لقد صرح المُصَنّف فِي مُقَدّمَة الراموز بِأَنَّهُ رَاعى الِاخْتِصَار فِي كِتَابه وَذَلِكَ بِحَذْف الشواهد والأمثال إِلَى أخر مَا قَالَ ولكننا نلاحظ أَنه كثيرا مَا يستشهد بالشعر مِمَّا يُخَالف منهجه الَّذِي رسمه لنَفسِهِ فِي الْمُقدمَة وَمهما يكن من أَمر فَأَنَّهُ قد اسْتشْهد فِي هَذَا الْجُزْء الثَّالِث بِمَا يزِيد عَن سبعين وَمِائَة شَاهد من الْأَشْعَار وَكَانَ منهجه فِي الاستشهاد بهَا قَائِمَة على عدَّة أُمُور نجملها فِيمَا يَلِي
أ - أول مَا تلاحظه أَن أَكثر الشواهد الَّتِي ذكرهَا جَاءَت بِدُونِ عزو أَو نِسْبَة إِلَى قَائِله فَكَانَ يَكْتَفِي بِأَن يَقُول وَقَوله كَذَا أَو قَالَ كَذَا الخ ونستعرض الْآن بعض الْأَمْثِلَة
فِي مَادَّة رفل وَمِنْه رفاته فترفل أَي سودته ورأسته قَالَ
(إِذا نَحن رفلنا امرا سَاد قومه وان لم يكن قبل من ذَلِك يذكر)
[ ١١١ ]
وَقَالَ فِي مَادَّة رتم والرتيمة خيط يشد فِي الإصبع لتستذكر بِهِ الْحَاجة وأرتمها شدها فِي إصبعه قَالَ
(إِذا لم تكن حاجاتنا فِي نفوسكم فَلَيْسَ بمغن عَنْك عقد الرتائم)
ب - وَأَحْيَانا نجده يَعْزُو الْبَيْت إِلَى قَائِله وَلَكِن ذَلِك لَيْسَ بالكثير كَقَوْلِه فِي مَادَّة رمل
- وَلَا يُقَال شيخ أرمل إِلَّا أَن يَشَاء شَاعِر تمليح كَلَامه كَقَوْل جرير يُخَاطب عمر بن عبد الْعَزِيز
(هَذِه الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا فَمن لحَاجَة هَذَا الأرمل الذّكر)
ج - وَفِي بعض الأحيان نجد المُصَنّف لَا يذكر الْبَيْت بكامله بل يَكْتَفِي بالشطر الَّذِي فِيهِ الشَّاهِد كَقَوْلِه فِي مَادَّة علل وَمِنْه قَوْله
(وَلَا تبعديني من جناك الْمُعَلل )
- وَفِي مَادَّة قسم والتقسيم التَّفْرِيق وَقسمت فِي قَوْله
[ ١١٢ ]
(نقسم مَا فِيهَا وان هِيَ قسمت )
أَي عَمت فِي الْقسم
_ وَقَوله فِي الْمَادَّة ذَاتهَا
وَكَانَ فارة تَاجر بقسيمة الخ
د - وَقد يَكْتَفِي المُصَنّف بِالْإِشَارَةِ إِلَى اللَّفْظَة فِي بَيت من الشّعْر دون أَن يذكر الْبَيْت كَقَوْلِه
فِي مَادَّة رَحل الراحولات فِي قَول الفرزدق الرحل الموشي أه ويقصد قَوْله
(عَلَيْهِنَّ راحولات كل قطيفة من الْخَزّ أَو من قيصران علامها)
وَكَقَوْلِه فِي مَادَّة حكم والمحكم كمحدث فِي شعر طرفَة هُوَ الشَّيْخ المجرب الْمَنْسُوب إِلَى الْحِكْمَة وَغلط الْجَوْهَرِي فِي فتح كَافَّة أهـ
(لَيْت الْمُحكم والموعوظ صوتكما تَحت التُّرَاب إِذا مَا الْبَاطِل انكشفا)
هـ - وَقد يستشهد بِالْبَيْتِ من شعر لتوضيح معنى لغَوِيّ كَقَوْلِه
[ ١١٣ ]
- فِي مَادَّة فطحل قَالَ الفطحل زمن لم يخلق النَّاس فِيهِ بعد قَالَ الْجرْمِي سَأَلت أَبَا عُبَيْدَة عَنهُ فَقَالَ الاعراب تزْعم أَنه زمن كَانَت الْحِجَارَة فِيهِ رطبَة وَأنْشد للعجاج
(انك لَو عمرت الحسل أَو عمر نوح زمن الفطحل)
(والصخر مبتل كطين الوحل كنت رهين هرم أَو قتل)
- فِي مَادَّة هركل قَالَ والهركلة من مَاء الْبَحْر حَيْثُ تكْثر فيهم الأمواج قَالَ
(رأى من دونهمَا الغواص هولا هراكلة وحيتانا وتاونا)
(وأوضح من ذَلِك قَوْله فِي لمَم واللمم صغائر الذُّنُوب وَقد ألم قل
(إِن تغْفر اللَّهُمَّ اغْفِر جما وَأي عبد لَك لَا الما)
ووَقد يستشهد بِالْبَيْتِ من الشّعْر على مَسْأَلَة نحوية
- فَهُوَ مثلا يستشهد على اسْتِعْمَال حاشا فعلا ينصب مَا بعده بقول النَّابِغَة
(وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ وَمَا أحاشي من الأقوام من أحد) وَأنْكرهُ سِيبَوَيْهٍ وَأَجَازَهُ الْمبرد
[ ١١٤ ]
واشارته فِي مَادَّة أنن إِلَى أَن بَعضهم ينصب بِأَن الاسمين قَالَ الشَّاعِر
(إِذا السود جنح اللَّيْل فلتأت فلتكن خطاك خفافا أَن حراسنا أسدا)
- ز أَو يستشهد بِهِ على مصطلح عرُوض كَقَوْلِه فِي وصل وحرف الْوَصْل فِي اصْطِلَاح أهل القوافي الَّذِي بعد الروى لِأَنَّهُ وصل حَرَكَة حرف الروى يكون أَرْبَعَة أحرف الْألف الْوَاو وَالْيَاء وَالْهَاء كَقَوْلِه
(سقيت الْغَيْث أيتها الْخيام )
وَقَوله
(منازلة كَانَت من الْأَيَّام )
وَقَوله
(فَمَا زلت أبْكِي عِنْده واخاطبه )
وَقَوله
(إِذا مَا رأتنا زَالَ مِنْهَا زويلها )
[ ١١٥ ]
فالميم وَالْبَاء وَاللَّام روى وَالْوَاو وَالْيَاء وَالْهَاء وصل هَذَا مُجمل منهجه فِي الاستشهاد بالشعر وَأَن كَانَ ذكر الشّعْر هُنَا مُخَالفا لما اشْتَرَطَهُ على نَفسه فِي الْمُقدمَة كَمَا سبق القَوْل