فمنها المواقيت: الصلاة الاولى: يقال لها الظهر.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ١ يقال: أظهر القوم: إذا دخلوا في وقت الظهر أو الظهيره وذلك حين تزول الشمس.
وأما العصر: فانما سميت عصرا باسم ذلك الوقت والعرب تقول: فلانا يأتي فلانا العصرين والبردين إذا كان يأتيه طرفي النهار والعصران هما الغداة والعشى قال الله ﷿:
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ٢.
دخلت الصلوات الخمس في طرفي النهار وزلف الليل فصلاة طرفي النهار: صلاة الصبح وصلاة الظهر والعصر فجعل النهار ذا طرفين أحد طرفيه الغداة وفيها صلاة الصبح وحدها والطرف الاخر العشى وفيه صلاتا العشى والعشى عند العرب ما بين أن تزول الشمس إلى أن تغرب كل ذلك عشى والدليل على ذلك ما روى عن أبو هريره ﵁ حيث يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ احدى صلاتي العشى أما الظهر وأما العصر فجعلهما صلاتي العشى فافهم ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فانه أراد صلاة المغرب وصلاة العشاء الاخره وسماها زلفا لانهما في أول ساعات الليل واقربها واصله من الزلفى وهي القربى وازدلف اليه: اقترب منه وواحد الزلف زلفة وقال:
_________________
(١) سورة الروم الآية ١٨.
(٢) سورة هود الآية ١١٤.
[ ٤٩ ]
طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا١
[احقوقف الهلال: أي اعوج ورق ومنه الحقوقف الهلال إذا دق في آخر الشمال] ٢. نصب سماوة الهلال بقوله: طي الليالي اوقع الفعل من طي على سماوه فصارت مفعولا به وقوله: "طي الليالي": أي كطي الليالي وقوله: "زلفا" فزلفا أي ساعات يعد ساعات متقاربه وسماوة كل شيء اعلاه وإنما سمي السماء سماء لانها فوقنا احقوقف الهلال: أي اعوج ودق ومنه احقوقف الهلال إذا دق في آخر الشمال.
وقيل في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ ٣: إنه صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ٣ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ ٤ العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٤ الظهر.
وقال في موضع آخر: ومن بعد صلاة العشاء وهي التي كانت العرب تسميها العتمه فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: "لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء فانما يعتمون بالايل" ٥ أي: يؤخرون ردها من المراعي وإنما سموها عتمه باسم عتمة الليل وهي ظلمة اوله واعتامهم بالابل انهم إذا راحت عليهم النعم بعد المساء أناخوها ولم يحلبوها حتى يعتموا أي يدخلوا في عتمة الليل وهي ظلمة وكانوا يسمون تلك الحلبه عتمه باسم عتمة
_________________
(١) الشطران للعجاج، كما في "ديوانه" ٤٩٦ والكتاب ١/١٨٠ وشرح شواهده للشنتمري ١/١٨٠ وللنحاس ص ١٠٥ والكامل ١/١٥٠ ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/٣٠٠ والطبري ١٢/٧٧ واللسان زلف وحقف وقيل الشطرين: ناج طواه الأين مما وجفا وانظر تفسير هذه الأشطار في " الكامل" ١/١٥١ وسيأتي تفسيره للمصنف والشطر الثاني في "أساس البلاغة" حقف.
(٢) ما بين المعوقين زيادة من هامش المخطوط.
(٣) سورة الروم الآية ١٧.
(٤) سورة الروم الآية ١٨.
(٥) صحيح: أخرجه أحمد ٢/١٩، ٤٩، ١٤٤ ومسلم وغيره من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٥٠ ]
الليل ثم قالوا لصلاة العشاء عتمة لأنها تؤدى في ذلك الوقت.
وأما قوله ﷿: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ١ فانه امر باول الصلوات الخمس في هذه الآية كما أمر به في الاية التي فسرناها قبلها. فدلوك الشمس زوالها وهو وقت الظهر وقيل دلوكها غروبها والذي عندى فيه انه جعل الدلوك وقتا لصلاتي العشى وهما الظهر والعصر كما جعل احد طرفي النهار وقتا لهما. وفي هاتين الايتين اوضح الدليل على أن وقتهما واحد كما روى ابن عباس أن النبي ﷺ صلاهما في وقت واحد من غير خوف ولا سفر فقال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يريد وقت صلاتي المغرب والعشاء الاخره وهذا دليل على أن وقتهما واحد في الضرورات والغسق ظلمة الليل وقد غسق يغسق أي أخر الأذان إلى أن يغسق الظلام على الأرض وأراد بقران الفجر سماها قرآنا لأن القرآن يقرأ فيها وهذا من أبين الدليل على وجوب القراءة في الصلاة والفجر سمى فجرا لانفجار الصبح وهما فجران فالاول منهما مستطيل في السماء يشبه بذنب السرحان وهو الذئب لأنه مستدق صاعد غير معترض في الافق وهو الفجر الكاذب الذي لا يحل أداة صلاة الصبح فيه ولا يحرم الاكل على الصائم.
