأَةٌ، حَتَّى نَزِلُوا مَكَّةَ، فَخَرَجُوا لِحَوَائِجِهِمْ، وَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَرَجَعُوا حِينَ رَجَعُوا، وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَهُبُّ فِيهَا، كَمَا يَهُبُّ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحِلَةِ، وَقَالَ الرَّابِعُ: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، لَمْ أَرَاهُ يَهُبُّ فِيهَا، رَأَيْتُ سَخِينَتَيْهِ، يَعْنِي: خِصْيَتَيْهِ تَضْرِبَانِ اسْتَهَا، وَرِجْلَاهَا عَلَيْهِ مِثْلَ أُذُنَيِ الْحِمَارِ، وَعَلَى مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيُّ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنْ شَهِدَ الرَّابِعُ عَلَى مَا يَشْهَدُ الثَّلَاثَةُ، فَقَدِّمْهُمَا وَاجْلِدْهُمَا، وَإِنْ كَانَا أُحْصِنَا، فَارْجُمْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدِ الرَّابِعُ إِلَّا بِمَا كَتَبْتَ إِلَيَّ، فَاجْلِدِ الثَّلَاثَةَ، وَخَلِّ سَبِيلَ الْمَرْأَةِ ".
حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: نا الْوَلِيدُ
[ ٢ / ٥٠١ ]
هُوَ ابْنُ جَمِيعٍ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الْهَبُّ: الِاهْتِزَازُ، وَالسَّيْفُ يَهُبُّ إِذَا هُزَّ هَبَّةً، وَيَهُبُّ التيس لِلسِّفَادِ هَبِيبًا، وَالنَّاقَةُ تَهُبُّ هِبَابًا، قَالَ لَبِيدٌ: وَلَهَا هِبَابٌ فِي الزِّمَامٍ كَأَنِّها صَهْبَاءُ رَاحَ مَعَ الْجَنُوبِ جَهَامُهَا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، يُقَالُ لِلْفَحْلِ إِذَا اهْتَاجَ لِلضِّرَابِ اهْتَبَّ اهِتِبَابًا، وَيُقَالُ الْهَبْهَبِيُّ: تَيْسُ الْغَنَمِ، وَيُقَالُ: رَاعِيهَا، قَالَ الشَّاعِرُ.
كَأَنَّهُ هَبْهَبِيٌّ نَامَ عَنْ غَنَمٍ مُسْتَأْوِرٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مَذْءُوبُ
وَالْمُسْتَأْوِرُ: الْفَزِعُ، وَيُقَالُ: الْعَجِلُ.
وَقَوْلُهُ: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِمَى، يَقُولُ: أَحْمِيهِ مِنَ الْمَأْثَمِ، أَنْ أُرِيَهُ مَا لَمْ يَرَ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَقُولُ: حَمَيْتُ، الْحِمَى أَحْمِيَهُ حَمْيًا، إِذَا مَنَعْتُهُ، قَالَ جَرِيرٌ:. . . . . . . . . . ومَا شَيْءٌ حَمَيْتَ بِمُسْتَبَاحِ
وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ النَّاسُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ حِمًى، قُلْتُ: أَحْمَيْتُ الحِمَى إِحْمَاءً، قَالَ الْآخَرُ: دَعَانِي امْرُؤٌ أَحْمًى عَلَى النَّاسِ عِرْضَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لَبَّيَكَ لِمَا دَعَا لِيَا.
وَنَقُولُ: حَمَى الرَّجُلُ أَنْفَهُ يَحْمِيهِ مَحْمِيَّةً وَحَمِيَّةً، وَحَمَيْتُ الْقَوْمُ حِمَايَةً، إِذَا نَصَرْتُهُمْ، وَمَنَعْتُهُمْ مِنَ الْظُلْمِ، وَحَمَيْتُ الْمَرِيضَ أَحْمِيهِ حِمْوَةً.
