لم يكن الْعَرَب أول من ابتكر تأليف المعجم بل سبقهمْ إِلَى ذَلِك الآشوريون والصينيون واليونان والهنود فقد وضع الآشوريون معجماتهم خوفًا على لغتهم من الضّيَاع فِي حِين تركُوا نظام الْكِتَابَة الرمزية الْقَدِيمَة مستعينين بذلك بنظام الإشارات المقطعية أَو الألفبائية ذَات الْقيم الصوتية وَبعد مُضِيّ زمن أبهم عَلَيْهِم معرفَة النظام الْجَدِيد فلجأوا إِلَى قَوَائِم عرفوها بطريقتهم الْقَدِيمَة وساعدهم على ذَلِك أَن لغتهم السومرية الْقَدِيمَة لم تكن قد انمحت بعد حَيْثُ أَن الكهنة كَانُوا يستعملونها فِي شعائرهم الدِّينِيَّة وعكفوا على جمعهَا فِي قَوَائِم محفورة على قوالت الطين وأودعوها مكتبة آشور بانيبال الْكَبِيرَة الَّتِي كَانَت بقصر قويو نجيل فِي نِينَوَى
[ ١٠ ]
٦٦٨ - ٦٢٥ قبل الميلاد ثمَّ اكتشفت هَذِه القوائم فِي أَعمال التنقيب العلمية فَصَارَت مصدرا مهما لتاريخ الآشوريين
٢ - وَعرف الصينيون المعجمات وأقدم مَا وضع مِنْهَا مُعْجم يوبيان لمؤلفه كويلي وانج وَقد طبع سنة ٥٣٠ بعد الميلاد ومعجم آخر اسْمه شوثان لمؤلفه هوشن وَقد طبع سنة ١٥٠ قبل الميلاد وَهَذَانِ المعجمان هما أساس معجمات الصين واليابان الْمُعْتَبرَة
٣ - وَعرف اليونانيون المعاجم قبل الْعَرَب أَيْضا وعكفوا على وَضعهَا بِكَثْرَة حَيْثُ ذكر اتنيوس خَمْسَة وَثَلَاثِينَ كتابا زَعَمُوا أَنَّهَا قد تكون معجمات وجميعها مفقودة بيد أَن الثَّابِت أَنهم عرفُوا المعجمات الَّتِي يخْتَص اغلبها بمفردات كتاب معِين أَو مَقْصُورَة على مؤلف أَو مَوْضُوع معِين
وأقدم المعجمات اليونانية الْقَدِيمَة مُعْجم يوليوس بولكس وَهُوَ كالمخصص لِابْنِ سَيّده مُرَتّب على الْمعَانِي والموضوعات ومعجم هلاديوس السكندري وَكَانَ فِي الْقرن الرَّابِع الميلادي وَوضع اريون الطَّيِّبِيّ حوالي ٤٥٠ بعد الميلاد مُعْجَمه الاشتقاقي وَقد طبع فِي ليبزج سنة ١٨٢٠ م وهز يشيوس السكندري الْقرن الرَّابِع الميلادي مُعْجم اللهجات والمحليات وامونيوس السكندري مُعْجم مَا اتّفق لَفظه وَاخْتلف مَعْنَاهُ وفاليريوس فيلكس عهد السَّيِّد الْمَسِيح
[ ١١ ]
معجما عنوانه فِي مَعَاني الْأَلْفَاظ
٤ - عرف الهنود الْعَمَل المعجمي أَيْضا فقد وضعُوا معجمات لألفاظ اللُّغَة السنسكريتية مرتبَة على الْحُرُوف وَقد نسب إِلَى هَذِه اللُّغَة أَنَّهَا كَانَت ترَتّب حروفها بِحَسب مخارجها
وأقدم المعاجم الْكَامِلَة فَهُوَ مُعْجم امارسنها الَّذِي اشْتهر باسم اماراكوسا الَّذِي وضع قبل الْقرن السَّادِس الميلادي وَهُوَ مُعْجم مترادفات فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب ألحق فِيهِ فصل عَن الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ وَآخر عَن الْكَلِمَات غير المتصرفة وكلمات التَّذْكِير والتأنيث وَقد رتب الْمُؤلف جُزْء المترادفات بِحَسب الموضوعات وجزء الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ بِحَسب الْحُرُوف الساكنة فِي أَوَاخِر كَلِمَاته وَوضع ساسفانا مُعْجَمه الْخَاص بالمشترك اللَّفْظِيّ حوالي بداية الْقرن السَّادِس ورتب الموضوعات الَّتِي على أساسها وضعت الْكَلِمَات ترتيبا عجيبا فقد شرح أَولا الْكَلِمَات الَّتِي تحْتَاج لبَيَان مَعْنَاهَا إِلَى بَيت كَامِل ثمَّ الْكَلِمَات الَّتِي تحْتَاج نصف بَيت ثمَّ تِلْكَ الَّتِي تحْتَاج إِلَى ربع بَيت
أما الْعَرَب فَلم يعرفوا المعاجم لأَنهم كَانُوا أمة أُميَّة وَلم تكن حَاجتهم دَاعِيَة إِلَى تأليف مُعْجم حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فدعَتْ الْحَاجة إِلَى أَن يسْأَلُوا عَن مَعَاني الْكَلِمَات ذَات الِاصْطِلَاح الْجَدِيد كَمَا كَانُوا
[ ١٢ ]
يسْأَلُون عَن بعض الْكَلِمَات الَّتِي استغلق عَلَيْهِم فهم مَعْنَاهَا
هَذِه هِيَ أهم ملامح تَارِيخ المعجم لَدَى الْأُمَم الَّتِي سبقت الْعَرَب إِلَى وضع معجماتها وَلكنهَا لم تسبقهم إِلَى الابتكار وَلم تسد عَلَيْهِم بَاب الإبداع الَّذِي ظلّ مشرعا ويظل إِلَى الْأَبَد لِأَن الابتكار وإبداع ليسَا ملكا لأمة أَو وَقفا على أُخْرَى وَقد رَأينَا من الْأَوْصَاف الموجزة الَّتِي وصفت بهَا معجمات الْأُمَم الْقَدِيمَة هَذِه أَنَّهَا تخْتَلف اخْتِلَافا كَبِيرا عَن المعجمات الْعَرَبيَّة منهجا ومادة واستيعابا وترتيبا
[ ١٣ ]