وأما الفجر الثاني فهو المستطير الصادق سمي مستطيرا لانتشاره في الافق قال الله ﷿: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ٢ أي منتشرا فاشيا ظاهرا.
وأما قوله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٣ فان الخيط الأسود هو الفجر الأول الذي يقال له الكاذب سمي أسود لاسوداد الأفق حوالي الخيط المستدق صاعدا.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية ٧٨.
(٢) سورة الإنسان الآية ٧.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٧.
[ ٥١ ]
وأما الخيط الأبيض فهو الفجر الثاني سمي أبيض لانتشار البياض في الأفق معترضا وقال أبو دواد الأيادي١:
فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا٢
أراد الفجر الثاني بقوله: خيط أنارا لأنه جعله منيرا وقرنه بالسدفه وهي اختلاط الضوء والظلمه معا وأما الشفق فهو عند العرب الحمره وروى سلمة عن الفراء انه قال: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان احمر قال: فهذا شاهد وفي حديث عائشه ﵂ انها قالت: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الصبح ثم ننصرف متلفعات بمروطنا ما نعرف من الغلس"٣.
فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن، ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به.
وأما المروط فهي أكسيه من صوف أوخز كن النساء يتجلببن بها إذا برزن واحدها مرط والغلس والغبس والغبش بقية الظلام في آخر الليل ومنه يقال: خرج فلان بغلس وقد غلس إلى حاجته. وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح وعليه بقية من ظلمة الليل.
وأما الإسفار: فهما إسفاران:
أحدهما: أن ينير خيط الصبح وينتشر بياضه في الأفق حتى لا يشك من رآه أنه الصبح الصادق.
_________________
(١) في المخطوط: "أبو داود" وهو تحريف وانظر ترجمته في "الشعر والشعراء" "١/١٦١. وهامشه.
(٢) البيت في "الأصمعيات" "٢٨" والطبري "٢/١٠٢" ومختار القرطبي "ص ١٣٠" واللسان "خيط" من كلمة يصف فيها فرسا خرج عليه للصيد، ووقع في الأصمعيات: " خير أنارا" ولا معنى لها والسدفة: ظلمة الليل وهي لغة نجد وهي أيضا اختلاط الضوء والظلمة جميعا كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أول الأسفار ولاح: بدا وظهر من بعيد والخيط: اللون هنا ويكون ممتد كالخيط.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري "٢/ ٢٨٨" في صفة الصلاة - باب خروج النساء إلى المساجد باللي والغلس، ومسلم "٦٤٥/٢٣٢" ومالك في "الموطأ" "١/٥" من حديث عائشة ﵂.
[ ٥٢ ]
والإسفار الثاني: أن ينجاب الظلام كله ويظهر الشخوص ومنه يقال سفرت المرأة نقابها إذا كشفته حتى يرى وجهها ومنه قول الشاعر١:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها٢
وسفر فلان بيته إذا كنسه ووجوه يؤمئذ مسفرة أي: مضيئة منيرة ولقى فلان القوم بوجه مسفر لا عبوس فيه ولا كلوح وقيل للكتاب سفر لبيان وللذي يصلح بين القوم سفير لأنه يظهر بالصلح ما يكنه الفريقان في قلوبهم. والذي هو عندي في قوله ﷺ: "أسفروا بالصبح فانه أعظم للأجر" ٣، أن يصلي صلاة الصبح والفجر قد أضاء وانتشر حتى لا يشك فيه أحد والله أعلم قال الشافعي: "والوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهيه ووقت عذر وضرورة"٤ فالمقام الاقامة في الحضر والرفاهيه الفسحه والدعه يقال: فلان رافه وخافض ووادع إذا كان مقيما حاضرا غير مسافر ولا ظاعن وفلان في رفاهه من العيش ورفاهيه ورفهنيه إذا كان في خفض ودعة.
_________________
(١) هو: توبة بن الحمير.
(٢) البيت من قصيدة له في "ليلى الأخيلية" وهي في "أمالي القالي" "١/١٣٠ - ١٣١" والأغاني "١٠/٦٩ - طبعة بولاق" وتزين الأسواق "١ / ١١٥" والشعر والشعراء "١ / ٣٥٧" واللسان [برقع] وذم الهوى "٤٣٠ – لابن الجوزي" والفاضل للمبرد "٢٤" وغيرها من المصادر. ونسب إلى الشماخ في "الزهرة" "١/٣٢٤" وليس له. ونسب لمجنون ليلى ضمن كلمة له من "١٢" بيتا في "ديوانه" "القصيده" برقم "١٣٢" والأرجح أنه لتوبة. وأول هذه القصيدة: نأتك بليلى دارها لا تزورها وشطت نواها واستمر مريرها وتقدم منها بيت انظر هامش رقم "٥٤"..
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود "٤٢٤" والترمذي برقم "١٥٤" والنسائي "١/٢٧٢" وأبن ماجه "٦٧٢" وأحمد "٣/٤٦٥" والطيالسى "٩٥٩" كلاهما في "المسند" وغيرهم من حديث رافع بن خديج.
(٤) مختصر المزنى: "١/٥٥".
[ ٥٣ ]