وَقَالَ أَبُو الصَّقْرِ: حِمْيَةً، وَأَحْمَيْتُ الْحَدِيدَةَ إِحْمَاءً، حَتَّى حَمِيَتْ حَمْيًا شَدِيدًا
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وَحَمِيَتِ الشَّمْسُ تَحْمَى حَمْيًا وَحُمِيًا
٢٧٤ - وَقَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَتَمْرُنَنَّ أَيُّهَا الْبَطْنُ عَلَى الزَّيْتِ مَا دَامَ السَّمْنُ يُبَاعُ بِالْأَوَاقِي» .
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ ذَلِكَ
يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَوِ الدَّابَّةِ إِذَا تَعَوَّدَ الْأَمْرَ، وَجَرَى عَلَيْهِ: قَدْ جَرَنَ يَجْرُنُ جُرُونًا، وَمَرَنَ يَمْرُنُ مُرُونًا وَمَرَانَةً.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ: يُقَالُ: مَا زَالَ ذَلِكَ مَرَنِي، وَدَيْدَنِي، وَعَادَتِي، وَكُلُّهُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ: مَرَنَتْ يَدُهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَقَدْ أَكْنَبَتْ، قَالَ الرَّاجِزُ: قَدْ أَكْنَبَتْ كَفَّاكَ بَعْدَ لِينِ وَهَمَّتَا بِالصَّبْرِ وَالْمُرُونِ
وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي بِشْرُ بْنُ حَيَّانَ بْنِ بِشْرٍ الْقَاضِي أَبُو الْمُخَارِقِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي عَلِيُّ بْنُ جَبَلَةَ الْعَكُوكُ لِنَفْسِهِ.
خُذْ لِلَّيَالِي أُهْبَةً لِلْمَجْدِ وَامْرُنْ عَلَى الْهَوْلِ مُرُونَ الْعَبْدِ
مَا الْمَالُ إِلَّا تَحْتَ ثَوْبِ الْكَدِ بَانَتْ تُلَاحِينِي لِفَرْطِ الْوَجْدِ
وَحَذَرَتْ عَلَيَّ مَا لَا يَجْدِي لَا تُذْهِبِي عَدْوَكِ فِي التَّعَدِّي
إِنْ تُوطَئِي الْعَجْزَ فَحَزْمِي عِنْدِي وَالدَّلْوُ لَا تَجْبِي جَبَاةَ الْوِرْدِ
إِلَّا بِفَتْلٍ مَرِسٍ وَحَصْدِ مَا الْمَالُ إِلَّا مِقْدَحِي وَزَنْدِي
وَعَلَلٌ بَيْنَ السُّرَى وَالْوَخْدِ بِكُلِّ بَوْعَاءِ الْخُطَا عَلَنْدِ
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ لِدُلَيْمٍ أَبِي زُغَيْبٍ، يَصِفُ صَقْرًا: أَحْمَرَ قَدْ مُرِّنَ كُلَّ التَّمْرِينْ
فَذَلَّ لِلْمَسْحِ بِهِ وَالتَّلْيِينْ
تَاحَ لَهُ أَعْرَفُ ضَافِي الْعُثْنُونِ
حَتْفُ الْحُبَارَيَاتِ وَالْكَرَاوِينْ
فَظَلَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ تَهْمِينْ
كَأَنَّ جَرَارًا هُذَامَ السِّكِينْ
جَزَّ لَهُ بِمِنْسَرِ أَفَانِينْ
جَزَّلَهُ: أَيْ قَطَّعَهُ، مُرِّنَ أَيْ ذَلَّلَ، تَاحَ لَهُ أَيْ عَرَضَ لَهُ، أَعْرَفُ، يَعْنِي: الصَّيَّادَ، ضَافِي الْعُثْنُونِ، أَيْ: طَوِيلُ اللِّحْيَةِ، وَالْأَوَاقِي: مَكَايِيلُ الزَّيْتِ، مُشَدَّدُ، وَقَدْ يُخَفَّفُ، وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ: - يَصِفُ غُئُورَ عُيُونِ الْإِبِلِ -. . . . . . . . . . . كَأَنَّهَا أَوَاقِي أَعْلَى زَيْتِهَا بِالْمَنَاصِفِ
انْتَهَى حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَيَتْلُوهُ: